موقع التجديد العربي

للتواصل عبر البريد الإلكتروني: arabrenewal2002@gmail.com 

 
  • default color
  • green color
  • blue color
فض تظاهرة قرب السفارة الأميركية في عوكر - لبنان بالقوّة ::التجــديد العــربي:: استمرار مسيرات الغضب رفضاً لقرار ترامب بحق القدس المحتلة ::التجــديد العــربي:: لليوم الرابع الإنتفاضة مستمرة... 231 مصابًا في مواجهات مع الاحتلال ::التجــديد العــربي:: لبنان يدعو إلى فرض عقوبات اقتصادية على أميركاش ::التجــديد العــربي:: احتجاجات تعم الأراضي الفلسطينية.. والاحتلال يعتقل العشرات ::التجــديد العــربي:: اجتماع الجامعة العربية: قرار أمريكا لاعتبار القدس عاصمة للكيان المحتل باطل ::التجــديد العــربي:: صحف عالمية: هزيمة أمريكية نكراء في مجلس الأمن ::التجــديد العــربي:: قمة ثلاثية بالقاهرة لبحث سبل مواجهة القرار الأميركي بشأن القدس تجمع الرئيس المصري مع العاهل الأردني والرئيس الفلسطيني ::التجــديد العــربي:: رئيس الوزراء العراقي يؤكد سيطرة قواته بشكل كامل على الحدود السورية العراقية وانتهاء الحرب ضد تنظيم داعش الإرهابي ::التجــديد العــربي:: دبي ترفع نفقاتها العام المقبل 19% لـ 56 مليار درهم للموازنة لسنة 2017 ::التجــديد العــربي:: وفاة الفنان أبوبكر سالم بعد صراع مع المرض ::التجــديد العــربي:: أوبك والمنتجون غير الأعضاء يمددون خفض الإنتاج ::التجــديد العــربي:: أول جائزة للرواية الالكترونية تعلن نتائج دورتها الأولى ::التجــديد العــربي:: مهرجان الظفرة ينطلق 14 ديسمبر الجاري في مدينة زايد إمارة أبوظبي ::التجــديد العــربي:: لن تخسرن الوزن الزائد بممارسة الرياضة فقط لكن يجب أن يغير العادات الغذائية ::التجــديد العــربي:: استخدام الأجهزة الذكية قبل النوم يعرّض الأطفال للبدانة ::التجــديد العــربي:: بطولة المانيا: بايرن ميونيخ يحسم لقب الذهاب عد عودته فائزا من ارض اينتراخت فرانكفورت 1-صفر ::التجــديد العــربي:: انتر يقنع بالتعادل السلبي مع يوفنتوس في بطولة ايطاليا ::التجــديد العــربي:: إستراليا تعتقل رجلاً خطط لاعتداء كارثي ليلة رأس السنة ::التجــديد العــربي:: السيسي يتوعد برد قاس على منفذي مجزرة مسجد الروضة وارتفاع ضحايا الهجوم إلى 309 قتلى و124 مصابا ::التجــديد العــربي::

أزمة الحركة الوطنية الفلسطينية (*)

إرسال إلى صديق طباعة PDF


(موضوعات)

1- في توصيف الحالة وأسبابها

2- أزمة النظام السياسي الفلسطيني

3- القوى السياسية الفلسطينية في مدار الأزمة

4- «حل الدولتين».. إلى أين؟!

(1)

في توصيف الحالة وأسبابها

1- أزمة الحركة الوطنية الفلسطينية مركبة، فهي أزمة إستراتيجية العمل الوطني المعتمدة رسمياً، كما أنها أزمة النظام السياسي القائم، بالعلاقة التبادلية المرتدة بينهما.

الإستراتيجية المعتمدة من مركز القرار الرسمي الفلسطيني ما تزال تقوم على مسارين: المفاوضات الثنائية الفلسطينية - الإسرائيلية من جهة، وبناء مؤسسات «الدولة» من جهة أخرى؛ والمساران عالقان منذ سنوات، لا بل منذ ما يقارب العقدين من الزمن.

أما النظام السياسي، فقد اهتزت مكانته التمثيلية، وانحسرت فعاليته على مستوى هياكله الجامعة في منظمة التحرير بخاصة والسلطة الفلسطينية بشكل ملموس، كما وعلى مستوى مكوناته، بما هي فصائل وأحزاب وحركات سياسية، فضلاً عن مؤسسات الحركة الجماهيرية المنظمة من اتحادات ونقابات وغيرها..

