أما عن إيمانه اللا محدود بمنطلق السعادة الخالدة فقد جعله يواجه القهر والسجون والأغلال بصبر قل مثيله، وعندما ساقوه - على سبيل المثال- من صنعاء إلى تعز مع عدد من رفاقه المناضلين في سلسلة من الحديد وهم يسيرون على أقدامهم حفاة تحت شمس النهار وبرد الليل لم تتزعزع إرادته، بل زادته القسوة صلابة وتحدياً واستعداداً للمزيد من الصبر والتضحية.
والسعادة الخالدة في تفسيره الموجز شعور بالطمأنينة وإيمان خالص يمكن الإنسان من تحمل كل أنواع العذاب في سبيل المبدأ الذي يناضل من أجله، وهي - أي السعادة الخالدة- سلاح الكائنات البشرية المقهورة، والمستنيرة معاً، تلك التي تستطيع بالعقل والحكمة والصبر أن تتحكم في مسير حياتها بعيداً عن الرضوخ للأمر الواقع، والقبول بأنصاف الحلول، أو الاستسلام للإغراء والتطلعات اللا إنسانية واللا أخلاقية. وتلك الكائنات البشرية التي تجسد المثالية والواقعية في آن، قادرة على أن تحرر نفسها بالرضا المطلق من القلق أو الانسياق وراء ما يفرضه الضعف البشري.
وإذا كان الإعدام هو من أقسى العقوبات التي ينزلها الطغاة بالإنسان المناضل إن لم يكن أقساها، فإنه كان بالنسبة لهذا النوع من المناضلين باباً للانعتاق، ومصدراً من مصادر الانتقال من حالة الخوف إلى حالة اللا خوف، باعتبار الموت بأي شكل من الأشكال ميلاداً جديداً، ميلاداً نحو الأفضل والأكمل، حين تحرر معه النفس البشرية الحرة من دنس الحياة المليئة بالفساد والظلم، وهو انتقالة نبيلة إلى طهر العالم الآخر المفعم بكل ما وعد الله به عباده الصالحين من خير عميم ونعيم مقيم، ومما لا عينٌ رأتْ ولا أذنٌ سمعت، وكل ذلك كفيل بأن يجعل المناضل الصادق الصبور ينسى كل ما يمكن أن يتعرض له في حياته القصيرة مهما طالت.
قبل ثلاثة أيام من رحيل المناضل عبدالسلام صبرة إلى ذلك العالم المنشود، كنت في زيارته مع الصديقين الأستاذ قادري أحمد حيدر والدكتور همدان زيد مطيع دماج، كان في غفوة بعد سهر يبدو أنه كان طويلاً، ولم يكن يتألم أو يشكو من وجع ظاهر كما يحدث لكثير من المرضى، وكان حفيده صالح عبدالله عبدالسلام إلى جواره والطبيب المناوب يتابع حالته، ويقول إنه بخير، كل جسده بخير، استبشرنا خيراً وامتلأت نفوسنا بأمل كبير في أن نراه قريباً وهو مواصل حركته اليومية بنشاط شاب في الثلاثينيات من عمره باحثاً عن آخر الإصدارات بوصفه القارئ الذي لم يفقد متعة القراءة حتى وهو على سرير المرض، يتابع الصحف ويقرأ الكتب أو يساعده على قراءتها واحد أو اثنان من أحفاده، وبعد ظهيرة الخميس الثاني من فبراير فوجئت البلاد بالنبأ الصاعق، لقد توقف نبض قلب القاضي عبدالسلام، المناضل الذي عكس بكفاحه الدؤوب نبض الوطن، وعاصر كل الانتفاضات والثورات وشهد أهم الصراعات، وكان شاهداً على قرن كامل من التاريخ، بكل ما فيه من انتصارات قليلة وانكسارات كثيرة، لقد رحل، ولم يرحل، رحل بجسده، وبقي بروحه وبمواقفه التي لم تشبْها شائبة، تغمده الله بواسع الرحمة والرضوان. والبقاء لله وحده.
*******
تأملات شعرية:
أعرف أن حياة الناس
طريق للموت
وأن الموت طريق لحياة
لا أبدع منها أو أنضر
لكني ألمح خلف دموعي
أمكنة خالية لرجال كانوا
ملء التاريخ، وملء الوطن الأكبر
كيف ينام البحر
وكيف تنام جبال كانت
في ظل رؤاهم لا تسهر؟!
| < السابق | التالي > |
|---|







Google
Facebook
Twitter
Myspace
Linkedin
Yahoo
Digg
del.icio.us
Windows Live
Furl
Reddit
Blogger
Technorati
Rain Concert










