النظام العربي في بوتقة اختبار جديدة

الجمعة, 06 أكتوبر 2017 11:10

جميل مطر

قضايا ومناقشات - قضايا ومناقشات
طباعة

 

 

في حقب طويلة من تاريخنا قدّسنا الدولة، أينما ومتى وجدت، وتجاهلنا حقوق المواطن الفرد. وفي حقبة أحدث، راح كثيرون من بيننا يقدسون حقوق المواطن الفرد، ولو على حساب أمن الدولة واستقرارها ونموها الاقتصادي. دول كثيرة، ليس من بينها فيما أعرف دول في الشرق الأوسط، عثرت على الصيغة المناسبة التي تضمن حقوق الدولة وحقوق المواطن في آن . دول أخرى، بينها دول في الشرق الأوسط تبنت، بعضها عن عمد وسابق إصرار، إيديولوجية شبه شمولية ارتضتها أو أخضعت لها شعوبها تحت حافز المساواة والعدالة الاجتماعية، أو إغراء وبريق مجد تاريخي يستعاد، أو استجابة لنفير الدعوة للتخلص من استعمار عنيد واحتلال مكير.

 

لا أنكر دوري شريكاً في كل هذه الحقب. كنت مع عرب آخرين نساهم في بناء دول في أمم خلّف فيها الاستعمار في أحسن الأحوال مشروعات ناقصة لدول، وفي أسوئها كيانات سياسية غارقة في مستنقعات تخلف رهيب عن العصر. كانت الدولة المستقلة الحديثة الآمنة هدف أبناء جيلي. كان هناك أيضاً، ويجب الاعتراف بذلك، الاعتقاد بأن هذه الدولة عندما تقوم وتنجح، فلن تكون أكثر من محطة ننطلق منها نحو هدفنا الأعلى، الدولة العربية الواحدة.

لم يكن للفرد في هذا المشروع القومي موقعٌ متميزٌ. كان الموقع المتميز هو موقع الدولة وللفرد موقع ثانوي أو موقع مؤجل في حلم مستقبلي، هذا إن كان له موقع على الإطلاق. أخطأنا في عرف الكثيرين، بعضنا لم يعترف بالخطأ حتى يومنا هذا ولديه أسبابه وحججه، وبعضنا اعترف بخطئه ولم يعلن الندم إن وجد الندم، وبعضنا انقلب على نفسه وعلى مرحلة في تاريخه وراح يستبدل الندم على ما اعتنق وفعل في الماضي بالإغراق في تقديس الفرد والانهماك في الدفاع عن حقوقه. أعرف كثيرين من هذا البعض بالغ في تمرده على الدولة، حتى كاد يعتنق إحدى الأفكار العتيقة في تاريخ الفكر السياسي، فكرة أن الدولة كيان ظالم ولا ضرورة لوجودها.

حدث هذا ويحدث في الشرق الأوسط، هذا الإقليم الفريد في موقعه وتراثه وتنوع شعوبه وقسوة حكامه وغزارة أنبيائه وعظمة تضحياتهم من أجل حريات الإنسان وسعادته. الشرق الأوسط هو أيضاً الإقليم الذي يزهو على غيره من أقاليم العالم بأنه أهم مصدر لثروات ونكبات عديدة. هو المصدر الأهم للنزاعات الدولية والحروب الأهلية وللنفط وللممرات البحرية والهجرة وتجارة البشر وغسل الأموال والإرهاب. هو أيضاً أخصب تربة لصنع أحلام التوسع على حساب أراضي الغير، وقهر الفرد وقمعه وتقييد حرياته ولجم لسانه. تاريخ الشرق الأوسط حافل بقصص نشأة أمم وزوالها. شعوب كثيرة عاشت فيه، تعايشت وتقاتلت، وفي الغالب تقاتلت أكثر مما تعايشت. شعوب بعضها عاش عقوداً يحكم ويتحكم وعاش قروناً مقهوراً ومظلوماً. من هذه الشعوب شعب صنع إمبراطورية امتدت من الفرات إلى النيل، ومن صفوفه خرج قادة عظام حرروا القدس ومدائن أخرى من سلطة الصليبيين الأوروبيين.. أتحدث عن الأكراد.

