موقع التجديد العربي

للتواصل عبر البريد الإلكتروني: arabrenewal2002@gmail.com 

 
  • default color
  • green color
  • blue color
"داعش" يعلن مسؤوليته عن الهجوم على مركز الشرطة في حي الميدان في دمشق ::التجــديد العــربي:: الحكومة الفلسطينية تعقد الاجتماع الأول لها في غزة منذ 2014 ::التجــديد العــربي:: ستيفن بادوك، المشتبه بإطلاق النار في لاس فيغاس، كان مقامرا ::التجــديد العــربي:: وفاة رئيس العراق السابق جلال طالباني عن عمر يناهز 84 عاما ::التجــديد العــربي:: برلمان العراق يمهد لتعليق عضوية نواب أكراد شاركوا بالاستفتاء ::التجــديد العــربي:: مسلح ستيني يقتل 59 شخصاً ويجرح 527 شخصا في لاس فيغاس.. وينتحر ::التجــديد العــربي:: أرامكو تقترب من الانتهاء من أول مشروع للغاز الصخري ::التجــديد العــربي:: مصر تصدر سندات دولارية مطلع 2018 تعقبها سندات باليورو ستتراوح قيمتها بين 3 و 4 مليارات دولار، بينما ستتراوح قيمة سندات اليورو بين 1 و 1.5 مليار يورو ::التجــديد العــربي:: معرض عمان الدولي للكتاب والامارات ضيف الشرف و المعرض يستقطب نحو 350 دار نشر و أمسيات شعرية وندوات فكرية ::التجــديد العــربي:: معرض بلبنان للمواد المحظورة من الرقابة ::التجــديد العــربي:: الدوري الانجليزي: مانشستر سيتي يعود للصدارة بعد فوزه على مضيفه تشيلسي ::التجــديد العــربي:: برشلونة ينضم إلى الإضراب العام في كاتالونيا ::التجــديد العــربي:: التوقف عن العلاج بالأسبرين يؤجج الازمات القلبية والدماغية ::التجــديد العــربي:: أول مصل عام في العالم يكافح جميع أنواع الانفلونزا ::التجــديد العــربي:: وزراء خارجية الدول الأربع يبحثون آليات جديدة بأزمة قطر في نيويورك ::التجــديد العــربي:: ماتيس: واشنطن لديها "الكثير" من الخيارات العسكرية في الأزمة الكورية ونغيانغ تصف عقوبات الأمم المتحدة بأنها "عمل عدائي شرس، غير إنساني، وغير أخلاقي ::التجــديد العــربي:: المحكمة العليا العراقية تأمر بوقف استفتاء الأكراد ومناورات تركية على حدود العراق ::التجــديد العــربي:: حماس تستعجل حكومة الحمدالله في تسلم مهامها بغزة ::التجــديد العــربي:: القوات السورية تسيطر على ضاحية الجفرة الحيوية في دير الزور ::التجــديد العــربي:: أمطار غزيرة تغرق أجزاء من الفلبين وتغلق الأسواق والمدارس ::التجــديد العــربي::

المثقف وفقه الأزمة – ما بعد الشيوعية الأولى... (ح 11+12+13+14+15)

إرسال إلى صديق طباعة PDF

 

المثقف وفقه الأزمة – ما بعد الشيوعية الأولى/ ح 11

شيوعيو العراق في اليمن يتعرضون إلى تعسف إداريي الحزب وسط ارتكابات عديدة

وفي نهاية المطاف، ليس هناك "مشكلة"، كما يريد البعض من قناتها الغمز إلى عامر عبدالله، سواءً كان التوجّه بإشراف سلام عادل وبمشاركة فاعلة من عامر عبدالله،

لأنه كان توجّه الحزب كلّه، وهو توجّه تجديدي ونقدي إمتاز بقراءة دقيقة للواقع العراقي والعربي في ظرف سياسي عربي اتّسم بصعود حركة التحرر الوطني وتأميم قناة السويس وارتفاع رصيد الدعوة إلى الوحدة العربية وبروز دور قيادة جمال عبد الناصر، خصوصاً في مواجهة العدوان الأنكلو- فرنسي، الإسرائيلي، مثلما شهد انفتاحاً على صعيد الحركة الشيوعية بتبنّي نهج التعايش السلمي ونقد الأساليب البيروقراطية لقيادة ستالين، وهو ما انعكس في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي، ولهذا ليس عجباً أن يكون عنوان تقرير الكونفرنس الثاني العام 1956 هو "خطتنا السياسية في سبيل التحرر الوطني والقومي في ضوء المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي"، ولا حاجة لاستعراضه، فقد ورد في كتابنا عن عامر عبدالله بنصوص مطوّلة مع ملخّصات عنه، حاول الكاتب إبرازها لكي تفي بالغرض.

وكما أخبرني، وهو ما أشرتُ إليه في العام 1986 في مجلة الهدف ضمن هامش لبحث لي حول القضية الفلسطينية والموقف السوفييتي، انه صارع لكي يدرج حق تقرير المصير للشعب العربي الفلسطيني ضمن وثائق الحركة الشيوعية، وحاول إقناع الرفاق السوفييت، خصوصاً في اجتماع بودابست التمهيدي العام 1968، وفيما بعد في اجتماع موسكو لعام 1969، بعد أن كانت الحركة الشيوعية تأخذ بشعار تصفية "آثار العدوان"، وهناك فرق بين شعار مرحلي وشعار ستراتيجي، بحيث أن الأول يخدم الثاني، في حين أن القضية قبل ذلك التاريخ كانت أقرب إلى قضية لاجئين، فأصبحت قضية تتعلق بالتحرّر الوطني من أجل الاستقلال واستعادة الأراضي وحق العودة وتقرير المصير بما فيه إقامة الدولة الوطنية المستقلة.

للأسف الشديد فإن نزعة ازدراء العروبة وربطها بالشوفينية برزت على نحو واضح في السنوات الأخيرة في داخل صفوف الحزب وما حوله، وكأن ليس غالبية الشيوعيين، بل غالبية الشعب العراقي هم من العرب، أي إن نحو 80% من العراقيين هم من أصول عربية، فكيف يتم نبذ العروبة وربطها بصدام حسين وحكمه الدكتاتوري ويساوي أصحاب هذا الاتجاه بين القومية والعروبة، في حين أن الفارق كبير.

وإذا كانت العروبة انتماء وجداني وشعوري وعاطفي ورابطة طبيعية يجتمع فيها بشر من أصول واحدة وهو أمرٌ موضوعي، فهي والحالة هذه بعيدة عن الآيديولوجيا التي تحاول بعض التيارات القومية اعتمادها، خصوصاً عندما تتولّى إدارة السلطة السياسية. بمعنى آخر أن يكون شعور العربي عربياً والتركي تركياً والفارسي فارسياً والكردي كردياً والروسي روسياً والفرنسي فرنسياً وهكذا، في حين إن الفكرة القومية، لاسيّما إذا أردنا نقلها من حيّز الأفكار إلى حيّز الواقع، كما حصل في القرن العشرين في محاولة لتقليد الفكر القومي الأوروبي، ستعني تحويل العروبة إلى آيديولوجيا قومية، وخصوصاً بفعل الأنظمة السياسية التي حكمت باسمها من القوميين، وهذا يقود إلى أن تصبح مظهراً من مظاهر الاستبداد والدكتاتورية والتسلّط، لاسيّما بتحويل العروبة إلى قومية وهذه إلى آيديولوجيا، ناهيكم عن الممارسة السلبية المرافقة لها، لكن ذلك شيء وفكرة العروبة شيء آخر.

ومثل هذه النزعات العدمية الضيقة، التي تتنكّر للانتماء العروبي لغالبية الشيوعيين تمجّد في الوقت نفسه انتماء آخرين إلى أممهم، بل أن بعضهم أكثر كردية من القوميين الأكراد في حين تراها تستهجن انتماء الشيوعيين العرب، إلى أمتهم العربية. والموقف هذا ينسحب على المساواة بين داعش وتنظيمات القاعدة وجبهة النصرة وبين حركات المقاومة مثلما حماس وحزب الله وحركة الجهاد، وغيرها في طريقة ليست بعيدة عن تصنيفات الأجهزة الدعائية والاستخبارية الامبريالية، دون إدراك أن حماس أو حزب الله أو حركة الجهاد أو غيرها من الجماعات المقاومة هي حركات تحرر وطني، نتفق معها بالكثير ولاسيّما في موضوع تحرير الأراضي المحتلة، ونختلف حول البرنامج السياسي سواء بجانبه الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي، الآني أو المستقبلي، وتلك أولويات العمل الشيوعي والماركسي.

والسبب الثالث، لأن عامر عبدالله اتّخذ موقفاً واضحاً من المؤتمر الرابع ونتائجه وكان قد تحدّث عن أمراض الحركة الشيوعية والتنكيل وأساليب الوشاية والتجسّس والمقاطعة الاجتماعية والإساءات الشخصية وغير ذلك، وهي أمور لم يختلقها أو يفتريها، بل هي واقع يعرفه القاصي والداني، لكن بعض الإداريين بما فيهم المتورّطين بتلك الإجراءات تضيق صدورهم بذلك، ولا يريدون من الجيل الجديد معرفتها، ونحن نتحدّث عن التاريخ والبحث عن الحقيقة، وبدلاً من الاعتراف والاعتذار والتطهّر، يبالغون في الإساءة والشتائم، ومثل هذا الأمر يخصّ من كان معنّياً بإدارة الحزب آنذاك ومن كان جزء من الآلة الحزبية القمعية، التي فرّطت بالمئات من الرفاق، ولم يكن بإمكان الكاتب إغفال هذه الحقائق التي عاشها كما أنها وردت على لسان عامر عبدالله في مذكرته الموجهة إلى عزيز محمد أو للرفاق السوفييت قبل ذلك، كما تمت الإشارة إليه، كما جاءت على لسان باقر ابراهيم وعدنان وعباس في مذكراتهما ووردت على لسان آرا خاجادور (ولاسيّما في كتابه نبض السنين) وحسين سلطان وعشرات من الإدارات والكوادر السابقة.

ولذلك فإن الإشارة إليها كانت مصدر إزعاج وانزعاج من جانب إدارة الحزب آنذاك التي قامت بارتكابات عديدة، علماً بأن الكثير من الوثائق والرسائل الحزبية موجودة وهناك عشرات، بل مئات الشواهد، وقد أورد الكاتب والروائي المبدع سلام عبود عشرات الحالات التي حصلت في اليمن الجنوبية، والتي يمكن العودة إليها في كتابه "ذئب وحيد في البراري" كما استعرض حالات أخرى في كتابه التجديدي المهم "المثقف الشيوعي تحت ظلال الاحتلال" (التجربة العراقية) الذي صدر عن دار الجمل، 2014.

ويمكن الإشارة في هذا الصدد إلى المذكرة الاحتجاجية التي وقعها 50 مثقفاً عراقياً في جمهورية اليمن الديمقراطية (1987) وفيها شجبوا حادث الاعتداء الذي تعرّض له الفنان والمخرج المسرحي الرفيق اسماعيل خليل، وأشارت المذكرة إلى حوادث اعتداء مماثلة كان قد تعرّض لها المسرحي فاروق صبري والقاص والصحافي فاضل الربيعي في دمشق، والشاعر والصحافي نبيل ياسين في بودابست. وقد وجّهت مذكرة المثقفين العراقيين في اليمن إلى دائرة العلاقات الخارجية في اللجنة المركزية ودائرة العلاقات الآيديولوجية للحزب الاشتراكي اليمني ووزارة الثقافة والإعلام ووزارة التربية والتعليم وممثلي حركات التحرر الوطني العربية في اليمن وسفارات البلدان الاشتراكية واتحادات الفنانين والصحافيين وغيرها.

وسبق أن تمت الإشارة إلى ضحايا مثل هذا النهج السياسي التفريطي في رواية سعدي يوسف "مثلث الدائرة" التي تتناول عدداً من الظواهر المشار إليها. وهناك شهادات أرشفية لعدد غير قليل من الرفاق والأصدقاء الذين عاشوا في اليمن وعانوا الكثير من العسف على يد إداريي الحزب في حينها. وقد اتصل بي عدد منهم ومن بلدان أخرى وقالوا أنهم مستعدون للادلاء بشهادتهم بهذا الخصوص.