2- المفاوضات الثنائية عالقة عملياً منذ انهيارها في محادثات كمب ديفيد (تموز/ يوليو 2000) في نهاية الولاية الثانية للرئيس كلينتون المتزامنة مع فترة رئاسة إيهود باراك للحكومة الإسرائيلية.

بعد محاولة فاشلة لإنقاذها في محادثات طابا (كانون الثاني/ يناير 2001) إثر اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية (أيلول/ سبتمبر 2000)، توقفت المفاوضات تماماً إلى أن استؤنفت تحت مظلة دولية احتفالية (أي افتتاحية ليس إلا)، في أنابوليس (تشرين الثاني/ نوفمبر 2007) في السنة الأخيرة للولاية الثانية للرئيس بوش الابن، وفي فترة رئاسة إيهود أولمرت للحكومة الإسرائيلية.

بيد أن هذه المفاوضات انقطعت قبل أن تحقق نتيجة في مطلع كانون الأول/ ديسمبر 2008، قبيل عدوان «الرصاص المصبوب» الإسرائيلي على قطاع غزة. ومرة أخرى لم تتجدد المفاوضات إلا في أواخر العام 2009 في مطلع الولاية الأولى للرئيس أوباما، إبّان رئاسة بنيامين نتنياهو للحكومة الإسرائيلية، لتتوقف في العام 2014. ومازالت متوقفة حتى الآن.

3- انهيار المفاوضات، وبالتالي فشل العملية السياسية، لا يعود وحسب إلى التعنت الإسرائيلي الرافض عملياً لأي مسار يقود إلى مقاربة الحقوق الوطنية لشعب فلسطين، بل يُنسب أيضاً إلى بنية العملية التفاوضية ذاتها التي تنطوي (بالقوة) على عوامل فشلها، فهي تفتقر إلى:

أ) الربط بين مرجعية قرارات الشرعية الدولية وهدف المفاوضات.

ب) التحديد الواضح للإطار الزمني للمفاوضات.

ج) مرجعية دولية متنفذة ونزيهة قادرة على ضبط العملية التفاوضية في الإطار والهدف المرسومين لها، حيث اختزلت هذه المرجعية بالدور الأميركي المتحيّز لإسرائيل.

د) آليات تحول دون خلق وقائع جديدة تجحف بوضع وحقوق أحد طرفي المعادلة، وفي الحالة الموصوفة وقائع استيطانية وتهويدية أفضت إلى مفاقمة الخلل في ميزان القوى لصالح الجانب الإسرائيلي وأجحفت بالموقع التفاوضي للجانب الفلسطيني، وأضعفته.

4- كما أن فشل العملية السياسية يعود إلى غياب إستراتيجية عمل وطني فلسطيني تسهم بدورها في تصحيح تراكمي للخلل في ميزان القوى، إن كان بتوفير عوامل التماسك الداخلي للحالة الفلسطينية، أو بالمثابرة على تحدي الضغوط التي تواجه مساعي تدويل القضية الوطنية...، ضمن أولوية تغذية روافد عمل وطني تصب في مجرى إستراتيجية صمود مديدة تجمع ما بين المقاومة الشعبية للاحتلال والاستيطان، ونضال الحركة الأسيرة، وتزخيم حركة اللاجئين بالتوازي مع تعاظم فعل وتأثير الحركة الجماهيرية في مناطق اﻟ48، واستراتيجية دفاعية واقعية وذات مغزى في قطاع غزة.. وكل هذا في إطار السعي الجاد لفك الارتباط بشكل متدرج عن إملاءات اتفاق أوسلو والانعتاق من قيوده، وبالذات من جانبيه الأساس: الارتهان الأمني والتبعية الاقتصادية.

5- في هذا الإطار يتضح كم هي غير منتجة تلك السياسة التي تراهن على إنجاز بناء مؤسسات الدولة العتيدة كعامل مؤثر في الصراع الدائر، بدليل أن الشهادات المتواترة من الأمم المتحدة إلى البنك الدولي.. على امتلاك السلطة الفلسطينية لوزارات وإدارات بمستوى إدارة مرافق «دولة ناجحة» لم تفلح في إزالة العقبات (الإسرائيلية أساساً) التي تعترض طريق تقدم مشروع الدولة المستقلة.

مع الإشارة إلى هذا، لا يفوتنا التمييز الواجب بين الكفاءة الوظيفية لمؤسسات السلطة الفلسطينية، وبين مواصفات ومضمون إدارات الدولة المستقلة السيدة، وهي الإدارات التي لا يمكن أن ترتقي السلطة الفلسطينية لامتلاكها، طالما أنها لا تمارس سيادتها على الأرض والمياه والمعابر والحدود والدورة الاقتصادية.. الخ.

