سلاح المساعدات

السبت, 01 سبتمبر 2018 10:18

د. أحمد يوسف أحمد

قضايا ومناقشات - قضايا ومناقشات
طباعة

 

 

ليس جديداً أن تُستخدم المساعدات الاقتصادية لأغراض سياسية، بل إن هذا الاستخدام هو الأصل فيها، ولذلك لم يكن غريباً أن تواصل الإدارة الأميركية الضغط على الفلسطينيين بسلاح المساعدات في محاولة لإجبارهم على تغيير سلوكهم تجاه المسعى الأميركي الراهن للتوصل إلى تسوية للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، فمن المعروف أن الفلسطينيين يقاطعون الإدارة الأميركية ويعتبرونها قد فقدت أهليتها للتوسط في الصراع منذ اعتراف الرئيس الأميركي بالقدس عاصمة لإسرائيل في ديسمبر الماضي، وقد أعلنت الخارجية الأميركية يوم الجمعة الماضي، اقتطاع ما يزيد على مائتي مليون دولار من المساعدات التي كانت مخصصة للضفة الغربية وقطاع غزة، وكان يُفترض أن يبدأ تقديمها في سبتمبر القادم، وذكرت أن ترامب وجه باستخدام المبالغ المستقطعة في أماكن أخرى تخدم المصالح الأميركية، ومن المعروف أنه كان قد سبق للإدارة الأميركية تقليص مساهمتها في ميزانية وكالة الأمم المتحدة لغوث اللاجئين وتشغيلهم بمقدار ثلاثمائة مليون دولار مما أدى إلى فصل مئات الموظفين الفلسطينيين من العاملين بالوكالة والتأثير الفادح على الخدمات الحيوية التي تقدمها، وهكذا يكون إجمالي المبلغ المستقطع من المساعدات المباشرة وغير المباشرة للفلسطينيين قد تجاوز نصف المليار دولار.

 

ومن البديهي أن تُدين ردود الفعل الفلسطينية بشدة هذا العمل وتطلق عليه أسوأ الأوصاف كالابتزاز الرخيص وما إلى هذا، وقد اعتبرت السلطة الفلسطينية القرار عملاً معادياً للسلام واعتبره صائب عريقات كبير أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية فضحاً للمغزى الحقيقي لسياسة المساعدات وهو التدخل في الشؤون الداخلية للشعوب والتأثير على خياراتها السياسية، واعتبرته حنان عشراوي عضو اللجنة التنفيذية للمنظمة سلوكاً لا أخلاقياً وغير مسؤول وابتزازاً رخيصاً لتحقيق مآرب سياسية واعتبره السفير الفلسطيني في واشنطن تقويضاً لعقود من الالتزام الأميركي في فلسطين، ورأى فيه المجلس الوطني الفلسطيني استمراراً لنهج العقوبات المالية ضد الشعب الفلسطيني، بل لقد امتد الانتقاد إلى دوائر أميركية حيث ذكر السيناتور الديمقراطي «باتريك ليهي» أن سكان غزة يعانون بالفعل من مشكلات حادة في ظل استبداد «حماس» والقيود التي تفرضها إسرائيل على الحدود، وأن الشعب الفلسطيني هو أكثر من سيعاني بشكل مباشر من عواقب هذه المحاولة القاسية وغير الحكيمة للاستجابة لمخاوف إسرائيل الأمنية، كما أن جماعة «جى ستريت» الليبرالية وصفت القرار الأميركي بأنه «فضيحة أخلاقية وخطأ استراتيجي فادح»، وهي جماعة يهودية تصف نفسها بأنها مؤيدة لإسرائيل وتؤيد حل الدولتين وإن كانت منظمة تضم الجماعات اليهودية الأميركية الرئيسية قد رفضت في تصويت أجرته في 2014 انضمام هذه الجماعة لها.

غير أنى أود أن أقارب القرار الأميركي بنهج سياسd صرف بعيداً عن الاعتبارات الأيديولوجية والإنسانية، فمن حق أي دولة أن توظف مواردها فيما يحقق مصالحها، ومن المؤكد أن الإدارات الأميركية المتعاقبة أبدت دائما اهتماماً بالصراع العربي-الإسرائيلي وتسويته ولكن بما يحقق المصالح الإسرائيلية ومن ثم المصالح الأميركية بطبيعة الحال، ومن المؤكد أيضاً أن الإدارة الحالية تواصل هذا الاهتمام وإن بطريقتها الخاصة بدليل الحديث الطويل الممل عن الإعداد لصفقة القرن والأفكار العجيبة عن أن استبعاد القدس من الملف التفاوضي يزيل العقبة الرئيسية أمام تحقيق السلام! والسؤال المهم هو هل تؤدي هذه القرارات الأميركية المتتالية بدءاً بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية ومروراً بتخفيض مؤلم في المساهمة الأميركية في ميزانية الأونروا وانتهاء بالقرار الأخير إلى نجاح المسعى الأميركي الراهن للتوصل إلى التسوية التي يُعد لها منذ قرابة سنتين؟ والإجابة بالتأكيد لا، لأن الفهم الأميركي للصراع بالغ التحيز ومبني على حسابات خاطئة كتصور أن الوعد بالرخاء الاقتصادي ممكن أن يفضي إلى تنازل الفلسطينيين عن أهدافهم الأساسية، كما أن زيادة الضغوط الاقتصادية على الفلسطينيين سوف تعطي للسلطة الحاكمة سواء في الضفة أو غزة المبرر للقول بأن معاناة الشعب الفلسطيني ناجمة عن عوامل خارجية فقط وليست الممارسات الداخلية هي المسؤولة عنها، كما أنها بالتأكيد تعطي مبرراً لمن يريد التشدد في فلسطين أن يجد صدى لأفكاره وممارساته، والنتيجة بالتأكيد فشل جديد للسياسة الأميركية، ولن تكون هذه بالتأكيد هي سابقة الفشل الأولى للسياسة الخارجية الأميركية، ويكفي أن نتذكر أن غزو العراق تم بهدف القضاء على صدام حسين لكنه قدم العراق لإيران على طبق من ذهب.

 

د. أحمد يوسف أحمد

- أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة.

- مدير معهد البحوث والدراسات العربية التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم.

- متخصص في العلاقات الدولية والشؤون العربية.

- أشرف على تحرير عدد من المؤلفات من أهمها: سياسة مصر الخارجية في عالم متغير، التسوية السلمية للصراع العربي – الإسرائيلي.

 

 

شاهد مقالات د. أحمد يوسف أحمد