وكان الأجدر غضّ النظر عنها، إلاّ إذا كان لسان الحال يقول: "يكاد المريب يقول خذوني"، ولو راجعنا ما نشرته "المنبر" خلال أعوام 1987- 1990 لوجدنا الكثير من الرسائل بأسماء منظمات وأشخاص تحتج على سياسة إدارة الحزب، وقد شملت بعض منظمات الحزب في سوريا واليمن وكردستان وتشيكوسلوفاكيا وبلغاريا وهنغاريا وغيرها، أشير فقط إلى مظهر واحد منه، هو احتجاج 75 مثقفاً ضد تلك السياسات وامتداداتها الثقافية في رسالة علنية وجّهوها بأسمائهم وصفاتهم. (المذكرة بالأسماء منشورة في صحيفة المنبر، حزيران/ يونيو 1987).

وبغض النظر عن الخطأ والصواب ومآل الصراع، فإن تلك حالات إنسانية مسّت الضمير قبل أي اعتبار، خصوصاً عندما يتعلّق الأمر بوثيقة سفر أو علاج أو دراسة أو إقامة أو عمل أو رفع الغطاء السياسي أمام جهات رسمية أو تعذيب أو قتل مناضل أو التفريط به في مهمات غير مدروسة وغير ذلك، وقد نشر القاص والكاتب محمود البياتي، بعض معاناته من البيروقراطية الحزبية والتهديدات التي تعرّض لها وحالة الرعب التي عاشها في ظرف بالغ القسوة هو وعائلته، كما نشر ماجد عبد الرضا رسالة بعد فصله أشار فيها إلى قطع علاج ابنته التي كانت ترقد في مستشفى في لبنان، والتي فارقت الحياة بعد حين.

والسبب الرابع إن المعلومات التي وردت في الكتاب، سواءً ما يتعلّق بمساعدات جهات فلسطينية أو يمنية، فلا أعتقد أنها مصدر إزعاج، فلم يكن القصد منها الإساءة لعامر عبدالله بقدر ما استهدفت شرح الأوضاع الصعبة التي اضطرّ إليها عدد من الرفاق بتخلّي رفاقهم عنهم وذكرت حالات كثيرة، وأكتفي بما أورده الرفيق باقر ابراهيم في مذكراته حول هذا الموضوع باقتباسات ضافية عاد ونشرها تعليقاً على ما ورد من استنكار لذكرها في الكتاب، علماً بأنها تندرج في إطار العلاقات السياسية، وقد لجأت إليها غالبية القوى السياسية في فترات مختلفة.

ولا أظن في هذا الحديث انتقاصاً من أي أحد وبالمناسبة فهي علاقات متبادلة، فقد عملنا مع الفلسطينيين وألقينا محاضرات في المخيّمات، وكتبنا في صحفهم ومجلاتهم ونظّمنا لهم الدورات التثقيفية، وقدّمنا لهم استشارات وخبرات، مثلما حملنا جوازات سفر يمنية لسنوات، دون أن يعني ذلك أي مساس بالكرامة، أو انتقاص منها، ودائماً ما قدّموا لنا مساعدة سخية معنوية وأدبية في الغالب ومادية بالطبع. وشخصياً أشعر باعتزاز بتلك العلاقات المستمرة ولا أتنكّر لها أو أخفيها.

أما موضوع فتح حوار مع النظام العراقي عبر السفارة العراقية، فالأمر هو الآخر يندرج في إطار العلاقات السياسية وقد حاول النظام جسّ نبض العديد من القوى والشخصيات وأرسل الوسطاء، فمرّة كان الأمر عبر السوفييت في العام 1982، ولاسيّما بعد انسحاب القوات العراقية من المحمّرة (خرمشهر) بعد هزيمتها فيها، وفيما بعد عبر وساطات لبنانية وفلسطينية وأردنية.

وكان هناك أكثر من لقاء مع مكرّم الطالباني أو غيره قد حصل بعد انتهاء الحرب العراقية- الإيرانية، حيث ساهم فيها أمين عام الحزب السابق عزيز محمد وجلال الطالباني وذلك بضيافة سميح عبد الفتاح (أبو هشام) السفير الفلسطيني في براغ، وجرى اللقاء بعلم الحزب الشيوعي التشيكي، وفي فندق الحزب الجديد، والتقى عامر عبدالله ونوري عبد الرزاق مكرّم الطالباني أيضاً (العام 1989) في الإطار ذاته، وحصل الأمر عبر سفارة العراق في براغ وموسكو أيضاً.

إن أية مفاوضات أو جسّ نبض من خلال العلاقات، سواء مع الحكومة أو أي طرف سياسي آخر، لا ينتقص من أحد، سواء تم التوصل إلى نتائج أو لم يتم ذلك، وبغض النظر عن إظهار مدى تحمّل الطرف الآخر لمسؤولياته، لكن عامر عبدالله وفي فترة ما بعد الحرب العراقية- الإيرانية أبدى مرونة عالية وتفهّماً كبيراً لاحتمالات تطور الأوضاع، وعبّر عن آماله في أن تتخذ الحكومة العراقية طريقاً آخر يتسم بالانفتاح والتخلي عن الانفراد بالسلطة وإقصاء الآخرين، والأهم من كل ذلك إعادة إعمار ما خربته الحرب عبر تنمية متوازنة وذات طابع إنساني، لكنه اصطدم مرّة أخرى بتعنّت السلطة وغرور المسؤولين في بغداد وعدم رغبتهم في إجراء أي تغيير بخصوص القوى الأخرى، الأمر الذي دفعه وآخرين لطي هذه الصفحة، لأنها ليست مجدية والآذان مغلقة، والرغبة في الإقصاء مستفحلة.

وبالطبع فعامر عبدالله كان أحد الأقطاب السياسية التي بلورت موقفاً من قضايا التطور اللاحق، ولاسيّما بعد انتهاء الحرب العراقية- الإيرانية، وإن لم تكتمل رؤيته المستقبلية، خصوصاً في ظل تعنّت النظام وغروره وتفرّده بالسلطة، ومع ذلك لم يتوان عامر عبدالله وآخرون من بلورة تصورات أولية حول مرحلة ما بعد الحرب، وهدفه بالطبع مصلحة البلاد أولاً وأخيراً، وكان يعتبر الحرب العراقية – الإيرانية أكثر الفواجع التي مرّ بها العراق، ولم يكن يستهدف من تحرّكه السياسي آنذاك مكسباً شخصياً أو مصلحة ذاتية، ولعلّ مثل تلك الأمور في العمل السياسي وفي العلاقات تعتبر مألوفة، خصوصاً في ظروف الصراعات.

السبب الخامس في اندفاع بعضهم ضد عامر عبدالله، خصوصاً في الحديث عن قضايا مسكوت عنها، هو محاولة طمسها أو إبقائها خارج دائرة الضوء لكي يطويها النسيان والإهمال، ولذلك ترى الانفعال في درجة الشتيمة والإساءة والاتهام، عند التذكير: بالمرتدين والجواسيس والعملاء باستثناء بعض من استدار منهم إلى المعسكر الأمريكي.

إن الطريقة الارسينلوبينية سبق وأن استخدمتها أجهزة المخابرات العراقية بامتياز ولجأت إلى ترسانتها العتيقة لتشويه سمعة الشيوعيين وجميع المعارضين، وقد انتشرت العديد من الوريقات والكراريس في بيروت في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، وشملت عشرات الأسماء، خصوصاً وأن الهدف هو التشكيك بالصدقية، وللأسف فإن الصراعات الحزبية تبقى غير منزّهة منها، وهناك عشرات، بل مئات الأمثلة في تاريخنا الشيوعي العراقي والعربي، بل والعالمي على حالة الانحطاط التي تصاحب الاختلافات والانشطارات الحزبية، ولاسيّما في المنعطفات الحادة، ومرّة أخرى فتلك دليل عجز وضعف حجة وعدم ثقة بالنفس أولاً.

وكان رأي عامر عبدالله أن انقلاباً بونابرتياً، حصل في المؤتمر الرابع، وسيطرت على إدارة الحزب مجموعة من المغامرين، الطموحين، الذين سرعان ما اختلفوا فيما بينهم بعد التخلّص من بعض إدارات الحزب وكوادره، وهكذا أطاح البعض بالبعض الآخر، ووصل الأمر إلى العزوف عن العمل سواء بالتخلي أو عدم الترشيح لإدارة الحزب بعد أن كان الصراع حامياً للفوز بالمواقع، وذلك بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وانحلال الكتلة الاشتراكية.

*****

المثقف وفقه الأزمة – ما بعد الشيوعية الأولى/ ح 12

ثابت حبيب العاني يعود إلى دمشق بعد “القصف الكيماوي” لقوات الأنصار في كردستان

لقد حاول عامر عبدالله أن يخاطب عزيز محمد أمين عام الحزب وأن يلتقيه، لكن الأمور قد خرجت من بين أيدي الأخير، وسارت باتجاه اللاّ عودة، الأمر أدركه بعد حين وكان عليه أما القبول بما هو قائم كما فعل البعض من مجموعة المدجنين كما أطلق عليهم، تحت عناوين مختلفة، وهو أمر رفضه البعض، لاعتبارات متباينة أيضاً، علماً بأن شخصية مثل عامر عبدالله المعتّدة بنفسها لا تقبل التسليم بهزيمتها، خصوصاً وأن ظروف أواخر الثمانينيات هي غير ظروف آوائل الستينيات، ومع ذلك فإن عامر عبدالله لم يقدّم نقداً ذاتياً في ذلك الوقت، مثل رسالة زكي خيري التي عنّف فيه نفسه واتّهمها بأقسى الاتهامات تحت باب الطاعة والانضباط والقبول بقرارات الأعلى، وهو ما فعله أبو العيس أيضاً.

وقد أوردت ذلك على لسان عامر عبدالله في حواراتي معه وتعليقات حسين سلطان، الذي قال إنه كتب رسالة فيها شيء من النقد الذاتي، ولم يكن أسلوبها يرضي القيادة آنذاك، لاسيّما بعد رسالة زكي خيري وأبو العيس، فطُلب منه "تعميقها"، لكن الرسالة أهملت بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) العام 1963 على الرغم ممن أرسل لتفتيش غرفته بحثاً عنها، وهو الأمر أغاظ البعض وأوغر الصدور إزاء عامر عبدالله، والكاتب معه، علماً بأن الكاتب كان شديد الحرص على تجنّب الإشارة بالاسم الصريح، حتى وإن كان ناقل الكفر ليس بكافر كما يقال، لأن قضية من هذا النوع ليست رأياً.

وبالطبع لم يستمر عامر عبدالله في رؤيته تلك وتغيّرت الأمور بعد انتقاله إلى لندن، ولاسيّما بعد انحلال الكتلة الاشتراكية، الأمر الذي ولّد لديه تقديرات وآراء جديدة بعضها مغاير لمنطلقاته، وهي محطّ جدال، وقد يكون في رؤيته اللاحقة، أقرب إلى رؤية إدارة الحزب بشأن العراق ومستقبله، وتلك مسألة توقف عندها الباحث، مثلما حاول باقر ابراهيم التركيز عليها. هذا هو ما حصل وهذا كان رأي عامر عبدالله المدوّن والمنشور في الكتاب وفي مذكرات عديدة.

وللأسف فإن بعض الانفعالات كانت هي الطاغية بدلاً من مناقشة مسائل تتعلق بجوهر الصراع وإشكالياته وهي انعكاس لفقه الأزمة ومتفرّعاتها، لاسيّما القضايا ذات الطبيعة النظرية حيث اتجه الحديث إلى الإنكار والاتهام والهروب إلى الأمام، أما القضايا المختلف عليها والبحث عن الحقيقة، فقد ظلّتا بعيدتين عن دائرة النقاش وهي:

* الموقف من الحروب العدوانية وبالتحديد الحرب الأمريكية على العراق والتعامل مع الاحتلال لاحقاً.

