حلم الصعود

الجمعة, 06 أكتوبر 2017 17:47

د. نيفين مسعد

ثقافة وفنون - ثقافة وفنون
طباعة

 

لا تعرف بالتحديد كم استمرت محاولتها الإفلات من هذا الحلم الذي استغرقَت فيه بالكامل، لم تكن تعي أصلا أنها تحلم حتى أتت اللحظة التي فتحت فيها جفنيها عنوة على الظلام الدامس من حولها فلم يُخِفها كالمعتاد ، بل بدا هذا الظلام أرفق بها من الأشعة الحارقة التي كانت تسلطها عليها شمس النهار وهي في غفوتها. انتشلَت نفسها من الحلم انتشالا ومع ذلك فإن مفارقتها الحلم لم تكن تامة، احتفظَت رغم يقظتها ببعض آثار صعودها المتعثر جبلا بلا منتهى، قلبها يخفق.. عرقها يتصبب.. ريقها يجف لكأنها فعلا كانت تعيش تجربة الصعود إلى القمة. استعاذت بالله من الشيطان الرچيم.. تناولت زجاجة المياه بجوارها وأفرغتها في جوفها وراحت تُطَمئن نفسها بأن ما مرت به انتهى.

 

في نصف حلم ونصف كابوس راحت تصعد جبلا شاهقا ينتصب في مكان غير مأهول، تتماسك وتتحامل وتوشك أن تبلغ الذروة فإذا بقوة مجهولة تدحرجها لأسفل أمتارا، لا تسقط ولا تيأس بل تفرد جناحيها أو ذراعيها لتتوازن وتواصل الصعود حتى إذا دنت من غايتها تدحرجت مجددا. تُكَرِر الأمر عدة مرات فلا هي تكف عن المحاولة ولا تراها بلغت المنتهى، أُجهِدت بشدة وتملكها رعبُ مقيم، وفِي لحظة معينة قررت أن تضع حدا لمعاناتها، احتدم الصراع داخلها ما بين النوم واليقظة، يغريها التحدي على مواصلة الحلم والصعود إلى أعلى وتترفق بها مخاوفها فتجذبها إلى أرض الواقع.. وأخيرا .. أخيرا جدا أفلتت بجلدها وصارت خارج إطار الوهم.

هي ليست من ذلك النوع من البشر الذين تتخمهم وجبة عشاء فيطاردهم على إثرها كابوس، أو ممن تتشابه عليهم السبل ثم يهتدون بعد صلاة استخارة إلى قرار. ليست من أولئك أو هؤلاء، ولا هي تعرف كيف تهرب إلى الأحلام أو فيها متى شاءت فالحلم فعل لا إرادي أو هكذا تفهمه. لذلك فإنها كثيرا ما كانت تٓعْجٓب من الشعراء إذ يُحّمِلون الأحلام فوق ما تحتمل فيخضعونها لإرادتهم ويذهبون بها إلى المدى الأبعد، فإذا بقيس لبنى يجعل من النوم رسولا يأتيه بمن يحب وقد تعذر عليه لقياه "وإني لأهوى النوم في غير حينه .. لعل لقاء في المنام يكون"، وإذا بمحمود درويش يُحوّل النوم إلى أداة لنسيان المحب "لا أنام لأحلم قالت له بل أنام لأنساك.. ما أطيب النوم وحدي"، وكأنه- أي محمود درويش- قادر بالفعل على تطويع نومه وإلانته لسلطانه إذ يقول " أنا حلمي أنا.. أنا أم أمي في الرؤي وأبو أبي وابني أنا "، وإذا بأحمد رامي يتخذ النوم رسولا للغرام.. وآه من شعر رامي حين تشدو به أم كلثوم قائلة " زارني طيفك في منامي جدد العهد اللي راح .. إنت طَوّلت ف خصامي وهو جه بالوجد باح"، وإذا بأحمد عبد المجيد يجعل النوم بشارة الحب ووعده قبل أن تتنبه له المشاعر وتتفتح على روعته المسام " أنا زارني طيفك في منامي قبل ما احبك .. طمعني بالوصل وسابني وأنا مشغول بك". هكذا تغدو للنوم والأحلام ألف وظيفة ووظيفة: وصلاً وهجرا وبشارة وتمردا، أما نزار قباني حيث كثيرا ما يختلط في شعره الحب بالسياسة فإن الأحلام تبدو في بعض قصائده مستحيلة لأن " مباحث أمن الدولة تلقي القبض على الأحلام .. وترسل أهل العشق إلى المنفي"، يستوي في ذلك أن نفهم أحلام نزار على أنها أحلام يقظة أم أحلام المنام فالمهم أن يد البطش قادرة على أن تطول تلك الأحلام وأن تفرض على أصحابها الواقع الصعب فرضا.

قليلة هي أحلامها، بل قليلة جدا، في لحظات معينة كانت تتمنى أن تضع رأسها على وسادتها لترى وجه أبيها.. كانت تحتاج أن تستدرك معه فعل ما فاتها أن تفعله في حياته فلم يكن يجئ أبدا، وحين كان الأخوة أو الأعمام يفاجئونها بأن طيفه آنسهم في المنام كانت تشعر بتقصير شديد لأنه قٓبِل دعوتهم للزيارة وهي لا تعرف أبدا كيف تدعوه.. وتدريجيا لانت واستكانت إلى أنه لا دخل لها في أحلامها. في المرات القليلة التي كانت تراودها أحلام كانت تتوحد معها بالكلية كمثل هذا الحلم الذي راحت تحاول فيه بلوغ قمة الجبل دون جدوى، وكان هذا يرهقها، المعاناة في الحلم ترهقها بالتأكيد.. لكن أيضا السعادة في الحلم كانت ترهقها لأنها وقتية ومزيفة وتصحو منها على واقع مختلف. في ذاكرتها قصة فيلم شهير كان فيه اندماج البطل مع أحلامه اندماجا تاما، فإن صارع خصومه في الحلم اشتبك معهم وزمجر ولم يتركهم إلا وقد حقق عليهم نصرا مؤزرا. بلغ به الأمر أنه كان يضع سلاحا تحت وسادته حتى إذا نساه يوما وانتقل من الخدر اللذيذ إلى السبات العميق لم يجد ما يدافع به عن نفسه، نفَذَت طعنات غادرة إلى قلبه وأشرقت عليه الشمس وهو جثة هامدة. تضحك في داخلها وهي تذكر أغنية محمد منير التي تحبها كثيرا " لو بطلنا نحلم نموت "، وتُحدِث نفسها قائلة: أحيانا يحدث العكس يا منير.. " ولو فكرنا نحلم نموت" كحال بطلنا في الفيلم إياه.

 

د. نيفين مسعد

أستاذة في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة

 

 

شاهد مقالات د. نيفين مسعد