موقع التجديد العربي

للتواصل عبر البريد الإلكتروني: arabrenewal2002@gmail.com 

 
  • default color
  • green color
  • blue color
"داعش" يعلن مسؤوليته عن الهجوم على مركز الشرطة في حي الميدان في دمشق ::التجــديد العــربي:: الحكومة الفلسطينية تعقد الاجتماع الأول لها في غزة منذ 2014 ::التجــديد العــربي:: ستيفن بادوك، المشتبه بإطلاق النار في لاس فيغاس، كان مقامرا ::التجــديد العــربي:: وفاة رئيس العراق السابق جلال طالباني عن عمر يناهز 84 عاما ::التجــديد العــربي:: برلمان العراق يمهد لتعليق عضوية نواب أكراد شاركوا بالاستفتاء ::التجــديد العــربي:: مسلح ستيني يقتل 59 شخصاً ويجرح 527 شخصا في لاس فيغاس.. وينتحر ::التجــديد العــربي:: أرامكو تقترب من الانتهاء من أول مشروع للغاز الصخري ::التجــديد العــربي:: مصر تصدر سندات دولارية مطلع 2018 تعقبها سندات باليورو ستتراوح قيمتها بين 3 و 4 مليارات دولار، بينما ستتراوح قيمة سندات اليورو بين 1 و 1.5 مليار يورو ::التجــديد العــربي:: معرض عمان الدولي للكتاب والامارات ضيف الشرف و المعرض يستقطب نحو 350 دار نشر و أمسيات شعرية وندوات فكرية ::التجــديد العــربي:: معرض بلبنان للمواد المحظورة من الرقابة ::التجــديد العــربي:: الدوري الانجليزي: مانشستر سيتي يعود للصدارة بعد فوزه على مضيفه تشيلسي ::التجــديد العــربي:: برشلونة ينضم إلى الإضراب العام في كاتالونيا ::التجــديد العــربي:: التوقف عن العلاج بالأسبرين يؤجج الازمات القلبية والدماغية ::التجــديد العــربي:: أول مصل عام في العالم يكافح جميع أنواع الانفلونزا ::التجــديد العــربي:: وزراء خارجية الدول الأربع يبحثون آليات جديدة بأزمة قطر في نيويورك ::التجــديد العــربي:: ماتيس: واشنطن لديها "الكثير" من الخيارات العسكرية في الأزمة الكورية ونغيانغ تصف عقوبات الأمم المتحدة بأنها "عمل عدائي شرس، غير إنساني، وغير أخلاقي ::التجــديد العــربي:: المحكمة العليا العراقية تأمر بوقف استفتاء الأكراد ومناورات تركية على حدود العراق ::التجــديد العــربي:: حماس تستعجل حكومة الحمدالله في تسلم مهامها بغزة ::التجــديد العــربي:: القوات السورية تسيطر على ضاحية الجفرة الحيوية في دير الزور ::التجــديد العــربي:: أمطار غزيرة تغرق أجزاء من الفلبين وتغلق الأسواق والمدارس ::التجــديد العــربي::

كيف نقرأ ظاهرة الضعف في تاريخنا الحديث؟

إرسال إلى صديق طباعة PDF


* تعقيب على فكرة القابلية للاستعمار عندما تستخدم للطعن في التاريخ

فكرة القابلية للاستعمار كان الهدف الرئيس منها هو الحفز على العمل والجهاد للخروج من التخلف والهزيمة أمام المستعمِرين ولكن هناك من نحا بها ضد هدفها فأصبحت سكيناً للطعن في التاريخ بغير حق دون القيام بأي جهد بديل،

فعند قراءة تاريخنا هناك من ينحو نحو تبني فكرة الضعف الداخلي لتفسير الهزيمة الخارجية والانهيار أمام الأعداء بطريقة تخرج عن خصائص الطبيعة البشرية وقدراتها، والبعض يبالغ في ذلك إلى درجة رفع الملامة عن القوي المجرم وتحميل المسئولية للضعيف المهزوم الذي أتاح ضعفه للقوي أن يهزمه، وأن الضعيف مسكون بهاجس المؤامرة ويعلق هزائمه على شماعة الغرب وغير ذلك من عبارات تشي بعدم قراءة التاريخ الحديث منذ الحملة الفرنسية على مصر وما تبعها من تدخلات استعمارية بريطانية ضد مصر وفرنسية ضد الجزائر وأوروبية وروسية في البلقان ثم ضد الدولة العثمانية في نافارين (1827) ثم ضد محمد علي باشا ثم احتلال بريطانيا لعدن (1839) وحروب روسية في (1828) وفي حرب القرم (1853- 1856) ثم حرب 1877- 1878 ثم الاحتلال الفرنسي لتونس (1881) ثم الاحتلال البريطاني لقبرص (1878) ومصر (1882) ثم احتلال إيطاليا لليبيا (1911) ثم حروب البلقان (1912- 1913) فالحرب الكبرى الأولى (1914- 1918) ثم احتلال البلاد العربية بعد مؤامرة سايكس بيكو (ألم تكن مؤامرة خفية فضحها البلاشفة؟ والعجيب أن فكرة القابلية للاستعمار لا تطبق على الثورة العربية 1916 التي ساندت الحلفاء وأتت بهم إلى بلاد العرب) وما شابها من قمع شديد لثورات العرب ثم العدوان على العراق (1941) ثم نكبة فلسطين 1948 ثم حرب السويس (1956) بعد مؤامرة العدوان الثلاثي الخفية (وما زالوا ينكرون فكرة المؤامرة!) ثم نكسة 1967 ثم العدوان على لبنان 1982 وبعدها العدوان الأمريكي على العراق (1990- 2003) وما تخلل كل هذه الأحداث من حروب صهيونية ضد الفلسطينيين كان الغرب فيها جميعاً هو المعتدي كما أن الأطراف الغربية المتعددة كانت تتفق فيما بينها على اقتسام واقتطاع الأراضي من الدولة العثمانية (جزيرة القرم والبلقان واليونان وعدن والجزائر والخليج وقبرص وتونس ومصر والسودان وأريتريا والصومال وليبيا والشام والعراق) إلى عمليات العدوان على بلادنا والتي مازالت مستمرة إلى اليوم ولم يختلف الغربيون فيها إلا قليلاً وبشكل هامشي أو بالصراع بدمائنا على مصالحهم كما تؤكد الحوادث في أي مصدر تاريخي مهما كان سطحياً ومما جعل المواجهة تبدو كثيراً بين شرق وغرب، ولهذا فإن الادعاء بوجود شماعة غربية واستهجان نظرية المؤامرة وغير ذلك من العبارات لا تسندها أية قراءة تاريخية وتظهر جهل المتحدث بالتاريخ الحديث الذي كان فيه الغرب بالفعل معتدياً ومتآمراً، ثم ما الذي يريد قوله؟ إن ضعفنا بعد قرون القوة كان جريمة؟ فهل كان كبر السن جريمة في أية شريعة؟

بالطبع عندما يتقابل طرفان وينتصر القوي يكون الضعف هو سبب هزيمة الطرف الثاني، ولكن هذه هي سنة الحياة البشرية، ومن يتدبر في الأحياء سيجد بينهم الصغير والكبير والقوي والضعيف والشاب والكهل ومن هو على سرير الموت، وعندما نرى في حياتنا اليومية كبيراً يعتدي على صغير، أو قوياً يعتدي على ضعيف، نلجأ فوراً إلى القانون لينصف المظلوم، ومن يدعي حينئذ أن ضعف الكهل هو السبب في هزيمته أمام فتوة الشاب ومن ثم يجب معاقبته هو لأنه لم يجدد شبابه، سيقابل بسخرية العامة لأن الكبر والضعف والهرم بعد الفتوة والقوة سنة الحياة وليست جريمة يرتكبها الحي، ولكن هذا ليس الحال في السياسة الدولية التي يدعي الغرب المهيمن عليها أنه علم البشرية القانون ومع ذلك تسود شريعة الغابة في المجتمع الدولي ويأكل الكبير الصغير ثم نتجه إلى لوم الضحية! وكأن اللائم يريد من أمتنا أن تكون خلاف الأحياء فلا يطرأ عليها الكبر والضعف كبقية الناس.

