من الوعي الذاتي إلى الوعي المشترك : هابرماس والفلسفة التواصلية

الأحد, 01 أكتوبر 2017 15:17 سعدي العنيزي ثقافة وفنون - ثقافة وفنون
طباعة

 

 

تأسس في الثالث من فبراير عام ١٩٢٣م بفرانكفورت بألمانيا معهد الأبحاث الاجتماعية والذي عُرف فيما بعد بمدرسة فرانكفورت، والذي ضم مجموعة من المثقفين كان يرأسهم في البداية أستاذ القانون الدولي والعلوم السياسية في جامعة فبينا كارل غرونبرغ أحد أبرز زعماء المدرسة الماركسية " وكانت مهمة المعهد تنحصر في تعبيد الطريق النظري للمساهمة في الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية ". ولكن بتغيّر الإشراف على المعهد بقيادة ماكس هوركهايمر في سنة ١٩٣١م، أخذ المعهد وجهة جديدة مغايرة لما كانت عليه في السابق، " بحيث لم يعد الاهتمام منصباً فقط على نقد الاقتصاد السياسي كأداة تحليل للمجتمع الرأسمالي كما كانت ترى الماركسية، بل اعتمد مقاربات تركيبية تقوم على ربط الفلسفة بالعلوم الاجتماعية والإنسانية. وهي بمثابة الانطلاقة الحقيقية التي أفرزت لاحقاً ما عرف باسم ( النظرية النقدية ) ".

 

والذي هو يعد " مشروع مزدوج تمثلت أولى حلقاته من ناحية في بلورة فلسفة اجتماعية تتعاون مع تخصصات مختلفة، بهدف إغناء موضوعها وإشكالياتها من ناحية أخرى. "

" تمثلت غاية هذا المشروع المزدوج في الربط بين الفلسفة والعلوم الإنسانية والاجتماعية بطريقة محكمة ".

ويعتقد ممثلوا المعهد ان مشروع الأنوار أنحرف عن مساره بالإداة نفسها التي أستهل بها مشروعه وهو العقل، فالعقل بات عقل أداتي وهو الذي يستخدم فقط كأداة لتحقيق هدفه وبلوغ مراده فهو عقل براغماتي، من غير اكتراث بمضمون ما ينتجه من سلبيات في المجتمع، أي ان " العقل اختزل إلى مجرد آلة خالية من الحيوية والإبداع، آلة مستلبة تهتم بمواضيع ثانوية ".

إن النظرية النقدية أستندت إلى عدة مصادر في مشروعها النقدي، فهي بالإضافة إلى التأثيرات الماركسية، أخذت بعض أفكارها من هيجل وفرويد وشبونهاور ونيتشه ودلتاي ، بالإضافة إلى انها قامت بنقد بعض الاتجاهات الفلسفية الأخرى السائدة مثل " الوضعية " و " البراغماتية ".

وفي الحقيقة ان نقدهم لم يوجه إلى التنوير نفسه وليس إلى العقل أيضاً، وإنما هو موجه إلى المبالغة في استخدامهما، وإساءة فهمهما.

أما يورغن هابرماس المولود ( ١٩٢٩ ) والذي يعتبر من أهم الفلاسفة المعاصرين فهو من الجيل الثاني لهذا المعهد، بل يعتبر من أهم الفلاسفة المعاصرين المدافعين عن الحداثة والذي يقف في الطرف الآخر من نقاد الحداثة أمثال ميشيل فوكو وجاك دريدا وجيل دولوز وليتوار وبودرياد، والذي يعتبر مشروع الحداثة في نظره لم ينجز بعد.

وللخروج من المأزق الذي وصلت إليه الحداثة أبتكر هابرماس ما يسمى بفلسفة التواصل، هذه الفلسفة التي تشمل المجتمع والأخلاق والسياسة، استقى هابرماس مشروعه التواصلي من عدة مصادر، فهو أخذ من ماركس ولكنه أعاد بناء نظريته المادية التاريخية سوسيولوجياً للتمييز بين العمل والتفاعل " فليست فقط القيم المادية ( الاقتصادية ) هي ما ينتجه الناس ويتبادلونه.. ولكن هناك أيضاً قيم معيارية رمزية تخضع لنفس فعلي الانتاج والتبادل هو مجال التفاعل ".

