موقع التجديد العربي

للتواصل عبر البريد الإلكتروني: arabrenewal2002@gmail.com 

 
  • default color
  • green color
  • blue color

العدالة الاجتماعية جوهر الخلافة الراشدة

إرسال إلى صديق طباعة PDF

الحديث عن الانقسامات والتحزبات التي تشهدها المجتمعات الاسلامية منذ انتهاء عهد الخلافة الراشدة لن يقف عند مرحلة زمنية معينة يمكن أن نصفها بالمرحلة العاصفة أو مرحلة التغيرات الكبرى، فما يحدث منذ وفاة آخر الخلفاء الراشدين هو سيناريو متكرر رغم اختلاف الزمان والمكان والمعطيات المحيطة بكل حدث يلقي بظلاله سواءً على المجتمعات التي تشتد فيها وطأة الصراع الطائفي والمذهبي

أو حتى تلك التي تعيش توافقا طائفيا ومذهبيا صوري! لم أجد على امتداد خريطة العالم الإسلامي المعاصر أي اجماع على رؤية إسلامية معتدلة يمكن أن نستمد منها في الأزمات والملمات جوهر الدين الإسلامي الذي أسسه نبي الرحمة، وحمل لوائه من بعده الخلفاء الراشدين كنظام رباني يوازن بين كل متطلبات الحياة المؤثرة في المعترك اليومي للبشرية جمعاء وهو ما عجزت عن تحقيقه كل النظم البشرية التي دأبت على السقوط والنهوض لأنها اعتمدت على المبادئ المادية في تعاطيها مع ظروف الكائن البشري المنحور من الوريد الى الوريد بسبب طبيعة تلك القوانيين التي تحتم وجود ضحايا لكل هزة تصيب أنظمتها الهشة!. فليس من المستغرب أن يتحول الشاب المسلم المعاصر لضحية تختار لها الجماعات المتطرفة الوقت والمكان الملائم لذبحها تقربا الى الله وطلبا لملذات الآخرة لأن جوهر الإسلام الحقيقي - المتمثل بالعدالة الاجتماعية- غٌيب منذ انتهاء عهد الخلافة الراشدة عن كل مظاهر الحياة وأصبح هبة لا ينالها المرء إلا بشفاعة الأتباع المقربون من بلاط السلطة. ولهذا أخذت الحركات والتيارات الناشئة تتبنى منهجية تصادمية بحثا عن تغيير الواقع المعاش لأنه يفتقد لأهم مكونات التشريع الإلهي ألا وهي العدالة الاجتماعية والتي من خلالها يتحقق التوازن الطبيعي لكافة طبقات المجتمع ويجعلها تتقبل أوضاعها الاجتماعية بأريحية وقناعة تامة لأن حلبة التنافس في هذه الحالة لا تخضع لمقاييس القوة والضعف وأنا هنا لا أشير لحياة مثالية يستحيل تطبيقها على أرض الواقع فأنا لم أقتبس هذه الرؤية من أدبيات المدينة الفاضلة بل إنها جوهر وأساس الحياة المدنية المعاصرة في العالم الغربي حتى وأن لم ترتقي تلك الحياة لمفهموم العدالة المطلقة فهي تلبي احتياجات النفس البشرية المتطلعة دائما إلى حياة أفضل على الرغم من قسوة أنظمتها الاقتصادية إلا أنها على الأقل تهب مساحة كبيرة من المساواة والعدل وهما أسمى ما أتت بهم الرسالة المحمدية. إذا مبدأ العدالة الاجتماعية ليس مبدأ طوباوياً نجتره بشيء من النوستالجيا من الماضي البعيد بل هو مفهوم سائد في مجتمعات معاصرة كانت بالأمس القريب متناحرة ومتفككة لم تذق طعم الاستقرار إلا حينما سنت القوانين والعقوبات الرادعة لتضمن الحقوق والواجبات للجميع بغض النظر عن العرق أو الدين أو أي اعتبارات أخرى تؤثر على مبدأ العدل والمساواة.