ليس من المنطقي أن نطالب أية أمة بالاستمرار على قوتها من الأزل إلى الأبد وإلا فإنها ستكون ملومة لو قصرت يوماً في شرب دواء الشباب الدائم وضعفت عن مواجهة من هم أقوى منها، هذا الفكر من قصور النظر وعدم التدبر في حياة البشر والأمم (وتلك الأيام نداولها بين الناس)، الاستعداد مطلوب دائماً ولكن هذا لا يعني أن ينجح البشر كلهم على نفس المستوى وتختفي الفوارق بينهم ويسود توازن القوى الذي لا يمكّن قوياً من ضعيف، هذا خيال لا بد من الإقلاع عنه، سيظل في الدنيا القوي والضعيف ومتوسط الحال، ومن يريد أن يتغلب على ضعفه فالميدان مفتوح للعمل، علينا مغالبة عوامل الضعف والهزيمة وعدم الاستسلام، وهذا يتطلب العمل الدؤوب وليس مجرد الجلوس في تكييف الهواء ولوم تاريخنا بسبب عجزه عن الانتصار على أوروبا بعدما غالبها أشد المغالبة رغم كونه في زمن الكهولة وأوروبا في زمن الفتوة، من لا يعجبه جهد أسلافنا فليتفضل إلى الميدان المفتوح ويقدم أفضل مما قدموا ولا يكتف بتوزيع الملامة من برجه العاجي وفي نفس الوقت يبرئ المجرم من جريمته، فالعمل الجاد أفضل من إلقاء اللوم على التاريخ ومن يدعي أننا نعلق ضعفنا على شماعة الغرب يكون هو في الحقيقة من يعلق ضعفه على شماعة التاريخ وإلا فالساحة تدعوه للعمل! وإذا كان الضعف ليس جريمة فإن الركون إليه هو الجريمة وقد أثبت تاريخنا محاولات نهوض عديدة فلم يقع اللوم عليه بل على الأخلاف الذين جلسوا وتفرغوا للملامة!

* العثماني إنسان وليس سوبرمان

عندما نقرأ التاريخ العثماني يحمله الكثيرون مسئوليات فوق طاقة البشر وكأن العثماني هو سوبرمان لا يقبل منه الإخفاق أو الضعف أو الانحدار مثل كل البشر، ولكن يجب أن نتذكر أن الدولة العثمانية كبقية الدول لها زمن قوة يتبعه زمن ضعف ثم موت، لم يشذ عن هذه القاعدة أية دولة مهما بلغت من القوة، والدولة العثمانية تعد "من أعظم الإمبراطوريات في التاريخ وأكبرها وأطولها عمرا" كما يقول المؤرخ دونالد كواترت في كتابه الدولة العثمانية، فلماذا تطالب بعد هذا العمر الطويل الذي قضت معظمه في القوة والعظمة أن تبقى خالدة إلى الأبد لا يطرأ عليها سنن البشر؟ يقولون: ما هي أسباب الضعف والانحلال؟ ألا تكفي كلمة الهرم للإجابة على السؤال؟ ربما يجد البعض توجيه ذلك السؤال عن سبب الضعف لكبار السن من البشر لغواً كالاستفسار عن البديهيات، ولكننا بعد أكثر من ستة قرون عثمانية نسأل عن سبب التراجع، ولا يدور بخلدنا مصائر كل الدول في العالم حتى داخل الحضارة الغربية نفسها والتي ادعوا قدرتها على تجاوز أخطائها بالنقد والعلاج: أين كانت إسبانيا وأين أصبحت؟ أين كانت البرتغال وأين أصبحت؟ أين هولندا الآن بعد زمن الهيمنة؟ أين الإمبراطورية البريطانية التي لم تغب عنها الشمس؟ وأين الامبراطورية الفرنسية؟ وأين ألمانيا وإيطاليا بعد قمة العالم؟ وأين الاتحاد السوفييتي؟

ولكن هذه المطالب التي تطالب الدولة العثمانية بالاستمرار قوية إلى الأبد لا تعني أنها ستكون مستثناة من سنن التاريخ، فعند قراءة التاريخ في آخر أيام الخلافة يجب أن نتذكر دائماً أننا في زمن دولة كانت تلفظ أنفاسها الأخيرة، وهذا أمر طبيعي بعد الزمن الطويل الذي عاشته، ومن ثم فإن مظاهر الضعف فيها ستكون طبيعية لاسيما بوجود الطمع من كل الدول الكبرى بأراضيها ومواردها ومواقعها، وفي ذلك يقول المؤرخ يوجين روجان: "طالما كانت الإمبراطورية العثمانية تضم مناطق لها أهمية استراتيجية، ظلت القوى الأوروبية تستغل أي وسيلة ممكنة للتدخل في شئونها" (كتاب العرب من الفتوحات العثمانية إلى الحاضر ص 120)، ما هو استثنائي وغير طبيعي في حالة الضعف هذه أن تقوم الدولة الضعيفة بمقاومة تمدد الرأسمالية الغربية وفقاً لإمكاناتها المتاحة، وقد كتبت كتاب السلطان والمنزل لتوثيق هذه المظاهر التي تؤكد أن الدولة مع ضعفها لم تكن مستسلمة، ولهذا حرص الغربيون على إنهائها والقدوم بجيوشهم إلى المنطقة، ثم سلموا دولة التجزئة مقاليد الأمور باحتفالات كرنفالية لا تدل على أن هذه الدولة هي الآلية التي تركوها فعلاً لتقوم مقامهم بعد رحيل جيوشهم.

* واجه العثمانيون معضلة هرمهم في زمن فتوة الأعداء بصبر وصمود

المشكلة التي واجهت الدولة العثمانية هي أنها دخلت عصر ضعفها في الوقت الذي شهد صعود أوروبا، وهذا أيضا من سنن التاريخ، إذ أن جميع عصوره كانت تحتوي جميع المستويات الحضارية، فهناك دائما دول في المقدمة ودول من الدرجة الثانية ودول متخلفة، لم يكن التاريخ يوما يحتوي جميع البشر بنفس المستوى الحضاري وذلك مثل أعمار الناس في أي مكان: هناك الكبير والصغير والطفل والكهل والقوي والمتوسط والضعيف والعاجز والميت أيضا، ورغم أن العثمانيين واجهوا صعود أوروبا بعدما ضعفت إمكاناتهم، وكان هذا من سوء حظهم، فإنهم لم يستسلموا وظلوا يدافعون عن حماهم حتى اللحظة الأخيرة التي دخلوا فيها الحرب الكبرى 1914 لأنهم أرادوا أن يقفوا مرة ثانية على مستوى بقية الدول العظمى ويستردوا ما احتلته هذه الدول من أراضيهم ويتخلصوا من المعاهدات التي كبلت استقلالهم كالامتيازات الأجنبية، ورغم ذلك فقد تعرضت الدولة العثمانية للهجوم غير التاريخي الذي حملها مسئولية دخول الاستعمار للبلاد التي تحكمها، فقيل مثلاً لماذا سلمت الجزائر؟ ولكن يكفي الدولة العثمانية دفاعها المستميت عنها حتى اللحظة الأخيرة وسقوط عشرة آلاف شهيد عثماني في معركة خاسرة كما يذكر المؤرخ السوفييتي فلاديمير لوتسكي، ثم لماذا احتلت بريطانيا مصر؟ ويكفي أن الدولة لم تقبل المشاركة في مشروع الاحتلال البريطاني والدخول في ظله حتى ولو بعنوان استعادة السيطرة العثمانية، وذلك على عكس دول التجزئة التي سارت في ركاب القوات الاستعمارية لضرب إخوتها وجيرانها، ويكفي العثمانيين دعمهم للاتجاه الوطني في مصر والمقاوم للاحتلال بكل الإمكانات الممكنة، كما لم تعترف الدولة بكل التغييرات التي أحدثها الاحتلال الأوروبي في كل أراضيها إلى أن جاء الحكم الكمالي وقدمها على طبق من ذهب للأوروبيين نظير استقلال الأناضول بما لا يتعارض مع خطط الحلفاء، وننسى صمود العثمانيين الأسطوري في وجه روسيا كما حدث في ملحمة بلافنا 1877 وانتصارهم على اليونان 1897، ثم نتساءل متسقطين الثغرات ومتعجبين منها في زمنها الطبيعي: لماذا هزمت الدولة في الحرب الكبرى؟ ولكن رغم قلة الإمكانات والضعف فقد باشرت الدولة العثمانية بالفعل بمحاولة استرداد ما احتله الأوروبيون من بلادها في مصر وشمال إفريقيا، وتمكنت الدولة من تحقيق انتصارات مهمة في تلك الحرب في جبهات عديدة كالقوقاز وفلسطين والعراق والجزيرة العربية والبلقان واسطنبول، ولكن الانتصار في معارك لا يعني الانتصار في الحرب لاسيما أمام غيلان أوروبا التي تعيش في أوج قوتها، المهم أن الدولة العثمانية أثبتت أنها ليست لقمة سائغة رغم الضعف والتراجع والفتن الداخلية التي استعانت بالإنجليز والفرنسيين "لتحرير" العرب وطعنت الدولة في ظهرها رغم معرفة الثوار باتفاقية سايكس بيكو لاقتسام أراضي العرب وذلك لأن الثورة البلشفية نشرت وثائق الحلفاء سنة 1917 فحاولت الدولة العثمانية التفاهم مع العرب ولكن خداع بريطانيا صرف قادة الثورة العربية عن ذلك، وكانت هزيمة العثمانيين طبيعية جداً نظراً لموازين القوى آنذاك والتي تجعل المراقب يعجب من صمود الدولة العثمانية إلى القرن العشرين أمام قوة أوروبا الماحقة وليس من تراجعها، وهذا ما أكده الزعيم المصري مصطفى كامل في كتابه المسألة الشرقية والمؤرخ نيكولاس دومانيس في كتاب The Age of Empires الذي حرره روبرت ألدريتش.

