ادعاء الفهم ونظرية التحطيم العربية

السبت, 01 سبتمبر 2018 10:34

د. فايز رشيد

قضايا ومناقشات - قضايا ومناقشات
طباعة

 

 

اعتدنا في العالم العربي, للأسف, أنه إذا ما اجتمع بعض الناس في ديوان أو جمعية, وكان بين الحضور طبيب أو مهندس بناء أو أستاذ تاريخ, وجرى طرح سؤال من أحد الجالسين عن أحد المواضيع الثلاثة السابقة, يبدأ الحاضرون في الجهر بآرائهم في الجواب عن السؤال المطروح , ناسين أو متناسين, وجود الكفاءة صاحبة الاختصاص, في الرد على السؤال المطروح يفتون وهم لا يعرفون, وينسون الكفاءات المختصة. هؤلاء يدّعون الفهم . صحيح أن الحياة هي المدرسة الأكبر, وهي كانت في زمن مضى مصدرا للتجارب المختلفة. لكن الحياة تتطور, وكذلك هي العلوم والتكنولوجيا والتخصصات, التي أصبحت تشمل المئات من التخصصات الفرعية الصغيرة, فلو أخذنا تخصص الاقتصاد مثلا! فكم من تخصص فرعي فيه؟ الحقيقة الأخرى, أن المتخصص الذي يحاول سبر أغوار تخصصه بالدراسة والمعرفة لن يبلغ الأوج في معرفة كل أسرار تخصصه, فكلما بلغ العلو فيه, يدرك كم هي ضئيلة معارفه, وأن عليه أن يتابع كلّ مستجد في تخصصه على مدى حياته, ففي كل يوم, تشيخ معلومة وتولد أخرى.

 

إسرائيل لم تنتصر علينا في غالبية حروبها العدوانية, بشجاعة جنودها السوبرمانية, ولا بمعداتها وأسلحتها الخارقة… انتصرت فقط لأننا ضعفاء. ولو كنا غير ما نحن عليه الآن, لجرت هزيمتها في كل اعتداءاتها, ولما كانت صورة الوضع العربي على ما هي عليه من الرداءة, كما الآن. إسرائيل انتصرت, بمعرفة أعدائها (وهم كل العرب) بكافة تفاصيلهم, بدءا بجيوشهم وانتهاء بما تكتبه صحفهم اليومية, وبدراسة كل ما يتعلق بالحياة العربية, انتصرت بالدراسات التي تجريها دوما وتطرح فيها مواضيع استراتيجية, بدءا من مؤتمرات هرتسيليا الاستراتيجية السنوية, وانتهاء بمراكز الدراسات والابحاث في الجامعات والكليات المعنية والأخرى التابعة للصحف. إسرائيل انتصرت لأن مسؤوليها المعنيين, سياسيين وعسكريين, يقرأون ما يقدم لهم من معلومات وأوراق, كل حسب مجاله. انتصرت لأنها تستقطب الكفاءات وتحترمها وتقدم لها ما تحتاجه لمواصلة إبداعات أصحابها, وتسميهم في وفودها إلى العالم, وتعمل دوما على إبراز كفاءاتهم على كافة الأصعدة, خاصة منها الكفاءات الثقافية, وفي المجالات العلمية والاقتصادية والأخرى المختلفة.

