موقع التجديد العربي

للتواصل عبر البريد الإلكتروني: arabrenewal2002@gmail.com 

 
  • default color
  • green color
  • blue color

في رثاء رجل نادر

إرسال إلى صديق طباعة PDF

كل الذين عرفوا محجوب عمر أحبوه وبكوه، لكن قليلين هم الذين فهموه. الجميع رأوا فيه إنسانا نبيلا ومناضلا من الطراز الأول، إلا أنني أزعم أنه كان إنسانا نادرا بلا نظير تقريبا. والذين تحدثوا عنه باعتباره ابنا للحركة الشيوعية المصرية، وقفوا عند فترة معينة في تاريخه، لم ينكرها الرجل لكنه تجاوزها

بمراحل إلى الحد الذي دفعه حين التحق بالمقاومة الفلسطينية عام 1969 في عمان لأن ينضم إلى حركة فتح وأن يرفض الانخراط في المنظمات اليسارية العاملة هناك (الجبهتان الشعبية والديمقراطية). وقال لي الأستاذ عبدالقادر ياسين اليساري الفلسطيني الذي رافقه في سجن الواحات والتقاه في عمان انه في تلك المرحلة لم يكتف بالابتعاد عن الجبهتين الشعبية والديمقراطية، وإنما نأى بنفسه أيضا عن يسار فتح وصار أقرب إلى القياديين ياسر عرفات وخليل الوزير (أبوعمار وأبوجهاد)، لذلك أصبح يحسب على التيار الوطني وليس اليساري. مما يذكره ياسين أيضا أن محجوب عمر أمضى عشر سنوات في سجن الواحات (من عام 54 إلى 64) رغم أنه كان محكوما عليه مدة ثماني سنوات فقط لأنه كان مسئولا عن خلية الحزب الشيوعي في جامعة إبراهيم باشا (عين شمس حاليا). والسبب في إطالة المدة أنه طلب منه وقت إطلاق سراحه أن يسجل إدانته لما فعله ويتعهد بوقف نشاطه، لكنه رفض التوقيع على ذلك الإقرار الذي وقع عليه آخرون. وحينذاك أعيد إلى السجن مرة أخرى كمعتقل، حيث أمضى سنتين قبل أن يطلق سراحه بعد ذلك. وبعد خروجه ظل محتفظا باسمه الحركي الذي كان يستخدمه خلال فترة عمله السري، حتى عرفه الجميع باسم محجوب عمر ونسوا رؤوف نظمي، واسمه المدون في شهادة الميلاد.

 

الكتابات المحدودة التي تعرضت لسيرته قدمت رحلته وذكرت فضائله، لكنها تضمنت معلومة غير دقيقة، حين ذكرت أن الرجل اشترك في الثورة الجزائرية، وهو استنتاج انبنى على أنه سافر إلى الجزائر بعد أربع سنوات منذ خروجه من السجن. والحقيقة أن الثورة الجزائرية انطلقت وحققت انتصارها وهو في سجن الواحات. وكان ذهابه إلى الجزائر في سنة 1968 (بعد ست سنوات من الاستقلال عام 62) ليعمل طبيبا هناك. ومن الجزائر انتقل إلى فرنسا ثم إلى عمان حيث انضم إلى مقاومة الاحتلال الصهيوني. وهى القضية التي نذر نفسه لها حتى لحظة وفاته هذا الأسبوع.

أما لماذا هو إنسان نادر، فلأنه كان رجلا مفتوح العقل والقلب، وعابرا للأيديولوجيات، بحيث اختار أن يرتفع فوق كل انتماء له. وأن يجعل النضال من أجل القضية الفلسطينية محور حياته وموضوع نضاله. وقد كان صديقنا الراحل عادل حسين ممن لمسوا ندرة معدنه، لذلك أصبح من أقرب المقربين إلى قلبه. وحين كان يرأس تحرير صحيفة «الشعب»، ظل محجوب عمر أحد كتابها الأساسيين حتى توقفت عن الصدور. ورأيته في جنازة عادل حسين يذرف الدمع الغزير حزنا على فراقه. كما لحظته وقد دخل المسجد على كرسيه المتحرك أثناء الصلاة على جثمانه.

النموذج الذي قدمه محجوب عمر يجسد لنا أهم ما نفتقده هذه الأيام بالذات. إذ إنه بارتفاعه فوق الأيديولوجيا، وتطهره من الرواسب والمرارات واختياره الموقف الصحيح من القضية المركزية وانخراطه، في إنكار مدهش للذات، مع كل من التقى معه على الهدف، بصرف النظر عن هويته أو مِلَّته أو جنسه. إذ لم يكن يهمه من يكون الشخص، لأنه كان مهجوسا بشيء واحد هو موقفه من قضايا الوطن والمستقبل.

نفتقد محجوب عمر بشدة هذه الأيام، التي نشهد فيها استقطابا وتنازعا على الأنصبة واقتتالا بين ركاب السفينة، ناهيك عن الادعاء والتهريج والاتجار بالثورة والوطنية. نفتقد ذلك الاستعلاء فوق الصغائر وذلك الصفاء في الرؤية والنظر، وذلك الزهد في الأضواء والمناصب، وذلك الإدراك العميق لقيمة احتشاد الشرفاء دفاعا عن مصالح الوطن وأحلام البسطاء.

كأن الأقدار اختارت له أن يظل مغمورا ومنكرا لذاته حتى في لحظة رحيله، التى حجبها تزامن تلك اللحظة مع حدث وفاة البابا شنودة الذي أغرق مصر في بحر من الحزن. ولأن الأخير أعطى ما يستحقه، فقد وجدت أنه من الإنصاف أن نعطى محجوب عمر أيضا بعض ما يستحقه.

