موقع التجديد العربي

للتواصل عبر البريد الإلكتروني: arabrenewal2002@gmail.com 

 
  • default color
  • green color
  • blue color
"داعش" يعلن مسؤوليته عن الهجوم على مركز الشرطة في حي الميدان في دمشق ::التجــديد العــربي:: الحكومة الفلسطينية تعقد الاجتماع الأول لها في غزة منذ 2014 ::التجــديد العــربي:: ستيفن بادوك، المشتبه بإطلاق النار في لاس فيغاس، كان مقامرا ::التجــديد العــربي:: وفاة رئيس العراق السابق جلال طالباني عن عمر يناهز 84 عاما ::التجــديد العــربي:: برلمان العراق يمهد لتعليق عضوية نواب أكراد شاركوا بالاستفتاء ::التجــديد العــربي:: مسلح ستيني يقتل 59 شخصاً ويجرح 527 شخصا في لاس فيغاس.. وينتحر ::التجــديد العــربي:: أرامكو تقترب من الانتهاء من أول مشروع للغاز الصخري ::التجــديد العــربي:: مصر تصدر سندات دولارية مطلع 2018 تعقبها سندات باليورو ستتراوح قيمتها بين 3 و 4 مليارات دولار، بينما ستتراوح قيمة سندات اليورو بين 1 و 1.5 مليار يورو ::التجــديد العــربي:: معرض عمان الدولي للكتاب والامارات ضيف الشرف و المعرض يستقطب نحو 350 دار نشر و أمسيات شعرية وندوات فكرية ::التجــديد العــربي:: معرض بلبنان للمواد المحظورة من الرقابة ::التجــديد العــربي:: الدوري الانجليزي: مانشستر سيتي يعود للصدارة بعد فوزه على مضيفه تشيلسي ::التجــديد العــربي:: برشلونة ينضم إلى الإضراب العام في كاتالونيا ::التجــديد العــربي:: التوقف عن العلاج بالأسبرين يؤجج الازمات القلبية والدماغية ::التجــديد العــربي:: أول مصل عام في العالم يكافح جميع أنواع الانفلونزا ::التجــديد العــربي:: وزراء خارجية الدول الأربع يبحثون آليات جديدة بأزمة قطر في نيويورك ::التجــديد العــربي:: ماتيس: واشنطن لديها "الكثير" من الخيارات العسكرية في الأزمة الكورية ونغيانغ تصف عقوبات الأمم المتحدة بأنها "عمل عدائي شرس، غير إنساني، وغير أخلاقي ::التجــديد العــربي:: المحكمة العليا العراقية تأمر بوقف استفتاء الأكراد ومناورات تركية على حدود العراق ::التجــديد العــربي:: حماس تستعجل حكومة الحمدالله في تسلم مهامها بغزة ::التجــديد العــربي:: القوات السورية تسيطر على ضاحية الجفرة الحيوية في دير الزور ::التجــديد العــربي:: أمطار غزيرة تغرق أجزاء من الفلبين وتغلق الأسواق والمدارس ::التجــديد العــربي::

د. خالد عبدالناصر يروي بعيون الابن الصبي: أمي تحية

إرسال إلى صديق طباعة PDF

لم يعهد في السيدة تحية كاظم قرينة الزعيم الراحل جمال عبدالناصر تدخلاً في سياسة، أو اقترابًا من ملفات سلطة، عاشت نحو ثمانية عشر عامًا في كنف الرجل الأقوي في مصر دون أن تكون طرفًا - على أي نحو - في جدلها السياسي المحتدم.

وكان تقدير جمال عبدالناصر أن حياته العائلية تخصه وحده، وأنه يتعين أن يكون هناك عزل كامل لأسرته عن ميادين السياسة وصراعاتها.

ولا يعني ذلك أن دور السيدة تحية في حياته كان هامشيا، وبحسب عبارة بليغة ودقيقة سمعتها من الأستاذ محمد حسنين هيكل فإن عبدالناصر كان له «ولاء خاص لها» لا يقبل أن يغضبها أحد، أو أن يحزنها شيء.

وعندما شاءت مقاديره، ومقادير مصر والمنطقة، أن يصعد كنسر في سمائها، أخذها معه إلى سماء عالية، غير أن شيئًا في طباعها وأسلوب حياتها لم يتغير، وفي السبعينيات الباكرة، وفي ذروة الحملة على جمال عبدالناصر بعد الرحيل، التقيتها في بيت «منشية البكري» ضمن عدد كبير من القيادات الطلابية، بدت لنا أمًا مصرية بسيطة ومؤثرة بكلمات إنسانية كقولها الذي مازلت أتذكره حتى الآن: «لقد كنت أخلل له الزيتون بيدي». ولم تكن في حاجة إلى ادعاء حتى تدخل قلوبنا، كان شعورنا بأنها أمنا جميعًا.