 

ومن هذا المنطلق دائماً ما يتبادر إلى ذهني سؤال قديم جداً حول السبب الرئيس لوجود الصراعات والنزاعات التي تغذيها ايديولوجية الأحزاب والجماعات، وهو لماذا لا نجد في عالمنا الإسلامي المعاصر بيئة إسلامية عادلة بمقاييس العدل الذي أرسى قواعده الرسول الكريم ومن بعده خلفائه الراشدين؟ هذا السؤال لا زال يقلقني منذ بداية تكويني الفكري والمعرفي، ولم استطع أن اجد له اجابة شافية رغم ايماني الشديد بأن الأمة الاسلامية تزخر بعلماء أجلاء نذروا أعمارهم لخدمة الدين على مدى كل العصور إلا أنه إلى الآن ونحن ننساق خلف الأفكار المذهبية والحزبية البعيدة كل البعد عن سمو التعاليم الربانية! دون أن نجد نماذج اسلامية تعبر بصدق عن جوهر الدين الاسلامي من غير أن تنغمس في أوحال الإيديولوجيا المقيتة. ففي خضم هذا العصف الذهني الذي أدعي ممارسته الآن لجلب الصور المضيئة في تاريخنا الاسلامي من ذاكرتي المتعبة لعصور ما بعد الخلافة الراشدة، أجد أن الخلفية عمر بن عبدالعزيز أحدث في تاريخنا الإسلامي مفارقة كبرى تركت آثاراً عظيمة في وجدان الأمة الاسلامية بأسرها، فقد كانت فترة حكمه تدحض كل افتراءات الثقافة الجمعية المتراكمة عن استحالة استلهام عهد الخلافة الراشدة في واقعنا المعاصر واعتبارها من المثاليات التي يستحيل تطبيقها في الوقت الراهن رضوخاً للمعطيات السياسية والاقتصادية التي تحاصر العالم الإسلامي منذ عدة قرون. كان عمر يجرد نفسه من كل هوى أو ميل ولا ينحاز إلا للعدل الذي أتت به الرسالة المحمدية حتى لو آلمه بكاء طفلته الصغيرة التي لم تجد ثوباً جديداً لترتديه في يوم عيد المسلمين وهو أمير المسلمين إلى آخر القصة المعروفة، ليترك لنا صورة من أبلغ صور الوفاء للقيم والتعاليم الاسلامية. والحديث عن عدل عمر بن عبد العزيز هو بمثابة رسالة احتجاج إلى أولئك اللذين يضفون هالة القداسة والطهر - بتطويع اللغة بصورة ملائكية مخادعة- على عهد الخلافة الراشدة ويكرسونها في ذاكرة الأمة على أنها مرحلة لم تدنسها شوائب الأهواء الشيطانية وكأن كل أفراد ذلك العصر ملائكة مرسلون!. أعظم خطأ يرتكبه هؤلاء بحق ديننا الحنيف هو هذه اللغة المقدسة للماضي البعيد، وإلى هؤلاء أقول بأن ابن سلول وابن سبأ وماعز بن مالك وابن ملجم الخارجي وابو لؤلؤة المجوسي وغيرهم ممن دون التاريخ أسمائهم - باختلاف ما ارتكبوه من جرم ومعصية- ما هم إلا شواهد على الوجه الآخر للطبيعة البشرية في تلك العصور الزاهية لأنهم استسلموا لنوازع الشر ولم يربأوا بأنفسهم عن الوقوع في براثن الإثم والخطيئة. إني أشفق كثيراً على ذلك الشاب المسلم الذي لم يسعفه الحظ ليطَلع على مآثر الحضارة الإسلامية منذ إنبلاج عصر النبوة لأنه سيصبح صيداً سهلاً لكل تيار مؤدلج يرفع شعار الحق والفضيلة دون أن يدرك إلى أي المآلات ستفضي به تلك الإيديولوجيا. إن من واجب علماء الأمة الإسلامية التحلي بالشجاعة الكافية للإعتراف بأن من أهم أسباب وجود كل هذه الصراعات الدموية في عالمنا المعاصر هو غياب العدالة الاجتماعية. وحسبي أن تذبذب حضور القيم الدينية العليا في أنظمتنا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، هو بسبب محاولة صهرها مع القيم البشرية بصورة تجعلها تبدو ستاراً يخبىء قبح الأطماع البشرية في كل أزمنتنا التي تلت عهد الخلافة الراشدة.

 

 

 

 

عيد الظفيري

كاتب سعودي مهتم بالشأن الثقافي والسياسي

 

 

شاهد مقالات عيد الظفيري

أرشيف وثائق وتقارير

صحافة وإعلام

مواقــــع

أخبار منوعة

أوباما بالرياض للتعزية ولإجراء مباحثات مع الملك سلمان بن عبد العزيز

News image

وصل الرئيس الأميركي باراك أوباما اليوم الثلاثاء إلى الرياض قادما من الهند، وذلك لتقديم الت...

الفراغ السياسي يُدخل اليمن في متاهات التقسيم والفوضى

News image

صنعاء ـ قالت مصادر اعلامية إن هناك أنباء عن اتفاق لتشكيل مجلس رئاسي في الي...