الولايات المتحدة حليفة إسرائيل الاستراتيجية عند احتلالها للعراق, فإن أكثر ما حرصت عليه, هو إتلاف محتويات “المتحف العراقي” لأنها تتعلق بحضارة العراق العربي, الممتدة عميقا في التاريخ. ثاني ما مارسته قوات الاحتلال بالتعاون مع إسرائيل هو اغتيال متدرج منتظم للعلماء والكفاءات العراقية في مختلف المجالات, وقد بلغ عدد الضحايا ما ينوف عن الثلاثة آلاف كفاءة عربية عراقية. إسرائيل حرصت على اغتيال العالم العربي المصري يحيى المشد، وغيره من الكفاءات العربية. أيضا, في مقابلة صحفية مطولة أجراها الصحفي الهندي الشهير كارانجيا, صاحب ورئيس تحرير مجلة “بليتز” (كان صديقا للرئيس عبدالناصر، وصاحب مقابلات شهيرة معه, ومن المؤيدين للقضايا الوطنية العربية) مع وزير الحرب الإسرائيلي آنذاك موشيه دايان, سأله الصحفي عن احتمالات الحرب مع العرب وما الذي ستفعله إسرائيل في حالة وقوع حرب محتملة معهم؟ أجاب دايان,”سوف نقوم بتدمير الطائرات العربية في مرابضها بضربة سريعة حاسمة, حيث تصبح السماء ملكا لنا, ونحسم الحرب لصالحنا”. تساءل كارانجيا حينها باستغراب, وسأل دايان، وكيف تكشفون خططكم بهذه السهولة؟ أجابه دايان بجملته العنصرية الكريهة الحاقدة “لاعليك, فالعرب لا يقرأون, وإن قرأوا لا يفهمون, وإن فهموا لا يطبقون”. استغرب الصحفي هذا الجواب ولم يعلق وانتهت المقابلة. ذهل كارانجيا وذهب بعد أشهر إلى مصر وقابل الرئيس عبدالناصر, وقد أعطاه الرئيس وثائق عن المؤامرات الأميركية – الغربية – الصهيونية لتخريب مصر والعالم العربي, شكلت له في ما بعد: المادة الرئيسية لمحتوى كتابه الشهير الذي أصدره فيما بعد، بعنوان “خنجر إسرائيل”.

للأسف, تهاجر الكفاءات العربية إلى الغرب نظرا لافتقارها إلى مجالات العمل في بلدانها، حيث أيضا لا يجري احترامها بل تنال كل التقدير للأسف في أثناء عملها في الخارج. في عالمنا العربي إذا ذهب وفد رسمي من جهة معينة في زيارة إلى أحد البلدان الجنوب آسيوية (على سبيل المثال وليس الحصر) لا تجري تسمية الباحث المختص في هذه المنطقة من العالم ضمن أعضاء الوفد, ولا تجري أيضا الاستفادة من أوراقه ومعلوماته وأبحاثه من أعضاء الوفد قبل زيارتهم إلى البلد المعني. المسؤول أو من تحت مسؤوليته من ذوي المناصب العالية هم المسافرون في الوفد ومسؤول الوفد وحتى في النقاشات الرسمية: هو المتصدي للجواب على كل أسئلة الوفد المقابل على كافة الأصعدة وفي كافة المجالات, أسئلة السياسة, الاقتصاد التنمية وغيرها وحتى لو كان متخصصا في الكيمياء! (عيب) أن لا يعرف المسؤول الأجوبة في كافة المواضيع, ويعتبر أن من الإهانة إحالة الإجابة إلى عضو آخر مشارك في الوفد… حتى لو كان مختصا.

بالنسبة لنظرية التحطيم في المجال العربي, فهي تأتي من المقرّبين من الفرد, هؤلاء الحاسدين في معظمهم لنجاحات الفرد المحسوب عليهم! هم لا يهنئونك على لوحة رسمتها, أو كتاب جديد أصدرته! هؤلاء لا يرون النجاحات إلا من خلال ذواتهم التي في معظمها كيدية! إن لم تكن حاقدة! هؤلاء لا تنتظر منهم تقييما لأعمالك, فهم يملكون الاستعداد للدوس على ضمائرهم لقول العكس! لا تنتظر من هؤلاء مديحا, فهم إن صدف وجاملوك, لا يقولون سوى جمل تحتمل معنيين, والتقييم الحقيقي هو الذي تحصل عليه من الإنسان البسيط غير المكبّل بأيديولوجيا “الأنا” وثقافة تحطيم الآخر! من مدّعي الفهم ومن تظللهم دائرة الأنا, ولا كفاءة غيري. في حياتنا وفي العديد من الحركات والأحزاب بمختلف اتجاهاتها لا تقدير لجهد الآخر غير المحسوب عليك! وهناك التعامل بمقياسين: إذا كان المعنة ..ضمن دوائر الولاء بأبعاده المختلفة. والآخر غير المقدّر ممن هم محسوبون عليه. تسألون.. لماذا هزمنا؟ وإن ظللنا على هذه الحالة, سنتجرع المزيد من الهزائم, حتى يُخلق الإنسان المناضل النقي, المنزوع من دوائر الأنا, والذي يعطي التقييم الصحيح لمستحقيه, ولا يجامل في الحق لومة لائم. جماهيرنا الفلسطينية سبقت كل قيادتها بالمعنى التاريخي, ومنها تأخذ فقط التقييم الصحيح.

 

د. فايز رشيد

كاتب فلسطيني

 

 

شاهد مقالات د. فايز رشيد