* معضلة غياب البديل جعلت البعض يحمّلون العثمانيين مسئوليات غير طبيعية

كما يجب أن نتذكر أن حال بلادنا كان خالياً من قوة صاعدة تتسلم زمام الأمور من العثمانيين بعد ضعفهم، وكل القوى البديلة كانت أوروبا هي التي تحركها، على عكس ما حدث في تاريخنا الإسلامي عندما تسلم العباسيون الراية من الأمويين بعدما ضعفت الدولة الأموية ثم حملها العثمانيون بعد زوال الدولة العباسية، وقد كان حال الضعف شاملاً في جميع ديار الإسلام بل في كل العالم غير الأوروبي وليس في الدولة العثمانية وحدها، ولم يكن هناك بديل قوي يتسلم الزمام من المغول في الهند ولا من القاجار في إيران ولا من العثمانيين في المشرق العربي الإسلامي، فوقع الجميع تحت الهيمنة الأوروبية ولا يمكننا أن نفرد طرفاً بالملامة وحده لأنه ليس من المنطقي أن نُحمّل كبير السن تبعات تلوم ضعفه الطبيعي.

* من هو الملوم الذي لم يؤد واجبه؟

والخلاصة أن العثمانيين أدوا دورهم كأحسن ما يكون وانتصروا قروناً ومنح دخولهم حيوية للعالم الإسلامي كما يقول المؤرخ زاكري كارابل في كتابه أهل الكتاب، ودافعوا عنه بحماس زمناً طويلاً يجب ألا نهمله وألا نهمل إنجازاتهم الدفاعية، ضد الإسبان والبرتغاليين أولاً، والهجومية الهامة التي اقتحمت أوروبا ووصلت أبواب فيينا واستمرت لمدة قرون، ومن ذلك حماية العالم العربي من أشكال الاستعمار الأوروبي المختلفة، لمدة أربعة قرون كما يقول المؤرخ العربي زين نور الدين زين، فلما حل بهم الضعف مثل كل البشر بعد ذلك دافعوا دفاع الأبطال وكانت معظم الهزائم التي أخذت عليهم قد وقعت في قرنهم الأخير بدءاً من استيلاء الروس على القرم ثم الحملة الفرنسية على مصر وما تلاها، ويجب التأكيد هنا على أن القرن الأخير من عمر الخلافة لم يكن هو الحالة المثالية للوحدة التي يمكن مقارنتها بالحالات المثالية للأنظمة الأخرى، لأن زمن القوة قدم ما هو أكثر بكثير من زمن الضعف، جاذبية آخر أيام الخلافة نبعت من كونها "صحوة الرجل المريض" حسب وصف الباحث موفق بني المرجة في كتابه الشهير الذي حمل هذا العنوان، هذه الصحوة قدمت ما هو أفضل كثيراً من الضعف والانهيار والهزيمة المفترضة في ذلك الزمن، وأفضل كثيراً جداً مما قدمته دولة التجزئة التي تلت الدولة العثمانية ولم تعرف سوى التبعية والعمالة والهزيمة والعجز والتراجع، وقد كانت الهزائم التي وقعت في آخر أيام الخلافة أشرف من الانتصارات الوهمية لدولة التجزئة لما احتوته من صمود أسطوري عجزت عنه دول التجزئة حتى في انتصاراتها المزعومة فضلاً عن هزائمها المتكررة، ويمكننا بذلك أن نعقد المقارنات الواضحة بين أسوأ أزمنة الوحدة وما أنجزته وما فقدته مقابل أفضل أزمنة التجزئة وما أنجزته وما فقدته، مع الأخذ في الحسبان أننا نقارن بين أسوأ ما في زمن وأفضل ما في آخر، ثم مات العثمانيون واقفين دون أن يكون هناك خلف صالح لهم أو لغيرهم في كل بلاد الإسلام، ولا يمكننا بعد ذلك أن نطلب من مقاعدنا الوثيرة أن يظل العثمانيون بقوتهم من الأزل إلى الأبد في نفس المستوى وألا يطرأ عليهم الضعف والموت كبقية البشر وأن نلومهم بسبب هزيمتهم ونحن نعلم ألا عار على الفتى بالموت إذا جاهد محقاً وغالب مجرماً، فالأولى بالملامة هم الذين تولوا زمام الأمور بعد رحيل العثمانيين ولم يتمكنوا لمدة قرن من إنجاز شيء سوى الانبطاح للغرب والهزيمة أمامه والاستسلام لإرادته وإضاعة الموارد في طاعة أوامره دون أن يتمكنوا من الاستقلال الحقيقي بإطعام أنفسهم أو الدفاع عن حدودهم أو كفاية حاجاتهم وظلوا معتمدين على المدد الاستعماري لإنجاز كل ذلك، هذا لو غضضنا النظر عن الفشل الذريع في تحقيق الأحلام الكبرى كالتحرير والوحدة والحرية والعدالة الاجتماعية أو حتى مجرد استمرار الدولة بعد غياب الحاكم الفرد بالموت أو الانقلاب، ولم يكن ذلك بسبب ظروف الضعف الطبيعي بعد زمن القوة، بل كان بسبب تحكم النفوذ الأجنبي الذي تخلل مراكز اتخاذ القرار حتى في أكثر هذه الدويلات استقلالاً وعناداً وكان يسيّر الأحداث بما يلائم مصالحه ويطيح بأي معاند حتى لو كان الزعيم نفسه.

ومن المفارقات أنه بينما عجزت القومية العربية عن جمع قطرين عربيين لمدة معقولة، حدثت آخر وحدة عربية فعلية في ظل الدولة العثمانية، وكانت عاصمتها القسطنطينية هي آخر عواصم الوحدة العربية كما قال الأستاذ أحمد الشقيري رحمه الله أول رؤساء منظمة التحرير الفلسطينية وأحد أشد المتحمسين لفكرة الوحدة العربية.

* الغرب هو الذي قطع طريق نهوضنا

ولو قدر لبلادنا الاحتفاظ بوحدتها والسير في تقدمها بنفس المعدل الذي سارت فيه الخلافة في آخر أيامها (يمكن مراجعة دراسة: سياسات آخر أيام الخلافة) دون تطفل غربي لكنا في مكان آخر اليوم، ولما كان التخلف هو قدرنا، لأن الخطوات التي قطعتها الدولة العثمانية حتى في ظل الضعف والتراجع كانت خليقة بالوصول إلى ما هو أفضل من الانهيار المعاصر، لولا قطاع الطرق في الغرب، وهو ما يعطي أجيالنا درساً موثقاً عن أهمية الوحدة وإنجازاتها، لأن منطق الوحدة والكيان الجامع حتى مع الضعف الطارئ أفضل من منطق التجزئة والفرقة الملازم للاستسلام، فالكيان الكبير يفرض على أصحابه منطق الدولة العظمى الذي يقتضي العمل المستمر على البقاء في المقدمة ويتمكن من ذلك بالإمكانات الكبيرة المتوفرة لديه من الاتساع الجغرافي كما نرى في الدول الكبرى اليوم، ولكن دول الغرب لم تترك للعثمانيين فرصة لالتقاط الأنفاس واستنزفت مواردهم في إشعال الحروب وسداد الديون (حوالي 95% من الميزانية العثمانية كان يذهب للجيش وخدمة الديون وفق أرقام بداية القرن العشرين) فلم يتبق شيء للتنمية والنهوض، وأصبح القضاء على الدولة العثمانية من جذورها سياسة عامة للحلفاء في الحرب الكبرى الأولى وفقاً لاعترافات سياسية موثقة وذلك خلافاً لألمانيا زعيمة دول الوسط ذاتها التي لم تعان هذا التفكيك والاستئصال.

ويرى مؤرخون أن الدولة العثمانية كانت ستنهار حتى دون دخولها الحرب الكبرى الأولى (1914- 1918)، وذلك بسبب صراع الأفكار كالقومية والليبرالية والعثمانية والإسلامية التي تبلورت في زمن الاتحاد والترقي، ولكن ما حدث للدولة العثمانية ليس مجرد انهيار نظام سياسي، بل تفتيت الوحدة التي لمت شعث الأمة سياسياً وفكرياً ونفسياً وحلول نفوذ غريب محلها، أي محاولة القضاء على وجود أمة بأسرها، ولتقريب المثل يمكن القول إن الملكية الفرنسية انهارت نتيجة الصراع الداخلي بعد ثورة 1789 ولكن فرنسا وامبراطوريتها لم تنهار واستمر وجودها الفاعل في العالم بل زاد أثراً، فالصراع الداخلي لا يؤدي إلى الانهيار في الأمم التي لا تعاني تدخلاً خارجياً، بل غالباً يتجه الأمر إلى الصعود لأن الدورة الاجتماعية الداخلية تعمل على تحسين وضع الأمة وليس تدهوره، وكذلك القول في الثورة البلشفية التي قضت على النظام القيصري في روسيا 1917 ولكن روسيا وامبراطوريتها لم تتدهور وكان التدخل الخارجي الغربي هو الذي حاول حرف الصراع نحو إفساد الوضع الداخلي لصالح العالم الغربي.