* الموقف من المقاومة وهل كل مقاومة "إرهاب"، وما هو الموقف من المقاومة السلمية؟ ولماذا لم تلجأ إدارة الحزب إلى طرح مشروع خيار المقاومة السلمية المدنية للاحتلال بدلاً من التعاطي معه؟

* هل إن هدف النضال هو التماهي مع الحكم للحصول على تمثيل شكلي واستمراء التبعية لكي نقول أننا نتقدّم وأننا غير معزولين؟

* لماذا ضَمُرَ اليسار وخفت صوته وتشتّت؟

* هل أن الممارسة المتدنّية لما سمّي بالتحالفات مع فلان وفلان بامتداداتهم وارتباطاتهم المعروفة في السابق والحاضر، أي منذ الاحتلال ولحدّ الآن، هي أمرٌ مفروض أم اختيار، بما فيه تقديم أوراق الاعتماد للاحتلال؟

* أين ما يسمّى بالتيار اليساري؟ ولماذا نحجم عن استخداماته أم أن اسم "اليسار" أصبح ملتبساً؟

وإذا أردنا الدخول بالمسائل العملية:

* فمن المسؤول عمّا لحق بثابت حبيب العاني من إساءة وتعامل لا إنساني؟

* ثم ألم يحن الوقت لإعادة النظر في المؤتمر الرابع ونتائجه وممارساته، خصوصاً بفصل العشرات والمئات من الرفاق في اليمن وسوريا والعديد من البلدان الاشتراكية، فضلاً عن إجراءات القمع وممارسة سياسة التجنيد الإجباري على الرفاق وإكراههم على الالتحاق بقوات الأنصار، وغيرها من الجوانب الإدراية والبيروقراطية والنزعات التفريطية؟ والأمر لا علاقة لهم بتخطئة زيد أو عمرو أو هذا الاتجاه أو ذاك بقدر ما له علاقة بالموقف من أخطائنا.

* وكيف السبيل لاستعادة هوّية الحزب الوطنية والاجتماعية؟

* ثم ما هي وسائل إعادة التأهيل لتقوية الأساسات؟

علينا الاعتراف بأن الحزب مأزوم ومهزوم، إذْ لا ينبغي الفصل بين أزمة الحزب وأزمة البلاد، وهزيمة الحزب وهزيمة الوطن.

كما علينا الاعتراف أن الأزمة ومتفرعاتها ليست بالأشخاص، فقد استبدلناهم أو استبدلنا بعضهم وظلّت هيمنة مباشرة وغير مباشرة من البعض الآخر.

المطلوب معالجات في المنهج والسياسات والسلوك، والتخلي عن أسلوب التماشي أو المسايرة مع ما هو قائم في السلطة والمعارضة سابقاً، بما فيها الاحتلال وذيوله.

ثم كيف يمكن السكوت عن حوادث قتل وتعذيب تمت في مواقع الأنصار؟ ولا يزال بعضهم يطالب بالاعتذار على أقل تقدير وفي مقدمتهم الرفيق أحمد الناصري (أمين)، ناهيكم عن مساءلة المسؤولين والمتواطئين.

ولماذا تسكت إدارة الحزب السابقة عن ذلك وما مصلحة إدارة الحزب الحالية عن إخفاء ما حصل؟ والغرض ليس نشر غسيلنا كما يقال، بل ردّ الاعتبار لقيم العدالة والحق والإنسانية والجمال، الأساس الذي قامت عليه الماركسية، وذلك عبر مصارحة هادئة ومصالحة تاريخية مع الذات أولاً ومع الشيوعي المختلف ثانياً، ومع الوسط اليساري بشكل عام ثالثاً، وهي الدوائر التي ينبغي التحرّك عليها أولاً!.

وبدلاً من دراسة أسباب فشلنا في انتخابات العام 2014، بعد تقديرات وردية وتهاني بفوز عدد من الرفاق، وإذا بنا نحصد الخيبة، ولكن البعض يتمادى في المكابرة حين يعتبر صدور كتاب عن عامر عبدالله استفزازاً له، وإساءة ربّما مشبوهة، ولها دوافع خفية، وهي من الاحتياطي النائم من النظام السابق قبل أربعة عقود من الزمان (فيا للعبقرية ووهج الضمير؟!) وكان الأوْلى أن نراجع حساباتنا، ففي انتخابات المحافظات حصلنا على "صفر"، ومع ذلك ظلّ الأمين العام يتشبث بموقعه، وكم كان لائقاً وجديراً تقديم استقالته وإفساح المجال أمام رفاق آخرين، خصوصاً وقد مضى على وجوده في موقعه أكثر من عقدين من الزمان، وطالما نحن نكثر من حديثنا المستمر عن التغيير والتناوب وتبادل المسؤوليات؟

أفلا تكون هذه مناسبة للتذكير والتفكّر والمراجعة؟!، فقد كان فشل الزعيم الاسكتلندي أليكس سالموند 18 أيلول (سبتمبر) 2014 في إحراز النجاح في الاستفتاء على انفصال اسكتلندا عن المملكة المتحدة، سبباً منطقياً وعقلانياً في استقالته من قيادة الحزب ومن رئاسة الوزارة، دون أن يعني الإساءة إليه، وكل إنسان يخطأ ويصيب وينجح ويفشل، فقد فشل نوري المالكي في الحكم طيلة السنوات الثماني المنصرمة 2006- 2014، لكنه ظل متشبثاً بموقعه بزعم الأصوات التي حصل عليها، وهي التي تمنحه الشرعية الدستورية، ناسياً أن شرعية الانجاز، أي النجاح في عمله ومهماته، التي تتقدم أحياناً على الشرعيات الأخرى، فما بالك حين ننتقل من إخفاق إلى آخر؟.

وعلينا ألاّ نبكي على الأطلال أو نتشبّث بنجاحاتنا قبل الثورة في العام 1958. الأمر يحتاج إلى دراسة منزّهة من الغرض، فالخارجون على الحزب أكثر ممن هم في داخله بعشرات المرات، بغضّ النظر عن الأسباب، وينبغي الكف عن لغة التخوين والامتناع عن نهج الإقصاء والتخلّي عن تقديس المسؤول، ولا يكفي اليوم أن يكون في برنامجنا الاحتفالات بالمناسبات المختلفة، بقدر ما التوجّه إلى الناس ومصارحتهم وتعبئتهم. فالأزمة شاملة ومركّبة وعميقة، وهي جزء من أزمة المجتمع ككل.

ولعلّ هناك من يعتقد أن خسارتنا في الانتخابات يمكن تغطيتها بشن هجوم على عامر عبدالله وصاحب الكتاب، وكأن الأخير مسؤول عن كل هذه الخسائر دون أن ينتبه أحد إلى أن المؤلف ذاته يشعر بالحرج أيضاً إزاء هذه الخسارة، وأن ما يصيب رفاقه القدامى يضغط عليه بغض النظر عن الاختلاف، لاسيّما ما يتعلق بالبوصلة الوطنية والأخلاقية والجمالية، فانحسار دورنا هو نتيجة قاسية لممارستنا السلبية، وهو أيضاً انعكاس لسياستنا الخاطئة، وفي كل الأحوال فإن هذا الأمر طبيعي في أوضاع الاحتلال والشحن الطائفي والمذهبي والإثني.

1- قضية ثابت حبيب العاني

وصف محضر اجتماع حزبي قيادي الرفيق ثابت العاني "بالعبودية الفكرية" للرفيق عامر عبدالله، وإذا استبعدنا الجانب السلبي لهذا الوصف، ناهيكم عن انطباقه أو عدم انطباقه، فإن عمق العلاقة بين الرفيقين واقتراب آرائهما قد يكون وراء هذا التقدير، خصوصاً خلال احتدام الصراع داخل المكتب السياسي بشكل خاص إبان فترة حكم عبد الكريم قاسم، حين تكتّل مجموعة الأربعة، التي ضمّت كل من عامر عبدالله وزكي خيري وبهاء الدين نوري ومحمد حسين أبو العيس، وكانوا أقرب إلى سياسة قاسم، في حين كان سلام عادل وجمال الحيدري والكتلة الأكبر في المكتب السياسي واللجنة المركزية، أميل إلى التشدّد إزاء استدارة قاسم بالبلاد نحو الحكم الفردي.

وقد تردّد في الأدب السياسي في وقت لاحق اصطلاح "عصابة الأربعة"، لاسيّما خلال تنحية عصابة الأربعة الصينية التي ضمّت جيانج كينج وهي زوجة ماو تسي تونغ الأخيرة وكانت عضواً قيادياً في الحزب، والمقربين لها تشانغ تشون تشياو وياو ون يوان ووانغ هونغ ون. وسيطرت عصابة الأربعة بشكل فعال على أجهزة السلطة في الحزب الشيوعي الصيني خلال المراحل الأخيرة من الثورة الثقافية، التي استمرت لنحو عشر سنوات 1965- 1975.

ولعلّ بعض هذه العلاقات بين الرفاق أمرٌ طبيعي بحكم النشأة والمدينة والعمل المشترك والمعايشة الطويلة وغيرها من عوامل التأثير الشخصية والفكرية، ومثلما هي علاقة ثابت العاني بعامر عبدالله، فقد كانت علاقة حسين سلطان وجاسم الحلوائي وعدنان عباس بباقر ابراهيم وليس ثمة في الأمر إساءة، لاسيّما إذا استبعدنا الجانب السلبي. وقد تحمّل العاني العقوبة المخفّضة خلال تنحية عامر عبدالله من مواقعه في العام 1962 وأرسل هو الآخر للدراسة الحزبية في موسكو.

أسوق هذه المعطيات لأؤكد العلاقة الوطيدة بين عامر عبدالله وثابت العاني. وكان عامر عبدالله قد وصلته معلومة في العام 1977 عن صلة ثابت العاني بالأجهزة العراقية خلال اعتقاله في العام 1971 وصموده البطولي، وإنه يكتب تقارير دورية فيما يخص الطلبة والعلاقات والتنظيم العسكري، وتردّد عامر عبدالله في نقل المعلومة إلى الرفيق عزيز محمد أمين عام الحزب آنذاك، وقد تشاور مع أحد الرفاق واتفقا على نقل المعلومة دون أن يعني تبنيّها.

وعندما حاول عامر عبدالله إبلاغ عزيز محمد "بالخبرية" اعتذر الأخير حتى عن الاستماع إليها، رافضاً أية إشارة تمسّ العاني أو تخدش من سمعته الثورية والأخلاقية، ونسي الأمر وكأن شيئاً لم يكن، لكن الموضوع أثير لاحقاً في بيروت بعد انتقال الحزب إلى المعارضة في أجواء صراع محمومة وعداوات وأحقاد وانتقام، فقاد أحد أعضاء ل. م. الاحتياط، الحملة ضد العاني، وتأثّر بها بعض الطامحين للوصول إلى مواقع في القيادة، فأطيح به من عضوية المكتب السياسي في اجتماع موسكو العام 1981، ثم أطيح به من عضوية اللجنة المركزية لاحقاً في العام 1982، وعُزل ولم تتم مفاتحته بالتهمة المزعومة والمنسوبة إليه إلاّ في العام 1984، فرفضها جملة وتفصيلاً، بل وسخر من تفاصيلها، وخلال عزله حظي العاني باحترام الرفاق الأنصار، وكان موقفه شجاعاً ومشرّفاً خلال أحداث بشتاشان العام 1983، وعلى الرغم من عزله من مواقعه الحزبية، فقد اختير بعد تلك الأحداث الغادرة مسؤولاً إدارياً عن تنظيمات قوات الأنصار الشيوعية.

وخلال التحضير للمؤتمر الرابع وما بعده ترشّحت معلومات عن أن حياته قد تكون في خطر، وخاطب عامر عبدالله المكتب السياسي، وأرسل عدّة رسائل إلى عزيز محمد، نافياً ما تردّد من اتهامات ضده، وإنه تحقق بطريقته الخاصة عن بطلان تلك المزاعم، ناهيكم عن عدم صدقية من نقلها. وقد أطلعني عامر عبدالله منذ مطلع العام 1982 على جهوده تلك وبعض مخاطباته مع الرفيق أبو سعود (الأمين العام السابق).