(2)

أزمة النظام السياسي الفلسطيني

1- يقوم النظام السياسي الفلسطيني على جسمين جامعين: منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، والسلطة الفلسطينية، أي سلطة الحكم الإداري الذاتي على السكان في الضفة الغربية وقطاع غزة، التي أنتجها اتفاق أوسلو والتي اتخذ المجلس المركزي لمنظمة التحرير، نيابة عن المنظمة وباسمها، قراراً بتشكيلها في العام 1994، ما يعني - نظرياً- أن المنظمة هي المرجعية الأعلى للسلطة.

2- على عكس ما قد يوحي به هذا التعريف، فإن علاقة السلطة بالمنظمة لا تحكمها قاعدة الجزء بالكل، لسبب جلي ومعروف، وهو: أن “م. ت. ف” إثر إقامة السلطة الفلسطينية، قد تراجع دورها وانحسر بشكل متسارع بعد أن نُقلت مؤسساتها الرئيسية إلى ولاية السلطة الفلسطينية: فجيش التحرير الوطني تحوَّل إلى قوات الأمن الوطني؛ والأمن الموحد وسائر الأجهزة الأمنية تحوَّلت إلى جهازي المخابرات العامة والأمن الوقائي؛ والصندوق القومي انتقل عملياً إلى وزارة المالية؛ وممثليات “م. ت. ف” في الخارج (أكثر من مئة ممثلية) انتقلت إلى وزارة الخارجية؛... والأمر نفسه انسحب على عديد المؤسسات الأخرى من إعلامية وبحثية وثقافية واجتماعية.. الخ.

3- في السياق المذكور، تجدر ملاحظة ما يلي: إن هذه النقلة المؤسسية الواسعة لا تكمن مشكلتها - بالطبع- في انزياحها إلى الداخل الفلسطيني، بل في خروجها الكامل عن ولاية “م. ت. ف” وعن مسئولية هيئاتها القيادية، والأمثلة على ذلك - إضافة إلى ما ذكر- تترى، وآخرها المرسوم الرئاسي بإحالة مسئوليات دائرة الجاليات الفلسطينية المغتربة في الأمريكيتين وأستراليا وأوروبا، وهي إحدى الدوائر الرئيسية الممثلة والمرتبطة مباشرة باللجنة التنفيذية ﻟ“م. ت. ف”، إلى وزارة الخارجية في حكومة السلطة الفلسطينية، التي تضحى، والحال هكذا، وزارة الخارجية والمغتربين(!).

إن ما يفاقم كل هذا، واقع اضمحلال مؤسسات الحركة الجماهيرية من اتحادات شعبية ومهنية.. الخ، في الشتات الفلسطيني، التي كانت تلعب دوراً رئيسياً في تعبئة وتوحيد طاقات الشعب الفلسطيني من مختلف القطاعات في الشتات، في المعترك الوطني.

4- إلى ما سبق توضيحاً للمنحى التراجعي لموقع ودور “م. ت. ف”، نضيف غياب حركات الإسلام السياسي عنها، ما يؤدي إلى اهتزاز المكانة التمثيلية لمنظمة التحرير بحكم القاعدة الجماهيرية المعتبرة لهذه الحركات، فضلاً عن نفوذها السياسي الناجم - بشكل رئيسي- عن تقديماتها الاجتماعية ودورها في مقاومة الاحتلال.

وإذا كانت المكانة القانونية لمنظمة التحرير مازالت مصانة - وإن بصعوبة- على الرغم من مرور أكثر من عقدين على التئام آخر دورة للمجلس الوطني الفلسطيني، الذي هو بمثابة المؤتمر الوطني العام والأعلى للشعب الفلسطيني وعموم الحركة الوطنية، فإن بقاء الخلل في النصاب التمثيلي، لا بد وأن يؤدي - في حال استمراره- إلى ثلم المكانة الشرعية لمنظمة التحرير، التي لا تكتمل نصاباً، إلا بالتقاء مركزها القانوني مع مركزها التمثيلي الشامل.

5- السلطة الفلسطينية بدورها تعاني من أزمة مركبة: فهي منقسمة على نفسها مؤسسياً وجغرافياً، وهي بيد حزبين حاكمين متصارعين ينفردان عملياً بها، ما يؤدي إلى تعميق سماتها البيروقراطية وممارساتها القمعية، ويقوى نزوعها إلى مصادرة الحريات العامة وميلها إلى قمع الحركة الجماهيرية، وصولاً إلى استخدام أساليب القمع المباشر كلما تتطلب الأمر، وإن كنا نميّز - بالدرجة ليس إلا- بين ما تعتمده السلطة في غزة والسلطة في رام الله، حيث الأولى أكثر إسرافاً في استخدام القبضة الحديد المجللة عقدياً في التعاطي بشكل عام مع الحراك المجتمعي، مطلبياً كان أم ديمقراطياً.