قيل لي، نراك متحمساً على غير عادتك لحق الأكراد في دولة تخصهم، لم تأخذ في حسبانك ومنظومة قيمك حق كل من إيران وتركيا، وبشكل خاص العراق في مجمل أراضيه وسيادته على جميع شعوبه، لم تلتزم قيم العروبة التي افترضت أن الشعب غير الناطق بالعربية الذي يخضع لحكم طبقة سياسية عربية لا بد وأنه سيتساوى في الحقوق والواجبات مع الشعب العربي المتعايش معه تحت علم واحد ودستور واحد وسلطة طبقة سياسية واحدة. أقول بدوري، نعم أنا متحمس لحق الأكراد في دولة تخصهم ولكنها الحماسة غير المطلقة. أنا شخصياً، وبالمتابعة الدقيقة، لا أجد ما يطمئنني إلى أن دولة مستقلة في كردستان العراق تحت القيادة الراهنة يمكن أن تحقق للشعب الكردي آماله.

سألت أصدقاء مخضرمين من العراق، إن كان الأكراد سوف يتمتعون بمستوى حياة أفضل في ظل استقرار سياسي معقول، وبحقوق وحريات كاملة وبوظائف عليا في البيروقراطية المركزية ومؤسسات السلطة «السيادية»، كما يجري تعريفها في مصر، لو أنهم عادوا عن استفتائهم وقرروا منح الاستمرارية فرصة أخرى. جاءت الإجابات صارمة ومقنعة ومحبطة ولكن صادقة. قالوا، سيحظون بما نحظى نحن العرب به، وهم يعلمون أن الجيد فيه والمتاح ضئيل، والسيئ فيه والمحرم كثير. لذلك لن يعودوا بمحض رضاهم واختيارهم.

سألت زملاء قدامى في جامعة الدول العربية إن كانت الجامعة مستعدة لاحتضان مؤتمر عربي يجري من خلاله التفاوض بين بغداد وأربيل، على شكل مناسب لمستقبل العلاقة بينهما. قال أحدهم إنه لا يظن أن لدى الجامعة تفكيراً مسبقاً حول تفاصيل الدعوة لإجراء هكذا مؤتمر، تقف دون عقده بل التفكير في عقده محاذير عديدة.

لم يكن الأكراد العراقيون ليلجؤوا إلى الاستفتاء ومفاوضات شاقة واحتمال نشوب نزاع دموي، ومشكلات بناء دولة مستقلة لو عاشوا في العراق في سلام ورخاء، وحملوا لبغداد ذكريات عقود طويلة رغدة وسعيدة. هم وغيرهم من الشعوب التي اختارت الانفصال لم يدفعهم إلى هذا المصير الملتهب إلا حياة أشد ضنكاً وظلماً. أهل كاتالونيا اختاروا الانفصال لأنهم عاشوا طويلاً جداً تحت حكم الدكتاتور فرانكو ونظام فاشي قمعي، والرفض المستمر من جانب حكومة مدريد الاهتمام بثقافة شعب كاتالونيا، ولغتهم وأيضاً تحت الشعور الدائم بالافتئات على حقهم في ثروتهم، ثروة الإقليم.

لا تسعى الشعوب للانفصال من كيان يضمها وشعوب أخرى إلا عندما تجتمع عليها مجموعة من منغّصات العيش. لا يوجد شعب جاءته فرصة عيش أخرى يتركها تضيع، بينما هو يعاني تقصيراً شديداً من جانب الحكومة المركزية في تلبية حاجاته الأساسية؛ كالغذاء والتعليم والصحة والمسكن. أعود لسؤال سألته في مطلع هذا المقال، هل لدى جامعة الدول العربية مشروع حل مناسب، قبل أن يخرج علينا دعاة الشرق أوسطية بمشروع الحل النهائي لهذه القضية... ولن تكون المرة الأولى أو الأخيرة؟

 

جميل مطر

كاتب ومفكر مصري

 

 

شاهد مقالات جميل مطر