جاذبية “الفاترينة”، سحر الرائحة

السبت, 08 فبراير 2014 14:24 د. حسن مدن مــدارات
طباعة

 

في أمور متصلة بسيكولوجيا الاستهلاك، يتوقف الباحثون أمام شيئين لهما أبلغ الأثر في التعامل مع المستهلك، الأول هو فاترينة العرض، والثاني هو رائحة العطور.

 

تصادفنا في المجمعات التجارية وفي الأسواق ومحلاتها "فاترينات" العرض، التي "تقترح" علينا البضائع التي يمكن أن نقتنيها بالشراء، ويرى الدارسون أن "الفاترينا" واقع افتراضيّ موازٍ للواقع الحقيقيّ، ذلك أنَّ إنشاء عددٍ وافرٍ من الصُّور يخلق إحساساً بوفرة البضائع، فالناس ترى البضائع في محلات التسوق الضَّخمة وتحدِّق فيها من خلف الزّجاج وتعبِّر عنْ انبهارها بها.

ولكن الأمر لا يتعدى حدود المتعة البصرية التي تخلق إشباعاً وهمياً أن أغلبية الناس ليستْ في وضع يمكنها من شراء أو اقتناء السلع المعروضة في "الفاترينا" وهذا (الإيهام) هو أحد أهم عوامل جذب المستهلك.

أما الأمر الثاني فهو الرائحة، فمن الخطأ عدم إعطاء التَّقدير اللازم للعطور بصفتها فرعاً بالغ الخصوصية من الثقافة، حيث يكفي أنْ نتذكر الدور الذي تلعبه العطور كإشارات في أكثر العلاقات الإنسانية حساسية.

إن الرَّائحة كمنظومةِ إشارات تتميز بتأثيرٍ قوي على السلوك، فحتى سماع الكلمة التي تصف الراحة تؤثر على مخيِّلة الإنسان الذي يبدأ بالإحساس بها، ولهذا السبب يتم استخدام كلمة الرَّائحة في الاستعارات الأدبية على نطاقٍ واسع.

والغرب طبق عملياً نظرية الروائح على نطاقٍ واسعٍ بهدف تقوية النواة الثقافية للمجتمع، وقدر للناس الذين ينتمون لمختلف الفئات الاجتماعية والثقافية الفرعية وجبة غنية من الروائح، وقامت قطاعات صناعية ضخمة بتطوير صناعات العطور والمكياج والتبغ والمشروبات وغير ذلك من الصناعات التي كان للرائحة فيها الدور المفتاحي في انجذاب الإنسان لها.

واستوقفتني ذات مرة دراسة قيمة عن أسباب انهيار الاتحاد السوفييتي والنظام الاشتراكي، وتفوق الرأسمالية، يعزو كاتبها هذا الانهيار، بين أسباب أخرى طبعاً، إلى إهمال الروس لهذه الجوانب المؤثرة في سيكولوجيا المستهلك، حيث حلل الباحث - واسمه سيرجي كارا مورزا- أثر تلك العوامل الدَّاخلة في النِّطاق الذي يمكن أنْ نسميه نطاق الرموز، بصفتها مؤثِّراً فاعلاً في المآل الذي انتهى إليه الاتحاد السوفييتي، ومن تلك الرموز: الصوت والصورة والرائحة.

فيما يتصل بالصورة، توقف الباحث أمام إنعدام جاذبية "فاترينة" العرض في المحلات التجارية في شرقي أوروبا أيام الاشتراكية قياساً إلى نظيراتها في البلدان الرأسمالية، كما توقف أمام ما دعاه تضاد الروائح، المفتقد للجاذبية.

 

 

د. حسن مدن

تعريف بالكاتب: كاتب ورئيس جمعية المنبر البحرينية
جنسيته: بحريني

 

 

شاهد مقالات د. حسن مدن