نحترم لنحترم

الاثنين, 05 مارس 2018 09:24

د. ميسون الدخيل

مــدارات - مــدارات
طباعة

 

 

اليوم أجد أن مهمة تعليم الأبوة والأمومة للأجيال القادمة أصبحت من أهم المهارات التي يجب أن نعلمها للأجيال القادمة تماما مثل أهمية تعليم الكتابة والقراءة والحساب ، لا أحتاج أن أوضح الحالة التي وصلنا إليها من التشتت وعدم التواصل في الأسر، والأمر لم يعد يحتمل أي تغافل أو تجاهل! عادة ما يتعلم أطفالنا من المراقبة، يراقبون سلوكياتنا مع الزوج والزوجة، مع الأهل والأصدقاء، مع المعارف، مع الغرباء في الطريق؛ بمعنى مجمل الحياة اليومية من تصرفات وقرارات تتخذ. إن الأبوة والأمومة مهمة صعبة مثل أي مهنة، وبما أننا نجهز أبناءنا للمهن في الحياة والأسرة أهم عنصر فيها، لماذا إذًا لا نبدأ من المدارس في تجهيزهم لمثل هذه المهمة الصعبة؟!

 

نحن كمجتمع مسؤولون عن تنشئة أبنائنا، وحين أقول «أبنائنا» لا أعني أبناءك فقط الذين هم من نسلك؛ لحمك ودمك، وإنما أقصد كل من يصادف أن يكون في دائرة حياتك الاجتماعية والعملية، نمر عليهم مرور الكرام، ونقول في أنفسنا: «لهم أهل مسؤولون عن تربيتهم»، وبهذا نكون قد أرحنا ضمائرنا! ولكن نتائج السلوكيات السلبية أو القرارات الخاطئة سوف نكون في مرماها إن لم يكن اليوم فغدا! أصبحنا نعيش بين أجيال لا تُقدّر ولا تهتم، شعار كل واحد «نفسي، نفسي»! لا نتحدث إليهم، لا نحاورهم، لا نصغي إليهم، ونتوقع بقدرة قادر أن يصبحوا فجأة مواطنين قادرين على التواصل، باهتمام وتقدير واحترام لمشاعر واحتياجات الغير!

لقد مررنا بخبرات سلبية كثيرة، فمن منا الكامل الذي ما زال دون أخطاء أو ذنوب كيوم ولدته أمه؟! ولكننا بتنا نبخل عليهم بسردها! هل هو الخجل من أن يغيروا نظرتهم إلينا، أم الخوف من أن يقلدونا؟ أم هو مجرد الاعتراف بما يرعبنا؟ تستطيع أن توصل الرسالة من دون أن تتحدث بصفة صاحب الخبرة، من السهل جدا أن تنقلها في صيغة قصة حدثت لآخر! صعبة؟ تعلم! فهم يستحقون منا أن نتعلم ذلك! نحن مطالبون بتوضيح أشياء كثيرة من خارطة طريق الحياة، توضيح بعض المؤشرات التي قد تؤدي إلى نتائج غير محمودة، والتي قد تكون كارثية، وهل أحتاج إلى توضيح أو إعطاء أمثلة عليها؟ فوسائل التواصل الاجتماعي مليئة بما يعصر القلب حزنا وألما، لما آلت إليه أحوال الكثير من شبابنا، وهنا لا أعني أخلاقيا فقط، بل أعني أيضا تعارضا واضحا مع القيم أو اختفاء تاما لها! قد يقول البعض ولكن هل يتعلم الفرد من أخطاء الغير؟ كلا، فالفرد لا يتعلم إلا من خبرته، ولكن ما يتعلمه من خبرات الغير هو تجنب ما قد يؤدي إلى خبرة سلبية، ولا يحتاج عندها أن يمر بها ليتعلم!

منذ أن اخترت مهنة التعليم وأنا أعمل على التواصل مع الطالبات، ليس فقط من سجلن في المواد التي أدرسها، بل كلما سنحت لي الفرصة للتحدث مع أي مجموعة في الساحة، أو حتى أي طالبة في ممر، دائما ما أجد مدخلا لأنفذ من خلاله إليهن، وأبدأ بالحوار لأترك شيئا مني لديهن؛ من خلال قصة، من خلال طرفة، من خلال حديث عابر، المهم أن أترك شيئا يحرك التفكير ويثير الاهتمام لمتابعة الموضوع بشكل أو بآخر.