وربما تمثل رواية نجلها خالد جمال عبدالناصر لمحطات في حياتها أو مشاهد مرت بها كشفًا لعوالم سيدة عاشت في ظل عبدالناصر، ومضت خلفه من بداية القصة إلى نهايتها، بأمل أن تدفن بجواره وكما عاشت بجواره.

ومن المفارقات المثيرة في قصة الأم ونجلها الأكبر أن مقاديره دعته للغياب مرتين في حدثين مرتبطين بها مباشرة، في المرة الأولي - لم يتمكن من المشاركة في جنازتها في مطلع التسعينيات.. فقد كان في يوغوسلافيا وملاحقات هنا في مصر تتهمه برعاية تنظيم «ثورة مصر» الذي تعقب رجال الاستخبارات الإسرائيلية.. وفي المرة الثانية، عندما تنشر مذكرات السيدة «تحية عبدالناصر» الأسبوع المقبل عن «دار الشروق»، فإن نجلها الأكبر يغيب مرة أخري، فهو قد خرج لتوه من جراحة حساسة أخضع لها في العاصمة البريطانية لندن، وفي حاجة لرعاية طبية، تحول أن يكون في القاهرة بتوقيت نشر المذكرات.

وربما يطالع «خالد» المذكرات عند نشرها شأن أي قارئ آخر، ولكن في وجدانه ذكريات أخري - صورة الأم في عين الابن الصبي.

1

علاقتنا ﺑ«أم كلثوم» حميمة جدًا، كانت تربطها بوالدتي صداقة شخصية. عام 1956 اتصلت بنا عند خالتي «منيرة» التي كنا نزورها في الجيزة. عرفت من والدتي أننا في زيارة عائلية، وقريبون من فيلتها بالزمالك. قالت لنا: «بتعملوا إيه في الضلمة».. دعتنا لبيتها. الغارات الجوية فوق العاصمة، والظلام يخيم عليها. الغارة انتهت، وذهبنا ﻠ«تانت ثومة». أمسكت بالعود، وحاولت العزف عليه، و«ثومة» تشع من حولنا بهجة وطمأنينة. شعوري نحوها حتى الآن، بعد كل هذه السنوات الطويلة، كأمي تمامًا. «تانت ثومة» كانت تتبادل مع والدتي الزيارات، وتحضر أعياد ميلادنا.

بعد رحيل والدي ظلت علاقة «تانت ثومة» وثيقة بوالدتي.

2

سيدنا الحسين رفيق أسرتنا الدائم في الملمات. كان الرئيس يزور مسجد الحسين من حين لآخر كلما سمحت الظروف، في الأغلب يصطحب معه سكرتيره الشخصي في الخمسينيات محمود الجيار في سيارة الرئاسة وخلفه سيارة حراسة واحدة. لم تكن هناك إجراءات خاصة في هذه الزيارات، كلها زيارات مفاجئة وخارج البرامج المقررة لتحركات الرئيس. حراسات الرئيس. ما لم تكن هناك مواكب رسمية لصحبة رؤساء الدول الذين يزورون مصر، لا تزيد أبدًا على سيارة حراسة واحدة. أمنه الشخصي كان مكفولاً باعتقاد فريق الحراسة أن حماية الرئيس أرفع مراتب الوطنية المصرية، وتستحق شرف الموت من أجلها، كانوا مستعدين ﻠ«الموت علشانه»، قائدا ومجندين - كما كان ينشد وقتها صلاح جاهين ويغني عبدالحليم حافظ في ظلمة الليل بعد صلاة العشاء، وعندما يخلو المسجد من المصلين والمترددين عليه للتبرك بسيدنا الحسين، يزوره الرئيس، يقرأ الفاتحة على روحه الطاهرة، ويصلي ركعتين لله، ويزور المقام وحجرة المخلفات. إذا دخلت مسجد الحسين سوف تجد في أحد جنباته لوحة رخامية تشير إلى أنه جرت توسعته في عهد الرئيس جمال عبدالناصر.

والدتي كانت تذهب بصورة منتظمة إلى مسجد الحسين بعد صلاة العشاء بحراسة محدودة لا تثير التفاتًا، تدخل من باب جانبي مخصص للسيدات لزيارة «سيد الشهداء».

لا أتذكر أن والدتي صحبت الرئيس في زيارته للحسين، وفي أعقاب رحيل عبدالناصر واصلت أمي زياراتها. كانت حزينة تشكو إليه وتستمد العون من صحبته. سيدة مصرية بسيطة عاشت تقريبًا في الظل وجدت الأرض تميد تحت عوالمها التي كانت، وبعض الوجوه تخلع الأقنعة وتمضي بالأستيكة، كما قالت نكتة مصرية شهيرة في ذلك الوقت على طريق جمال عبدالناصر، وتاريخ جمال عبدالناصر، وشخص جمال عبدالناصر.