6- من عوامل الأزمة المركبة التي تعانيها السلطة الفلسطينية المغتربة عن الجمهور، أنها صُممت للعمل ككيان إداري- وظيفي تحت الاحتلال لفترة انتقالية سقفها خمس سنوات (تنتهي في العام 1999)، هي الفترة الانتقالية المنصوص عليها في اتفاقات أوسلو.

وعليه فليس من المستغرب أن يضيق هذا الإطار الوظيفي المصمم لفترة زمنية محدودة، ويعجز عن تلبية احتياجات المجتمع (الاقتصادية، وغيرها) لفترة زمنية أطول تجاوزت العقدين، في ظرف تضافرت فيه عوامل عدة لمفاقمة أزمة النظام السياسي الفلسطيني، أهمها: هيمنة الريعية في الاقتصاد مصدراً للغنائمية والزبائنية في التوزيع خلف أسوار احتلال ما انفكت قبضته تزداد بطشاً على خلفية تكالب الاستيطان في الضفة واستشراء التهويد في القدس والخليل، وإحكام الحصار على القطاع مع تصعيد العدوان الإسرائيلي عليه.

(3)

القوى السياسية الفلسطينية في مدار الأزمة

1- إذا ما وضعنا جانباً التأثيرات بالغة السلبية لمجمل التطورات الدولية وفي الإقليم على الحالة الفلسطينية منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي وحتى يومنا، بدءاً من انهيار المعسكر الاشتراكي وتفكك الاتحاد السوفياتي وتداعيات الاحتلال العراقي للكويت، مروراً بتفشي ظاهرة الإرهاب عالمياً بعد 2001/9/11، وحتى مسلسل الحراكات العربية مع نهاية العقد الأول من القرن اﻟ21 التي انحدر بعضها وتحلل إلى حروب أهلية، فإلى مواجهات وحروب إقليمية مازالت تتوالى فصولاً حتى يومنا، وتنذر بالمزيد..

إذا ما وضعنا كل هذا جانباً، مع إدراكنا لأهميته البالغة وتأثيره البنيوي السلبي الفائق على مسيرتنا الوطنية، وذلك من أجل وضع اليد على مسئوليتنا الخاصة كحركة وطنية عن أزمتها الراهنة، والأزمة التي يواجهها المشروع الوطني الفلسطيني عموماً، لا بد من تحديد مساهمة القوى السياسية الفلسطينية في تحمل مسئولية نشوء هذه الأزمة، بما هي أزمة مشروع وطني وأزمة نظام سياسي.

2- في سياق ما تقدم، ينبغي التوقف أمام ما يلي:

أ) مسؤولية الحزبين الأكبر حجماً والأوسع نفوذاً: فتح وحماس، قبل وبعد تحولهما إلى حزبين حاكمين. وفي هذا الموضوع أفترض أن بعض الزملاء المشاركين في هذا المؤتمر سوف يتطرقون إليه، إن لم يكن من موقع الانتماء السياسي، فبأقله من موقع صديق لكل من هذين الحزبين.

ب) مسؤولية اليسار الفلسطيني، وهو يسار تعددي سياسياً وتنظيمياً وربما فكرياً، كما هو معروف، ومع ذلك فبالإمكان استخلاص خطوط رئيسية جامعة تكثف قسطه في إنتاج الأزمة الراهنة للحركة الوطنية.

ج) لكن قبل هذا وذاك، من المفيد تسليط الضوء، أو التذكير بنقطة البدء في الأزمة الراهنة وجذرها.

3- يعود جذر الأزمة الراهنة للحركة الوطنية الفلسطينية وللمشروع الوطني عموماً إلى العملية السياسية بشروطها المجحفة التي افتتحتها اتفاقية أوسلو، فتحوَّلت إلى عملية مديدة متواصلة الحلقات تكاد تتجاوز ربع قرن من الزمن، وما تزال تعد بالمزيد. لقد قادت هذه العملية السياسية إلى إقامة وإدامة حكم إداري ذاتي للسكان مكشوف على مواصلة استيطان الأرض بأفق الضم الكولونيالي، مع إلغاء حق العودة للاجئين، وإبقاء السيطرة الإسرائيلية الأمنية على الأراضي الفلسطينية، ومن ضمنها المعابر والحدود.