كما خاطب عامر عبدالله، ثابت العاني لأكثر من مرة بالعودة إلى سوريا وترك مواقع الأنصار، لأنه يعاني من مرض القلب، وسبق أن تعرّض إلى نوبة قلبية في العام 1973، حيث قام الرئيس أحمد حسن البكر بزيارته في المستشفى ببغداد وخلال وجوده في كردستان لحضور اجتماع اللجنة المركزية، حاول عامر عبدالله إقناع ثابت العاني "أبو حسان" بالعودة إلى سوريا، وكان العاني قد تلمّس نوعاً من التبدّل في العلاقة معه من جانب بعض أقطاب القيادة، وشعر بأن أمراً ما مبيّت له وقد رفض العاني بشدّة، كما أخبرني عامر عبدالله في موقع ناوزنك (أيلول/ سبتمبر/ 1982). وثانياً لأن الظروف في كردستان بالغة القسوة بالنسبة للشباب، فما بالك بأوضاع أبو حسان. وثالثاً إن المكان المناسب لإجلاء صورة العاني الشيوعية الحقيقية، ليس بقائه "أسيراً" في كردستان، بل مجيئه واتصاله مع الاحزاب الشيوعية وظهوره العلني وغير ذلك، وهو ما فكّر به عامر عبدالله لاحقاً، وحاول إرسال رسالة بواسطة عادل مراد، لكن الرسالة لم تصل وتلك مسألة ورد ذكرها في الكتاب.

لكن ثابت العاني، رفض ذلك، وقد أوردت في كتابي عن عامر عبدالله تفاصيل أخرى بخصوص الموضوع، واضطرّ العاني بعد سنوات وبعد أن تعرّض للإصابة بتأثيرات “القصف الكيمياوي من جانب الحكومة العراقية” ضد قوات الأنصار أن يعود إلى سوريا، حين انسحب مجموعة كبيرة من الرفاق قبيل وبُعيد انتهاء الحرب العراقية- الإيرانية، العام 1988، ومن هناك ذهب إلى هنغاريا (بودابست) للاستقرار وزار براغ أيضاً، والتقى منذر المطلك السفير العراقي حينها، خلال محاولة حصوله على جواز سفر عراقي جديد، ودار حديث ذو شجون بينهما، كما نقل لي هو ذلك، وكذلك المطلك لاحقاً. وبالمناسبة فقد ذكر العاني، منذر المطلك عدّة مرّات في مذكراته التي صدرت بعد وفاته العام 1998 عن دار الروّاد في بغداد العام 2014.

*****

المثقف وفقه الأزمة – ما بعد الشيوعية الأولى/ ح 13

ظواهر سلبية رافقت الجبهة الوطنية مع حزب البعث وتكرّست وازدادت في المنفى

وقد أورد العاني رسالة مذيّلة بتوقيع المكتب السياسي، كان قد تسلّمها من كريم أحمد في 10 نيسان/ أبريل/ 1983 الذي أبلغه فيها "أنك مجمد من اللجنة المركزية، ونطلب منك جواباً تحريرياً على الرسالة" التي نشرها نصاً وهي كما وردت في مذكرات العاني "صفحات من السيرة الذاتية".

أبو حسان، تحية،

لقد وصل إلى علم الحزب إن ثابت حبيب العاني صمد صموداً بطولياً لدى اعتقاله في 1971/5/1 في قصر النهاية، ولكنه في الأخير ضعف فوافق على التعاون في مجال الطلاب وفي مجال العلاقات مع الاتحاد السوفييتي، لقاء الحفاظ على تنظيماته وتقديم المساعدة له عن طريق أخيه، كما كان على اتصال مع أحد المحامين وكان في السلك العسكري في مكتبه في شارع السعدون.

التوقيع المكتب السياسي

يقول ثابت حبيب العاني: لقد احتقرت الاتهام ولم أهتم به، وبألم وحرقة وانفعال يمضي في سرد ما عاناه حين يجيب على الرسالة باختصار "إذا تحقق هذا الشيء، فأنا استحق عقوبة الإعدام" ويضيف أنه كتب عدّة رسائل لكنه لم يتلقّ جواباً، وآخرها كما يذكر رسالة موجهة إلى المؤتمر الرابع في 1985/11/15 وإنه بقي على هذا الحال واضعاً نفسه تحت تصرّف الحزب حتى 1989/5/15، ولم يستلم أي جواب باستثناء رسالة استلمها بتاريخ 1985/11/21، والتي أبلغ فيها عدم وجود شيء جديد وأنه تم استبعاده من حضور المؤتمر.

وعلى القارئ أن يتخيّل النتيجة فبعد نحو 20 عاماً يأتي عزيز محمد لزيارته في بودابست في مطلع العام 1990 ليخبره "أن المخبر طلع كذّاب في قضيتك"، تصوّروا هكذا بكل بساطة يتم التعامل مع قضايا من هذا النوع. هكذا يجري الأمر ونحن خارج السلطة، فما بالك لو كان الحكم بيدنا، وكثيراً ما كان عامر عبدالله يتندّر، بأن أكثر من ناظم كزار لكان بيننا.

ولو حللنا اللغة الخشبية الجامدة التي كُتبت بها رسالة المكتب السياسي والتي استبعدت كلمة رفيق من صيغة المخاطبة المعروفة، لأدركنا أية قسوة يتم التعامل بها مع رفيق قضى عمره كله في الحزب ولم يعرف شيئاً سواه، وهي ذات اللغة التي تم التعامل بها برسائل مشابهة وربما أكثر قسوة مع نوري عبد الرزاق ومهدي الحافظ وبهاء الدين نوري وآخرين، وهي تعكس نمطاً من السلوك اللا إنساني الذي يمتاز بالجحود والتنكّر للرفقة لمجرد واش عابر ومعروف، وقد سبق للمنبر أن نوّهت عنه، لكن هناك من أراد توظيف قضية أبو حسان في الصراعات الداخلية ولأغراضه الخاصة.

وبعد وعود وانتظار بردّ الاعتبار وإبلاغ الأحزاب الشيوعية بسقوط التهمة والاتهام وإعلان ذلك على الملأ وبشكل خاص للرفاق، لكن شيئاً من ذلك لم يحدث، وقد كتب ثابت حبيب العاني آخر رسالة إلى المكتب السياسي في 10 آذار/ مارس/ 1992 وانتظر ثلاثة أشهر ولم يستلم جواباً، فاضطرّ هو هذه المرّة لإعلان القضية على الشيوعيين، وقد لقيت قبل هذا التاريخ سخطاً واستنكاراً لتلك الأساليب البوليسية واللاأخلاقية.

أعود إلى القضية قبل ذلك لعرضها من وجهة نظرنا:

حينما تيقّنا إن قضية العاني لم تعد سرّاً، فهي السرّ المعلن الذي يتهامس به كثيرون، وكانت المسألة معروفة لدى الأنصار، قرّرنا في المنبر الكتابة عن الموضوع والدفاع عن ثابت حبيب العاني. وكتب حينها مهدي الحافظ مقالة مهمة، نشرناها تحت عنوان ضوء "ماذا جرى لأبي حسّان؟" وهي من أفضل ما كتب عن أبي حسّان حتى ذلك الحين، سواء في إنصافه وفي وضع القضية في سياق سياسي وأخلاقي وإنساني وقانوني، ناهيكم عن جانبها الحزبي، وتضمّنت المقالة تحميل المسؤولية عن حياة "أبو حسّان" لإدارة الحزب وعن احتمالات تعرّضه في ظروف غامضة وملتبسة إلى ما يهدد حياته.

وعلى الرغم من أن ثابت العاني لم يكن مرتاحاً من نشر مقالة مهدي الحافظ في حينها أو وضع القضية على طاولة البحث العلني، وكان يأمل حلّها داخلياً، لكنه كما أعتقد شعر في قرارة نفسه بأن المسألة أبعد من ذلك بكثير، وكان مجرد نشرها يعني الإفراج عن طابع الكتمان والغموض الذي أريد أن توضع فيه. وكان لنشر مقالة الحافظ صدىً إيجابياً في الأوساط الحزبية الشيوعية والوطنية العراقية، وكذلك لدى الأحزاب الشيوعية وحركات التحرر الوطني العربية، وأستطيع القول إن مقالة مهدي الحافظ وحملة المنبر ساهمتا في الضغط على إدارة الحزب لحل قضية أبو حسان وردّ الاعتبار إليه، خصوصاً وأن هناك مطالبات كثيرة بالاعتذار منه علناً وإعادة إبلاغ الأحزاب الشيوعية عدم صحة ما سبق وأن تلقته من آخرين بخصوص وضعه.

كما إن عامر عبدالله الذي لم يكن يحبّذ النشر في حينها، إلاّ أنه عند نشرنا مقالة الحافظ اعتبرها تمثّل حقيقة، كان قد خاطب عزيز محمد لإجلائها، وقد نشرت في الكتاب، ما يشير إلى تعاطف عزيز محمد مع الموضوع، لكن الأمور، كانت قد خرجت من بين يديه وأضحت القضية أعقد من ذلك، لأسباب تتعلق بتلبّد سماء الحزب بالكثير من الغيوم، السياسية والتنظيمية، ونشوء مراكز قوى داخل الحزب وغياب قراراته الموحدة، والأمر لا يتعلق بظروف المنفى وأوضاع الأنصار فحسب، بل بتداخل قوى وعناصر خارجية مؤثرة على توجهه وسياساته. وهو ما ظهر بالبيانات المتضاربة بخصوص احتلال الفاو وقبلها بالانضمام إلى جبهتين متعارضتين لا يفصل الأولى عن الثانية سوى أسبوعين فقط. (المقصود جبهة جوقد في الشام وجبهة جود في كردستان).

وكان موقف عامر عبدالله الحقيقي هو القريب إلى ما نشر في المنبر، حيث عمل جاهداً خلال سنوات غير قليلة لإجلاء الحقيقة، ولا أدري لماذا نعود وبعد هذا الذي حصل لإعادة إلقاء اللوم على عامر عبدالله متهمين إياه بأنه وراء القضية منذ أن بدأت وحتى مماته.؟! إن ذلك الموقف اللاّ مسؤول هو استمرار إساءة لعامر عبدالله حياً أو ميتاً، ناهيكم عن محاولة إبعاد الأنظار عن المسؤولين الحقيقيين والمتواطئين والساكتين عن قضية ثابت العاني.

وقد سبق أن تمت الإشارة من جانب مهدي الحافظ في مقالته وهو ما تم التأكد منه إلى أن الجهة التي سرّبت الخبر كان قد جاء دورها بعد احتلال الكويت العام 1990، وقد سبق لإدارة الحزب في حينها أن وقعت بياناً مع جهة مجهولة، اتّضح أنها هي ذات الجهة المعنية، التي ليست بعيدة عن أجهزة الاستخبارات البريطانية، وهو ما كان ثابت حبيب العاني يتحسس منه جداً، وقد سبق لكمال مجيد أن نشر عن هذا الموضوع في جريدة القدس العربي، في معرض نقده.

1- أين مذكرات عامر عبدالله؟

كثر القيل والقال والتأكيد والنفي بوجود أو عدم وجود مذكرات مكتوبة لعامر عبدالله، وكانت قناعتي ولا تزال إن عامر عبدالله كتب مطالعات ومواقف وآراء وحوارات وذكريات، واستحضر أسماء وتواريخ في إطار دفاتر كان يجمع فيها الكثير من الاقتباسات والشواهد والنصوص والكتابات، وحاول تلخيصها، وأظن إن بعضها كان حاضراً في كتابه المهم "مقوّضات النظام الاشتراكي العالمي" الذي صدر في العام 1997 عن مكتبة رمضان في لندن.

أما مذكراته وإن كانت قد تمت طباعة نسخ منها، لكنها لم تكتمل بصورتها النهائية، وهناك من قام باستنساخها بخطّه، لأن خط عامر عبدالله صعب القراءة، خصوصاً عندما يكتب بسرعة، علماً بأن هناك من قال لي أنه قام بطبع فصول أو أجزاء منها، وقد ظنّ هذا البعض إنها اكتملت أو أصبحت جاهزة للطبع، لكنني ما زلت أعتقد أنها كمذكرات كاملة ومهيأة للطبع، لم تكن قد أنجزت، وهذه هي معلوماتي وكنت قد اطّلعت على تلك الدفاتر التي كانت تمتلئ بالجديد وتصحّح وتعدّل ويضاف إليها ويحذف منها منذ أوائل الثمانينيات، بما فيها مكاتبات رسمية ورسائل كان قد كتبها "أبو عبدالله" عندما كان وزيراً.