وذات مرة، والحملة على عبدالناصر في عنفوانها، ذهبت إلى الحسين وكشفت عن شخصيتها، وتجمهر حولها في دقائق الآلاف، كنا في منتصف السبعينيات، وأرادت بطريقتها البسيطة أن تقول للرئيس السادات إن عبدالناصر لن يموت أبدًا، والحملة عليه فاشلة لا محال.

«تعمل إيه» مات عبدالناصر وتركها وحيدة وحزينة، لم تخلع ملابس الحداد حتى ماتت بعده بعشرين عامًا، ودفنت بحجرة بجواره داخل الضريح نفسه.

3

جدتي لأمي اسمها «فاطمة» كانت من طنطا. وجدي لأمي إبراهيم كاظم نزح من إيران لمصر، ولدينا أقارب في إيران والعراق وباكستان.

قالت لي أمي إن أباها لم يكن يتحدث العربية بفصاحة، في أيام كثيرة تطلب أمي السيارة، وتغادرنا دون أن تخبرنا إلى أين، ونفاجأ آخر النهار بعودتها بأكياس الحمص أحضرتها لنا من طنطا مسقط رأسها، كانت تزور مسجد السيد أحمد البدوي وتتبارك به.

4

في أثناء حرب الاستنزاف كان شقيقي عبدالحميد طالبًا بالكلية البحرية في الإسكندرية، غاب فترة طويلة دون أن تراه أمي، أوحشها، طلبت من الرئيس زيارة ابنها بالكلية في أوقات زيارة الأهالي، أمي مثل كل الأمهات من حقها أن تزور ابنها وتطمئن عليه، طالما أن القواعد تسمح لأمهات أخريات بزيارة أبنائهن.

وافق الرئيس، وأمرها ألا تغادر السيارة التي أقلتها إلى الإسكندرية، وألا تري ابنها في القاعة المخصصة لزيارات أهالي الطلبة حتى لا تحدث بطبائع الأمور مجاملة زائدة لزوجة رئيس الجمهورية، أو معاملة خاصة لا تحظي بها أم أخري تزور ابنها. عبدالحميد رفض في البداية أن يذهب لأمه في السيارة، خشية أن يكون ذلك خروجًا على قواعد الزيارات، «جابوه بالعافية» للسيارة المنتظرة بالخارج وبها زوجة رئيس الجمهورية، جلس بجوارها يأكل السندوتشات التي أعدتها بنفسها وأحضرتها معها من القاهرة.

في عام 1970، وقبل أشهر قليلة من وفاة الرئيس، كان شقيقي عبدالحميد في الكلية البحرية التي نُقلت إلى سوسة في تونس. طلبت أمي السفر بالطائرة لرؤيته، قالت: «ابني وحشني» أطرق عبدالناصر قليلاً، وهز رأسه علامة على الموافقة، قال: «انتظريني حتى نجهز طائرة خاصة»، قالت: «ليه؟». أجاب: «حتي تسافر على ذات الطائرة أمهات أخريات». من حق كل أمهات طلبة الكلية البحرية رؤية أبنائهن، إذ كان من حق زوجة رئيس الجمهورية أن تري ابنها الطالب بالكلية.. ولم تسافر أمي.

5

«مبروكة» مربية أطفال في بيت منشية الكبري، قريبة من قلب أمي، حان وقت الزواج في أواسط الستينيات، خطبها حمدي محمدين أحد العاملين بالمنزل. زفة «مبروكة» خرجت من بيت الرئيس عبدالناصر، جلس منتظرًا بدء الزفة على كنبة بمرجيحة في الحديقة، ظهرت «مبروكة» بفستانها الأرزق وخلفها كل العاملين بالرئاسة، شغالون وشغالات، طباخون وسفرجية، وموظفون صغار للمهام الإدارية، تقدم الرئيس الزفة، ووضع يده على كتف «مبروكة»، وبجواره زوجته وأولاده وبناته، أعطي الرئيس «مبروكة» مائة جنيه من ماله الخاص ﻛ«نقطة زواج»، ومضت الزفة ﺑ«مبروكة» حتى البوابة الرئيسية، وصاحبهما عبدالحكيم الابن الأصغر للرئيس حتى منزل الزوجية بشارع ترعة الجبل في الزيتون.

