حوار لاينقطع

الاثنين, 02 أكتوبر 2017 12:15

أميمة الخميس

مــدارات
طباعة

 

 

ظلت الفتوى في حوار متصل مع الزمن لم ينقطع, فهو دوما يضعها أمام تحديات طبيعته المنهمرة المتبدلة المتغيرة الخاضعة للصيرورة الأبدية , وهي تترفق من حيث حرصها على أن لا تبتعد عن الحكم الشرعي ومقاصده وعلاقته بالواقع.

 

وإن كان هناك مساحات تلتقي فيها الفتوى بالزمن عبر الاجتهاد أو القياس أو السمع, ويظل حوارهما مأزوماً ما بين كر وفر, ولكنه يظل حوارهما كجدل الديلكتيك, ولادات متصلة عندما تولد كل فكرة من نقيضها.

وتحتشد المدونة التاريخية بالفتاوى التي انصاعت للزمن وسطوته ومتغيراته, لربما من بواكير الدعوة في زمن الصحابة, وذلك عندما أوقف الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه حد السرقة في عام الرمادة, وظل الانشغال الفقهي يقوم على رتق هذا البرزخ الذي يتسع حينا ويتلاشى أحيانا أخرى بين النص والزمن, يقول ابن القيم (تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد).

والفقيه أبي حنيفة كان يفتي (لو أن واحدا أراد أن يشتري بيتاً, ولم ير منه إلا غرفة واحدة لكان هذا كافيا فهي عينة عن الباقيات) ولكن تلاميذه لاحقا خالفوه في الفتوى لأن عادات الناس في طرز البناء تغيرت عنها في زمن أبي حنيفة, لذا تنتفي الفتوى بانتفاء الأساس الذي قامت عليه .

ولعل هذا يفسر لنا تراجع عدد من الوعاظ عن فتواهم ضد قيادة المرأة للسيارة لاسيما بعد أن أصبحت حقيقة واقعة, رغم أن تلك المجموعات التي كانت تملأ المنابر صخبا وتثويرا وتأليبا وتوغر الصدور ضد حق المواطنة الطبيعي في التنقل, ويبدو أن حوار فتواهم مع الزمن كان أسرع مما نتصور فسرعان ما من عليهم الرحمن بالسكينة وجلاء الرؤيا, ووضوحها وباتت قيادة المرأة للسيارة أمراً لابأس به ...ويندرج ضمن المصلحة العامة.

لكن على كل حال لسنا الآن في موضع تشفٍ أو انتقاص, ولكن لنصل إلى محصلة مفادها أن الحوار الأزلي بين الفتوى والزمن سيظل قائما, ومتغيرا ومتبدلا وخاضعا لسطوة الوقت وصيرورته أزلية التبدل والتغير .

 

أميمة الخميس

كاتبة وروائية سعودية

 

 

شاهد مقالات أميمة الخميس