قد أكون مخطئاً إذا كان هناك من لديه معلومة أفضل أو أدق أو أوثق من هذه المعلومة، وإذا كان هناك من يعرف أكثر من ذلك، لماذا لا يقول أين هي المذكرات؟ ومن أخذها؟ ولماذا لم يحتفظ هو بنسخة منها أو يأتمن أحداً عليها ممن يثق به، إلاّ إذا كانت هناك جهة ما وقفت وراء إخفاء المذكرات، فتلك مسألة أخرى ولا علم لي بها، ولنسأل من هي الجهة التي وقفت وراء إخفاء مذكرات عامر عبدالله إن وجدت؟ وما هي مصلحتها؟ وكيف تمكّنت أن تضع يدها عليها؟

ثم ماذا تريد تلك الجهة من إخفاء المذكرات أو تغييبها، خصوصاً وأن بعض رفاقه كانوا قد اطلعوا على أجزاء منها مثلما هو الرفيق عبد الرزاق الصافي (أبو مخلص) والرفيق باقر ابراهيم (أبو خولة) وآخرين، علماً بأنني نشرت جزءًا منها في كتابي عن عامر عبدالله، وهي محاضرة له عن سيرته قدّمها في الكوفة كاليري لكنها هي الأخرى لم تكتمل، واكتفى في النصف الثاني منها بوضع رؤوس أقلام للاستذكار. وأنوي طبع جزء آخر، لكنه بحاجة إلى تدقيق وتبويب وعناوين، في وقت لاحق، وقد وصلني مؤخراً بعد طبع كتابي عن عامر عبدالله، لكنني ما زلت أقول إن ذلك ليس مذكرات مكتملة، بل كانت أقساماً وفصولاً بعضها مترابط وبعضها الآخر كان بصورة أولية أو حتى عناوين ونقاط استدلالية لمراحل زمنية وحوادث وتواريخ، وكما هو واضح في محاضرته في الكوفة كاليري، حين بدأ بالكتابة بتفصيل، ثم انتقل في النصف الثاني من المحاضرة، إلى الاستعانة برؤوس الأقلام لاستكمال محاضرته.

أمام إصرار من يقول إن هناك مذكرات وهي موجودة فعلاً، لا أجد في نفسي القدرة على الزعم أو الادعاء بعدم اكتمالها، وهناك مصدران مقرّبان لهذا الإصرار، وإن اختلفا في أسباب اختفاء المذكرات. قلت لو تمكّن عامر عبدالله من نشر مذكراته وهو على قيد الحياة، لكنّا قد أضفنا إلى مكتبتنا العربية والعراقية بشكل خاص سفر مجيد وأدب رفيع ولغة أنيقة ومعلومات ثرّة وأسرار كبيرة، لكن ذلك لم يحصل للأسف الشديد.

حصل الأمر بالنسبة لأبو كَاطع (شمران الياسري)، فقد أصرّ حميد الياسري (ابن أخيه) على وجود حاجيات شخصية وكتابات وخصوصيات لدى رحيله، لكنها لم تصل إلى ورثته وإلى متناول القراء وظلّ يطالب ويطالب، ولكن دون جدوى، في حين أن الجهة التي وضعت اليد عليها كما يقول، لم تقل رأياً حول الموضوع، واستمرت في سكوتها إلى الآن وهو ما حاولت إضاءته في كتابي الموسوم "أبو كَاطع- على ضفاف السخرية الحزينة" الصادر في لندن العام 1998.

مرّة أخرى أعتقد وخارج "نظرية المؤامرة" الشائعة، إن شخصية مثل عامر عبدالله أو مثل "أبو كَاطع"، يفترض فيهما كتبا مذكراتهما، لكن موتهما الغامض وبالسرعة الخارقة ودون إنذار، جعل هناك مجالاً للتقوّلات والآراء المتناقضة. كنت ولا أزال أتمنّى أن يكون لعامر عبدالله مذكرات كاملة وأن ترى النور، لأنها ستكون إضافة حقيقية للفكر والسياسة والثقافة العراقية، التي كان أحد روّادها الأكثر جدلية وحضوراً.

2- بعثيون وإنْ لم ينتموا!!

حين اقتربنا من موقع الدولة بعد عقد الجبهة الوطنية العام 1973، بدأت بعض أمراضها تتسرب إلينا، من بيروقراطية إلى ولاءات وبطانات وحجب للرأي الآخر، تارة بزعم عدم استيعاب التطورات والتأثر بعقد الماضي والحساسية من الحليف "البعثي" وتارة أخرى، الحرص على العلاقة مع الحليف والحذر من وصول الآراء المخالفة له ولتوجهاته، الأمر الذي قد يؤدي إلى ما لا يحمد عقباه، ولعلّ واحدية الرأي والحرص الشديد على العلاقة مع الحليف، هما اللذان كانا وراء مثل تلك التوجّهات، التي لم تستطع الحفاظ على ما هو قائم، بل ساهمت في انفراط عقد الجبهة، التي بدا فيها عنصر التوازن مختلاًّ على نحو واضح.

كانت النظرة قاصرة أمام ضغط الواقع الذي كان فيه الحكم يميل إلى التشدّد والانفراد والاستئثار وعدم الحرص على العلاقة، في حين بقينا نحن نتحدث عن المكتسبات والمنجزات والعلاقة الستراتيجية، وكأننا ندور في حلقة مفرغة تماماً أو نتحدث عن أمور لا علاقة لها بالواقع. أما الحرص على العلاقة مع الحليف فقد كانت أقرب إلى الحب من طرف واحد، وكلّما تمادينا في إظهار الولاء والتخضّع ومحاولة إثبات إخلاصنا وكشف ما عندنا، ازداد الحليف إعراضاً عنّا وصدوداً واتساعاً مع مرور الأيام.

لقد اقتادنا "الحليف" ذات مرّة لنصدر بياناً أشد قسوة ضد النظام السوري، إثر تفجير حصل في صندوق النفايات عند مدخل مطار بغداد، بعد أن كانت وكالة الأنباء العراقية (واع) قد أصدرت بياناً باسم الحكومة ويعبّر عن وجهة نظرها، فقمنا باقتطاع فقرات منه ونشرنا ما يعجبنا بطريق الشعب، الأمر الذي أغاظ الحليف، فدعا لاجتماع للجبهة وبعد محاولات تقريض ونقد صدر بيان باسمها أشدّ عنفاً واتهاماً ضد النظام السوري، وقمنا في اليوم التالي بنشره بالكامل مع الممنونية.

لقد برزت بعض الظواهر السلبية خلال سنوات الجبهة الوطنية مع حزب البعث بين أعوام 1973- 1979 في حياة الحزب الداخلية، وكانت هناك حساسية شديدة إزاء الرأي الآخر المخالف لإدارة الحزب، واستمرت هذه الظواهر وتكرّست وازدادت خطورة في المنفى وفي كردستان في ظروف حركة الأنصار، وترافقت مع إجراءات بيروقراطية للإدارة الحزبية، ونهج التفريط والتخلّص من المعارضين بأساليب مختلفة.

كانت المحاضِر الحزبية خلال فترة "الجبهة العتيدة" تذيّل باستمرار (لا وجود لرأي مخالف)، بل إن بعض البيروقراطيين كانوا يسعون بكل ما يستطيعون للحصول على "الجائزة الذهبية" عندما يختم المحضر: عدم وجود رأي مخالف، وحتى لو اعترض الرفيق أو أبدى رأياً مخالفاً أو ناقش في موضوع، فإنه يطلب منه في ختام الاجتماع، تأكيد انسجام رأيه مع رأي الحزب (المقصود- الإدراة)، حتى وإن أبدى رأياً مخالفاً، حيث يتم تخفيفه باعتباره استفساراً أو ملاحظة لا ترتقي إلى حدود الاختلاف أو الاعتراض أو عدم القناعة.

واشتهر بعض الرفاق بذلك ممن كانوا يأتون برأي الحليف ويستشهدون به بمناسبة أو دون مناسبة، بل يبالغون في ذلك، لدرجة كان بعضنا يتندّر، وإن كان الأمر مزاحاً إنهم "ممثلون" عن حزب البعث داخل حزبنا، قد يكون بعضهم عن إيمانية عمياء أو ممالئة للإدارة الحزبية، وبعضهم الآخر عن اعتياد بعدم المعارضة وتجنب أي شيء يختلف مع الإدارة الحزبية، وبعضهم لا رأي له، فهو يفضّل السكوت على الكلام، وكان عامر عبدالله في "مذكّرته" المشار إليها قد أشار إلى ضرورة استنطاق الساكتين، لأن بعضهم لا يحاول إبداء رأي، وإن أعطي رأياً فإنه أقرب إلى رأي زئبقي، لا تستطيع أن تحسبه مع أو ضد.

وعلى الرغم من تراجع النهج الحكومي سواء بالإجراءات القمعية ضد الحزب الديمقراطي الكردستاني والشعب الكردي بعد تجدد القتال في العام 1974 فإن بعض عناصر الإدارة كان متحمساً لحمل السلاح ضد الحركة الكردية، أو عند توقيع اتفاقية 6 آذار (مارس) العام 1975 المذلّة والمجحفة والتي "قمنا" بتأييدها للأسف، أو بإجراءات الحكومة بخصوص حركة خان النص (بين النجف وكربلاء) في شباط (فبراير) العام 1977 التي تحمّس البعض لضربها، مثلما تحمّس هؤلاء لحلّ أو "تجميد" اتحاد الطلبة واتحاد الشبيبة ورابطة المرأة، والتعهّد بعدم العمل في الجيش، معرضين منتسبي هذه المنظمات والرفاق عموماً لمخاطر شتى، بل جعلت منهم "محكومين" مسبقاً مع وقف التنفيذ، وهو ما استثمره الحكم لاحقاً بإجبار عشرات الآلاف من الشيوعيين وأصدقائهم والمواطنين عموماً على التوقيع على المادة 200 من قانون العقوبات البغدادي التي تعني حكم الشخص لنفسه بالإعدام سلفاً بعد توقيعه على تعهد بذلك، وترك موضوع التنفيذ لصاحب السلطة، لكن هؤلاء "الرفاق" ظلّوا يراهنون على ضعف الذاكرة، فبالغوا بالشعارات الرنانة لاحقاً، في حين كانت حماستهم للحكم البعثي تقترب من وصف صدام حسين "إنهم بعثيون وإنْ لم ينتموا".

*****

المثقف وفقه الأزمة – ما بعد الشيوعية الأولى- ح 14

الحساسيات الموجودة بين القوى الكردية وراء الأحداث المأساوية في بشتاشان

وقد انقلب هؤلاء على نحو مفاجئ بعد مغادرة العراق ولا يريدون لأحد استذكار مواقفهم في تلك الفترة، خصوصاً عندما أرادت الجهة المتنفذة في إدارة الحزب إتباع سياسة أخرى دون دراسة كافية، وكرد فعل لسياسات البطش والإرهاب، وهكذا انتقلت حماستهم إلى الشعارات المتطرفة ذات الرنين اليساري العالي "الثورة الشعبية الظافرة؟ وانجاز مهمات الثورة الوطنية الديمقراطية، وأحياناً يقولون بقيادة الطبقة العاملة، وعلى نحو كوميدي تحوّل هؤلاء إلى تأييد "مجلس الحكم الانتقالي" وحكومات ما بعد الاحتلال، بل والانخراط فيهما، حتى خرجنا من "المولد بلا حمّص" أو كما يقول اللبنانيون من "المورد بلا حمّص"، فارتفع مجدّداً شعار العداء "للإسلام" (مغلّفاً) تحت واجهة العداء للإرهاب اعتقاداً منهم بتخفيف ضغوط العدوّ التقليدي التاريخي "الإمبريالية العالمية" والنظام الرأسمالي، مثلما يتم الاندفاع تحت شعارات المزايدة بالعلمانية (بمناسبة ودون مناسبة أحياناً) في مواجهة الإسلامية، في حين أنهم شركاء للتيار الإسلاموي الأكثر تشدّداً أحياناً.