وفي بلادنا كان يمكن للدورة الاجتماعية الداخلية أن تتجه للصعود نتيجة الصراعات الداخلية ولكن دون تدخل خارجي، فكان يمكن لدولة محمد علي باشا أن تجدد شباب الدولة العثمانية لولا التدخلات التي عملت على استثمار الصراع لصالح الخارج دون الداخل، ولم تكن الحركات القومية ستؤدي لتفتت الدولة لاسيما عندما نذكر أن معظم الشعوب العثمانية فضلت البقاء في ظل الدولة حتى مع بروز التوجهات القومية كما يذكر غير واحد من المؤرخين، وقد حارب نصف الأمة الأمريكية نصفها الآخر في الحرب الأهلية المدمرة (1861- 1865) ولم تتفتت الدولة رغم الخسائر التي فاقت كل حروب أمريكا الدولية إلى اليوم.

ولكن ما فعله الغرب في الدولة العثمانية بعد الحرب الكبرى الأولى من تقطيع أوصال لم يفعله حتى بألمانيا آنذاك، وحتى بعد الحرب الكبرى الثانية لم يعمل الغرب على تدمير ألمانيا بعد زوال النظام النازي وعمل الحلفاء على ترقيتها رغم كل الجرائم السابقة، ولكن ما وقع على أمتنا بإسقاط الخلافة تعدى أثره مجرد زوال نظام سياسي أو سلالة حاكمة، وبغض النظر عن آرائنا في محمد علي باشا أو جمعية الاتحاد والترقي، فإن ما يهمنا هو نظرة الغرب الذي حاربهم رغم توددهم إليه واستخدامه إياهم وخدمتهم لمصالحه لأنه يريد محو الأمة ولم يكن خلافه مع نظام السلاطين العثمانيين وحدهم بل مع وجود الأمة التي يقودونها ومن ثم كان بروز أية قوة بديلة تحاول الإمساك بزمام الأمور أمراً مرفوضاً بغض النظر عن مدى توددها للقوى الغربية وهو تودد كان محكوماً في النهاية بمصير الصدام عندما يدرك قادة الدولة أن الغرب لا يريد نهضة هذه الأمة وسيحاربها بكل قوته وهذا ما حدث بعدما تسلمت جمعية الاتحاد والترقي زمام الحكم في الدولة العثمانية وعلمت أن الغرب لم يكن يرعاها بسبب استبداد السلطان عبد الحميد، وانتهى المطاف بإعلانها الحرب ضد الحلفاء بعد ندمها على تعبيد الجماهير للغرب وتقديم البلاد على طبق للقوى الغربية بعد عزل السلطان عبد الحميد كما ذكر ذلك أحد الأقطاب الاتحاديين وهو طلعت باشا وفقاً لما أورده المؤرخ زين زين، فإذا ببريطانيا وفرنسا تحالفان روسيا لإنهاء وتقسيم الدولة العثمانية رغم أنهما كانتا تدعيان دعم استمرارها ضد التوسع الروسي زمناً طويلاً ولكنهما لم تترددا في التآمر عليها (في البلقان في بداية القرن التاسع عشر) وتقطيع أوصالها (الجزائر 1830 وعدن 1839 والخليج) واستنزاف قدراتها (دعم مغامرة محمد علي في البداية والذي حرص على نيل الرضا من القوى الأوروبية) إلى أن وصل الأمر بالتخلي علناً عن ذلك الدعم للعثمانيين ثم الإيغال في تقطيع الأوصال (قبرص وتونس ومصر والسودان) وصولاً إلى الحرب العلنية الكبرى (1914- 1918) وإنهاء الخلافة (1924).

وهذا الانقلاب في المواقف يؤكد أن الوجود العثماني في زمنه الأخير رغم ضعفه لم يكن مجرد أداة للاستخدام الغربي فكانت الدولة تحفظ وجودها بمهاراتها الدبلوماسية وما تبقى من قوتها العسكرية التي لم تكن هينة حتى في آخر أيامها، وعند الحديث عن سبب استمرار الدولة العثمانية رغم الضعف والتراجع، لا يمكننا أن نعزو حركة التاريخ إلى عامل واحد هو الإرادة البريطانية أو الفرنسية ضد الأطماع الروسية التي لا يمكننا أيضاً أن نقف مدافعين عنها بحجة معاداة أوروبا، فكلهم مستعمرون ولا فضل لأحدهم على الآخر، ولم تكن الدولة العثمانية مجرد أداة لغيرها على غرار دولة التجزئة التي كانت في أحسن أحوالها عندما تسب على المنابر الاستعمار الذي صنعها، تستجدي رضاه تحت الطاولة، وذلك لأن سياسته وضماناته هي التي تضمن وجودها وبقاءها، بل إن من المؤرخين من يطالعنا بأن استقلالية الدولة العثمانية هي التي كانت السبب في اتفاق السياسات الدولية ردحاً من الزمن على الحفاظ على بقائها خشية أن يحل محلها قوى خاضعة لنفوذ إحدى الدول الأوروبية فيختل التوازن الدولي وكان ذلك نتيجة الموقف الاستراتيجي للسلطان العثماني (فيليب مانسل، القسطنطينية المدينة التي اشتهاها العالم، سلسلة عالم المعرفة- 427، الكويت، أغسطس 2015، ترجمة: د. مصطفى محمد قاسم، ج 2 ص 46).

وعند مسح المواقف العثمانية في القرن التاسع عشر لاستخلاص وضع الدولة في العلاقات الدولية نجدها فاعلاً مستقلاً وليست مجرد أداة، فإذا كانت بريطانيا قد أيدت الدولة العثمانية ضد الحملة الفرنسية على مصر (1798- 1801) فإنها سرعان ما انقلبت ضد العثمانيين وهجمت على بلادهم في اسطنبول والإسكندرية حتى تم رد الإنجليز على أعقابهم في الموقعين (1807) وإذا كانت بريطانيا وفرنسا قد وقفتا إلى جانب الدولة العثمانية ضد روسيا في حرب القرم (1853- 1856) فإن روسيا كانت قد وقفت إلى جانب العثمانيين ضد محمد علي وعقدت معهم معاهدة حماية هي هنكار إسكله سي (1833) وذلك بعد حرب وقعت بين روسيا والدولة العثمانية (1828- 1829) واستدعت الأساطيل البريطانية والفرنسية لمنع احتلال روسي، وكان ذلك بعد معركة نافارينو (1827) التي اتحدت فيها بريطانيا وفرنسا وروسيا ضد العثمانيين والمصريين، وهو التحالف الذي عادت الأطراف الروسية والأوروبية إليه في نهاية المطاف في الحرب الكبرى الأولى (1914)، وقد كلفت الدولة العثمانية مواقفها عداوة جمعت في النهاية من زُعم أنهم "أصدقاؤها" من الإنجليز والفرنسيين، وأعداءها الروس، لاسيما أن بريطانيا تخلت كلياً عن سياسة تأييد العثمانيين بعد مؤتمر برلين (1878)، ولم يكن اتفاق السلطان مع هدف دولة أوروبية يجعله ينبطح لها لكسب رضاها في كل شيء على غرار دول التجزئة التي انبطحت للصهيونية بعد حرب الخليج 1991 ومشت في مهرجان إلغاء مساواتها بالعنصرية ثم بالتطبيع معها لإرضاء أمريكا التي ضمنت بقاء هذه الكيانات، ولكن السلطان العثماني "إذا كان مستعداً للتعاون مع فرنسا عندما تقود حملة ضد السياسة البريطانية في مصر، فهو لا يمكنه القبول برفضها الاعتراف بسيادة سلاطين بني عثمان على أفريقيا الشمالية" وفقاً لجون هاسلب في كتابه السلطان الأحمر عبد الحميد، وكثيراً ما أحبطت الدولة العثمانية مشاريع استيطان أجنبي لأصدقائها وأعدائها على حد سواء (ألمانيا وبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة) في أراضيها دون الالتفات أو الاهتمام بغير مصالحها ومصالح المسلمين الذين تمثلهم، وكانت تفتح أبوابها للاجئين المسلمين من أوروبا وروسيا وتغلقها في وجه مستوطني الدول الكبرى، ولهذا تخلت ألمانيا أيضاً عن دعم الحركة الصهيونية لما وجدت عزوفاً عثمانياً عن القبول بوساطتها في هذا الشأن.

