إيران وترامب والانتظار الصعب

الجمعة, 06 أكتوبر 2017 14:53

د. محمد السعيد ادريس

قضايا ومناقشات - قضايا ومناقشات
طباعة

 

 

وضع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إيران في موقف «الانتظار الصعب» عندما أعلن يوم الأربعاء 20/9/2017، عقب يوم واحد من إلقاء خطابه الناري ضد إيران من على منبر الأمم المتحدة، أنه اتخذ قراره بشأن إيران. لم يفصح ترامب عن فحوى قراره، ومنذ تلك اللحظة وإيران مشغولة بالتحسب لهذا القرار الذي اقترب موعد إعلانه، حيث من المقرر أن يقدم ترامب تقريره الذي يتضمن تقديره لمدى التزام إيران بالاتفاق النووي يوم 15 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، فبموجب الاتفاق المبرم بين الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما والكونجرس، فإن رئيس الولايات المتحدة مفوض بتعليق بعض العقوبات المفروضة على إيران لفترات تتراوح بين 90 و180 يوماً، وفي كل مرة يعاد إبلاغ الكونجرس أن إيران تفي بالتزاماتها في الاتفاق. وحتى الآن أصدر الرئيس ترامب تلك التصديقات بصورة منتظمة.

 

إيران تسأل: ماذا سيفعل ترامب هذه المرة، حيث إن كل التقديرات تؤكد أن واشنطن باتت بصدد اتخاذ قرار صعب ضد إيران في ضوء التسخين غير المسبوق ضدها الذي جاء على لسان ترامب في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، فقد شن هجوماً حاداً على ما وصفها ب«الدول المارقة» ومن بينها إيران، فقد اعتبرها «ديكتاتورية فاسدة»، ووصف الاتفاق النووي الموقع معها بأنه «معيب»، وندّد «بنشاطاتها المزعزعة للاستقرار» في المنطقة. لكن الأهم أنه كرَّر رفضه الاتفاق النووي الموقع مع طهران من جانب مجموعة «دول 5+1» (الدول الخمس الكبرى دائمة العضوية في مجلس الأمن+ ألمانيا)، وقال: «لا يمكننا التزام اتفاق إذا أمَّن غطاء لبرنامج نووي في نهاية المطاف».

ترامب لم يكتف بذلك، لكنه جدد هجومه على إيران عقب إعلان طهران عن تجربتها الصاروخية الجديدة (الصاروخ الباليستي متوسط المدى الذي حمل اسم «خورامشهر» ويصل مداه إلى 2000 كيلومتر). وكتب في تغريدة له على تويتر (23/9/2017) قال فيها «إيران اختبرت لتوها صاروخاً باليستياً قادراً على بلوغ «إسرائيل».. إنهم يعملون أيضاً مع كوريا الشمالية.. فعلياً ليس هناك اتفاق»، وكان يعني بذلك أن إيران من الناحية الفعلية غير ملتزمة بالاتفاق النووي، واعتبر أن هذه التجربة الصاروخية الإيرانية تزيد الشكوك في جدوى الاتفاق.

إيران تنتظر يوم الخامس عشر من الشهر الجاري لتعرف مضمون قرار ترامب. وتقديرات طهران للقرار الأمريكي أنه يتراوح بين احتمالين كل منهما أسوأ من الآخر، فإما تقرر واشنطن الانسحاب المنفرد من الاتفاق، وهذا يعني أن ترامب سيقدم تقريره للكونجرس متضمناً اعترافاً بأن إيران لا تفي بالتزاماتها بالاتفاق النووي المبرم معها، وعليه في هذه الحالة أن يقدم الدلائل على ذلك، وإذا قدم الأدلة، وهذه هي مشكلته، فإن القرار في هذه الحالة سيكون مسؤولية الكونجرس. أما الاحتمال الثاني فهو أن تسعى واشنطن بدعم من دول أخرى أعضاء في «مجموعة 5+1» الموقعة على القرار لتعديله وفق خطة محددة تحقق الأهداف التي تريدها من هذا التعديل.

تدرك إيران أن الاحتمال الأول صعب بالنسبة للرئيس الأمريكي وإدارته، خاصة في ظل إقرار الوكالة الدولية للطاقة الذرية على لسان مديرها العام يوكيا أمانو، أمام اجتماع مجلس محافظي الوكالة (11/9/2017) بأن «إيران ملتزمة قواعد الاتفاق النووي الذي وقعته مع القوى العالمية عام 2015»، وفي ظل دعم بقية دول «مجموعة 5+1» للموقف الإيراني على نحو ما تكشف في اجتماع وزراء خارجية هذه الدول في مقر الأمم المتحدة (21/9/2017) حيث أعلنت فيديريكا موجيريني وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي التي ترأست الاجتماع، أن المشاركين اتفقوا على أن «إيران لم تخل بالتزاماتها في هذا الاتفاق». لكن إيران تدرك أيضاً أن هناك أطرافاً دولية، خاصة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، تميل إلى تعديل الاتفاق وتطويره، بحيث يأخذ في اعتباره تحفظات واشنطن على الاتفاق.

إدراك إيران لهذه الخيارات الأمريكية يضعها هي الأخرى أمام خيارات أشد صعوبة، فهي إما أن ترد على خيار الانسحاب الأمريكي من الاتفاق بتعليق التزامها به، وتشرع سريعاً في استئناف عمليات التخصيب من دون قيود أو ضوابط على نحو ما هدد محمد جواد ظريف وزير الخارجية، وإما أن تقبل بخيار تعديل الاتفاق، وهذا أبعد من المستحيل بالنسبة إليها. وإما أن تتمسك بالاتفاق وتراهن على تأسيس شراكة مع القوى الدولية الخمس الشريكة في «مجموعة 5+1» (روسيا والصين وبريطانيا وفرنسا)، خصوصاً أن هذه الدول حريصة على مصالحها مع إيران، وأعلنت أنها ستقف بشدة ضد أي عقوبات أمريكية تفرض على شركاتها في حال انسحاب واشنطن من الاتفاق.

يبدو أن هذا الخيار الأخير هو الخيار المرجح، ومن هنا جاء حرص محمد جواد ظريف وزير الخارجية الإيراني على القول عقب انتهاء مشاركته في اجتماع «دول مجموعة 5+1» بحضوره في مقر الأمم المتحدة إن «جميع شركاء إيران في الاتفاق باستثناء دولة واحدة (الولايات المتحدة) شددوا على ضرورة الاحترام الكامل للاتفاق، وعلى أنه غير قابل للتفاوض، وأن على جميع الأطراف التزام هذا الإنجاز الدولي». وكان ظريف حريصاً أيضاً على دعوة الأوروبيين إلى «تولي القيادة» من أجل الاتفاق النووي، وهو طموح أقرب إلى الرهان هو الآخر، في وقت تزداد فيه الصعوبات أمام إيران على المستويين الإقليمي والدولي، وبالأخص مع غموض مفاجأة ترامب النووية معها يوم 15 أكتوبر/تشرين الأول الجاري.

msiidries@gmail.com

 

د. محمد السعيد ادريس

رئيس وحدة الدراسات العربية والإقليمية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، وعضو الأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي

 

 

شاهد مقالات د. محمد السعيد ادريس