للأسف الشديد لم تتم مراجعة التجربة الشيوعية العراقية مراجعة نقدية معمّقة، واكتفينا بالهروب إلى أمام، وكأن المسألة لا تهمّنا، وهي تخص الخارج، ولهذا فنحن معفيون من نتائجها، بل إن هجوماً ضد كل من يدافع عن الماركسية خارج طاقم جناح الإدارة السابق والحالي، بحيث يصل إلى درجة الانتقام، الأمر الذي أصيب البعض بالمرارة والخيبة والإحساس بالخذلان، وبعضهم استسلم للواقع الجديد، وعاد إلى جادة "الصواب" واكتفى بالهمس ليس بالإمكان أحسن مما كان، ولا يمكن الإصلاح، وإلى أين نتجه؟ وغير ذلك من المبرّرات.

وظلّ الجناح الشيوعي الرسمي يحمل الاسم على نحو منقطع عن التاريخ أحياناً، فكيف يؤيد الاحتلال ويتعامل معه ويؤيد حكومات ما بعد الاحتلال، وينسجم مع الخيار الأمريكي، سواءً تجسّد باتفاقيات أو وجود عسكري، وكأنه قدر حتمي لا مفرّ منه ولا سبيل لمواجهته. هل حصل ذلك صدفة محضة وكأنها شأن قدري، أم ثمة أسباب ذاتية وموضوعية بفعل غياب طويل عن الساحة وضعف في أداء الدور التاريخي للحركة الشيوعية، وضبابية فكرية، ولاسيّما بضياع البوصلة بعد انهيار الكتلة الاشتراكية، وممارسة سياسية فيها الكثير من الشطط، ناهيكم عن انثلامات في هوّية الحزب الوطنية واستمراء الحصول على بعض الامتيازات؟.

وتجلّى الأمر على نحو صارخ بعد الاحتلال ومحاولة التماهي مع ما سمّي "بالعراق الجديد" وقبول دستور فيه الكثير من الألغام، وعدم معارضة معاهدة أمنية مع واشنطن، أكثر إجحافاً مع الاتفاقيات السابقة التي أطلقنا عليها اسم الاتفاقيات المذلة والمشينة والاسترقاقية.

عندما نقول بعثيون وإن لم ينتموا، فالمقصود هو السلوك والتصرّف الذي يدلّ على القسوة والعسف الذي امتازت به السلطة، فالبعثيون مثلما نحن وكذلك بقية الأحزاب والجماعات، بشرٌ فيهم الصالح وفيهم الطالح وفيهم مرتكبون وفيهم ضحايا أيضاً.

1- بشتاشان وخطط انسحابنا

ذكرتُ حول أحداث بشتاشان في كردستان (أيار/ مايو) 1983 إن عامر عبدالله كان يريد أن يعرف مواقف إدارة الحزب خلال المعارك، وعندما عرف إنها آثرت الانسحاب عشية الهجوم، وتركت الرفاق يقاتلون بظهر مكشوف صعق تماماً... وهذا الوصف الذي أوردته في الكتاب، اعتبره باقر ابراهيم صورة مغايرة للواقع. وكان قد أورد في مذكراته أن القيادة الحزبية اجتمعت ليلاً، وتبيّن لنا أن الاستمرار في مقاومة العدوان، لم يعد في مقدورنا، وقررنا الانسحاب على وجبات... ويذكر بقاء كريم أحمد عضو المكتب السياسي والمسؤول الأول وسليمان يوسف بوكه (أبو عامل) (قائد الأنصار).

ولكنّني أود أن أعرض الصورة كما عرفتها وشاهدتها وعشتها أنا وعشرات الرفاق معي، وهي صورة لم تكن بهذه البساطة، بل كانت أكثر تعقيداً وتركيبية. وهي تدلّ على التخبّط وعدم الاستعداد، الأمر الذي يدلّ على الهروب إلى الأمام. وإنني إذ أذكر ذلك فإنني لا أريد الانتقاص من أحد ولا ادعاء بطولة أو مجد، لكننا نتناول المسألة من زاويتها السياسية ونتائجها وما آلت إليه، من تدهور الروح المعنوية للأنصار بشكل خاص، والحزب بشكل عام وارتفاع منسوب مشاكله وعقده من جهة، فضلاً عن النظرة السلبية له في بعض الأوساط الكردية، ولاسيّما في تلك المناطق الجبلية، التي يقيس أهلها البطولة بالنصر وليس بالهزيمة. ولعلّ خطة انسحابنا تذكّرني بخططنا في الهروب إلى الأمام إثر الهجوم البعثي ضد الحزب أواخر العام 1978- 1979.

ولأنني وعدت العديد من الرفاق، وخصوصاً الأنصار كتابة شهادتي لما حصل في بشتاشان، فإنني أرجئ ذلك لحين أن يسعفني الوقت، ولكن لا بأس من مطالعة سريعة في إطار هذه المحاورات التي يعود الفضل في تحريكها إلى عامر عبدالله، والحديث عن المثقف وفقه الأزمة.

إذا كان وجود خطة لانسحابنا من بشتاشان، فإنها حسب قناعتي هي خطة ربع الساعة الأخيرة، قبل أو خلال الإجهاز علينا وتحطيم مقراتنا ومطاردتنا في الجبال الوعرة وتبدّدنا وضياعنا في تلك العاصفة الثلجية المجنونة التي ضربتنا، والتي مات بسببها عدد من الرفاق، مثلما استشهد في المعارك العديد منهم.

لقد كنتُ مع الرفيق محمد البشيشي "أبو ظفر" الطبيب الذي استشهد لاحقاً، في المستشفى، وكان قد جاءني مساء يوم 1 أيار (مايو) مهدي عبد الكريم لإبلاغي، بأننا قرّرنا الانسحاب لبعض رفاقنا وأنت منهم دفعاً لأية احتمالات، وذلك بالتوجّه إلى مناطق آمنة، بصعودنا إلى قسم من جبل قنديل الذي يبلغ ارتفاعه 7800 قدم، وكان في المجموعة الأولى على ما أتذكّر، عبد الرزاق الصافي، وباقر ابراهيم (وزوجته أم خولة) ومهدي عبد الكريم وعبد الوهاب طاهر وأنور طه النجار وعدد آخر من الرفاق، ولكنني اعتذرت من الذهاب معهم لسببين لاعتقادي أولاً إنني غير قادر على المسير وأنا ليس على ما يرام، وثانياً وهذا هو الأهم أبلغت الرفيق أبو العباس (أبو كسرى) بأننا إذا تركنا الإعلام (الصافي رئيس تحرير الجريدة ومهدي عبد الكريم رئيس تحرير الإذاعة، وأنا مسؤول المنظمة الحزبية والمستشار السياسي للإعلام) فمن سيبقى من المسؤولين؟

ولذلك سأبقى مع رفاقي وليكن ما يكن، فأنا معهم سواءً بقينا أو انسحبنا، وحاول إقناعي ولكن دون جدوى، وأبلغني أن المسؤول سيكون الرفيق كريم أحمد، وهو مسؤولنا في مكتب العمل الآيديولوجي الذي كان مهدي عبد الكريم عضواً فيه أيضاً. بعد ثلاث ساعات من المسير عادت أم خولة، بقرار من الجهة المعنية تحت مبرّر ليس بإمكانها المسير في مناطق أشد وعورة، وهو ما عرفته منها صباح اليوم التالي، حيث عدت إلى موقعنا في الإعلام المركزي.

في اليوم التالي صباحاً عقدت اجتماعاً لرفاق الإعلام وكان قد التحق بالإعلام لتوّه مفيد الجزائري، ودعوناه لحضور الاجتماع كما حضر آخرون أيضاً، وتناقشنا ماذا سنذيع؟ واتصلت بالرفيق كريم أحمد باللاسلكي وطلبني للقاء وذهبت لمقابلته في مقر المكتب العسكري المركزي (معم)، وقال لي علينا أن لا نصعّد في خطابنا وأن نهدّئ اللعب كما يقال، وقلت له ألا يؤثر ذلك على معنويات المقاتلين؟ وكان رأيه إذا استطعنا تجنّب الصدام على الرغم من الهجوم علينا، فالأمر جيدٌ ووجدت رأيه صحيحاً.

وأبلغني بقرار المكتب السياسي: إذا تقدّم منّا جماعة أوك فأبلغ رفاق الإذاعة، ولاسيّما المهندسين بضرورة نسفها، واعترضت عليه بأن الرفاق بإمكانهم إخفاء الإذاعة الآن إذا قرّرنا ذلك وكنت قد استطلعت رأيهم سلفاً، وستكون خسارة كبيرة نسفها أو وقوعها بيد أوك. ثم سألته عمّا إذا قرّرنا الانسحاب وإخلاء المواقع؟ وهل أعددنا خطة لذلك؟ لم أسمع أية تأكيدات أو نفي وظلّ الموضوع عائماً، إلى أن عرفنا لاحقاً بمغادرة جميع الرفاق من إدارة الحزب المركزية، باستثناء الرفيق أبو عامل.

عدتُ إلى فصيل الإعلام واجتمعت مع صارم المسؤول العسكري، وهو أحد الأبطال الحقيقيين الذين علينا الاعتزاز بهم والاعتراف بدورهم وتكريمهم، فقد استطاع إنقاذ نحو 100 رفيق من الوقوع أسرى عند انسحابنا النهائي من المواقع المختلفة، وأبلغته بقرار م. س بنسف الإذاعة في حالة تقدّم أوك، فسألني صارم ومعه الرفيق أبو سهيل (وهما أعضاء في اللجنة القيادية لمنظمة الاعلام المركزي) وماذا هو رأيك يا رفيق؟ قلت رأيي من رأيكم، ما تقررونه سأبلغه لإدارة الحزب واستقرّ رأينا جميعاً بعدم نسف الإذاعة وإمكانية إخفاءها خلال ساعة في أحد الكهوف التي لا يمكن الاستدلال عليها بسهولة.

اتصلت بالرفيق كريم أحمد وأبلغته قرارنا، فأكد أنكم تخالفون قرار م. س وعليكم الالتزام به، وحاولت إقناعه، ولكنه لم يقتنع، ثم تناقشنا في الأمر وتوصلنا إلى اتفاق أقنعنا أنفسنا به على مضض، بعد أن سجلنا اعتراضنا، وهو نسف الإذاعة في حالة شعورنا بأنها ستقع بيد أوك وعدم وجود إمكانية الدفاع عنها. وحفر الرفاق حفرة حول خيمة الإذاعة وسكبوا الزيت فيها ووضعوا مواداً قابلة للاحتراق.

عصر ذلك اليوم اقتربت مفرزة لأوك من كاسكان التي لا تبعد سوى ربع أو ثلث ساعة عن مقر الإعلام المركزي، وكان ثلاثة شهداء قد وصلونا قبل يومين أو ثلاثة وأتذكر منهم الرفيق "شهيد" السينمائي، وجاءت الرفيقة رفاه لتقول أن كاسكان تم احتلالها، وكان في غرفتي زهير الجزائري وكنا قد استلقينا لنحو نصف ساعة عسى أن نأخذ قيلولة بعد أن أمضينا طيلة اليومين الماضيين بلا نوم تقريباً. وأبلغته أن كاسكان تم احتلالها وعلينا التجمع لاتخاذ القرار وسماع رأي الرفاق.

اتصلت بكريم أحمد، وعلمنا أنه غادر المكان باتجاه قنديل. بعد حوالي نصف ساعة، قرّرنا اللقاء عند المستشفى وهي طريق مفتوح إلى قنديل، واجتمعنا هناك مع الرفيق يوسف سليمان بوكه (أبو عامل) مسؤول المكتب العسكري وعضو م. س. قلنا له ما هي الخطة وماذا سنفعل؟ شرح لنا بعض التفصيلات عن المواقع: اشقولكا التي سقطت ولحقتها ليوْجه وكاسكان، ولم يصلوا بعد إلى بولي، وإن هناك رفاقاً قرب القمة الصخرية كان بعضهم من الإعلام، وفي الجبال المحيطة وهم رفاق أثبتوا شجاعة نادرة، بعضهم استشهد، لكنه لم يقل أن هناك أية خطة أو ستراتيجية بعد دخولنا في حرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل، لكننا لم نعرف كيف نتخلّص منها.