لقد وجدت أن تحويل الخبرات إلى قصص، أفضل وسيلة لأنها تؤثر، خاصة إن كانت تحتوي على شيء من الفكاهة والإثارة، حين أذكر حادثة ارتدائي حذاءين مختلفين؛ ليس فقط في اللون، بل أيضا بطول الكعب، خلال إعطاء إحدى المحاضرات وتنبيه طالبة لي بذلك، هنا أريد أن أوصل رسالة بأنه أحيانا تنهمك في مهمتين أو أكثر فيضيع التركيز؛ بالنسبة لي كان الأمر اختيار الحذاء، وبالنسبة لغيري قد يكون الأمر ذا تأثير على قرار أو نتيجة، وعندما أتحدث عن خبرتي حينما وقعت في غرفة الاجتماعات لأنني هممت بالجلوس حيث لا يوجد مقعد خلفي، فإن رسالتي هي أنه أحيانا نمر بمواقف محرجة، وقد تكون مؤلمة جسديا، لكن لا يعني أن نتوقف أو نطلق غضبنا على من حولنا، خاصة إن كان الموقف مضحكا، وليس بيدهم القدرة على التوقف عن الضحك، أو حتى نتقوقع على أنفسنا وكأن العالم انتهى! نقف ثانية، نرفع الرأس، نستمد الثقة من ذاتنا، ونكمل المهمة وقد نضحك معهم، فالموقف فعلا مضحك وإن صاحبه بعض الألم الجسدي، القصص عندي كثيرة والأخطاء أكثر، وإن قُدّر لي أن أحولها إلى مادة كتابية لأخذت مجلدا أو ربما مجلدين! قد نندم أو نشعر بالخجل من بعض ما قمنا به، ولكن ليست نهاية العالم، الحياة يجب أن تستمر، وطالما أن هنالك وقتا حاضرا فهذا يعني أن نستغله للإصلاح وإعادة البوصلة، المهم هنا بما أنه لدينا مخزون من الخبرات على تنوعها لماذا نبخل بها ولا نشارك، خاصة الأبناء والشباب؟! اليوم لا تستطيع أن تضع مقالة أو فصلا من كتاب أمام أحدهم وتقول له: «اقرأ، سيعلمك التفكير النقدي، أو سيرشدك إلى التعاطف، أو سيمكنك من التعرف على مهارات التواصل»، قد يبتسم لك ثم يستدير ويضعها في أقرب درج أو حتى سلة قمامة! الوسيط المفضل لديهم هو إما السمعي أو البصري أو الاثنان معا؛ مقاطع من اليوتوب أو جمل وتعابير متجزأة ومقطعة، نريد تأكيد التواصل البشري الذي بدأ يندثر من قاموس حياتنا اليومية، إنسان لإنسان، وليس إنسانا لآلة أو جهاز! والقصة القصيرة والمثيرة، والتي قد تحتوي على فكاهة، تجذب الانتباه وتترك أثرا حتى ولو كان ليس بالكبير، ولكن مع التكرار والتنوع، شيئا فشيئا تكتمل الصورة وتصل الرسالة ويتعلمون من مهارات الحياة التي لا تقدم لهم في المدارس. أبناؤنا يفضلون الرعاية والاهتمام أكثر من التوجيه، لنستخدم الخيال ولنتواصل معهم، بالقصص نستطيع أن نوصل إليهم الرسائل التالية: «تعلم كيف تكون مستقلا، اعمل على بناء قدراتك ومهاراتك، تجاهل النقاد، ولا تحكم على نفسك بمعايير الآخرين، ابحث عن الوظيفة التي تحبها، لأنك سوف تقدم فيها أفضل ما عندك أو أكثر، لا تقسو على نفسك وتعلم من أخطائك، تواصل مع الحياة، وافتح لها حواسك وعقلك، تعلم كيف تكون جزءًا من الكل، توسع بدائرة حياتك الاجتماعية والتخصصية، لا تبحث عن «اليوتوبيا» فهي غير موجودة؛ ولهذا ركز على أفضل الطرق من أجل تحسين وضعك، ركز على قدراتك ومهاراتك، واغتنم الفرص التي تمر أمامك، ليكن لك دور في جعل الحياة أسهل لمن هم حولك، قم بعمل ما يوميا مهما كان صغيرا، فقد يكون تأثيره كبيرا، لا تجعل الوظيفة تسرق منك حياتك وأسرتك، قدم المحبة دون شروط ودون حدود أو تحفظ، فالمردود على صحتك النفسية أكثر بكثير منه على من حولك. القصص مادة ثرية، استخدمتُها وتستطيعون أنتم أيضا القيام بذلك إن أنتم أردتم ذلك! لنفتح القلوب ونمد الأيادي، سنجد ألف قلب وقلب يحتوي وألف يد ويد تصافح؛ مروج قابلة للزرع والتعلم. الخلاصة: نعطي قبل أن نأخذ، ونحترم لنُحترم.

 

د. ميسون الدخيل

كاتبة وأكاديمية سعودية

 

 

شاهد مقالات د. ميسون الدخيل