وكان التنافس الأوروبي واختلاف الدول الكبرى هو العامل الأهم من التأييد البريطاني في ظاهرة استمرار الدولة العثمانية، مع عدم إغفال أن القوة العسكرية العثمانية لم تكن قد انتهت في ذلك الوقت ولم تكن الدولة كياناً عاجزاً لا حول ولا قوة لها، من الناحية العسكرية على الأقل كما يقول المؤرخ المعروف إريك هوبزباوم[1] مضيفاً: "وتمتع الأتراك بسمعة رفيعة بوصفهم جنوداً أشداء، وكان لهم دور حاسم في التصدي الفاعل لعدوهم الأخطر، وهو الجيش الروسي والدول الأوروبية المتنافسة، وفي الحيلولة دون تفكك الإمبراطورية العثمانية أو إرجائه على الأقل"،[2] ويقول أيضاً: "وكان الأوروبيون يكنون احتراماً مشوباً بالحسد تجاه الإمبراطورية العثمانية لأن قوات المشاة لديها كانت قادرة على الوقوف في وجه الجيوش الأوروبية"،[3] وذلك في أوج التوسع الاستعماري الأوروبي حين بقيت الدولة العثمانية "أقوى دولة إسلامية صامدة في وجه الإمبريالية الأوروبية"[4] كما يقول دونالد كواترت، ويلخص الموقف بالقول إنه "ما من شك أن الدولة العثمانية كانت سنة 1500 تعد من أقوى دول العالم... لكن هذه الدولة العظمى التي أقضت مضجع القوى الأوروبية لقرون، بدأت تضمحل بعد أن قلب الدهر لها ظهر المجن، ومع بداية القرن الثامن عشر أصبح مصطلح رجل أوروبا المريض عبارة متداولة عند الإشارة إلى الدولة العثمانية، وعلى الرغم من ذلك فقد بقي العثمانيون أثناء القرن التاسع عشر قوة يحسب حسابها في السياسة الخارجية في كل من بريطانيا وفرنسا وإمبراطورية النمسا وكذلك ألمانيا وإيطاليا، ومن جهة أخرى فقد بقيت قوى محلية في الهند وآسيا الوسطى وشمال إفريقية تتطلع إلى الدولة العثمانية لحماية مصالحها"،[5] وبهذا يتبين لنا أن مرض القوي ليس كمرض الضعيف وربما كان القوي في ضعفه أقوى من الضعيف في قوته، ولهذا حرص الغرب على تمزيق وحدتنا والقضاء على آثارها الإيجابية.

وظل الجيش العثماني حتى لحظاته الأخيرة في الحرب الكبرى الأولى سنة 1917 "أبعد ما يكون عن الهزيمة"[6] رغم انتصارات الحلفاء في قول مؤرخ ثالث هو مايكل أورين، ومما يؤكد ذلك ما لاحظه المؤرخون من تحقيق انتصارات عثمانية مهمة في ساحة الحرب الكبرى الأولى (1914- 1918) في جبهات عديدة (القوقاز والبلقان والعراق وفلسطين والجزيرة العربية ومضائق اسطنبول) جعلت من هزيمة العثمانيين مهمة ليست سهلة، وعن بقاء الدولة العثمانية يقول المؤرخ دونالد كواترت: "في تقويمنا للعوامل التي ساعدت الدولة العثمانية على البقاء، عندما كانت جاراتها الأوروبيات تتفوق عليها عسكرياً واقتصادياً (تفوقاً) واضحاً، نحن نسلم بأثر عاملين: منافسات القوى العظمى والمهارات الدبلوماسية العثمانية على السواء"،[7] ولعل هذا يفسر نجاة الدولة من الاحتلال العسكري الذي لقيته الولايات التي استقلت عنها كتونس (1881) ومصر (1882) بعد إفلاس الجميع وتخلي الإنجليز عن تأييد العثمانيين، وكانت الأهمية الدولية للدولة العثمانية هي التي جنبتها مصير الاحتلال كما يقول المؤرخ الاقتصادي شارل عيساوي،[8] ويلاحظ كثير من المؤرخين أن الدولة العثمانية ظلت ضمن مساحات قليلة من العالم خارج إطار الاستعمار الأوروبي في زمن التزاحم الاستعماري الذي هيمن على معظم الكرة الأرضية باستثناء الصين واليابان وفارس والدولة العثمانية.[9]

وذلك خلافاً لوضع دولة التجزئة التي لم يكن يسمح لها في عز صعودها بأكثر مما هو مرسوم لها وفق جداول الهيمنة الغربية وكانت أعلى انتصاراتها كونها مجرد أداة تستخدمها قوة غربية صاعدة لضرب قوة غربية أخرى آفلة، ثم تضع القوة المنتصرة حداً لطموحات أداتها "القومية" بطموحات "إسلامية" عميلة، وكلها برامج تجزئة تتخذ أقنعة أكبر من مقاسها ولكنها في الحقيقة برامج متواضعة لا هي قومية ولا هي إسلامية، ثم تتضاءل أحلام يقظة الانتصارات الدولية بقيام دولة التجزئة بعمليات تحريك في أرض المعركة تطلق عليها صفة التحرير ولكنها في الحقيقة تنتهي بالاستسلام المطلق لا في مواجهة ضد القوى الغربية الكبرى هذه المرة بل أمام كيان صهيوني حقير أصغر من محافظة صغيرة في أي بلد عربي يعد كبيراً، وبعد ذلك تتحول انتصارات التجزئة ضد الإخوة فيصبح العربي منتصراً عندما يستنزف ويحطم أخاه ويحاصره ويخنقه ويأتي في النهاية بالأجانب لاحتلاله ليكون هذا هو التحرير بطبعته الجديدة من كتاب انقلاب المفاهيم.

لقد كان الإصلاح العثماني ممكناً جداً ولم يكن الانهيار حتمياً، مشكلتنا الرئيسة كانت في أن النهوض من جديد كان بحاجة إلى وقت، حتى أوروبا استغرق نهوضها ثانية قروناً طويلة يقدرها المؤرخون من القرن الثالث عشر إلى القرن الثامن عشر، ولكن الأوروبيين لم يسمحوا للعثمانيين بالتقاط أنفاسهم وظلوا يستنزفونهم بالعدوان على الدولة العثمانية إلى أن قضوا عليها، ولم يكن البناء ممكناً دون هدوء، وفي سني الدولة الأخيرة كانت ميزانيتها مكرسة للجيش وسداد الديون كما سبق، أي لصد التطفل الغربي، فماذا بقي بعد هذا الاستنزاف للبناء؟ ولهذا فقد تمنى السلطان عبد الحميد عشر سنوات فقط من الهدوء دون مؤامرات أوروبية ليتمكن من البناء كاليابان ولكن هيهات، ورغم كل ذلك ظلت الخلافة تبني حتى اللحظة الأخيرة مشاريع عملاقة عجزت دولة التجزئة عن مجرد إحيائها بعد قيامها بتدميرها كسكتي بغداد والحجاز، مما أكد توفر الهمة لدى الخلافة وعدم استسلامها، ولكن الغرب دمر كل ذلك وظل يمانع أي نهوض جزئي للدول القُطرية التي أنشأها بنفسه بعد سقوط الخلافة، والخلاصة أن النهوض كان ممكناً ولكن لم يكن بقدرتنا أن ننجز في لمح البصر ووسط الأمواج المتلاطمة ما أنجزته أوروبا نفسها بقرون طويلة.

أما الكيانات الصغيرة التي أنشأها الاستعمار على الأنقاض العثمانية والتي أصبحت عاجزة عن إطعام أنفسها والدفاع عن حدودها وتلبية حاجات مواطنيها لقلة إمكاناتها فإنها لا ترى الحل إلا في التبعية للدول الكبرى المعادية لقضايانا والتي حققت اكتفاءها على حساب ثرواتنا المبعثرة بين أيديها.

* منطق وداوها بالتي كانت هي الداء: هل التجزئة هي الحل؟

يقول الدكتور مصطفى محمد قاسم في مقدمته لترجمة كتاب "القسطنطينية: المدينة التي اشتهاها العالم": "ولا شك أن الامبراطورية (العثمانية) لكونها الدولة الإسلامية الأكبر في زمنها ولضمها أجزاء كبيرة من هذا العالم، قد دافعت عن هذا العالم الإسلامي ضد التوسع الغربي الإسباني في شمال أفريقيا، والبرتغالي في البحر الأحمر والخليج العربي، ومنعت بالتأكيد طامعين آخرين من المنبع، أي منعتهم من تحويل طموحاتهم التوسعية إلى محاولات.

"لكن في المقابل، ومن منظور التأمل المتأخر للأحداث، نجد أن الدولة العثمانية قد أضرت بالشعوب العربية، إذ أثبت التاريخ الحديث أن التجزؤ السياسي للإخوة في الدين والتنافس، حتى التقاتل بينهم، كان الميزة التي أدت إلى غلبة الدول الأوروبية في السباق العسكري والحضاري على الدولة الإسلامية الواحدة، فعلى خلاف رؤية الكثير من العرب المعاصرين، كان التجزؤ السياسي أنفع من الوحدة لقوة المجموع، فقد كانت الدول والكيانات السياسية في المنطقة العربية قبل العثمانيين قوية على المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية مادامت كثيرة ومتعددة، وحتى متنافسة فيما بينها. ولم تقصر هذه الدول - من قبل أن يظهر العثمانيون إلى الوجود- في الدفاع عن المنطقة منذ الحملات الصليبية وانتهاء بتصدي الدولة المملوكية المصرية للبرتغاليين في البحر الأحمر. لكن بعد أن توحدت هذه الكيانات جميعها في دولة واحدة مع الغزو العثماني للمنطقة العربية، دخلت المنطقة، ومعها الإمبراطورية العثمانية نفسها، في حالة من الجمود والتدهور، لم تفق منها إلا بعد قرون على أصوات مدافع نابليون وهي تدك طوابي الاسكندرية.

