حاتم حيدر والوجه الآخر

الخميس, 05 أكتوبر 2017 14:22

د. هاني سليمان

مــدارات
طباعة

 

 

كان حاتم يحب ان يخاطَب باسمه. ربما لتذكير الناس بحاتم الطائي الذي هو من نسيجه ومعدنه.. لكن حاتمنا لم يكن أقلّ كرماً من حاتم الطائي.

 

فحاتم الطائي المقتدر دائما والمتعثر أحياناً، حينما لم يجد في بيته ما يُقري به ضيفه، ذبح حصانه وأقام له وليمة تماشياً مع القيم العربية المعروفة، حتى قيل: حاتمُ أكرم العرب. فكيف بحاتمنا الذي ذهبت ثروتهُ وأرضه لخدمة الفقراء، وقدم إثنين من أبنائه شهداء، صوناً للعروبة وإعلاءً لشأنها، وبقي قابضاً على جمرها، لا بل نافخاً في أوارها حتى الرمق الأخير من حياته.

يكفيه رمزيةً أن في بيته طبيب لامع اسمه جود حاتم.

والكرم عندك ليس بذلاً للمال على قلّته فحسب، بل هو شيمة ممتدة في ثنايا الأخلاق والفضائل المتنوعة، بل هو تسليم كامل بالإسلام العظيم الذي جسد الإمام علي(ع) روحه ونبضه وآفاقه الرحبة، حتى نزلت فيه الآية الكريمة {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون} (المائدة - آية: 55).

وهل يستقيم الكرم والكرامة بغير الأم الحاضنة وهي العروبة الجامعة المرضعة لكل مواطن عربي؟ وهل ينمو الطفل العربي صحيحاً متعافياً بغير حليب اللغة العربية، حتى يشب متطلعاً نحو الأفق الأرحب؟

راح حاتم المربي والشاعر واللغوي يعلم، ويفتح المدارس والصفوف لدرجة أن أياديه البيضاء شملت كل مناطق لبنان. أتيته سائلاً: يا سيدي، غداً بعد عمر طويل سيندبك الرجال والنساء قائلين:" حيف عليك يا حاتم يا بي الفقير"، ماذا عن الوجه الآخر لحاتم حيدر؟

لازمته كثيراً ورحت أبحث عن هذا الوجه الآخر له. أدوِّن وأكتب منتهياً إلى استنتاج مفاده، أن ابن الشهيد وأب الشهيدين، ما كان يحده مكان ولا تعيقه عقبة كأداء.

وبسبب من حبه للإطلاع وانتمائه الأصيل، وبالرغم من حداثة سنه في تلك الأيام، يحمله فكره إلى دنيا العرب حيث بدايةُ تشكّلِ وعيهِ الوطني مع الثورة السورية الكبرى ضد المحتل الفرنسي، التي قادها من جبل العرب سلطان باشا الأطرش سنة 1925، والتي كان عقلها السياسي والفكري والتنظيمي القائد الكبير عبد الرحمن الشهبندر، ليلاقيه ومن الشمال السوري الفارس العربي إبراهيم هنانو، ومن الساحل السوري القائد

صالح العلي، ومن البقاع الفارس توفيق هولو حيدر، لتنتصب ثورةٌ عارمة بوجه المحتل الفرنسي. كل ذلك كان بعد أن استشهد وزير الدفاع السوري الفارس العربي يوسف العظمة، في معركة ميسلون الخالدة سنة 1920.

ويتدرج الوعي عنده مع الزيارات المتعددة للدكتور سعيد حيدر المشرف على وضع الدستور السوري والعضو المؤسس في عصبة العمل القومي في أربعينات القرن الماضي، والتي كان شعارها وحدة العرب والاستقلال عن الأجنبي، فكان حاتم من مؤسسيها إلى جانب رئيسها علي ناصر الدين من قرنايل، ونزيه البرزري من صيدا، وقسطنطين زريق من سوريا ونصري المعلوف وكان طالباً في جامعة دمشق وأدمون رباط ومحمد علي الرز من بيروت ومحمد عيسى من القرعون، وغيرهم كثر.

التقى الزعيم الوطني كمال جنبلاط مرات عديدة، وكان الأخير يطلق عليه لقب الصادق. وفي إحداها قال له حاتم: "يا كمال بك، اذا أضفت الى إسم حزبك الحزب التقدمي الاشتراكي كلمة العربي، فإن مئات من البقاعيين سينضوون فيه وأنا كفيل بذلك"، فأجابه جنبلاط: "يا حاتم بدك تقزّمني أنا فكري عالمي". لكن، بعد نشوء الأحلاف الغربية ضد أمتنا، في الخمسينات بهدف خطف لبنان إلى المحور الغربي كما يحصل الآن، وبعد ثورة 1958 في لبنان ضد حليف الغرب وعدو عبد الناصر كميل شمعون، وترافُقها مع حصول الوحدة بين مصر وسوريا، وانحياز جنبلاط متأخراً الى هذه الثورة العارمة، قال له:" يا حاتم كان معك حق ليتني سمعت نصيحتك".

لا يفوتني التذكير أن حاتم شاعر أهل البيت وشاعر المقاومة وفلسطين، كان ربيب الإمام المغيب موسى الصدر وحبيب أبو عمار وفلسطين.

ولكثرة تركيزه على فكرة العروبة كمشروع حضاري، واعتزازه بدور الحيادرة فيه، في سوريا والعراق وفلسطين والأردن، وفي بعض المناسيات الانتخابية البقاعية في عهد كميل شمعون مازحه احد الحضور قائلاً:" ما رأيك يا حاتم ان تطلب من ابراهيم هنانو ان يشكل لائحة بعلبك الهرمل"؟ قال له حاتم: "وهل هناك أنبل واسمى من هذا الشرف"

من فرادة حاتم ان كل واحد منا يعتبر نفسه أنه من أكبر الخاسرين برحيله.

يا حاتم لقد عادت دير الزور الى كنف الدولة السورية، بعد حلب وحمص وحماه، وعاد الموصل

وتل عفر الى حضن الدولة العراقية. وها هي الأمة تعيد لملة أشلائها بعد هذه المؤامرة الكبرى، التي تتعرض لها اليوم كما في السابق.

نم قرير العين، وكما قال سليم حيدر في جمال عبد الناصر: " نم ياحبيبُ فطولَ العمر لم تنمِ ".

 

د. هاني سليمان

مواليد 1949 - بدنايل - البقاع

ـ رئيس لجنة حقوق الانسان في المنتدى القومي العربي

 

 

شاهد مقالات د. هاني سليمان