تجارة الخوف

الثلاثاء, 31 يوليو 2012 14:21

د. توفيق السيف

مــدارات
طباعة

لو جاء رجل غريب إلى بلادنا واطلع على ما يقال ويكتب حول أوضاع المجتمع لظن أن السعوديين على وشك أن يخرجوا عن مبادئ الإسلام. لا يمر أسبوع دون أن نسمع أو نقرأ تحذيرات عن انفلات أخلاقي أو هجر للدين الحنيف أو مؤامرات داخلية وخارجية تستهدف إفساد الشباب.

لسنا مجتمعا ملائكيا، ولسنا في الوقت نفسه دار الشيطان، نحن مجتمع اعتيادي، يعيش مثلما يعيش خلق الله، ويفكر مثل سائر خلق الله، يصيب ويخطئ. هذا لن يقودنا إلى إقامة المدينة الفاضلة التي يتخيلها بعض الناس، وهي على أي حال لن تتجاوز مكانها الطبيعي كخيال على ورق. وجود المخطئ والآثم لا يبرر رجم المجتمع كله ولا يبرر تسفيه أحلامه ولا اتهامه بما يشير إلى أنه قاب قوسين أو أدنى من السقوط في وحل الخطيئة.

لكن هذا ليس سوى نصف القصة، بقية القصة تقول: إن من يبالغون في تصوير الإثم في المجتمع، يشيرون ضمنا إلى فشلهم هم، إلى فشل خطابهم وفشل ثقافتهم.

يصل عدد المساجد في المملكة إلى 72 ألفا. وتدير هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر 470 مكتبا في أنحاء المملكة يشغلها قرابة خمسة آلاف موظف. وفي عام 2010 كان في البلاد ما يزيد قليلا على 25 ألف حلقة تحفيظ قرآن، تستوعب 515 ألف طالب كل عام، ويعمل فيها 26500 معلم وموظف، عدا 2077 مدرسة تحفيظ متخصصة تديرها زارة التربية. ونعلم أن جميع المدارس العامة تخصص نحو 15 في المائة من جهد التعليم للثقافة الدينية. وذكر تقرير لوزارة الأوقاف أنها أقامت ما يزيد على ثمانية ملايين منشط دعوي في عام واحد، أضف إلى ذلك نحو 60 ساعة بث إذاعي وتلفزيوني يوميا مخصصة للبرامج الدينية.

هذه النشاطات الدعوية تستهدف، كما هو واضح، إقناع الناس بالمحافظة على دينهم والالتزام بتعاليمه. وهي تجري دون توقف في جميع أيام السنة. بكلمة أخرى فإن أي شاب سعودي وصل سن اﻟ25 يكون قد تعرض للتثقيف الديني المباشر أو الضمني بنسبة لا تقل عن ساعة يوميا طوال 20 سنة من حياته.. فهل يعقل أن يثمر كل هذا عن شخص منفلت أو معاد للدين أو سريع الاستجابة لدعاة الشيطان؟

من ينادي بهذه الدعوى فهو يقول ضمنا: إن تلك النشاطات الضخمة فارغة وفاشلة، وإن وجودها مثل عدمها.. فهل نقبل هذه النتيجة؟

أظن أن تيار التخويف يعلم جيدا أن مجتمعنا ليس بيئة آثمة. أظنهم يعلمون أن شبابنا ليسوا فرائس الشيطان، لكن التخويف تحول إلى بضاعة رابحة لهم. يعرف السياسيون أن التخويف من المجهول أقوى وسيلة للسيطرة على قلوب الناس، ولهذا فإني أدعو ''تيار التخويف'' هذا للحديث بصراحة عما يريدون، بدل اللعب على أوتار العاطفة الإنسانية. فليقولوا بصراحة: إنهم يسعون وراء النفوذ الاجتماعي، سيقبل بهم بعض الناس وسيرفضهم آخرون، وهذا هو منطق الأمور. هذا خير من التشكيك في المجتمع وبث الريبة في أوساطه.

أيها الساعون للنفوذ لا تتوسلوا بعباءة الدين، دعوا ديننا في مكانه الرفيع وابتكروا وسيلة أخرى، أو صارحوا الناس بما تريدون وكفى.

 

 

د. توفيق السيف

كاتب سعودي

 

 

شاهد مقالات د. توفيق السيف