وكذلك أخذ بعض الأفكار من عدد من علماء الاجتماع وخاصة ماكس فيبر، والفيلسوف الالماني الكبير هيجل والذي أخذ عنه فكرة الاعتراف المتبادل بين الذات والآخر، واخذ من هوسرل فكرة العالم المعيش، حيث يميز هوسرل بين نوعين من الحقائق وبين نوعين من العوالم. فهناك حقائق العالم المعيش وهناك أيضاً حقائق العالم الموضوعي، وأخذ من كانط " مفهوم الكلية الأخلاقية لتأسيس أخلاقيات المناقشة بديلاً عن أخلاقيات الواجب وأخلاقيات المنفعة " أما على المستوى السياسي " فوظّف هبرماس الفضاء العمومي " وأخذ من أوستن وسيرل وفيتنغشتين فلسفة اللغة العادية، وخاصة نظرية أفعال الكلام لدى أوستن وسيرل.

إن إنتشار التنوير الجماعي في رأي هابرماس يرتكز على استعمال عمومي للعقل، وتبادل حرّ للأفكار والآراء سواء بطريقة شفوية أو كتابية، ويرتكز على استخدام اللغة بالشكل الصحيح. يقول هابرماس " أن " ملفوظاً ما لا يكون حقيقياً إلا إذا ترجم حالة من الأشياء الواقعية، أو ترجم واقعاً "، ويقول في موضع آخر "يتجلى الاستعمال العام للكلام في نقل خطابنا النفسي إلى خطاب لغوي، أو تجسيد أفكارنا في كلمات متوالية " " إن الحقيقة كما يفهمها هابرماس قولٌ لا واقع، استدلال وليست تجربة ".

إن معنى الكلام وفق هابرماس والذي أخذه من جوتلوب فريجة، ليس في العالم الخارجي ولا في النفس وإنما في عالم ثالث، هو عالم المفاهيم، والذي يتم عن طريق التداول.

أما الشروط التداولية التي تعد أساساً للتواصل الواضح والسليم وفق هابرماس فهي :

الصدق، المصداقية ( الدقة )، الصلاحية المعيارية، المعقولية .

ووفق حسن مصدق في كتابه ( يورغن هابرماس ومدرسة فرانكفورت ) في شرحه لهذه الشروط. الشرط الأول يحيا بالعلاقة بين اللغة والعالم الخارجي لأن اللغة تعبير عن أحداث أو وقائع موضوعية في العالم الخارجي، وهي موجودة بالفعل في دنيا الكائنات. وكلما جاء القول متطابقاً مع الوقائع حصل الإدراك وتم الفهم. أما الشرط الثاني فيحيل إلى مصداقية الذات المتكلمة عندما تتحدث عن موضوع ما. في حين يهتم الشرط الثالث بالصلاحية المعيارية التي تندرج في علاقة اللغة بعالم القيم والحياة الإجتماعية وما يشوبها من معتقدات وأحكام، أما المعقولية يتم إنجازها بفعل جملة مركبة تركيباً صحيحاً تحترم قواعد اللغة المستعملة.

يقول حسن مصدق، يمكن اعتبار فلسفة التواصل المعيارية هاته على نقيض من الماركسية التي أولت مركز الصدارة للبناء التحتي الاقتصادي في تشكيل البناء الفوقي ورفضاً لليبرالية ونزعتها الغائية الكامنة في الربح والمردودية.

هذه الشروط التداولية للتواصل ترتكز كذلك وفق هابرماس على أخلاقيات التواصل في المناقشة .

يقول هابرماس، لقد غدا التواصل الصوت الوحيد القادر على توحيد عالم فقد مرجعياته. لنتواصل ولنتواصل بالأدوات والتقنيات التي تضعف التواصل نفسه. هذا هو جب التناقض الذي وضعنا فيه.

سعدي العنيزي

المراجع : حسن مصدق ( يورغن هابرماس ومدرسة فرانكفورت.

عمر مهيبل( إشكالية التواصل في الفلسفة الغربية المعاصرة ).

محمد بكاي ( أرخيبلات ما بعد الحداثة ).

نور الدين علوش ( فلسفة السلطة السياسية عند هابرماس ).

 

سعدي العنيزي

كاتب سعودي

 

 

شاهد مقالات سعدي العنيزي