حكمة الأكراد.. هل تنقذ العراق؟

الخميس, 05 أكتوبر 2017 08:29

محمد عارف

قضايا ومناقشات - قضايا ومناقشات
طباعة

 

 

سائق تاكسي كردي انثقب إطار عجلة سيارته، فقال الركاب: «قَدَرْ». وبعد ساعة صُدمت السيارة بسيارة أخرى، وصاح الركاب: «قَدَرْ»، وبعدها انفجرت بهم عبوة وصرخ الركاب: «قَدَرْ». فغادر السائق الكردي السيارة، وقال: «إذا قَدَرْ ما ينزل ما أسوق بعد». هذه النكتة ترسم سيناريو الأحداث منذ إعلان نتائج الاستفتاء على استقلال كردستان، فقبل أن ينتهي الاحتفال بالاستفتاء اندفع العراق وإيران وتركيا في العمل الميداني ضده، وأجرت الدول الثلاث مناورات عسكرية مشتركة على الحدود مع الإقليم، وطالب العراق شركات النقل الجوي العالمية بوقف عمليات الطيران إلى أربيل والسليمانية، وهدّد بغلق الحدود البرية. وعلى الصعيد الدولي أصدرت الخارجية الأميركية بياناً ضده، وأعلنت الأمم المتحدة قلقها من عواقبه على الأمن في المنطقة. وبدلاً من أن يكون الاستفتاء الخطوة الأولى في التفاوض صار «معضلة الانفصال التي تثير ردود أفعال عكسية» حسب «أريكا جينويث» أستاذة الدراسات الدولية في «جامعة دنفر».

 

وسلطة الإقليم الآن كما في النكتة عن كردي يُعزي صديقاً بوفاة والده لإصابته بإطلاق ناري، ويسأله: «وين تصوَّب المرحوم الوالد؟». أجاب الصديق: «فوق عينه». قال الكردي «زين ما صابت عينه». فزعماء الإقليم لم يتوقعوا قوة ردود أفعال المجتمع الدولي ضد استفتاء الانفصال، ولم يعرفوا أن لا سند في القانون الدولي لحق الانفصال، ولا الولايات المتحدة أو أي قوة عظمى تجبر، أو تقسر، أو ترشو الدولة المراد تجزئتها، حسب «بريدجيت كوغينس» عالمة السياسة الأميركية. وكيف يعرفون ذلك وبين مستشاريهم الصهيوني «برنارد ليفي» يطمئنهم إلى أنهم شعب الديمقراطية المختار، ويستنفرهم ضد جميع بلدان المنطقة العربية والإسلامية؟

وذكرت «نيويورك تايمز» أن «ردة الفعل الدولية القوية كشفت هشاشة وضع كردستان وعيوبها، فالإقليم لم يبادر في الأيام الأولى بعد الاستفتاء لوضع أسس الدولة، بل جاهد للتخلص من شدّ خناقه. وكان يمكن مواجهة العاصفة لو أن الحكومة ديمقراطية حقاً. إلاّ أن حكومة الإقليم تفتقر إلى أسس الديمقراطية، وحكم القانون، وإلى الانتخابات الحرة والنظيفة، والمجتمع المدني، والسلطة التشريعية المالكة لقوة حقيقية تتحدّى حكم السلالة العائلية». ونقلت الصحيفة عن «رابون معروف»، عضو البرلمان الكردي عن «حركة التغيير»، قوله: «ليس عندنا حكم القانون بل الحكم الملكي».

ويحدث هذا في وقت انسحبت القيادة الأميركية بشكل متزايد، فهي لا تحل ولا تربط، أو على الأقل تمّيع التناقضات، فالنظام الدولي قائم على فكرتين، ظهر أنهما مترابطتان: الحدود مقدسة، والناس يصممون وضعهم السياسي. والأول يعني عدم تشجيع أي غزو أو دعم حركة انفصالية، والثاني يحمي حقوق المواطنين من الدكتاتوريين والمحتلين، لكن عندما يصمم قطاع من المواطنين الانفصال يتصادم هذان المبدآن. ويذكر «كريستوفر بورغن»، أستاذ القانون في جامعة «سانت جونز» بالولايات المتحدة، أن «لا حق للانسحاب في القانون الدولي، والانفصال ليس حقاً ولا قانونياً بالضرورة».

وإذا لم تنجم عن الاستفتاء إقامة الدولة الكردية، ولن تنجم، فردود الأفعال الإقليمية والدولية التي فجّرها، كشفت عن الثقل الجيوسياسي للأكراد الممتد عبر جنوب غرب آسيا، وهنا الحكمة التي يعجز عن رؤيتها الفكر العنصري والطائفي. فالأكراد الموزعون على العراق وتركيا وإيران وسوريا وأرمينيا صلة الوصل الجغرافية والتاريخية والثقافية. والحكمة ليست في تقطيع أوصال هذه الصلة، بل في نسيجها الذي يشكل قوة الأكراد البازغة. رأى ذلك الشاعر الكردي الراحل «شيركو بيكه س»: «يوم قلتُ: إني الجواد الوحيد، ذو الصهيل الأصيل، بَعْدَها نشبت حرب الجياد. هذه الدماء لن تنطفئ حتى أوقد حقيقة داخل رأسي: إني لستُ وحدي الجمال والألوان كلها. إني لستُ وحدي الشمس والأشعة كلها. إني لستُ وحدي الجياد والصهيل كلها».

 

محمد عارف

مستشار في العلوم والتكنولوجيا- كاتب عارقي

 

 

شاهد مقالات محمد عارف