6

الملك الليبي الراحل عبدالله السنوسي أهداني ذات زيارة للقاهرة بندقية رش خرطوش وبعد نكسة 1967 تبرع السنوسي ﺑ 40 مليون جنيه استرليني، لإعادة بناء القوات المسلحة، ولحرج موقفه طلب من الرئيس ألا يعلن عن هذا التبرع، كانت أمي تزور زوجة السنوسي، اللاجئ السياسي إلى مصر بعد الثورة الليبية عرفانًا من أسرة الرئيس بدور للسنوسي لا يعرفه أحد، ولم يعلن عنه أبدًا.

كانت لدي السنوسي ابنته بالتبني، وحدث الرئيس برغبته في أن تلحق به في القاهرة، عبدالناصر طلب من القيادة الليبية بطريقة حازمة لا تقبل الأخذ والرد: «تيجي البنت» وجاءت لتعيش في كنف والديها بالتبني.. كانت علاقة الثورة الليبية بالرئيس حميمية، وامتدادًا في ظروف هزيمة عسكرية قاسية ومريرة لثورة يوليو، لم يكن عبدالناصر يخلط بين المقتضيات السياسية والاعتبارات الإنسانية.

في عصر السادات تزوجت ابنة السنوسي، واستخدم الرئيس السادات حفل الزواج الذي حضره للنكاية في العقيد القذافي الذي كانت الخلافات معه قد اشتعلت.

7

في بيت منشية البكري مطبخان، مطبخ بالدور الأرضي، مصاريفه من رئاسة الجمهورية لإعداد موائد الغداء أو العشاء لضيوف الرئيس من الرؤساء والملوك ورؤساء الوزارات وكبار المسئولين العرب والأجانب، تيتو وخروتشوف تناولا طعام العشاء في بيتنا، تقاليد الضيافة الدبلوماسية تقتضي استضافة رؤساء الدول والشخصيات المرموقة لتناول الطعام في بيت الرئيس لإضفاء أجواء خاصة على زياراتهم للقاهرة.

ومطبخ بالدور الثاني، لإعداد طعام الأسرة، أمي كانت تشرف على مطبخها، والرئيس يقول لنا: «الدور الأول قطاع عام.. والدور الثاني قطاع خاص».

تكاليف طعامنا يدفعها الرئيس من راتبه، ولم نأكل أبدًا من أكل مطبخ الدور الأرضي، فصل كامل بين المطبخين، هناك سلم يربط بينهما، أحيانًا كنت أصعد عليه لسرعة الوصول.

قاعة الطعام بالدور الأرضي هي ذات قاعة السينما، عندما يكون هناك ضيوف وموائد رسمية توضع مائدة طعام كبيرة بالقاعة عبارة عن موائد صغيرة متجاورة، وبعد الانتهاء من العشاء ومغادرة الضيوف البيت، ترفع الموائد وتوزع في الصالة الكبيرة.

في الأوقات العادية تتحول صالة الطعام لقاعة عرض سينمائي.

8

لم تكن أبدًا حياة خصوصية، ضباط الحراسة والعاملون في كل مكان، كل يؤدي واجبه الوظيفي لم أسمع الرئيس ينادي أمي باسمها، أو باسم تدليل، فحياتنا تحت الأنظار، كان يناديها دائمًا بلقب واحد «يا مدام» وضباط الحراسة يناودنها بلقب آخر «يا هانم».

لم يكن عبدالناصر يحب هذا اللقب ويراه غريبًا على لسانه.

كان يدللنا، ولم يكن يتحرج من تدليل أطفاله الصغار أمام العاملين، وضعنا يختلف عن وضع أمي.

9

الأربعاء من كل أسبوع يوم البصارة، ممنوع اللحوم البيضاء والحمراء في هذه الأيام، كانت اللحوم تباع ثلاثة أيام فقط في محلات الجزارة والجمعيات الاستهلاكية لتنظيم استهلاكها الذي تزايد بصورة غير طبيعية في ظروف الحرب.

الرئيس قرر كأي مواطن آخر ألا تأكل أسرته أي نوع من اللحوم يوم الأربعاء حتى اللحوم البيضاء ممنوعة. كنا نتساءل ونحن عائدون من المدارس والجامعة: «يا تري عاملين النهاردة إيه في البيت؟». البصارة كانت هي الطبق السائد في أيام الأربعاء.

10

لم أستوعب صباح 9 يونيه 1967 أن النتائج العسكرية في ميادين القتال تشير إلى نكسة كبيرة لقواتنا المسلحة، ولم أدرك أن أبي سوف يعلن بعد ساعات تنحيه عن رئاسة الجمهورية، لم يقل لنا شيئًا، قبل أن يغادر المنزل لتسجيل خطاب التنحي في مبني الإذاعة والتليفزيون، عاد للبيت قبل إذاعة الخطاب، ودخل غرفة النوم وقطع الاتصالات به، كان حزينًا ومهمومًا، ويشعر بعمق بتحمله مسئولية ما حدث.