"يتمثل أحد الأدلة القوية على نظرية "التجزؤ السياسي والتنافس العسكري الداعم لقوة المجموع وغلبته" في حالة أوروبا على امتداد العصرين الحديث المبكر والحديث، حيث أدى التجزؤ السياسي لأوروبا ووجود عدد من الدول المتنافسة لا تخضع لهيمنة مركز واحد، إلى الإفساح في المجال للتنافس بين الدول على السيادة العسكرية والاقتصادية والثقافية، مما أدى إلى غلبتها مجتمعة أمام العدو الإسلامي الواحد الذي بقوته يقوى العالم الإسلامي وبضعفه يتدهور هذا العالم ويغلب عليه أعداؤه. ففي مقابل "نظام الدول" الأوروبي الذي ضمن أن تظل الدول الأوروبية تنافسية عسكرياً، ضمن التوحد الإسلامي تحت مظلة الإمبراطورية العثمانية الركود والجمود والتخلف على المدى الطويل".[10]

ثم يدخل حديث الدكتور في اتهام العثمانيين بتهميش وعزل العرب وتحويل حواضرهم المزدهرة إلى متخلفة والإثراء على حساب الفقراء والمعدمين في الدولة لصالح الإنفاق على مباهج العاصمة وغير ذلك من مفردات تردد الأحكام الاستشراقية القديمة التي تجاوزها المستشرقون أنفسهم وبينوا حقائق جديدة بنى عليها التأريخ المعاصر أحكاماً مغايرة ولكننا للأسف مازلنا نلوم حظنا العثماني حتى بعد انسحاب العثمانيين من بلادنا منذ قرن صعدت فيه دول من الصفر وهبطت أخرى من عليائها ونحن مشغولون بملامة الماضي وفي نفس الوقت تبرير الحاضر رغم أن جريمته بحقنا أكثر كثيراً من مسئولية العثمانيين التي انتهت منذ مدة طويلة بزوال حكمهم.

إن الحديث عن فضائل للتجزئة بهذا الحماس يتجاوز كثيراً من الحقائق التي يجب التنويه بها، وحسب علمي فإن هذا الحماس غير مسبوق حتى لدى أشد المنتفعين من حالة التجزئة ولهذا فهو نقلة فكرية خطيرة لا بد من مناقشتها:

1- الدعوة للتجزئة ليست متناقضة مع آراء مثقفين في حقبة تاريخية محددة وحسب بل مع بديهيات الفطرة وحقائق الطبيعة والتاريخ وما يبدو من مزايا للتجزئة في أوروبا مصدره ما آلت إليه من وحدة في كيانات كبرى ودول عظمى فيما بعد وليس من كونها تجزئة في حد ذاتها، ويجب ألا تقتصر رؤيتنا على شق مبتور من المشهد التاريخي ومآلاته.

2- أداء التجزئة في أوروبا يختلف كلياً عن أداء تجزئتنا إذ لم يكن في أوروبا عامل خارجي يوجه مسار الأحداث لصالحه وضد مصالح الأوروبيين، بل لقد وجدنا الشعور الأوروبي العام يتغلب على ضرورات السياسة الآنية كما حدث في الخيانات الفرنسية المتعاقبة لتحالفاتها مع الدولة العثمانية ضد الحلف الكاثوليكي وفي فشل الدولة العثمانية بشكل عام في شق الصف الأوروبي شقاً فاعلاً بسياسة منح الامتيازات الأجنبية التي ارتدت عليها في زمن ضعفها.

3- لو كانت التجزئة هي الأفضل لما رأينا اتجاه التاريخ نحو تجارب الوحدة في أوروبا، ألمانيا كانت 300 إمارة وإيطاليا كذلك كانت مفتتة ومبعثرة فضلاً عن الإمارات الإقطاعية التي سادت أوروبا قبل الدول القومية، فلو كان الانقسام هو الفضيلة المفيدة لما توحدت دول أوروبا هذه ولظلت تتنافس لأجل صالح المجموع.

4- لا يمكننا أن نطلق على دول أوروبا القومية الكبرى أنها شكل من أشكال التجزئة في قارة أوروبا إلا لو عددنا أن هناك تجزئة بين أمريكا والاتحاد السوفييتي في أيامه مثلاً وأن سباق التقدم بينهما كان خيراً من اتحادهما المتخيل وغير الواقعي: ذلك أننا يجب أن ننشد الوحدة حيث يمكن وجودها وحيث تحققت فعلاً ودول أوروبا الامبراطورية لم تكن تجزئة بأي شكل من الأشكال بل تنافس بين دول عظمى وصلت مداها في الإمكانات الوحدوية ولا يمكن أن نشبه حالة أوروبا بتجزئة بلادنا لنقول إنها نعمة، ولا يمكننا القول إن أوروبا حققت النصر مجتمعة بانقساماتها السياسية فهذا إرداف خلفي وتشبيه على الناس يشبه القول إن اتحاد الحلفاء في وجه النازية كان خيراً من وحدتهم في دولة واحدة، هذا غرق في خيال غير واقعي وفرض للمستحيلات إذ لا يمكن أن نفترض وحدة بين أجسام مختلفة كمن يستدل على مساوئ الوحدة بالتصاق التوائم وعلى ميزة الشرذمة والانقسام بمشهد فصل التوأمين الملتصقين اللذين يجب فصلهما ويمكنهما الاتحاد بعد ذلك كجسدين منفصلين في وجه المخاطر، وبهذا يكون "الانقسام" الذي هو فصلهما خيراً من "الوحدة" في التصاقهما، مع أنه لا دلالة أصلاً في هذا الموقف التلبيسي الذي يتعامل مع الأجساد المتباينة وليس مع جسد واحد كأمتنا ويحاول إقناعنا بميزة تقطيع أوصال الواحد المترابطة بتشبيهه تشبيهاً يتجاوز حقيقته، فحقيقة أوروبا أنها أجساد كبرى ومنفصلة، أما نحن فجسد واحد تم تقطيعه قطعاً صغيرة ميتة، وإنجازات التحالفات العسكرية التي كانت بين دول أوروبا لا يمكن أن تكون شاهداً على مزايا التجزئة السياسية لأنه لا ينطبق وصف التجزئة أصلاً على كيانات حضارية كبرى مختلفة ومكتفية بذواتها ويمكنها أن تعيش بل تسود بسبب إمكاناتها الذاتية والمسروقة الضخمة، وهذا ليس حال بلادنا التي كانت تعيش موحدة ولكن ليس بينها الآن أي وجه من وجوه الاتفاق فهي لا تدخل أصلاً في تحالفات لأجل مصالحها المستقلة كدول الغرب الكبرى ولا يمكنها أصلاً أن تعيش مستقلة بكفاية حاجاتها أو الدفاع عن أنفسها أو إطعام مواطنيها من كدها بسبب الهدر الشديد لإمكاناتها الضخمة التي يتحكم فيها غيرها كما أثبت الواقع، وإنجازات التحالف بين دول أوروبا دليل على فعالية حشد الإمكانات التي توفرها الوحدة، وهي في حالات التحالف بين دول أوروبا في حروبها الكبرى وحدة مؤقتة في وجه أزمات طارئة لا يمكن حتى للكيانات الكبرى التغلب عليها كما لا يمكن لجهد فردي أن يقاوم جيشاً مهما بلغ الفرد من القوة، ولكن بعد الأزمة الطارئة لا يمكن لوحدتها الاستمرار فيذهب كل إلى شئون معيشته الخاصة، ولا يمكننا القول في تأييد حالة الوحدة إن "خلط" هؤلاء الأفراد في عملاق واحد أفضل لهم، هذا فكر خيالي، ولكن دحض ذلك الخيال لا يكون بالدعوة إلى تقسيم الجسد الواحد إلى أعضاء مقطعة حتى لو كان لا يتمكن من أداء وظائف العيش إلا بصفته وحدة واحدة كبلادنا، فلا يمكننا أن نجعل من استحالة خلط الأجساد المتباينة القائمة بذواتها والمكتفية بأنفسها والمتميزة عن بعضها البعض دليلاً على ميزة تقطيع الجسد الواحد الذي لا يمكن لأعضائه الحياة بالانفصال عن بعضها البعض.

5- ولا يمكن لهزيمة العثمانيين بعد قرون الانتصارات أن تكون شاهداً على عيوب الوحدة لأن مصير بلادنا لو لم يظهروا على المسرح من الأصل كان أشد ظلمة، ويكفي أن نتدبر في مصير البلاد التي هيمن عليها الأوروبيون لاسيما الإسبان في ذلك الزمن لنرى ما الذي كان ينتظرنا لو لم يظهر العثمانيون، ولدينا أمثلة دموية معبرة من الأندلس والقارة الأمريكية (لاسيما المكسيك وبيرو) والفلبين، ولا يمكن بعد ذلك أن ندعي أن طروء المرض على العملاق الذي حمانا زمناً طويلاً يمكن أن يكون دليلاً على ميزة تقطيع أوصاله منذ البداية لتكون فيما بعد "سليمة" ببعدها عن مصدر المرض لاسيما أن هذه الأعضاء التي انفصلت فعلاً بعد ذلك في زمن المرض وفرحت باستقلالها كان مصيرها أشد ظلمة من الجسد المريض نفسه، وكان الاستقلال المزعوم هو بوابة وقوعها في براثن الاحتلال (دراسة: دور النزعات الاستقلالية والتغريبية في إفشال مشاريعنا النهضوية)، فالوحدة قد تمرض ولكن الانقسام هو المرض نفسه.

