المشاؤون

الأربعاء, 13 نوفمبر 2013 09:54 د. حسن مدن مــدارات
طباعة

 

يحدث أحياناً أن تصادفك في يوم واحد كمية هائلة من سوء الحظ تكون فوق طاقتك أو قدرتك على التحمل: في مثل هذه الحال عليك الذهاب للمشي وحيداً، ففي المشي بالذات تكمن قوة شافية تعبير باتريك زوسكيد مؤلف رواية العطر.

 

وارتباط المشي بالتفكير عادة موغلة في القدم، وليس مصادفة أن واحدة من أهم المدارس في الفلسفة اليونانية القديمة كانت تسمى المشائين، لأن مريديها كانوا يشكلون أفكارهم الفلسفية وهم يمشون، ويقال إنهم كانوا يمشون مثنى أو ثلاثة في ساحة داخلية ليست كبيرة يقطعونها ذهاباً وإياباً، وهم يتجاذبون الأفكار التي تشغل بالهم.

بيد أن المشي المنفرد ينطوي على مغزى عميق، ذلك بأنه يقترح عليك مزاجاً منعشاً بالحرية، الحرية الداخلية في المقام الأول، التي هي عصب التفكير الحر. إن المشي في الفضاء المفتوح الممتد بجوار البحر أو في إحدى الحدائق أو الغابات هو ما يهب الماشي الشعور بجمالية ذلك الفضاء المتناهي في الكبر، ويستحث الحواس كلها على التنبه الشديد واليقظة.

كان زوسكيد قد شرح ذلك في روايته “الحمامة”، ملاحظاً أن الرتابة في تحريك قدم بعد الأخرى بإيقاع متزن من التلويح بالذراعين على الجانبين، والتسارع في تردد النفس والنشاط الخفيف في النبض، والتوظيف الضروري للعينين لتحديد الاتجاه والمحافظة على التوازن، كلها أشياء تضطر الروح والجسد للتوحد بطريقة حتمية، وتترك الروح حتى لو كانت في أشد حالاتها غياباً وتثاقلاً تنمو وتتسع.

والمشي الذي نحن بصدد الحديث عنه هنا هو مشي الهوينا، وليس المشي السريع الذي يمارسه هواة الرياضة، فهذا الأخير وظيفة قائمة بذاتها، المشي من أجل المشي، أما مشي المشائين فهو ذاك الذي يحقق متعة استنفار الحواس كافة.

هذا النوع من المشي إذا ما كان منتظماً وفي مكان بعينه يخلق بينك وبين الممشى اليومي علاقة جديرة هي الأخرى بالملاحظة، لأن العادة تقيم صلة بينك وبين الأشياء القائمة في المكان الذي اخترته ساحة لمشيك، ومن دون سابق تخطيط تقوم كل يوم بفحص هذه الأشياء وملاحظة ما طرأ عليها من تغير، ثم إن هذا المشي في المكان ذاته سيستدرجك مع الوقت حتى من دون أن تكون راغباً في ذلك لمراقبة من يأتون كل يوم إلى المكان نفسه وفي الميعاد نفسه مثلك للمشي، كأن آصرة سرية، شيء أشبه بالأخوة يجمع بينكم.

*******

madanbahrain@gmail.com

 

 

د. حسن مدن

تعريف بالكاتب: كاتب ورئيس جمعية المنبر البحرينية
جنسيته: بحريني

 

 

شاهد مقالات د. حسن مدن