بناة العراق المؤقت

الأربعاء, 04 أكتوبر 2017 10:58

فاروق يوسف

مــدارات - مــدارات
طباعة

 

 

انفصل الأكراد ورقيا عن العراق منذ 25 سبتمبر 2017، بعد أن عاشوا منفصلين واقعيا أكثر من ربع قرن. تلك إرادة شعبية عبّرت عن نفسها من خلال صناديق الاقتراع، ولم يعد التراجع عنها ممكنا أو حتى الحديث عن إمكانية تناسيها مؤقتا.

 

أما أن يعبّر الزعماء الأكراد عن إعجابهم بحكمة المرجعية الشيعية في التعامل مع مسألة انفصالهم من خلال الدعوة إلى العودة إلى الدستور واعتماد الحوار منهجا فتلك مسألة أخرى.

هل كان أولئك الزعماء ينتظرون حربا لردعهم عن المضيّ في طريقهم الانفصالي المرسوم سلفا؟ أعتقد أن المسألة ببعدها التاريخي تستحق القيام بمغامرة غير محسوبة النتائج.

غير أن تلك النتائج، وفي أسوأ حالاتها، لن تؤدي إلى إجهاض فكرة قيام دولة قومية للأكراد، بعد أن تطابقت النظرية مع الواقع من خلال عمليات استفتاء شعبي صار بمثابة وثيقة تاريخية لا يمكن إنكار قوة تأثيرها على المجتمع الدولي الذي عُرف بتعاطفه القوي مع الأكراد.

وهو ما يجعلني أشك في أن الحكومة العراقية ستكون قادرة على منع تداعيات استفتاء كردستان من التأثير على مستقبل العراق. فانفصال الإقليم الكردي صار حقيقة لم يعد في الإمكان التغاضي عنها أو التستر عليها.

وكما أرى فإن تحميل الأكراد وحدهم مسؤولية انهيار العراق الموحّد هو خطأ كبير ترتكبه الحكومة، التي بدلا من أن تصبح أقوى بعد ما حققته من انتصارات في حربها على الإرهاب، ها هي تواجه واحدة من أكثر لحظاتها ضعفا.

في حقيقة الأمر فإن الأكراد كانوا مخلصين لقضيّتهم عبر سنوات استقلالهم عن الحكومة الاتحادية، وهو أمر لا يحق لأحد أن يلومهم عليه. اللوم كله أو معظمه يقع على حكومة بغداد التي لم تبنِ جسرا من الثقة الواقعية بينها وبين حكومات المحافظات العراقية (ومـن ضمنها محافظات الإقليم الكـردي) التي اكتسبت بحكم الدستور قدرا من الاستقلال يمنحها حرية غير مسبوقة في التصرف بشؤون مناطقها. ليست العلاقة متينة بين بغداد، باعتبارها مركزا، وبين الأطراف. لربما كانت هناك مشكلة في الدستور وهو ما كان ممكنا معالجته من خلال إجراء تغييرات في الدستور.

المؤكد أن ضيق الأفق الطائفي الذي كان ولا يزال يحكم العقل السياسي في بغداد قد سمح بانفراط العقد العراقي في ظلّ التفرغ لمسألة الحرب على الإرهاب التي هي في حقيقتهـا محاولة لقمـع التمرّد السنّي والدليل على ذلك الاستنتاج ما تشهده العملية السياسية من فراغ على مستوى الحضور السني. يواجه الزعماء الشيعة اليـوم وحدهم أزمة انفصال كردستان.

ولأن الأكراد يدركون جيدا أن انفصالهم عن العراق يعني بالضرورة تحطيم العراق التاريخي، وانتفاء الحاجة إلى عاصمته بغداد بعد أن وصلت العلاقة مع المحافظات السنيّة إلى مرحلة القطيعة، فإنهم يملكون أوراقا للضغط على حكومة بغداد أكثر تأثيرا وأشد قوة من تلك الأوراق التي تملكها الحكومة للضغط عليهم.

المواجهة لا تزال في بداياتها. وليس هناك من أمل في أن يعترف حكام بغداد بمسؤوليتهم عن الانفصال الكردي. ما يخيف أولئك الحكام أن يكون ذلك الانفصال بداية لتفتت ذلك الجزء من العراق الذي لا يزال نظريا تحت سيطرتهم. هناك محافظات عراقية غنية سبق لها أن عبّرت عن رغبتها في انفصالها النظري عن العراق كما هو حال البصرة.

وكانت تلك رغبة أحزاب شيعية وجدت أنها تتضرر من ذهاب جزء من عائدات ثروة البصرة النفطية إلى حكومة بغداد. إنها لعبة لصوص وهي عبارة عن مكيدة دبّرها كتبة الدستور وأجاد نوري المالكي، رئيس الوزراء السابق، إدارتها غير أنها بلغت نهايتها في عهد رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي.

الزعماء الأكراد يعرفون كل ذلك وأكثر. لقد ساهم الأكراد في كتابة الدستور العراقي الملغوم، وكانوا حاضرين في كل خطوة أُلقيت من أجل تأسيس عراق جديد سيكون مؤقتا. ذلك العراق المؤقت هو شركة انتهت إلى الفشل وآن أوان ذهاب الشركاء إلى مصائرهم.

 

فاروق يوسف

تعريف بالكاتب: شاعر وناقد من العراق يقيم في السويد
جنسيته: عراقي

 

 

شاهد مقالات فاروق يوسف