6- كما أن اتخاذ التاريخ العثماني دليلاً على سلبيات الوحدة لا يعطينا الصورة التاريخية الكاملة، فيجب ألا ننسى أن العالم الإسلامي زمن العثمانيين كان منقسماً إلى عدة دول منها الكبرى ومنها الصغرى، وكان الانقسام العثماني- الصفوي، والهندي- الصفوي من عوامل الضعف وليس من عوامل المنافسة الإيجابية التي يتحدث عنها سرد الدكتور، كما أن وجود دول صغرى في المشهد لم يكن لصالح التنافس الإيجابي لمصلحة المجموع كما يأمل المقال، أي أن التاريخ الإسلامي زمن العثمانيين يؤكد على سلبية التجزئة لا على إيجابياتها وفي نفس الوقت على الإيجابيات التي جناها الموحدون في كيانات كبرى لا يمكن أن نغفل إنجازاتها الضخمة (دراسة: إنجازات الدولة العثمانية بصفتها آخر نسخ الخلافة الإسلامية)، والملخص أن الإيجابيات أتت من التكتل وتجميع الجهود أما السلبيات فقد أتت من الانقسامات والصراعات ولا مانع من أن نشهد المشهدين في نفس المسرح التاريخي.

7- لماذا كانت القوة في الجانب الأوروبي مع الدول الأكبر حجماً والتي بنت امبراطوريات واسعة وآخرها الولايات المتحدة الأكبر ممن سبقها فهل يمكن القول إن انقسام مساحتها إلى خمسين ولاية مستقلة ومتنافسة أفضل لها جميعاً من الاتحاد الحالي الذي ثبت بحرب أهلية طاحنة خسرت فيه البلاد أكثر مما خسرت في مجموع حروبها الدولية بما فيها الحربين الكبريين؟

8- الادعاء بأن الوضع الذي سبق العثمانيين أفضل منهم ليس له دليل يسنده، الدول الزنكية والأيوبية والمملوكية كانت تيارات وحدوية ثارت على التجزئة التي سبقتها وتسببت في هزيمة بلادنا أمام الغزوة الفرنجية والمغولية، ولم يكبح سقوط الأندلس إلا خروجها المؤقت من الشرذمة السياسية إلى وحدة المرابطين ثم الموحدين، وكانت الوحدة اللاحقة أفضل دائماً من الانقسام السابق، ولم تسقط التجزئة أمام العثمانيين إلا بعدما استنفدت قواها وكان يجب أن يخلفها من يحيي قوتها في مواجهة التحديات التي واجهت الأمة، فالبرتغال هزمت المماليك ودقت نواقيس الخطر في البحر الأحمر والخليج، وشمال إفريقيا تهاوى أمام الإسبان ولم يكن من الممكن استخراج أي ميزة من هذا الوضع المشرذم، والسؤال هو ماذا كانت نتيجة استمرار التجزئة والضعف لو لم يظهر العثمانيون؟ وأين نذهب بحكم التاريخ كون ظهور العثمانيين في مشهد الأحداث أعطى العالم الإسلامي حيوية إلى الأمام؟ والنتيجة أن الوحدة كانت دائماً أفضل مما سبقها من تجزئة وهذا هو توجه التاريخ الأوروبي نفسه، والفرق بيننا وبين أوروبا دخول العامل الخارجي الذي حرف مسيرة التاريخ المجزأ ونزوعه إلى الوحدة نحو مصالح خارجية.

9- التركيز على الضعف الطارئ بعد قرون القوة وجعله هو المصير الثابت بعيد المدى خلل في الرؤية التاريخية وغرق في لحظة استثنائية وتضخيم لها بصورة تدفعنا للتساؤل بتعجب: هل كان ينبغي للدولة العثمانية في زمن قوتها وهي قادرة على صد العدوان الأوروبي عن البلاد العربية، التخلف عن أداء هذا الواجب تجنباً لما يمكن أن تصاب به من ضعف فيما بعد يضر بمن تحاول إنقاذهم اليوم؟ وهل أصيبت بالضعف فور دخولها البلاد العربية أم أن الأمر كان تدريجياً وامتدت قوتها قروناً قامت أثناءها بصد فاعل للطامعين كما يعترف الدكتور قاسم نفسه؟ وهل الجرد النهائي لحسابات المكسب والخسارة يوضح أن الضعف كان هو الغالب في الفترة الزمنية التي حكم فيها العثمانيون أم أن العكس هو الصحيح وأن القوة هي التي غلبت وأن فترة الضعف لم تسد إلا في القرن الأخير من بين ستة قرون ومع ذلك لم يكن هذا الضعف مستسلماً كما مر؟ وبأي منطق نرفض ثماراً حاضرة ومطلوبة بشدة خشية عطبها في المستقبل؟ وهل هذا الرفض سيحمينا من نوائب الدهر لو كنا فرادى؟ وهل هناك مستند تاريخي لهذا الزعم أم أن الحوادث تنفيه وتؤكد أن الفرادى تعرضوا للأذى الاستعماري أكثر من الموحدين حتى مع ضعفهم؟ وما دامت حالة التجزئة هي "الأفضل" في نظر طرح الدكتور فما باله ينتقد الضعف العثماني الذي انتهى بالهزيمة أمام الاستعمار ومن ثم حلول التجزئة مكان الوحدة؟ وما بال هذه الحالة لم تنقذنا من الضعف الذي تسببت لنا به الدولة العثمانية في نظره مع أن هذه التجزئة سادت بلادنا منذ خروج العثمانيين قبل قرن من الزمن؟

10- تهم الضعف والركود والجهل لا يليق تعميمها على قرون دولة عظمى شغلت العالم وقد تم الرد على ذلك وعلى تهمة تهميش العرب فيما سبق وفي دراسة سابقة وضحت المكانة الحقيقية للعرب وأن المدن العربية كالقاهرة وحلب كانت هي المدن الأبرز في الدولة العثمانية وكانت تتمتع بازدهار واضح بعيداً عن تهم الترييف والاستغلال والركود والجمود والتدهور وكانت تلي العاصمة اسطنبول مباشرة والتي لم تكن بدورها مدينة تركية بل مدينة بيزنطية مفتوحة ضمت شتاتاً من التعددية العالمية (دراسة: مدى مسئولية تاريخنا الحديث عن تخلفنا المعاصر).

11- ها قد عشنا زمن التجزئة بموارد ضخمة لا تتوفر في أي بقعة أخرى من العالم، فما الذي حصدناه غير الهزيمة والتبعية والضعف والجهل والمرض والركود والنزاعات والاحتلال وتبديد الثروات، فأين هي وعود الازدهار من التنافس بل من الاقتتال بين الإخوة؟ وما هي الآفاق المتوقعة مع استمرار الشرذمة؟

12- عجزت دولة التجزئة في أبهى حالاتها عن مجرد إحياء ما حققته دولة الوحدة لصالح المجموع في أسوأ حالاتها (المشاريع الحيوية كسكك الحديد العملاقة والاكتفاء الغذائي الذاتي والمجال التجاري المفتوح وبعض الانتصارات العسكرية والصمود في وجه الأعداء كما تم شرحه في دراسة سابقة: سياسات آخر أيام الخلافة، قضايانا بين الوحدة والتجزئة).

* الاستنتاج

في زمن يعيد فيه المستعمِرون الاعتبار لتاريخهم الاستعماري زاعمين أنه تاريخ إيجابي حتى لمن كان ضحيته، من الأولى أن يكف فيه الضحايا عن تشريح ذواتهم ولوم تاريخهم العثماني الحديث الذي لم يدخر وسعاً للدفاع عن وجودهم وبقائهم ضد قوى عظمى قضى الله أن تكون في مرحلة الفتوة التي تجاوزناها منذ زمن فكان لها بذلك ميزة علينا في حلبة المنافسة ولم يكن بإمكاننا وقتها إعادة عقارب الساعة إلى الوراء بلمح البصر أو إنجاز القفزة المطلوبة في لحظات في وقت اقتضى إنجازها قروناً عند أصحابها[11] بعيداً عن القوى الخارجية المعرقلة التي لم تتواجد في التاريخ الغربي[12] ولكن حفل بها تاريخنا الحديث،[13] ومن الأجدى اليوم الانشغال بهموم اللحظة الحاضرة بدلاً من استمرار البكاء على ما فات والانشغال بتشويه مرحلة تاريخية اتسمت بإنجازات كبرى عجزت عنها المراحل التالية وبصمود عز نظيره آنذاك بين الأمم، وهو ما كان سيقودنا لو استمرت الإنجازات بنفس المستوى دون عرقلة إلى أن نلحق بعصرنا ونتمكن من مواجهته بطريقة أفضل مما اختاره الغرب لنا من تجزئة وتبعية استمرأناها، كما لا يمكن لنا اليوم الانطلاق بثقة لبناء المستقبل مادامت لدينا قناعات سلبية عن ماضينا الذي يستحق منا تقديراً أكبر يدعم قدراتنا التي يشلها اليوم انعدام الثقة بالذات المؤدي للانبهار بما عند الأعداء ومن ثم الوقوع في فخ الاستلاب، في الوقت الذي تؤكد فيه الدراسات التاريخية الأجنبية المحايدة، أكثر من الدراسات العربية مع الأسف، وجوب فخرنا بهذا التاريخ الذي طالما استقيناه كله من مصادر معادية،[14] وما زلنا نزايد على سلبيات مدارس الاستشراق رغم تراجعها (كالعادة بعد فوات الأوان بانهيار الدولة العثمانية) عن كثير من الأحكام الجائرة التي ألصقتها بنا وقيامها بتقديم مراجعات ما زالت حبيسة الدوائر الأكاديمية وبعيدة عن إدراك الجمهور العربي.