ربما دخلت أمي الغرفة وراءه، لا أتذكر، لم نتحدث، ولم نعلق، أخذتنا الصدمة، واحترمنا قرار والدي الذي لم يعد الآن رئيسًا للجمهورية، فيما سبق كان يقول لأمي، ربما ليرضي زوجة تفتقد زوجها طوال الوقت، إنه عندما يغادر رئاسة الجمهورية سوف يصحبها في رحلة حول العالم وكان يدرك أن ذلك لن يحدث أبدًا.

11

في صباح اليوم التالي 10 يونيه جلسنا معًا على مائدة الإفطار - لم تكن عادته طوال السنوات الماضية - أن يتناول وجبة الإفطار معنا، ربما تصور أنه قد لا تتاح له فرصة مرة أخري للجلوس مع أسرته.

جلس على مائدة الطعام بملابس غرفة النوم بيجامة كستور مقلمة، لم نتحدث في شيء. حاولنا أن يكون الحوار عاديا. حوار منقطع و«ماسخ». كلمات قليلة ثم يعود الصمت. الصوت الوحيد المسموع هدير مئات الآلاف التي حاصرت البيت منذ إعلان قرار التنحي. لم يتحرك الرئيس من مكانه، ولا حاول مرة واحدة أن يلقي نظرة على الجموع المحتشدة، كان يشعر بأنه خذلهم وكان شعوره عميقًا بالمسئولية. وقفت في شرفة حجرتي أتابع المشهد المهيب في الشوارع المحيطة. قلت للرئيس: «بابا الناس عاوزاك» قال بلهجة أدرك معناها، ويدرك معناها كل من تعامل مع عبدالناصر عندما يحزم أمره على شيء: «مالكش دعوة». صمت، ولم أعد للموضوع مرة أخري.

جلست إلى المائدة أتابع أبي وهو يعصر أربع قطع من الليمون الحلو لحفيده جمال مروان، أمي قطعت صمت المائدة بعبارة مازالت تدوي في وجداني حتى اليوم. تحدثت باسم أولادها. باسم العشرة الطويلة. باسم الحب الكبير للرجل والإنسان الذي لم يعد رئيسًا للجمهورية. ولا يدري أحد أي مصير ينتظره هذا المساء: «إحنا معاك على الحلوة والمرة». لم يعلق ولم يجرؤ أحد من أشقائي على التعليق.

كانت أمي تركب المواصلات، ومستعدة أن تركب المواصلات مرة أخري. كانت زوجة ضابط صغير ومستعدة أن تعود لأيام أصعب من الأيام التي كانت، ولعلها تساءلت دون أن تفصح: «هل يتركوه لي؟».

عاد الصمت للمائدة، وبدأت ترتفع أصوات المتظاهرين في الشوارع بهتاف يخترق القلوب «ناصر.. ناصر».

12

في حجرة مستشفي الدكتور على إبراهيم أشهر أطباء النساء والولادة في ذلك الوقت رقدت نجمة السينما الشابة فاتن حمامة بانتظار حادث سعيد، احتفالات «الكريسماس» اقتربت.. ومستشفي الولادة الشهير بالدقي لا حديث للممرضات فيه غير فاتن حمامة، وزوار فاتن حمامة. بحجرة مجاورة رقدت سيدة شابة تنتظر مولودًا جديدًا للأسرة.. الاسم: تحية كاظم. وربما حادثت زوجها الصاغ جمال عبدالناصر بما تناقلته الممرضات من أخبار النجمة المحبوبة. وفيما بعد روت لي أمي وبأدق التفاصيل قصة هذه الأيام بمستشفي على إبراهيم.

فاتن حمامة ولدت ابنتها نادية من المخرج السينمائي عز الدين ذو الفقار يوم 23 ديسمبر قبل ولادتي بيومين ولأسباب ما سجل اسمي رسميا بدفاتر المواليد يوم 26 ديسمبر 1949 وسجل اسم نادية بذات الدفاتر 1 يناير 1950 وتشاء الأقدار أن تدخل تحية كاظم مستشفي على إبراهيم مرة أخري، بعد خمس سنوات لتلد أخي عبدالحكيم. هذه المرة حاصرت موجات فضول الممرضات زوجة رئيس الجمهورية. وقتها قال لي أبي: «تعال يا خالد». وأخذني إلى زيارة أمي بالمستشفي.. وأنا لا أكاد أدرك شيئًا مما يحدث حولي.