 

 

فهمي هويدي

كاتب ومفكر إسلامي مصري

 

 

شاهد مقالات فهمي هويدي

أرشيف وثائق وتقارير

صحافة وإعلام

مواقــــع

أخبار منوعة

النصرة تعدم جندياً لبنانياً ومعارك بين الجيش ومسلحين

News image

بعلبك - فرانس برس-أعلنت جبهة النصرة، جناح القاعدة في سوريا، في ساعة مبكرة من الس...

هدوء حذر بلبنان عقب احتجاجات تلت إعدام جندي أسير من قبل جبهة النصرة

News image

عاد الهدوء إلى منطقة البقاع بشرق لبنان عقب انتشار مسلحين وقطع طرقات من قبل أها...

مقتل الرهينة الأميركي باليمن خلال عملية تحريره

News image

أعلن وزير الدفاع الأميركي تشاك هيغل أن الصحفي الأميركي لوك سومرز الذي أعلن اليوم عن ...

أوباما يرشح آشتون كارتر وزيرا للدفاع خلفا لهيغل

News image

أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما اليوم الجمعة ترشيح آشتون كارتر لمنصب وزير الدفاع القادم، خلف...

فوز نداء تونس في الانتخابات التشريعية يعيد الحسابات ويتسبب في هلع كبير لدى الأحزاب الخاسرة

News image

تونس- بدأت أمس في تونس حملة أول انتخابات رئاسية ما بعد الثورة والتي يعتبر رئي...

بوتفليقة يترحم على شهداء ثورة الجزائر المغدور بها في الذكرى الستين باستقلال الجزائر

News image

الجزائر - ترحم الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة السبت على أرواح "الشهداء" في الذكرى الس...

مصر: 3 إصابات بانفجار عبوة ناسفة أسفل "كوبري" في القاهرة

News image

أصيب ثلاثة أشخاص في انفجار عبوة محلية الصنع، السبت بحسب ما أكدت الإدارة العامة للحماية ال...

مجموعة التجديد

Facebook Image

المزيد في مدارات

الأخلاق هي الأثر الباهر للأفراد والمجتمع

مــدارات | محمد شوارب | الاثنين, 15 ديسمبر 2014

منذ أمد وأنا أكتب وأصول وأجول بقلمي في مواضيع شتى ومختلفة. لعلني أجد فيما أطر...

الشهيد القائد زياد ابو عين العاشق لفلسطين حتى الشهادة

مــدارات | عباس الجمعة | الاثنين, 15 ديسمبر 2014

فى الصفحات تتبدل الأحلام، سقط الشهيد الاسير المحرر القائد الكبير زياد ابو عين في معر...

زياد ابو عين "وللعشق رواية..."

مــدارات | سميح خلف | الاثنين, 15 ديسمبر 2014

ربما نهاية الرواية قد تبدأ بها الرواية ايضا، قصة البداية والنهاية، وشجرة الزيتون وطين الا...

زياد أبو عين شهيد "العرس الفلسطيني"

مــدارات | عادل أبو هاشم | الاثنين, 15 ديسمبر 2014

شهيدنا زياد أبو عين... ليس من السهل أن يكتب المرء عن زياد أبو عين، فال...

الزهار يعترف بالخطأ

مــدارات | د. فايز أبو شمالة | الاثنين, 15 ديسمبر 2014

في أروقة فندق فومنبيك بغزة، نظمت فضائية الأقصى لقاءً حوارياً ضم الدكتور محمود الزهار، الق...

المواطن العربي يشعر بالخزي والعار

مــدارات | جمال ايوب | الاثنين, 15 ديسمبر 2014

التناقض الذي نعيشه كمواطنين في بلادنا العربية وبان المواطن يعيش كالغريب في وطنه فلا شيء...

أسقف في أربيل

مــدارات | وليد الزبيدي | الاثنين, 15 ديسمبر 2014

يقول د. احمد سوسه: تتفق التواريخ المسيحية والكتب الطقسية القديمة على ان اولى الجماعات الن...

أنت والفيس بوك وتويتر وجهنم

مــدارات | صالح بن عبدالله السليمان | الاثنين, 15 ديسمبر 2014

ليتنا نعلم أننا محاسبون عن كل كلمة نقولها أو نكتبها، وبانتشار وسائل التواصل الالكترونية ولض...

العرب وأمراض الحياة العامة

مــدارات | محمد محفوظ | الثلاثاء, 9 ديسمبر 2014

كثيرة هي الأحداث والتطورات، التي تصدم الإنسان، وتجعله يفكر ملياً في طبيعة العصر الذي نعي...

الإخوان المسلمين أفسدوا ماضيهم وحاضرهم

مــدارات | محمد شوارب | الثلاثاء, 9 ديسمبر 2014

مصر دائماً وأبداً وهي تحوي الآراء والمذاهب والأديان على اختلافها. وفي بلادنا تجد وترى كل ...

“إقعدي يا هند”

مــدارات | د. حسن مدن | الثلاثاء, 9 ديسمبر 2014

شاع الحديث في السنوات الأخيرة عما بات يعرف بنظام "الكوتا النسائية"، في المجالس النيابية وال...

المبادرة الفرنسية واستمرارية العبث..!!

مــدارات | سميح خلف | الثلاثاء, 9 ديسمبر 2014

برغم النصر الكبير الذي حققه الشعب الفلسطيني على الصعيد الشعبي والبرلماني الاوروبي واعتراف برلمانات اور...

المزيد في: مــدارات

-
+
10
حاليا يتواجد 948 زوار  على الموقع