4- من هذه النقطة انطلقت الأزمة الوطنية، التي فشل اليسار في احتوائها منذ البداية، لأنه لم يتمكن من تعبئة القوى الذاتية والتحالفية اللازمة لتغيير شروط العملية السياسية الجارية انطلاقاً من القاعدة المسلم بها: مخرجات المفاوضات تحددها - إلى حد بعيد- الشروط التي تنعقد على أساس منها، ومن بين هذه الشروط، لا بل أهمها قاطبة - وعلى سبيل المثال- وقف الاستيطان، واعتماد عملية تفاوضية في مرحلة واحدة أسوة بسائر الدول العربية المشمولة بالمفاوضات، وليس على مرحلتين كما فرضت على الفلسطينيين.. الخ.

قد يقال في هذا السياق، كيف استطاعت حركة حماس أن تشق طريقها بقوة في ساحة العمل الوطني وتفرض علاقة ندية على حركة فتح وإن كانت صراعية، رغم فشل حركة حماس في منع عملية أوسلو؟ والإجابة في متناول اليد: حركة حماس التي افتقدت إلى الحنكة السياسية في إدارة المعركة السياسية عندما أحجمت عن التقاطع مع سائر القوى السياسية التي كانت تلتقي على ضرورة التمسك بشروط معيّنة تقوم عليها العملية التفاوضية وتحصنها، عوّضت عن هذا بتفعيل عوامل القوة الذاتية الناجمة عن تضافر عناصر القوة التنظيمية (والنفوذ الجماهيري استتباعاً) والمؤسسية والعسكرية بعمق تحالفي خارجي ممتد، الأمر الذي كانت تفتقد إليه قوى اليسار الفلسطيني.

5- بعد قيام السلطة الفلسطينية انحكمت العلاقات الفلسطينية الداخلية إلى توازنات جديدة، فبعد أن كانت فتح هي الأولى بين متساوين في إطار منظمة التحرير، تحوّلت إلى حزب حاكم - وإن تحت الاحتلال- يحتكر المال والسلاح والتمثيل السياسي الرسمي، إلى جانب تحكمه بمرافق الخدمات والتوظيف، وإمساكه بمفتاح بعض تسهيلات الحياة اليومية الشاقة مع سلطات الاحتلال. والعدوى نفسها انتقلت إلى حركة حماس بعد أن استولت بالانقلاب على مقاليد الأمور في قطاع غزة.

غير أن هذا المشهد يختلف على نحو ملحوظ عند ما تتسع زاويته لتشمل الحالة الفلسطينية بكل تجمعاتها، وبقدر ما يتم الابتعاد عن مناطق الحكم الذاتي في الضفة والقطاع، حيث يحتل اليسار موقع الصدارة في مناطق اﻟ48 (من خلال حزبي الجبهة والديمقراطية للسلام والمساواة، والتجمع الوطني الديمقراطي، وأحزاب وشخصيات وتجمعات أخرى)، واليسار هو القوة المنافسة بجدارة وسط التجمعات الفلسطينية في لبنان وسوريا، وهو القوة المتفوقة على حركة فتح في المغتربات الأوروبية والأمريكيتين.

ومن هذا نستخلص: تتحدد المهمة الرئيسية الأولى لليسار الفلسطيني ببناء الذات وتوطيد التحالفات والانخراط الواسع في الحركة الجماهيرية، مسترشداً ببرنامج سياسي واقعي يضع خلف الظهر التجربة البائسة لاتفاقات أوسلو التي لم ولا يمكن أن تقود إلى إنجاز الحقوق الوطنية لشعب فلسطين.

(4)

«حل الدولتين».. إلى أين؟!

1- اقتحم هذا المصطلح ساحة العمل السياسي بقوة إثر خطاب الرئيس بوش الابن في حزيران/ يونيو 2002، أي بعد ثلاثة شهور من إطلاق «مبادرة السلام العربية»، وكان من بين أهدافه قطع الطريق على هذه المبادرة. وإن اضطرت الإدارة الأميركية لاحقاً، التخلي عن مشروع «حل الدولتين» لصالح تضمينه في إطار أوسع هو خطة «خارطة الطريق» في نيسان/ إبريل 2003 من أجل التغطية على احتلال العراق وتصفية مؤسسات الدولة ومرتكزاتها في هذا القطر العربي الواعد في المعادلة الإقليمية، فسرعان ما غسلت الإدارة الأميركية يديها من خطة «خارطة الطريق» لصالح ما أطلق عليه مجازاً «وعد بوش» في نيسان/ إبريل 2004 الذي اعترف بموجبه (في رسالة موجهة إلى أريئيل شارون رئيس الحكومة الإسرائيلية)، بضم الكتل الاستيطانية إلى دولة إسرائيل. وضمن هذه الأجواء عاد مصطلح «حل الدولتين» إلى دائرة التداول في إدارة الرئيس بوش وحتى نهاية ولاية الرئيس أوباما (كانون الثاني/ يناير 2017).