13

في أحد أيام عام 1954 جاءت سيارة نقل أثاث لشارع «الجلالي» بالوايلي حيث كنا نسكن قبل الثورة، وبعدها وحتى أصبح أبي رئيسًا للجمهورية، «عزال» شقتنا المتواضعة نقل بسرعة إلى فيللا بمنشية البكري من ممتلكات الجيش، كانت مخصصة من قبل لإحدي القيادات الوسيطة، الفيللا بدت لنا أقرب للكوخ، دور واحد بأربع حجرات، وملحق بها حديقة تتسيدها أشجار الجوافة، كانت هناك بهذه الحديقة «مرجيحة» قديمة ومتهالكة، غير أنها كانت هدية السماء بالنسبة لي، في الصباح كنت أتسلق أشجار الجوافة، وفي المساء كنت استمع لأصوات مرتفعة تصدر عن الحديقة.

في السنوات الأولي للثورة كانت بعض مداولات مجلس القيادة تجري هناك، وفي الغالب كانوا يطلبون «كباب» من حاتي «أبو شقرة» للعشاء، لم تكن هناك في البداية - وكما أتذكر جيدًا - حراسات على منزل رئيس الجمهورية، بالمعني المتعارف عليه، ولم تكن هناك ترتيبات محددة وصارمة لإجراءات الأمن.

صحبني أحد العاملين بالبيت لجولة في الشوارع المحيطة، ووصلنا على أقدامنا حتى كوبري القبة، وهالني وقتها أن الناس كلها حافية، وتساءلت بصدمة ابن الخامسة «ليه؟» وفيما بعد أدركت الإجابة أو معني التغيير الذي أحدثه جمال عبدالناصر في الخمسينيات والستينيات بالمجتمع المصري، لما اكتشفت أمي اختفائي من المنزل وأن أحدًا لا يعرف أين أنا حدث اضطراب شديد، وبعودتي هدأت الأمور، وتعرض صديقي في رحلة التمشية للتعنيف، وأذكر أن والدتي صحبتنا أنا وأشقائي بالأتوبيس والترام لزيارة خالتنا منيرة بالجيزة، خالتي منيرة كانت متزوجة من السيد يوسف وزير التربية والتعليم فيما بعد.

14

الساعة الثالثة تمامًا من ظهر كل يوم معد الغداء في بيت الرئيس، الموعد مقدس، والرئيس لا يتناول طعامه معنا إلا على الغداء، أمي سيدة منزل بالمعني الذي تعرفه أي أسرة مصرية من الطبقة الوسطي، تطبخ لنا وظلت حتى وفاتها في أوائل التسعينيات تطبخ بنفسها، وكان لديها «عشة طيور» بها دجاج وأرانب وديوك رومي، تصحو مبكرًا وتصلي الفجر، ثم تنزل للحديقة تحادث «الجنينة» وأبي كان يقول لنا دائمًا «أكل أمكم مفيش زيه».

الطعام عادي: أرز ولحم وخضار أو أزر ودجاج وخضار، ولا شيء آخر، والملوخية طبقه المفضل، غير أني ذات يوم لاحظت على مائدة الطعام طبقًا غريبًا، لا هو «ملوخية» ولا هو «خبيزة» وعرفت من أبي أن اسم هذا الخضار الغريب «رجلة».. ونحن نأكل «الرجلة» أول مرة باستمتاع شديد ربما بتأثير استمتاع عبدالناصر بطعمها أخذ يحكي لنا الرئيس أنه أثناء حصار الفالوجا (1948) وجد الضباط المحاصرون بالمنطقة «رجلة طالعة شيطاني، طبخناها وأكلناها بشهية لا تنسي»، ثم قال الرئيس: «تذكرتها اليوم، وأردت أن نستمتع بشهيتها معًا».

وفي يوم آخر فوجئنا بأن الرئيس قد طلب للغداء «فول حراتي أخضر» بينما كان الحلو المفضل عند الرئيس «البقلاوة» وقد قال ذات مرة في حديث صحفي أثناء حصار الفالوجا: «أحب البقلاوة من يد زوجتي» ولكن أصابته المبكرة بالسكر حرمته من البقلاوة وأخواتها.

15

أثاث بيتنا «ميري» ملك الدولة، وقع عليه أبي الاستسلام، عهدة وعادت للدولة بعد رحيل والدتي. بعض الأثاث بالدور الثاني ملكية خاصة اشتراه أبي من راتبه. صالونه الشهير بالدور الأرضي كل شيء فيه صنع في مصر.. القماش والسجاجيد والنجف والكراسي.. شيء واحد لم يكن مصريا.. لوحة لبنت واقفة ترتدي زيا أبيض، وشاب جالس على ركبة ونصف يقدم لها «ودعا». لا أعرف الفنان الذي رسمها واللوحة موجودة الآن في بيت شقيقي عبدالحكيم. نطلق عليها «لوحة الودع». ما الذي أعجب أبي بهذه اللوحة فاشتراها. لست أدري. ربما تلخص بطريقة فنية شعور الإنسان بالعجز عن توقع ضربات القدر. في هذا البيت عاشت أمي أروع أيامها. كانت تقول باستمرار عن بيت منشية البكري: بيتي، وعندما ذهبوا بها إلى قصر القبة لتلقي العزاء في زوجها قررت - بعد وقت قصير - أن تعود لبيتها تتلقي العزاء فيه، وأن تتخفف من المراسم الرسمية. بلا قصر قبة أو إجراءات خاصة، العزاء أرادته من بسطاء المصريين وعامة الناس.