*******

الهوامش

[1] إريك هوبزباوم، عصر الثورة: أوروبا 1789- 1848، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2007، ترجمة: فايز الصياغ، ص212.

[2] إريك هوبزباوم، عصر رأس المال: 1848- 1875، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2008، ترجمة: فايز الصياغ، ص 215.

[3] إريك هوبزباوم، عصر الإمبراطورية 1875- 1914، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2011، ترجمة: فايز الصياغ، ص164.

[4] دونالد كواترت، الدولة العثمانية 1700- 1922، مكتبة العبيكان، الرياض، 2004، ص161.

[5] نفس المرجع، ص 148- 149.

[6] مايكل أورين، القوة والإيمان والخيال، كلمة وكلمات عربية، أبو ظبي والقاهرة، 2008، ترجمة: آسر حطيبة، ص335.

[7] خليل إينالجيك ودونالد كواترت (تحرير)، التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للدولة العثمانية، دار المدار الإسلامي، بيروت، 2007، ج 2 ص491.

[8] Charles Issawi، An Economic History of the Middle East and North Africa، Routledge، London، 2010، p. 66.

[9] دونالد كواترت، ص 46.

[10] فيليب مانسيل، القسطنطينية: المدينة التي اشتهاها العالم 1453- 1924 (الجزء الأول)، سلسلة عالم المعرفة (426)، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، يوليو (تموز/ جويلية) 2015، ص 15- 16.

[11] جستن مكارثي، الطرد والإبادة مصير المسلمين العثمانيين (1821- 1922م)، قدمس للنشر والتوزيع، دمشق، 2005، ص27.

[12] حمدان حمدان، العراق وثمن الخروج من النفق: من محمد علي باشا إلى عبد الناصر فصدام حسين، بيسان للنشر والتوزيع والإعلام، بيروت، 2004، ص 98.

- الدكتور محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي: محدداته وتجلياته، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2007، ص 19.

[13] حمدان حمدان، ص 99.

- جستن مكارثي، ص 27- 28.

[14] الدكتور أحمد شلبي، موسوعة التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1979، ج 5 ص 750.

 

 

صحافة وإعلام

مواقــــع

أخبار منوعة

الحكومة الفلسطينية تعقد الاجتماع الأول لها في غزة منذ 2014

News image

عقدت الحكومة الفلسطينية برئاسة رامي الحمد الله اليوم (الثلثاء) أول اجتماع لها منذ العام 201...

ستيفن بادوك، المشتبه بإطلاق النار في لاس فيغاس، كان مقامرا

News image

كان ستيفن بادوك، الذي تعتقد الشرطة أنه أطلق النار في لاس فيغاس، محاسبا متقاعدا ثري...

وفاة رئيس العراق السابق جلال طالباني عن عمر يناهز 84 عاما

News image

أعلن التلفزيون العراقي اليوم الخميس عن وفاة رئيس البلاد السابق والسياسي الكردي البارز جلال طال...

برلمان العراق يمهد لتعليق عضوية نواب أكراد شاركوا بالاستفتاء

News image

بغداد ـ كلف رئيس البرلمان العراقي سليم الجبوري خلال جلسة اعتيادية عقدها البرلمان، الثلاثاء، لجن...

مسلح ستيني يقتل 59 شخصاً ويجرح 527 شخصا في لاس فيغاس.. وينتحر

News image

قتل مسلح يبلغ من العمر 64 عاماً، 59 شخصاً، وأصاب 527 آخرين، أثناء حفل ...

ماتيس: واشنطن لديها "الكثير" من الخيارات العسكرية في الأزمة الكورية ونغيانغ تصف عقوبات الأمم المتحدة بأنها "عمل عدائي شرس، غير إنساني، وغير أخلاقي

News image

قال وزير الدفاع الأمريكي جيم ماتيس إن بلاده لديها "الكثير" من الخيارات العسكرية في موا...

المحكمة العليا العراقية تأمر بوقف استفتاء الأكراد ومناورات تركية على حدود العراق

News image

بغداد - أنقرة - قال الجيش التركي في بيان إن القوات المسلحة بدأت مناورات عسكرية عل...

مجموعة التجديد

Facebook Image

المزيد في دراسات

نماذج من أقوال الرئيس عبد الناصر، مفاتيح لقراءة الراهن العربي

د. ساسين عساف

| السبت, 7 أكتوبر 2017

  1-فلسطين   - "... وبدأت طلائع الوعي العربي تتسلّل إلى تفكيري وأنا طالب في المرحلة ...

القول الحديث في تاريخ مصر الحديث: الحكم العثماني في مصر بين الوثائق والاستشراق

محمد شعبان صوان

| الخميس, 5 أكتوبر 2017

ساد الحديث زمناً عن "الاحتلال العثماني" وبعضهم زايد بصفة "الاستعمار التركي" للبلاد العربية، ونال الق...

العقل الإسلامي وإشكاليات النهوض الحضاري*

د. عزالدين عناية

| الخميس, 5 أكتوبر 2017

  ثمة مفارقة يشهدها تاريخنا الراهن تسترعي الانتباه. في الوقت الذي تعيش فيه الساحة العربية ...

الفلسفة محبة، الفيلسوف باحث، التفلسف تجاوز

د. زهير الخويلدي

| الخميس, 5 أكتوبر 2017

  "لماذا نتفلسف؟ يبدو أن اللفظ يجاب عليه من ذاته: من أجل الحكمة (صوفيا) حيث ...

تونس المعاصرة

د. عزالدين عناية

| الاثنين, 18 سبتمبر 2017

  يُمثّل كتاب ستيفانو ماريا توريللي الصادر بالإيطالية بعنوان "تونس المعاصرة" قراءةً معمّقةً للأوضاع السياسية ...

الخروج من التاريخ

حسن العاصي

| الاثنين, 18 سبتمبر 2017

هل يعاني العرب استعصاءات فكرية مزمنة؟ إن أية نظرة موضوعية للواقع العربي الراهن تؤكد بما...

البرنامج التربوي في تجربة جون لوك الفلسفية

د. زهير الخويلدي

| الاثنين, 18 سبتمبر 2017

  "لا تستهدف التربية إلا تشكيل الإنسان، سواء بواسطة مدرسة الأحاسيس، أي العائلة، أو بواسطة ...

التساؤل عن الإنية والبيذاتية عند هيدجر وسارتر وكيركجارد

د. زهير الخويلدي

| الخميس, 31 أغسطس 2017

  تأليف روبار تيرفوداي1 ترجمة   هل يكون القلق، بالمعنى الهيدجري لهذا المصطلح، نبرة ...

سوسيولوجيا المثقّفين العرب في الغرب

د. عزالدين عناية

| الأربعاء, 30 أغسطس 2017

مرّت زهاء خمسة عقود على صدور النسخة الإنجليزية من مؤلف هشام شرابي "المثقفون العرب وال...

إشكاليات بناء الدولة المدنية والمواطنة في الدول العربية

د. ساسين عساف

| الأربعاء, 30 أغسطس 2017

كثيرة هي الدراسات التي تناولت اشكاليات بناء الدولة في الدول العربية، الدولة الديموقراطية والمدنية، دول...

"الاشتراكية بالخصائص الصينية".. واقع وتحديات

فتحي كليب

| السبت, 12 أغسطس 2017

في إطار التوجه العام للقيادة الصينية بالانفتاح على أحزاب وشخصيات شيوعية واشتراكية ويسارية بهدف وضع...

الأزمة المالية تعرقل مسار التنمية الاقتصادية

د. زهير الخويلدي

| السبت, 12 أغسطس 2017

"يتعلق الأمر بمنح الأولوية إلى قوى الإبداع والخلق والعمل. وينبغي القفز على العوائق والاحراجات الت...

المزيد في: دراسات

-
+
10
mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterاليوم6743
mod_vvisit_counterالبارحة43787
mod_vvisit_counterهذا الاسبوع6743
mod_vvisit_counterالاسبوع الماضي252525
mod_vvisit_counterهذا الشهر750824
mod_vvisit_counterالشهر الماضي1063018
mod_vvisit_counterكل الزوار45813212
حاليا يتواجد 3439 زوار  على الموقع