2- «حل الدولتين» مصطلح فضفاض يقع على مسافة حقيقية من البرنامج الوطني الفلسطيني بمرتكزاته الثلاثة: دولة مستقلة ذات سيادة على خط الخامس من حزيران/ يونيو 1967 بعاصمتها القدس + ضمان حق العودة للاجئين الفلسطينيين الذي يكفله القرار 194 + الاعتراف بأبناء الشعب الفلسطيني في مناطق اﻟ48 كأقلية قومية وعلى قاعدة المساواة في المواطنة.

وبالمقابل فإن «حل الدولتين» ينطوي مسبقاً، وقبل أن تصل العملية التفاوضية إلى خواتيمها، على ثلاثة تنازلات رئيسية: تغيير خطوط اﻟ67 باتجاه هابط من خلال ما يسمى بتبادل الأراضي + القدس عاصمة لدولتين + شطب حق العودة إلى الديار والممتلكات.

3- بغض النظر عن الموقف من «حل الدولتين»، فمن المسلم به أن الحالة الفلسطينية غير قادرة على فرضه، والرباعية الدولية (في بيانها، تاريخ 2016/7/1) أدارت الظهر له، وإسرائيل (مجتمعاً وحكومة، لا بل دولة) - رغم كل التنازلات الفلسطينية التي ينطوي عليه هذا الحل- لا تقبل به، والإدارة الأميركية في عهد ترامب لا تأتي حتى على ذكره.(1)

أما عناصر الحل المتداولة في مركز القرار في الإدارة الأميركية،(2) فإنها تدور حول عدد من العناوين، تنطلق من فرضية أن التوصل إلى اتفاق سلام قائم على حل الدولتين أمر وهمي حالياً، فيضحى المطلوب هو تقديم تسهيلات للفلسطينيين على غرار فتح أجزاء في المنطقة ج (62% من مساحة الضفة) أمام النشاط الاقتصادي الفلسطيني، فيما تعتبره إسرائيل تقديم تنازلات للفلسطينيين من المفترض أن يقابلها الإقدام على خطوات عربية علنية ملموسة تبرر هذه التنازلات(!). وفي هذا الإطار يجري الكلام عن جذب دول عربية التي تجد مصالح إستراتيجية تجمعها بإسرائيل، بما في ذلك ما يتصل بالتحديات الأمنية في المنطقة..، وصولاً إلى عقد مؤتمر إقليمي بوظيفتي التطبيع والتعاون الأمني والاقتصادي.

4- بعيداً عن التكهن بما سوف تسفر عنه هذه السياسة من نتائج، فالواضح أن ما يسمى بمسار «حل الدولتين» بات مستبعداً في المدى القريب بأقله، كما أن «حل الدولة الواحدة» لا يملك أي دينامية خاصة به، على جاذبيته ووقعه الحسن ومخاطبته للوجدان الفلسطيني كونه يعيدنا إلى أصل الصراع، أي إلى نكبة اﻟ48. وعليه، يبقى الخيار المجدي المطروح على الحالة الفلسطينية هو الذي ينطلق من الإنجازات الثمينة التي حققها النضال الوطني الفلسطيني من أجل ارتياد آفاق البرنامج الوطني بمرتكزاته الثلاثة السابق ذكرها. إن هذا يعني بالملموس ما يلي:

أ) إطلاق وتجديد الحركة الشعبية المناهضة للاحتلال في كافة أماكن تواجد الشعب الفلسطيني على أرض الوطن وفي شتات أربع جهات الأرض، فالداخل يواجه، والخارج يساند في وحدة نضال وعمل.

