التقرير المؤلم

الأربعاء, 29 يناير 2014 09:21

أميمة الخميس

مــدارات
طباعة

 

 

بدأ الإعلام لدينا عبر (صحافة الأفراد) هدير تلك المطابع الصغيرة أوقظ المكان بعد سبات حضاري طويل , وأدارت تلك الصحافة أقلام قدحت جذوة المعرفة مابين نجد والحجاز ونحتت من الصخر أوعية ثقافية غذت بمخزونها مطالع التأسيس , إلى أن تحولت صحافة الأفراد لاحقا إلى صحافة مؤسسات كشكل إداري أكثر تنظيما.

 

بينما تأسس التلفاز والإذاعة كمؤسسة تحت مظلة حكومية كما يوثق ذلك د. عبدالرحمن الشبيلي في كتابه (الإعلام في المملكة العربية السعودية ) , هذا الارتباط الحكومي وأن شكل دعما في مطالع التأسيس إلا أنه جعل الإذاعة والتلفاز ولاحقا (وزارة الإعلام ) ترث الحمولة البيروقراطية التي يكابدها القطاع الحكومي بكل عيوبها الإدارية , فتضخمت الوزارة على مستوى الهيكل الإداري لاسيما مع انضمام وكالة الثقافة لها (التي كانت إدارة في رعاية الشباب) على حساب ديناميكية التجديد وتوسيع أفق الرؤى وتطوير السياسات , وتدريب الكوادر.... في سوق سريعة ومتطلبة ومحتشدة بالمنافسين , فانعكس ذلك سلبا على جودة المحتوى والمهنية الإعلامية.

حتى انتهى بها الأمر إلى التقرير الذي قدمته وزارة الثقافة والإعلام إلى مجلس الشورى والذي يقترب في محتواه من (معروض التظلم أو طلب الإعانة ) منه من تقرير وزارة حكومية يقع على كاهلها مهام كبرى من أبرزها بث وعي ايجابي و توجيه الرأي العام المحلي وتقديم صورة ذهنية مضيئة عن المملكة في المحافل الدولية.

إضافة إلى مسؤوليات الفضاء الثقافي المحلي , المفارقة هنا أن مفردة الثقافة في اسم الوزارة تسبق مفردة الإعلام ورغم هذا فأن الحيز الذي حصلت عليه الثقافة من هذا التقرير هو ست صفحات فقط , وهذا الرقم بموازة حجم المملكة باتساعها وعمقها التاريخي وتنوع خلفيتها الحضارية يقترب من الطرفة ! فلو جمعوا في ذلك التقريرقصاصات الأخبار التي تنشر حول النشاط الثقافي المحلي في الصحف لأعطت التقرير زخمه ومكانته.

ولكن نصل في النهاية إلى أنه تقرير يبعث على الخيبة , هذا إذا عرفنا أن المملكة تخوض حربا شرسا مع التطرف والتيارات المتزمتة ودعاة العنف وعسكرة الشباب واستقطابهم , ذلك الفكر الظلامي المستبد بالكثير من المنابر , من يستطيع مناهضته والتصدي لها وتفكيك أطروحاته سوى فعل ثقافي نشط مسؤول ويحمل في خطابه وعيا تنويريا مستجيبا لمتطلبات المرحلة.

محاضن العنف والتجييش نحو بؤر الهلاك التي تتربص بالفتية في كل منعطف ماكانت ستكون مستفحلة بهذه الصورة المستبدة لو كان هناك أنشطة ثقافية وفكرية جادة تستقطب الشباب وتعلي من غرائز العنف بأعماقهم , وتسمو بنزعاتهم إلى آفاق الفنون والآداب والموسيقى (لم أجلب هذه الحقائق من بنات أفكاري بل هي حلول توصلت لها البشرية منذ الاف الأعوام منذ زمن الأغريق وأسبرطة).

تهميش وإزاحة للمؤسسات الثقافية عن بؤرة الاهتمام , بالشكل الذي يجعلنا نتسأل ماهو الحيز الذي تحتله الثقافة لدى واضعي السياسات لدينا ؟ بعد أن اتفقت شعوب العالم على أن النشاط الثقافي هو الواجهة الحضارية الأولى لها , ليس هذا فقط بل سبق أن صنفت الأمم المتحدة (النشاط الثقافي) كحق للشعوب تماما كحقها في الصحة والتعليم .

وأعود لاستفسر ما المكانة التي تحتلها الثقافة بجميع تجلياتها في ذهنية من يرسم السياسات الكبرى لدينا ؟لأنه عند هذا الحد يجب أن نتوقف عن لوم وتقريع الوزارة على القصور في هذا المجال فالوزارة قد أعدت مقترحا لمشروع باسم (مشروع الملك عبدالله لتطوير الإعلام ) , ولكن يبدو أن وزارة المالية لاتولي هذا الجانب اهتماما ولاتضعه على قائمة أولوياتها..ويترك ليتدهور بهذه الصورة.

لايبدو من مخرج لهذا النفق إلا أن تسلم حقيبة الإعلام والثقافة إلى القطاع الخاص , لعل العنقاء تنهض من رمادها وتحلق من عشها المترمد , ويكون دور الوزارة هي رسم السياسات وصناعة الأطر والضوابط , ليترك عندها الإعلام والثقافة لديناميكية وحيوية القطاع الخاص .

هل وضع إعلامنا ونشاطنا الثقافي الآن يتوازى مع حجم المملكة ومكانتها و مواهب وقدرات شعبها؟

التقرير الذي قدمته وزارة الثقافة والإعلام لمجلس الشوري لايرضي عدو أو صديق..... لكنه أيضا يمتلك الجواب.

 

أميمة الخميس

كاتبة وروائية سعودية

 

 

شاهد مقالات أميمة الخميس