إشكاليات بناء الدولة المدنية والمواطنة في الدول العربية

الأربعاء, 30 أغسطس 2017 12:02

د. ساسين عساف

دراسات
طباعة


كثيرة هي الدراسات التي تناولت اشكاليات بناء الدولة في الدول العربية، الدولة الديموقراطية والمدنية، دولة الحقّ والقانون والعدالة، دولة المواطنين لا الرعايا.. وطرحت حولها تساؤلات عديدة ودارت في شأنها مطارحات كثيرة منذ بدايات "عصر النهضة" حتى اليوم.

وعند المنعطفات المصيرية كانت تستعاد وتضاف اليها تساؤلات ومطارحات جديدة وذلك في ضوء التحديات المطروحة على المجتمعات العربية وبخاصة تحديات التحرير والوحدة والديموقراطية والعدالة والتنمية والتجدّد الحضاري.. وإزاء كلّ من هذه التحديات كان السؤال المطروح:

أين هي الدولة؟ أين إرادة المواطنين؟

أين هي الدولة من الإرادة العامة؟ أين هي من آليات الديموقراطية المعبّرة عن تلك الإرادة؟ أين هي من حقوق المواطن وحرياته الخاصة؟ أين هي من حقوق المواطنين وحرياتهم العامة؟ أين هي من حقّ الشعوب في ممارسة سياداتها واختيار أنظمة حكمها وحاكميها؟ هل الشعب هو مصدر السلطات فيها؟ أين هي من صراع الهويات ما دون الوطنية؟ هل المواطنون فيها متساوون في الحقوق والواجبات؟ ألا توجد فيها "هويات مقموعة"؟ هل هي لجميع مواطنيها بدون تمييز أو تفرقة؟ هل الجميع سواسية أمام القانون؟ هل قضاؤها مستقلّ؟ هل إعلامها حرّ؟ هل المواطن فيها إنسان حرّ يعيش مع المواطن الآخر على قدم المساواة بغضّ النظر عن سلّم الانتماءات القومية/ اللغوية أو الدينية الطائفية والمذهبية أو الاجتماعية/ الطبقية أو السلالية؟

ما مدى تأثير غياب الوعي بحقوق المواطنة في ترسيخ نهج الاستبداد في أنظمة الحكم العربية المعاصرة؟

ما مدى تأثير الفقه السياسي العربي التقليدي القائم على أفهومة الطاعة في انعدام الثقافة الديموقراطية وإضعاف الفكر النقدي الذي هو المحرّك الأوّل لآليات المساءلة والمحاسبة والاحتجاج والمطالبة بالإصلاح كحقّ أساس من حقوق المواطنة؟

أمّا بشأن الدولة المدنية فهل بناؤها إمكان صعب أو مستحيل؟ هل النصّ الديني هو العائق؟ هل ينطوي النصّ الديني على نظرية صريحة في نظام الحكم والسلطة والدولة؟ هل علاقة الديني بالسياسي تفرض شكل الدولة أو الحاكمية في الاسلام؟ هل الإسلام السياسي يمتلك نظرة واحدة إلى إشكاليات بناء الدولة العربية؟ هل السلطة المدنية التي مصدرها الشعب شرعية في الاسلام؟ ما أوجه التباين والتقارب بين الحكم المدني والحكم الاسلامي؟ أين هي منزلة القوانين الوضعية من منزلة القوانين الالهية؟

هل للدولة المدنية نصيب في أن تقوم في بلاد عربية انتشرت فيها بوفرة وقوّة أحزاب الاسلام السياسي التيوقراطي الساعية لقيام دولة الشريعة أو ولاية الفقيه أو دولة الخلافة؟

ما نصيب المجتمعات العربية من الفكر العلمي/ العلماني؟ وهل الثقافة العربية، ثقافة النخب إن لم نقل ثقافة المجتمعات، باتجاهاتها العامة والأساسية، باتت جاهزة للتحرّر من حاكمية الفكر الديني المتزمّت؟

الدين هو مصدر التشريع في "المجتمع الايماني التسليمي"..

العلم هو مصدر التشريع في "المجتمع العقلاني التساؤلي"..

أوليست ثقافة المجتمعات العربية أقرب إلى الإيمان منها إلى العقل؟

وعليه، يصعب على المرء مقاربة إشكاليات بناء الدولة في الوطن العربي من دون ربط هذه الاشكاليات بالثقافة.

العقل السياسي العربي، بالرغم من محاولات متنوّري القرن الماضي خصوصاً متنوّري الفكر القومي الليبرالي والفكر الديني الإصلاحي، لم ينتج نموذجاً للحكم المدني لغياب الثقافة الديموقراطية من جهة ولانعدام النظرة إلى الانسان العربي فرداً ذا قيمة في ذاته.

هل بات هذا العقل، بعد المآزق التي أوصلته إليها إيديولوجيات الفكر الشمولي بشقيه الديني والقومي، جاهزاً لإعادة النظر في معقولاته أو ثوابته الفكرية بما يتوافق مع متطلبات البناء الديموقراطي وحقوق الانسان/ الفرد والمواطن؟

يشهد العقل العربي اليوم أزمة حادّة في صوغ الأفاهيم والقيم السياسية خارج منظومة التفكير الكلياني وبالتطلّع الى الحقّ في التعدّد والاختلاف وهو حقّ بدونه لا تقوم الديموقراطية ولا إحقاق لحقوق الانسان.

العقل السياسي في الغرب أنتج نموذجاً للحكم الديموقراطي. فهل بات العقل السياسي العربي، بعد تلقيه العديد من الصدمات والهزائم، قادراً على النفاذ إلى الاقرار بحقّ الأفراد في المجتمع الواحد في حكم القانون المتوافق مع العقد الاجتماعي المبرم بينهم كأفراد؟

العقد الاجتماعي يشترط أوّلاً توافر الوعي بقيمة الفرد الآخر والمساواة معه وبضرورة التعاون معه، ضمن مؤسسات المجتمع ومنها بالطبع لا بل في رأسها الدولة، على قواعد الحوار والمشاركة وتداول السلطة.

والعقد الاجتماعي يشترط ثانياً على كلّ فرد من أفراد المجتمع الوعي بضرورة العمل من أجل المصلحة العامة.

والعقد الاجتماعي يشترط ثالثاً الوعي الفردي بضرورة الخضوع طوعاً للقوانين التي شارك الفرد في صياغتها مع الأفراد الآخرين.

فهل هذه الاشتراطات هي متوافرة فعلاُ لدى غالبية المواطنين العرب؟

ثقافة "العقد الاجتماعي" المؤدّي إلى قيام الحكم المدني ،الحكم الشعبي، لم تتجاوز في الدول العربية حدود الدوائر النخبوية الضيّقة والمهمّشة والمبعدة عن مراكز القرار. وهذه واحدة من إشكاليات الثقافة العربية. ولها في رأينا مبحث آخر.

 

 

د. ساسين عساف

عضو الأمانة العامة للمؤتمر القومي

 

 

شاهد مقالات د. ساسين عساف