ب) مواصلة دينامية تدويل قضيتنا الوطنية من خلال: 1- توسيع دائرة الاعتراف بدولة فلسطين وبسائر الحقوق الوطنية الفلسطينية؛ 2- توسيع عضوية دولة فلسطين في جميع المؤسسات والوكالات الدولية المتاحة بعد أن تم الاعتراف بالعضوية المراقبة لدولة فلسطين في الأمم المتحدة (القرار 19/ 67)؛ 3- ملاحقة إسرائيل ومقاضاتها على انتهاكاتها لاتفاقيات جنيف الخاصة بالبلدان والشعوب المحتلة أراضيها، وعلى ارتكابها جرائم حرب.. الخ، من خلال الاحتكام إلى مجلس حقوق الإنسان، محكمة الجنايات الدولية.. الخ؛ 4- توسيع حملة المقاطعة (BDS) لإسرائيل على أوسع نطاق.

ج) السعي الجاد لتجاوز الانقسام المؤسسي القائم واستعادة وحدة المؤسسة الأم (منظمة التحرير)، كما والسلطة الفلسطينية بجناحيها.

ﻫ) تحشيد كل الطاقات المتاحة لتأمين متطلبات الصمود لشعبنا في الضفة والقطاع كما وفي مخيمات الشتات.

د) اجتراح صيغ تنسيقية مستقرة وثابتة إن أمكن، بين منظمة التحرير وما يمكن أن يقابلها على مستوى التمثيل الفلسطيني في مناطق اﻟ48.

*****

الهوامش

(*) الورقة المقدمة إلى المؤتمر المنعقد في بيت المستقبل (بكفيا، لبنان) بين 9 إلى 10 حزيران (يونيو) 2017، بدعوة من مركز القدس للدراسات السياسية (الأردن)، ومؤسسة بيت المستقبل (لبنان)، ومؤسسة كونراد أديناور (ألمانيا)، تحت عنوان: «مؤتمر «حل الدولتين» وما يتعداه: التصورات الموازية لمستقبل القضية الفلسطينية وإمكانات التسوية».

(1) تجاه الموضوع الفلسطيني، يقوم موقف إدارة ترامب حتى اللحظة على ما يلي:

1– لم تعلن إدارة ترامب تأييدها لخيار الدولتين على حدود الـ67، كما فعلت الإدارات السابقة.

2- لم تعلن إدارة ترامب موقفها الرافض للاستيطان، واكتفت بدعوة الحكومة الإسرائيلية بإبطاء وتيرته في المستوطنات القائمة وفي الأحياء اليهودية في القدس.

3- عدم التخلي عن نية نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، مع الاكتفاء بتأييد الإعلان عن ذلك لإعطاء فرصة لعملية السلام(!)

4- التصويت ضد كل مشاريع القرارات الخاصة بفلسطين في مجلس حقوق الإنسان، والمجلس التنفيذي لليونسكو.

5- إعلان إدارة ترامب أنها سوف توفر الحماية لإسرائيل في كل المؤسسات والمنظمات والمحافل الدولية، وذهبت إلى حد استخدام نفوذها مع الدول التي تصوت لصالح فلسطين، وتهديدها بالانسحاب من مجلس حقوق الإنسان.

6- استمرت تهديدات الكونجرس الأميركي بقطع المساعدات عن الشعب الفلسطيني، إذا استمرت القيادة الفلسطينية في مساعيها للانضمام للمحافل الدولية، وتقديم ملفاتها أمام المحكمة الدولية، وقطع الرواتب عن الأسرى وعائلات الشهداء.

(2) راجع بهذا الخصوص الورقة الصادرة عن معهد واشنطن لدراسات الشرق الأوسط، بعنوان: «نحو صيغة جديدة لمعالجة الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي»، من إعداد ديفيد ماكوفسكي ودينس روس.

 

 

 

 

فهد سليمان

نائب الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين

 

 

شاهد مقالات فهد سليمان

أرشيف وثائق وتقارير

صحافة وإعلام

مواقــــع

أخبار منوعة

فض تظاهرة قرب السفارة الأميركية في عوكر - لبنان بالقوّة

News image

فضّت القوى الأمنية التظاهرة قرب السفارة الأميركية في عوكر -المتن بالقوّة، بعدما تعرّض عناصر الأ...

استمرار مسيرات الغضب رفضاً لقرار ترامب بحق القدس المحتلة

News image

تواصلت أمس لليوم الثالث على التوالي مسيرات الغضب والتحرّكات والمواقف الشاجبة لاعتراف الإدارة الأميركية بمد...

لليوم الرابع الإنتفاضة مستمرة... 231 مصابًا في مواجهات مع الاحتلال

News image

أصيب عشرات الفلسطينيين في الضفة والغربية وغزة السبت في اليوم الرابع من المواجهات المستمرة منذ...

لبنان يدعو إلى فرض عقوبات اقتصادية على أميركاش

News image

قال وزير خارجية لبنان جبران باسيل أمس (السبت) إنه يجب على الدول العربية النظر في ...