ليبيا: 4 انتحاريين يفجرون أنفسهم بفندق الدبلوماسيين

News image

قال موظف داخل فندق كورنثيا في اتصال مع "العربية" من طرابلس الليبية، إن أربعة مسل...

السيسي يعتبر أمن الخليج خطا أحمر لمصر

News image

أبوظبي - دعا الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي الاثنين الى تجديد الخطاب الديني لمحاربة الإرهاب متس...

الحوثيون يطلقون سراح بن مبارك مدير مكتب الرئيس اليمني المستقيل عبد ربه منصور هادي

News image

قال مراسل الجزيرة في اليمن إن جماعة الحوثي أطلقت سراح أحمد عوض بن مبارك مدي...

الملك عبدالله في ذمة الله .. سلمان ملكاً.. مقرن ولياً للعهد

News image

الرياض - "بيان من الديوان الملكي" ببالغ الأسى والحزن ينعى صاحب السمو الم...

رحيل العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز

News image

رحل خادم الحرمين الملك عبد الله بن عبد العزيز الذي كان يعد أحد أهم الز...

مجموعة التجديد

Facebook Image

المزيد في مدارات

عشر سنوات من حكم الرئيس..!

مــدارات | سميح خلف | الأربعاء, 28 يناير 2015

عشر سنوات حكم فيها الرئيس عباس سلطة الحكم الذاتي واعدا في بداية ترشيحه لتسلم هذا...

عشر سنوات عجاف

مــدارات | د. فايز أبو شمالة | الأربعاء, 28 يناير 2015

حقاً، إنها عشر سنوات عجاف، صار خلالها سفيان أبو زايدة وزيراً، ولكن الوزارة لم تثن...

المكاشفة تعني المناقشة المؤمنة بالحرية الفكرية

مــدارات | جمال ايوب | الأربعاء, 28 يناير 2015

إن فقدان المكاشفة وانعدام المحاورة والتعنت في إبداء الرأي من أسباب تخلفنا الاجتماعي على الر...

المشهد التمثيلي – قصة قصيرة

مــدارات | حسين علي غالب | الأربعاء, 28 يناير 2015

الابتسامة مرسومة على وجوههم، يصفقون بكل قوتهم، يحركون رؤوسهم كل عشرة دقائق كعلامة للاهتمام....

إطلالة

مــدارات | ريم أبو الفضل | الاثنين, 26 يناير 2015

نسوان وعناتيل بلدنا كثيرا ما تستوقفني أحداث.. أشخاص.. مواقف قد أكون فيها بطلة، أو كوم...

المطلوب رجل واحد..!!

مــدارات | عادل أبو هاشم | الاثنين, 26 يناير 2015

ماذا يجري داخل حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح"..؟!. هل حقا تم اختطاف هذه الحركة الت...

حصيلة التنسيق الأمني في أسبوع

مــدارات | د. فايز أبو شمالة | الاثنين, 26 يناير 2015

يقول المثل العربي: من أمن العقوبة أساء الأدب، فكيف لو كان الذي أمن المقاومة يهو...

حق الشهداء علينا أن تبقى ذكراهم خالدة

مــدارات | جمال ايوب | الاثنين, 26 يناير 2015

تعجز الكلمات امام الشهداء الابرار، تحية لأرواح الشهداء الذين قدموا ارواحهم رخيصة على طريق تحر...

حكاية مدينتين

مــدارات | د. حسن مدن | الأربعاء, 21 يناير 2015

في كل بلد خضع للاستعمار خلّف المستعمرون وراءهم، حين رحلوا، مستويين من المعيشة. الأول هو ...

السلطة الفلسطينية والخراف السوداء..!!

مــدارات | عادل أبو هاشم | الأربعاء, 21 يناير 2015

انحراف القلة لا يشين جهاد الشعوب ولا سمعتها، وقد مرت في العديد من الأقطار أحد...

طولكرم تدافع عن مخيم عسكر وبلاطة

مــدارات | د. فايز أبو شمالة | الأربعاء, 21 يناير 2015

جاء في الأخبار أن أكثر من عشرين جيبا عسكريا إسرائيلياً اقتحموا مدينة نابلس، وتحديدا مخي...

موت اللاجئين السوريين بسبب البرد والصقيع

مــدارات | جمال ايوب | الأربعاء, 21 يناير 2015

المجتمعات العربية بحالة فصام ثقافي حضاري سياسي تاريخي تؤثر سلباً على وحدة المجتمعات العربية وتم...

المزيد في: مــدارات

-
+
10
حاليا يتواجد 1194 زوار  على الموقع