فلسفة الطبقة المتوسطة السورية

الخميس, 28 سبتمبر 2017 16:05

محمد عارف

ثقافة وفنون - ثقافة وفنون
طباعة

 

«البنية المعرفية للإنسان لا تسمح بمعرفة موضوعية، لأن الإنسان يعرف بحكم طبيعة مخه، فمعرفته إنسانية، وبها يقدم فرضيته ومنهجه وأدواته وبراهينه». يكتب ذلك «عماد فوزي شعيبي» أستاذ «الإبستمولوجيا» (علم المعرفة) في جامعة دمشق، ويوضح في صفحته على «الفيسبوك» أن «الموضوعية وهم من أوهام الثنائيات التعسفيّة التي يمضغها الإنسان كي يصطنع لنفسه مكاناً تحت شمس الوجود المفروض. ولهذا لا تستحق فكرة أن تقول إنها لامست جوهر الأشياء (لاختلاف الهوية). فالبرتقالة لا تدرك الصاروخ، والإنسان لا يدرك المادة، ولا الكون، ولا الله.. إنه لا يدرك إلا ما يتصل به، وما يصنعه، ويضفيه على العالم».

 

هذه فلسفة بقاء الطبقة المتوسطة السورية، يكشفها حوار «شعيبي» في صفحته على «الفيسبوك» مع قرائه، ومعظمهم نساء. «سلوى سليمان» تسأله: «إذن، لماذا وُجدت الموضوعية، وما الغاية منها؟»، فيجيب: «حيلة بشرية للإيهام بالتمايز عن الوجود». وترى «رشا شعبان» أن «الإنسان يدرك ما يعنيه وما يمثل أمامه بوصفه موضوعاً له». وتترى علامات استفهام «أريج سلمان» متسائلة «من خلق تلك المفاهيم إذن، مثل الموضوعية؟ ولماذا نشأنا عليها كمعيار أخلاقي؟». وتذهب مداخلة «ميلاد الحصن» حدّ القول بأننا «نعيش وهم الإدراك، ونركن إلى تلك الزاوية المظلمة التي نظن فيها أننا نعرف من أين أتينا، وإلى أين نذهب، ننتشي فيها بوهمنا تاركين السهول الفسيحة والفضاءات الرحيبة». وتنتهي «إلهام جبور» إلى أنه «يكفي أن ندرك ما يهمنا وما يعنينا في هذه الحياة المعقدة، لإنه لا ينقصنا تعقيد وتعب، ولا تهمنا المادة إلاّ بقدر حاجتنا لها، ولا الكون».

ويقع «شعيبي» أسير آسراته، فيؤلف كتابين منشورين بالإنجليزية: «كيف تفكر الأنثى» و«تصادم الذكر والأنثى»، يتناول فيهما تأثير تركيب «مخ» المرأة وهرموناتها على سلوكها وتفكيرها. و«الاختلاف بين الرجل والمرأة يبدأ منذ مرحلة انقسام الخلايا وتكوّن الجنين داخل الرحم، حيث يتحدد نوع دماغ المولود أنثوياً أو ذكرياً».

ويذكر شعيبي أن «أكبر خطأ يرتكبه الرجل هو الطلب من الأنثى أن تفكر مثله، أي كرجل». ويستعين بعلوم النفس، والاجتماع، والطب، والتشريح والبرمجة العصبية اللغوية، مستخلصاً أن «طبيعتي الرجل والمرأة مختلفتان تماماً، ولتحقيق التناغم على كليهما إدراك أنهما يفكران بشكل مختلف، ويتحدثان أيضاً بلغتين مختلفتي البنية».

و«الأنثى الخالدة تسحبنا إلى الأعلى»، كما قال ذلك الشاعر الألماني «غوته». وسُحب «شعيبي» عالياً من «فيزياء الكوانتوم»، وهي أداة بحثه «سوريا من مطالب الإصلاح إلى مخاطر تفكيك الكيان»، والذي عرضناه في مقال «لحظة الكوانتوم العربية» المنشور هنا في نوفمبر 2015. وتَعرَض «شعيبي» بسبب بحثه الذي قدّمه في ندوة «مركز دراسات الوحدة العربية» ببيروت، لهجوم ممثلي النظام السوري وخصومه على حد سواء. «لأن سوريا المروعة أضحت موضوعاً للندب وتبادل الاتهامات والتخوين، وكل تفسير لأحداثها خارج نظريات المؤامرة، مشكوك فيه، بل مشكوك بقائله». وبلغ الأمر بباحثة لبنانية مشاركة في الندوة حدّ اتهام المثقفين العرب باستمراء «الجلوس على الخازوق» لانغماسهم في تفسير الأحداث بتحولات جيوسياسية، أو تطورات علمية وتكنولوجية عالمية.

وشعيبي يحمل «الخازوق» إلى الشوارع، حيث يلقي محاضرات معروضة في «يوتيوب»، ويستعيد بذلك طريقة فلاسفة الإغريق «المشّائين»، وأبرزهم «أرسطو»، الذي يقول: «خلال أكثر لحظاتنا ظلاماً ينبغي علينا التركيز لرؤية الضوء».

وشعيبي يركز بفلسفته على الضوء: «اشترِ حُلماً، ولو وهماً، تنام عليه. تستيقظ في الغد تبحث عما إذا كان قد تحقق، وعندما تكتشف أنه سراب فعاوِد الشراء، كي لا تغادر الحياة حاملاً معك خيبات أملك المسترسلة في هذه الأرض اليابسة التي تُصرّ على استئجال المسافة بين الدعاء والرجاء».

 

محمد عارف

مستشار في العلوم والتكنولوجيا- كاتب عارقي

 

 

شاهد مقالات محمد عارف