احتجاجات تعم الأراضي الفلسطينية.. والاحتلال يعتقل العشرات

News image

تواصلت تظاهرات الغضب في فلسطين ضد قرار الولايات المتحدة نقل السفارة الأميركية من تل أبي...

اجتماع الجامعة العربية: قرار أمريكا لاعتبار القدس عاصمة للكيان المحتل باطل

News image

بحث الاجتماع غير العادي لمجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري أمس، بالقاهرة تطوّرات الو...

صحف عالمية: هزيمة أمريكية نكراء في مجلس الأمن

News image

ما زال قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، يهيمن على تغط...


المزيد في دراسات

في ذكراه المئوية..

فهد سليمان

| السبت, 2 ديسمبر 2017

وعد بلفور في مدار سايكس- بيكو 1- مبضع سايكس بيكو 2- فلسطين.. العقدة في منشار سا...

مقدّمات الحرب الأميركية/ الصهيونية على سوريا

د. ساسين عساف

| السبت, 2 ديسمبر 2017

أوّلاً: الأسباب/ الاتهامات منذ قيام الانتفاضة الأولى في فلسطين، ومنذ بدء عمليات "حز...

تعريف الفلسطيني

د. أحمد محمد المزعنن | الخميس, 30 نوفمبر 2017

أولاً- مائة سنة مشؤومة على وعد بلفور أ- قبس من نور المعرفة...

إستراتيجيات التفكيك والتجزئة والتقسيم

د. ساسين عساف

| الأربعاء, 15 نوفمبر 2017

* رسائل صهيونية لتقسيم لبنان والمنطقة إنّ خطّة تجزئة الوطن العربي هي قدي...

أصوات فكرية عريقة عن تربية فلسفية جديدة

د. زهير الخويلدي

| الأربعاء, 15 نوفمبر 2017

"انه لو ساءت حال صانعي الأحذية، ولم يعودوا كذلك إلا بالاسم، لما كانت العاقبة وخي...

بلفور الوعد الخبيث

حسن العاصي

| الثلاثاء, 7 نوفمبر 2017

قراءة في الانحدار الأخلاقي الغربي حين أعلن وزير الخارجية البريطاني اللورد "آرثر جيمس بلفور" رسم...

علامة وجود الديمقراطية هي قوة المشاركة وحرية الفعل

د. زهير الخويلدي

| الثلاثاء, 7 نوفمبر 2017

"لم يعد بمقدور السياسة الطموح إلى الشمولية التي كانت تدين بها للرغبة في توفير بدي...

نماذج من أقوال الرئيس عبد الناصر، مفاتيح لقراءة الراهن العربي

د. ساسين عساف

| السبت, 7 أكتوبر 2017

  1-فلسطين   - "... وبدأت طلائع الوعي العربي تتسلّل إلى تفكيري وأنا طالب في المرحلة ...

القول الحديث في تاريخ مصر الحديث: الحكم العثماني في مصر بين الوثائق والاستشراق

محمد شعبان صوان

| الخميس, 5 أكتوبر 2017

ساد الحديث زمناً عن "الاحتلال العثماني" وبعضهم زايد بصفة "الاستعمار التركي" للبلاد العربية، ونال الق...

العقل الإسلامي وإشكاليات النهوض الحضاري*

د. عزالدين عناية

| الخميس, 5 أكتوبر 2017

  ثمة مفارقة يشهدها تاريخنا الراهن تسترعي الانتباه. في الوقت الذي تعيش فيه الساحة العربية ...

الفلسفة محبة، الفيلسوف باحث، التفلسف تجاوز

د. زهير الخويلدي

| الخميس, 5 أكتوبر 2017

  "لماذا نتفلسف؟ يبدو أن اللفظ يجاب عليه من ذاته: من أجل الحكمة (صوفيا) حيث ...

تونس المعاصرة

د. عزالدين عناية

| الاثنين, 18 سبتمبر 2017

  يُمثّل كتاب ستيفانو ماريا توريللي الصادر بالإيطالية بعنوان "تونس المعاصرة" قراءةً معمّقةً للأوضاع السياسية ...

المزيد في: دراسات

-
+
10

مجموعة التجديد

Facebook Image
mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterاليوم39640
mod_vvisit_counterالبارحة52002
mod_vvisit_counterهذا الاسبوع125985
mod_vvisit_counterالاسبوع الماضي278378
mod_vvisit_counterهذا الشهر454327
mod_vvisit_counterالشهر الماضي1199023
mod_vvisit_counterكل الزوار47967020