وبعد نقاش شهده العديد من الرفاق، سواء من فصيل الإعلام أو من المكتب العسكري أو من الرفاق غير المسلحين، ومن كان موجوداً قرب المستشفى، قرّرنا جمع رفاقنا للتوجّه إلى قنديل بعد أن قالها أبو عامل وهو يكاد يبكي بأن علينا الانسحاب. كان رابط الجأش ومستقراً وهادئاً ولكنه حزين ومكتئب. قال له أحد الرفاق إذا كنتم تنوون المقاومة، فنحن هنا حتى الرمق الأخير، ولكن إذا قرّرتم الانسحاب فعلينا الإسراع!

قرّرنا عدم إبقاء أحد، حاولت أم خولة الاعتذار عن صعود الجبل معنا لأنها ذهبت واضطرّت إلى العودة وهي امرأة باسلة وصبورة، وحاول أبو انجيلا (ناصرية) البقاء لأنه مريض (مصاب بالربو الشديد) وليس بإمكانه المسير، لكنني "أجبرتهما" على الرحيل والمغادرة، وقلت لهما بالحرف الواحد، وهذا ما تكرّره أم خولة دائماً، "نموت في الطريق" أفضل من أن نقتل بطريقة الاستسلام. وهذا ما حصل حيث غادر الجميع المواقع بعد أن أبلغ الرفاق بالانسحاب. ونحن إذ نتجه بصعود قنديل فإذا بنا نشاهد في الجهة الثانية موقع الإذاعة ينفجر والنار تختلط مع العاصفة الثلجية، فيصعد لهيبها إلى السماء في لحظة غروب حزينة حيث كانت فيها السماء تنثر حبّات من الجليد الماطر، وكأنها أرادت أن تودّعنا ونحن نعتصر ألماً لمغادرة مواقعنا في ظرف عصيب وحالة انكسار. وبعد لقائنا بصارم ومجموعته شاهدنا عيونهم محمّرة من البكاء على عزيز فقدوه، وهو إذاعتهم "إذاعة صوت الشعب العراقي".

في الطريق التقينا بالرفيق عمر علي الشيخ والرفيقة أم بهار والصديق عبد الخالق زنكنة (كان من قيادة الحزب الاشتراكي الكردستاني آنذاك). وكانوا قد غادروا الموقع قبل ذلك ووصلوا إلى حوالي ربع الطريق واستقروا قليلاً، ولكننا أبلغناهم بأن بشتاشان تم احتلالها وانتقلنا سوية إلى مواصلة السير لأكثر من يوم (حوالي 30 ساعة) حتى وصلنا منطقة قريبة من مقرات حدك (الحزب الديمقراطي الكردستاني)، فحملتنا سيارات كبيرة إلى قرية قريبة من "قضاء خانة" المقابلة "لقرية بانة" العراقية ويفصل بينهما جبال شاهقة، وخلال بقائنا هناك كنّا نستمع إلى المدفعية المتقابلة، فهذه تطلق وتلك ترد. وبقينا في جامع (حوالي نصف ساعة)، واكتشفنا أننا في الأراضي الإيرانية، وكنّا قد التقينا بالملازم علي (الفريق علي حالياً) وتلك قصة أخرى.

سياسياً يمكنني القول أنه لم يكن لدينا خطة حين دخلنا المعركة، فقد انجررنا إلى بعض استفزازات أوك ولم تكن لدينا خطة حين تحالفنا في ظروف معقدة، خصوصاً في ظلّ الحساسيات التاريخية والأحقاد والضغائن والمنافسة على مواقع النفوذ، ولذلك لم يكن صحيحاً التحالف مع مجموعة وإهمال أخرى، لأن الأخيرة ستحسب التحالف ضدها.

وأستطيع القول بألم أيضاً أنه لم تكن لدينا خطة حين دخلنا معركة ثأرية (ثانية) في أيلول (سبتمبر) 1983 ضد أوك، وراح ضحية تلك المعارك التي لا مبرّر لها أكثر من 60 رفيقاً وجرحى وأسرى، قتل بعضهم كما نقلت الأخبار في حينها لا يمكن لسياسة تبنى على ردّ الفعل، وكان علينا التعلّم من تجربتنا السابقة، فقد دخلنا معركة ضد حدك وحملنا السلاح ضدها العام 1974، ولم يكن المستفيد من تلك المعارك سوى الحكومة العراقية، ثم سلّمنا سلاحنا بكل ممنونية للحكومة العراقية عقب الانتهاء من تصفية الحركة المسلحة الكردية في كردستان.

أتفق مع الرفيق عزيز محمد الذي قال إن أحداث بشتاشان لم تكن قدراً لا مردّ له كي يستشهد هذا العدد الكبير من الشهداء، لكنني لم أفهم عبارته التي تلت هذه الفقرة "فما حصل هو أمر مفتعل" وإذا كانت تلك خطيئة أوك كما قال، فهذا الأمر المفتعل نالنا منه ما نالنا، ولكن كيف إذا لم يكن مفتعلاً، بل مقصوداً ومخطّطاً، وأظنّه كذلك، لأنه كان مقدمة لتحالف بين أوك والحكومة العراقية اتضحت معالمه بعد أحداث بشتاشان وأعلنت لاحقاً في العام 1984، ذلك الذي لم يجب عنه الرفيق أبو سعود، فقد أصبح صدام حسين بالنسبة لهم "حكماً" وليس خصماً، وهو أمر سياسي له علاقة باختلالات توازن القوى.

ويقول الرفيق أبو سعود "أنا لم أكن مع الأسف الشديد موجوداً في كردستان في تلك الفترة. كنت وقتها في الشام، فقال أحدهم لو كنت موجوداً لما حدثت تلك الأحداث المأسوية، ولكنني لا أريد أن أتعكّز على ذلك الرأي، ومن الممكن أن يكون هذا الرأي صحيحاً"، لكن ذلك قدرية أخرى يحاول أبو سعود إمرارها في تبرير ما حصل، فالتحالفات والاصطفافات السياسية لها اعتبارات أخرى. صحيح إن شخصاً مثل أبو سعود بوزنه السياسي وثقله الأدبي يمكن أن يؤثر ويخفف من غلواء البعض، بما عُرف عنه من وسطية وتوفيقية وقدرة على احتواء بعض الاندفاعات، ولكن ذلك لوحده ليس العامل الحاسم، بل مصالح هذه القوى والحساسيات الموجودة بين القوى الكردية هي الأساس.

*****

المثقف وفقه الأزمة – ما بعد الشيوعية الأولى/ ح 15

حزبيون أساءوا للماركسية وخدموا العدو الرأسمالي والإمبريالي عن حسن نية

وكان علينا أن لا ندخل فيها وأن نكون حمامة سلام على رؤوس الجميع. أما تحالفنا مع حدك، فسيزعج الآخر، وهكذا العكس أيضاً، علماً بأن بعض ولاءات أو ارتياحات رفاقنا الأكراد توزّعت بين حدك وأوك. فهذا يدفع بهذا الاتجاه والآخر يدفع بالاتجاه المعاكس، وهم اليوم كذلك.

وإذا كانت مسؤولية أوك في شن الحرب وافتعال المعركة لأغراض سياسية، فإن الدخول في حرب ثأرية انتقاماً لأرواح الشهداء وكردّ فعل لما حصل لم يكن مجدياً، خصوصاً وأننا لم نكن مهيأين لمثل تلك المعارك وفي ظروف وصراعات المنطقة وعقدها، الأمر الذي زاد من خسائرنا المعنوية والمادية، وبالأخص من عدد شهدائنا وهم كوادر علمية ومتخصصة. هكذا دخلنا في معارك لا مبرّر لها، ناهيكم عن الجانب الارتجالي فيها وردود فعل وأوضاع المنطقة، في حين كانت القوات الإيرانية تجتاز الحدود العراقية وتبشّر بمشروعها السياسي والحربي.

لقد استبدلنا الثقافة الشيوعية المدنية العصرية الحديثة والتقدمية بثقافة الجمداني والشروال وشدّ البغال كما عبّر أحدهم في الجبال النائية، وأصبحت هناك معايير جديدة مفروضة على الرفاق غير المعايير الشيوعية، فيها الكثير من القيود العشائرية والقبلية والاجتماعية وجوانب عديدة من التعصّب والتطرّف والمبالغات والدخول في مزايدات، ناهيكم عن معايير متخلّفة لا يجمعها جامع مع الفكر الشيوعي.

وحين نقرأ التاريخ أو نتحدّث عن وقائع تاريخية عشناها أو اطلعنا عليها أو دققنا فيها، فالهدف ليس الانتقام أو الثأر أو الكيدية، أو إثارة الضغائن وروح البغضاء وتغذية الأحقاد، بل للاستفادة من الدروس والعبر التاريخية، وعدم التورّط مستقبلاً بمثل تلك الصراعات العبثية، وتجنّب الوقوع في الأخطاء والحساسيات التي تؤدي إليها.

وسبق للكاتب أن دعا وبأعلى صوته إلى التسامح والتعايش وإلى طي صفحة الماضي والبدء بحل الخلافات سلماً وبروح المشترك الإنساني والوطني، دون أن يعني ذلك مصادرة الحق في التقاضي واللجوء إلى القانون لتحقيق العدالة، والمساءلة عن الارتكابات أو طلب التعويض المادي والمعنوي، وقبل ذلك جبر الضرر ومعرفة حقيقة ما حصل، علماً بأن المصلحة الوطنية تقتضي المصالحة والتحلّي بأقصى درجات التسامح لتفويت الفرصة على جميع المتربصين، والحيلولة دون اندلاع أي صراع عنفي أو مسلّح من شأنه أن يلحق ضرراً بجميع الفرقاء وبالوطن والشعب بكل تأكيد.

لقد سبق للكاتب أن وجّه رسائل إلى كل من مسعود البارزاني وجلال الطالباني تدعو إلى المصالحة وعدم اللجوء إلى القوة لحلّ الخلافات السياسية واحترام الحقوق والحريات واعتماد الوسائل السلمية لإنهاء النزاع المسلح، وذلك بصفته الحقوقية ولعلاقته بالطرفين خلال فترة الاقتتال الكردي– الكردي (1994- 1998) وقد تلقّى من الطرفين رسائل تقدير على دوره ودور المنظمة العربية لحقوق الإنسان.

إن الوسيلة هي جزء من الغاية، ولكي تنسجم الوسائل التي نتوخّاها مع الأهداف النبيلة التي نطمح لتحقيقها، الأمر الذي يقتضي اختيار الوسائل السليمة لأنها ترتبط ارتباطاً عضوياً بالغايات الشريفة، مثلما هي علاقة الشجرة بالبذرة، فهذه من تلك مثل علاقة الأصل بالفرع حسب ما يذهب إلى ذلك زعيم المقاومة السلمية "اللاعنفية" في الهند المعاصرة المهاتما غاندي.

والشيء بالشيء يذكر ما هي خطّتنا عندما قررنا ترك البلاد؟ فقد خرج الحزب بقضه وقضيضه تقريباً إلى المنفى دون توجّه معيّن، وكانت عبارة "دبّر نفسك" هي السائدة. وإذا كان يُسجل لباقر ابراهيم وجاسم الحلوائي، أنهما بقيا إلى آخر ما يستطيعان لإخراج الغالبية الساحقة من الرفاق، فهل سنقول هذه خطة؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل هي خطة تفريغ العراق من الشيوعيين، لدرجة أننا الآن نبذل جهداً كبيراً عندما نريد التحدث مع مستمعينا أو من نلتقيهم أو نحاور بعضهم في بغداد وعدد من المدن العراقية عن تلك المرحلة، بسبب الانقطاع التنظيمي وابتعادنا عن ساحة الوطن، وهذا ما كان يفكّر به عامر عبدالله، وما كتبه في رسالته إلى عزيز محمد، كما استحق نقاشاً جدياً ومسؤولاً مع عدد من الرفاق في إطار مراجعات عامة وقراءات انتقادية سواءً في حينها أو ما بعد ذلك.

