الطيب الصالح في بيروت

السبت, 20 مايو 2017 21:13 د. حسن مدن مــدارات
طباعة


أتى الطيب الصالح بيروت أول مرة في العام 1958، وكان ذلك بحكم عمله في هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، حيث كان مكتب الهيئة في بيروت معنياً بتغطية أحداث الشرق الأوسط، لذا كان يتم ابتعاثه إلى هناك ليمكث مدداً متفاوتة تستغرق شهوراً، وربما سنة أيضاً.

أتاح له ذلك أن يتعرف على الوسط الأدبي والثقافي في لبنان آنذاك، ونشأت بينه وبين يوسف الخال علاقة صداقة وود، وحول الخال ومجلة «شعر» التي كان يشرف عليها كانت تتحلق مجموعة من الشعراء بينهم أدونيس ومحمد الماغوط وأنسي الحاج وشوقي أبوشقرا وغيرهم.

برأي الطيب الصالح أن التهم التي وجهت للخال ولمجلة «شعر» بموالاة الغرب، في موازاة المد اليساري والقومي والناصري الذي كان مهيمناً في لبنان والمشرق عامة كانت تهماً ظالمة، وهو لا يرى سبباً لأن نجبر الناس على أن يفكروا مثلنا وإلا أصبحوا خونة أو خصوماً للعروبة. وبرأيه أيضاً أن لمجلة «شعر» يعود فضل كبير في إطلاق أسماء شعرية مهمة، ربما ما كان سيتيسر لها أن تصقل موهبتها، آنذاك، لولا المجلة، وورش النقاش التي أطلقتها بين المتحلقين حولها.

كان الطيب الصالح مغروماً بالأدب العربي القديم، والشعر منه بخاصة، وشعر المتنبي على وجه الأخص الذي كان يحفظ منه الكثير عن ظهر قلب، وهو في الحوار المطول الذي أجراه معه طلحة جبريل ونشره في كتابه: «على الدرب.. مع الطيب الصالح» قال، متواضعاً: إن قصيدة واحدة للمتنبي تساوي كل ما كتبته وأكثر.

لذا نجده يبدي تحفظاً مهماً على التفكير السلبي الذي هيمن على حلقة مجلة «شعر» آنذاك فيما يتصل بالموقف من الشعر العربي القديم، تحت دعوى الحداثة الشعرية.

كانت جماعة «شعر» ترى أنها ستحدث ثورة غير مسبوقة في الشعر العربي، فيما كان رأي الطيب الصالح أن أقصى ما يمكن أن يبلغوه هو أن يرفدوا الشعر العربي برافد صغير ليس إلا.

وبرأيه أيضاً أن هذه المجموعة كانت تنتقد الأدب العربي لأنها لم تستوعبه كما يجب، وأنهم لم يقرأوا الشعر الجاهلي جيداً، كما لم يقرأوا جيداً المتنبي وأبي تمام وأبي نواس، وإنهم في أحكامهم تلك كانوا ينطلقون من التأثر ببعض المدارس الفرنسية والإنجليزية.

مع ذلك، فإن الطيب الصالح يستثني يوسف الخال من ذلك، فمن يطلع على ديوانه «قصائد في الأربعين»، سيجد فيه متانة الشعر العربي القديم، فيما الآخرون كانوا يكتبون شعراً أقرب إلى الأشعار المترجمة، مع ملاحظة ما طرأ على موقف أدونيس لاحقاً، حين اهتم بقراءة الشعر العربي واستوعبه، لذلك أصبحت كتاباته مختلفة تماماً.

***

madanbahrain@gmail.com

 

 

د. حسن مدن

تعريف بالكاتب: كاتب ورئيس جمعية المنبر البحرينية
جنسيته: بحريني

 

 

شاهد مقالات د. حسن مدن