16

كنا عام 1970 قبل رحيل والدي بأسابيع قليلة، خطر لأمي أن تسأله: «خالد حيتخرج السنة الجاية، وأنا عارفة إنك حتبعته للجبهة الأمامية». قال أبي: «أيوه يا تحية». الرئيس كان مقدرًا مشاعرها كأم، وربت على كتفيها بحنو. كان تقديره أن الواجب الوطني يقتضيه أن يدفع بابنه للخطوط القتال الأمامية، وفي أول نقطة مواجهة مع «إسرائيل». فماذا يقول الناس إذا دفع عبدالناصر بأولادهم لخطوط القتال الأمامية، وأعفي ابنه من ضريبة الدم. أمي كانت تدرك - عن يقين - أنه سوف يدفع بي لخطوط القتال الأمامية. قالت لي فيما بعد «أنا عارفاه».

17

من عادة الرئيس في خطاباته لجماهير مصر والوطن العربي في ذروة صعود حركات التحرير الوطني أن يوجه «تحية» إثر الأخري لكل حركة تنهض ولكل إنجاز جديد تحققه في مواجهتها للاستعمار، أمي ببساطتها كان يسعدها تكرار كلمة «تحية» على لسان عبدالناصر حتى لو اختلف السياق، أجمل عبارات الحب أن يقول لها عبدالناصر: «يا تحية».

18

في أواخر الأربعينيات، وكنا نعيش في شارع الجلالي، خرج أبي بصحبة أمي، ربما للذهاب إلى السينما، تقدمها بخطوتين أو ثلاثة، على عادة المصريين في تلك الأيام، مر بجوارها شاب يركب دراجة وألقي عبارة «معاكسة»، تجاهل أبي الضابط العائد من ميادين القتال في الفالوجا الموقف، عاد الشاب بدراجته وألقي عبارة مماثلة، وبحركة سريعة أمسك أبي بجلبابه ولقنه درسًا لا ينسي. ظلت أمي حتى أيامها الأخيرة تستعيد معنا هذه الذكريات، وتقول: «لقد كان يحبني».

19

عندما مات أبي صرخت أمي من قبلها وهي تتبع جثمانه وهو يهبط من الدور الثاني ببيت منشية البكري على أكتاف حرسه الخاص: «خدوه مني وهو حي وخدوه مني وهو ميت». ثم جلست على السلم تبكي بحرقة: «يا جمال.. يا جمال».

20

في أول التسعينيات ماتت أمي، لم أمش في جنازتها، كنت في يوغوسلافيا مطاردًا بتهمة تزعم تنظيم «ثورة مصر». في هذه الجنازة هتف مواطنون مصريون من قلوبهم في وداع زوجة عبدالناصر التي درجوا على تسميتها ﺑ«السيدة الجليلة»: «ثورة مصر لما هبت، مصر من وراها وردت. عاشت الإيد اللي ربت.


 

عبدالله السناوي

صحفي مصري - رئيس تحرير صحيفة العربي الناصري

 

 

شاهد مقالات عبدالله السناوي

صحافة وإعلام

مواقــــع

أخبار منوعة

الحكومة الفلسطينية تعقد الاجتماع الأول لها في غزة منذ 2014

News image

عقدت الحكومة الفلسطينية برئاسة رامي الحمد الله اليوم (الثلثاء) أول اجتماع لها منذ العام 201...

ستيفن بادوك، المشتبه بإطلاق النار في لاس فيغاس، كان مقامرا

News image

كان ستيفن بادوك، الذي تعتقد الشرطة أنه أطلق النار في لاس فيغاس، محاسبا متقاعدا ثري...

وفاة رئيس العراق السابق جلال طالباني عن عمر يناهز 84 عاما

News image

أعلن التلفزيون العراقي اليوم الخميس عن وفاة رئيس البلاد السابق والسياسي الكردي البارز جلال طال...

برلمان العراق يمهد لتعليق عضوية نواب أكراد شاركوا بالاستفتاء

News image

بغداد ـ كلف رئيس البرلمان العراقي سليم الجبوري خلال جلسة اعتيادية عقدها البرلمان، الثلاثاء، لجن...

مسلح ستيني يقتل 59 شخصاً ويجرح 527 شخصا في لاس فيغاس.. وينتحر

News image

قتل مسلح يبلغ من العمر 64 عاماً، 59 شخصاً، وأصاب 527 آخرين، أثناء حفل ...

ماتيس: واشنطن لديها "الكثير" من الخيارات العسكرية في الأزمة الكورية ونغيانغ تصف عقوبات الأمم المتحدة بأنها "عمل عدائي شرس، غير إنساني، وغير أخلاقي

News image

قال وزير الدفاع الأمريكي جيم ماتيس إن بلاده لديها "الكثير" من الخيارات العسكرية في موا...

المحكمة العليا العراقية تأمر بوقف استفتاء الأكراد ومناورات تركية على حدود العراق

News image

بغداد - أنقرة - قال الجيش التركي في بيان إن القوات المسلحة بدأت مناورات عسكرية عل...

مجموعة التجديد

Facebook Image

المزيد في مدارات

الأيام كاشفة أسرار المصالحة الفلسطينية

مــدارات | د. فايز أبو شمالة | الاثنين, 16 أكتوبر 2017

تساءل بعض السياسيين والمفكرين عن الأسباب التي عجلت بالمصالحة الفلسطينية في هذه المرحلة بالذات، حيث...

الانعتاق العقلي وحرية التفكير والاستيلاء على العقول

مــدارات | سميح خلف | الاثنين, 16 أكتوبر 2017

حصار الثقافة الوطنية بأبجديات وتجربة فاشلة:- عملية تجهيل العقل واقصاؤه تعني حالة التبعية للآخرين ومح...

زلزال داعش.. ماذا بعد؟

مــدارات | حسن علي آل جميعان | الأربعاء, 11 أكتوبر 2017

    " التواصل المذهبي وما بعد داعش " هكذا جاء عنوان محاضرة الشيخ حسن الصفار ...

توطين العمالة في الخليج العربي.. التحديات والضرورات

مــدارات | نايف عبوش | الثلاثاء, 10 أكتوبر 2017

يلاحظ ان العمالة الوافدة الى الخليج بقصد السعي للحصول على فرص عمل، غالبا ما تست...

سلاح المقاومة أبعد من المرحلة

مــدارات | د. فايز أبو شمالة | الثلاثاء, 10 أكتوبر 2017

أعرب كثير من الفلسطينيين عن قلقهم على مستقبل سلاح المقاومة، ولاسيما بعد لقاء السيد محم...

العلاقات الإسرائيلية الكردية بين الحقيقة والادعاء

مــدارات | سميح خلف | الثلاثاء, 10 أكتوبر 2017

في 25 من شهر سبتمبر انجز الاكراد استفتائهم حول قرار الاستقلال بأغلبية كردية وان كان...

مستلزمات التغيير

مــدارات | نجيب الخنيزي | الأحد, 8 أكتوبر 2017

    نحن نعيش في زمن عولمة عاتية ومهيمنة، لا انفكاك منها (حتى لو أردنا الانزواء ...

الفكر الاحتكاري

مــدارات | حسن علي آل جميعان | الأحد, 8 أكتوبر 2017

    انتقد سماحة الشيخ حسن الصفار في محاضرة الليلة الخامسة من موسم عاشوراء التي جاءت ...

وتتمسك بفلسطينيتها!

مــدارات | د. صالح الشقباوي | السبت, 7 أكتوبر 2017

فشل الربيع العبري.. أدى بالضرورة الى فشل المشروع الاخواني وبالتالي فشل تيار قيادي كبير في ...

المصالحة الفلسطينية ليست شخصية

مــدارات | د. فايز أبو شمالة | السبت, 7 أكتوبر 2017

هي مصالحة بين نهجين سياسيين، اختلفا وتفارقا، ولذلك فالمصالحة تقوم على التوافق والتراضي بين طرف...

سيدي الرئيس لا تفجع شعبك ولا تقتل فرحة أهلك

مــدارات | د. مصطفى يوسف اللداوي | السبت, 7 أكتوبر 2017

بقدر ما كان الفلسطينيون فرحين باستقبال رئيس حكومتهم العائد إلى قطاع غزة، ومستبشرين باستلامه مها...

حذاري من لغة وعنجهية سلوك المنتصر..

مــدارات | سميح خلف | السبت, 7 أكتوبر 2017

الشعب الفلسطيني وحدة واحدة، وان حاولت البرامج ان تفرق ولا تجمع، هنا الكثير من الع...

المزيد في: مــدارات

-
+
10
mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterاليوم5078
mod_vvisit_counterالبارحة28305
mod_vvisit_counterهذا الاسبوع59658
mod_vvisit_counterالاسبوع الماضي225854
mod_vvisit_counterهذا الشهر551214
mod_vvisit_counterالشهر الماضي1063018
mod_vvisit_counterكل الزوار45613602
حاليا يتواجد 3254 زوار  على الموقع