وهل كانت خطّة التجنيد شبه الإجباري سليمة أيضاً؟ أي محاولة "عسكرة الحزب" ودفع كادره الأساسي وجمهرة أعضائه إلى الجبال النائية، حين قُطعت دراسات الطلبة وهدّد العديد منهم بعضوياتهم إن لم يلتحقوا بالأنصار. إذا كان العمل الأنصاري شرفاً للشيوعيين، فلعلّه اختياري لكل قادر عليه. أما أن يُزج بالعوائل والنساء وعدد من المرضى وكبار السن وغير القادرين على حمل السلاح وفي ظروف قاسية، فلا أظن أن أحداً سيقول إنها خطّة إلاّ من يريد إحراز انتصارات وهمية. وقد غيّرت تلك الخطط وبعضها لم يكن بريئاً أو أخطأ في التقدير، من هوّية الحزب وأضعفت من استقلاليته وأثّرت على معنوياته وتوجهاته ونهجه وسياساته، وهو الأمر الذي تكرّس في المؤتمر الرابع، ولاسيّما إبعاد القيادات والكوادر المعارضة، لاسيّما من العرب.

ثم هل من الصحيح إرسال أعداد من الرفيقات والرفاق إلى الداخل دون مردود يُذكر، وفي ظل اختراقات كان يعرف بها الكثير من الرفاق الأنصار، ومع ذلك نستمر في تكرار التجربة بكل برودة أعصاب، ونخسر هؤلاء الشجعان الذين كان يمكن ادخارهم لمعارك حاسمة؟ والأكثر من ذلك حين يكون الوسطاء مشكوكاً بهم، وعلى الرغم من هواجس الرفاق فلا أحد كان يريد الاستماع أو التصديق لمخاوفهم وشكوكهم وقلقهم، على الرغم من الخسائر الفادحة وعلينا أن نتساءل من كان المسؤول عن ذلك؟ وما هي الإجراءات التي كان ينبغي اتخاذها بشأن هؤلاء الرفاق "العديمي المسؤولية" أو القليلي الإحساس إنسانياً.

كنت كلّما وصلتني معلومة أو سمعت خبراً عمّا جرى للرفيقات والرفاق الذين نزلوا إلى الداخل واختفى بعضهم إلى اليوم أو تعرضوا إلى ما لا يحتمل، وهو ما أسرتني به رفيقة وأخرى قدمت عرضاً لندوة حول التعذيب، لكنها لم تستطع متابعة حديثها بسبب حالة الانفعال الشديدة، التي أبكت القاعة، أقول كنت استذكر الروائي الروسي الكبير تولستوي، وروايته الشهيرة "الحرب والسلام"، خصوصاً ما ورد على لسان الجنرال كوتوزوف: إن أكثر المعارك تجري بأوامر من رجال يفتقرون إلى الكثير من المعلومات، لنصل إلى النهاية، الجنود البسطاء هم الذين يقتلون ويقاتلون، فيما الكبار يقرأون الخرائط ويصدرون الأوامر. وكم من هؤلاء كانوا بين ظهرانينا، وكم من المغامرات الحمقاء شهدناها وكم من المرّات التي قرأنا فيها التاريخ على نحو مخطوء؟

لم تكن خطط الطوارئ أو الخطط الأمنية لدينا سالكة، فقد عملنا بردّ الفعل دائماً وبمعارف شحيحة وفي ظل مغامرات بعضها بهلوانية. وآن الأوان لأن نتوجه على نحو جديد ومختلف لدراسة أخطاء الماضي، ولوضع خطط جديدة وتدقيقها وتجديدها حسب تطور الأوضاع، ووفقاً للمتغيّرات الكونية.

أختتم هذه الفقرة باقتباس من نشرة خاصة باللجان الحزبية حول تقييم أحداث بشتاشان، وهي صادرة عن المكتب السياسي بتاريخ 20 حزيران (يونيو) 1983، أي بعد نحو 50 يوماً من الأحداث المفجعة.

تقول النشرة الخاصة "وبصرف النظر عن الخطأ السياسي الفادح... (الموقف من الاتحاد الوطني الكردستاني)، فإن موقع بشتاشان كقاعدة خلفية غير ملائم... وقد جرى التداول في (م. س) لأكثر من مرّة في فترات مختلفة لحلّ مشكلة هذا التحشّد الخطر في بشتاشان، غير إن الأمر ظلّ دون إجراءات عملية".

وبعد أن تكشف النشرة التي صدرت تحت ضغط الكادر الحزبي والأنصاري

* إن موقع بشتاشان غير ملائم.

* وعدم اتخاذ إجراءات عملية إزاء التحشّد الكبير،

تمضي للقول:

* عدم وجود خطّة متكاملة للدفاع (...)

* عدم وجود خطّة للانسحاب (...)

* ضعف الجهاز الإداري.

* ضعف الجاهزية القتالية.

* ضعف الانضباط في مختلف المستويات (...)

وأعتقد أن ذلك كافياً كاعتراف من جانب أعلى هيأة قيادية في الحزب إزاء التخبط والارتباك وعدم الاستعداد الكافي لمواجهة الطوارئ، ناهيكم عن أبعادها السياسية. كانت بشتاشان حقاً تاريخاً مفصلياً كشف الكثير من نواقصنا وعيوبنا، لكن الأكثر من ذلك حين حاولنا الدخول في معركة ثانية، راح ضحيتها أيضاً عدد غير قليل من الرفاق بينهم الشهيد نزار ناجي يوسف (شقيق ثمينة ناجي يوسف أرملة سلام عادل)، ولكننا لم نحقق شيئاً يُذكر، أقول ذلك مع اعتزازي بالبطولة والبسالة التي أبداها الأنصار ودرجة تحمّلهم للصعاب والمشقات.

1- الماركسلوجيا وسرير بروست!

في تاريخها الطويل خسرت حركتنا الشيوعية والثورية الكثير من قادتها وكوادرها في صراعها مع العدو التقليدي، الرأسمالي الإمبريالي، وعلى يد القوى الرجعية والمحافظة التي ناصبتها العداء منذ تأسيسها، ليس هذا فحسب، بل أن خسارتها كانت مضاعفة في صراعها مع قوى وطنية، في احترابات ومنافسات، قادت إلى التنكيل بها ومحاولة استئصالها وإلغائها أو تهميشها وإضعاف دورها وتأثيرها، لكن تلك الخسائر مع العدو الطبقي والاجتماعي الخارجي والداخلي، قوّت الحركة وأكسبتها نفوذاً معنوياً كبيراً وصدقية عالية، خصوصاً باستشهاد قيادتي فهد وسلام عادل، وقد أسهمت تلك المواجهات وبطولات الشيوعيين ووطنيتهم في إعلاء شأن الحركة كقوة اجتماعية واعدة وأصيلة، لاسيّما بتمسكها بقيم الحداثة والعقلانية والعلمانية والعدالة الاجتماعية ومزاوجتها بين الأهداف الوطنية والاجتماعية، وإن حدثت بعض الاختلالات وبعض الافتراقات أحياناً الناجمة عن قراءات خاطئة وتقديرات مغلوطة، لكن خسارتها الأكبر كانت تأتي دائماً من داخلها ومن بعض طاقمها الإداري.

من أكثر الذين أساءوا للماركسية والشيوعية، هم بعض الشيوعيين من منتسبي الماركسية، فقد خدم هؤلاء حتى وإن كانوا عن حسن نيّة مصالح العدو الرأسمالي والامبريالي، من خلال تقديمهم للماركسية والشيوعية على نحو مشوّه وبعيد عن جوهرها الإنساني، ولعلّ بعضهم ألحق ضرراً تاريخياً بقضية الاشتراكية والتحوّل الاشتراكي ككل بإتباع أساليب تسلطية وتفريغ الاشتراكية من مضمونها الإنساني، ولا أظن إن أحداً سيشكّ بقيادة ستالين أو ماوتسي تونغ أو أنور خوجة أو بول بوت أو تشاوشسكو، أو حتى بقيادة منغيستو هيلا ميرام أو القيادة اليمنية في جنوب اليمن، وهذه كلّها ومعها قيادات أخرى عملت بشكل يتنافى مع أبسط المبادئ الشيوعية، ناهيكم عن القواعد الأساسية في الماركسية فضلاً عن القيم الإنسانية، وهي الأهم، لاسيّما بارتكاب الآثام والجرائم ما فاق العدو.

ولا شكّ أن هذه القيادات ظلّت جميعها تصرّ على حمل اسم الشيوعية والشرعية والحزب، بل وتتّهم أية انتقادات بالمروق والخيانة والتآمر وخدمة العدو الطبقي. إنها "ماركسية" ولكنها ضد الماركسية، هي تلك التي نطلق عليها اسم الماركسلوجيا أي استخدام التعاليم الماركسية على نحو نسقي مغلق وإفراغها من محتواها الإنساني وتحويلها إلى أوامرية زجرية بيروقراطية، بالضد من روحها الإنسانية.

هكذا اتُّهم تروتسكي ﺒ"يهودا الصغير" ومارتوف "بالنّمام الحقير" و"الكائن الخسيس"، واتهمت التجربة اليوغسلافية بما فيها من اجتهادات بالتحريفية القومية الضيقة الأفق، ونصبت محاكم أوروبا الشرقية الصورية لمحاكمة التحريفيين والخونة والجواسيس، وهكذا قُمعت انتفاضة دريزدن (ألمانيا الديمقراطية) العام 1953، وبعدها أطيح بانتفاضة بولونيا، ودخلت الدبابات السوفييتية المجر للقضاء على انتفاضتها العام 1956، وأعدم أمين عام الحزب أمري ناج الذي كان يدعو إلى "هنغاريا لها خصوصية على أسس الاشتراكية الديمقراطية"، مثلما تم احتلال تشيكوسلوفاكيا للقضاء على ربيعها العام 1968، وأبعد أمين عام حزبها الشيوعي ألكسندر دوبشك، ليعاد موظفاً في إحدى التعاونيات الصغيرة، وهو الذي دعا إلى "اشتراكية ذات وجه إنساني" وإلغاء مركزية الاقتصاد الصارمة وإلى الانفتاح والتخلص من تركة الحقبة الستالينية.

المأزق الحقيقي هو اليقينيات الراسخة، التي تذهب إلى التحريم والتجريم ضد الآخر وكان لينين قد تنبّه إلى خطورة الإجراءات التي اتخذتها حكومة البلاشفة بقيادته وذلك بقوله "على أنقاض المجتمع القيصري ارتفعت دولة عمالية مشوّهة بيروقراطياً".

 

صحافة وإعلام

مواقــــع

أخبار منوعة

الحكومة الفلسطينية تعقد الاجتماع الأول لها في غزة منذ 2014

News image

عقدت الحكومة الفلسطينية برئاسة رامي الحمد الله اليوم (الثلثاء) أول اجتماع لها منذ العام 201...

ستيفن بادوك، المشتبه بإطلاق النار في لاس فيغاس، كان مقامرا

News image

كان ستيفن بادوك، الذي تعتقد الشرطة أنه أطلق النار في لاس فيغاس، محاسبا متقاعدا ثري...

وفاة رئيس العراق السابق جلال طالباني عن عمر يناهز 84 عاما

News image

أعلن التلفزيون العراقي اليوم الخميس عن وفاة رئيس البلاد السابق والسياسي الكردي البارز جلال طال...

برلمان العراق يمهد لتعليق عضوية نواب أكراد شاركوا بالاستفتاء

News image

بغداد ـ كلف رئيس البرلمان العراقي سليم الجبوري خلال جلسة اعتيادية عقدها البرلمان، الثلاثاء، لجن...

مسلح ستيني يقتل 59 شخصاً ويجرح 527 شخصا في لاس فيغاس.. وينتحر

News image

قتل مسلح يبلغ من العمر 64 عاماً، 59 شخصاً، وأصاب 527 آخرين، أثناء حفل ...

ماتيس: واشنطن لديها "الكثير" من الخيارات العسكرية في الأزمة الكورية ونغيانغ تصف عقوبات الأمم المتحدة بأنها "عمل عدائي شرس، غير إنساني، وغير أخلاقي

News image

قال وزير الدفاع الأمريكي جيم ماتيس إن بلاده لديها "الكثير" من الخيارات العسكرية في موا...

المحكمة العليا العراقية تأمر بوقف استفتاء الأكراد ومناورات تركية على حدود العراق

News image

بغداد - أنقرة - قال الجيش التركي في بيان إن القوات المسلحة بدأت مناورات عسكرية عل...

مجموعة التجديد

Facebook Image

المزيد في دراسات

نماذج من أقوال الرئيس عبد الناصر، مفاتيح لقراءة الراهن العربي

د. ساسين عساف

| السبت, 7 أكتوبر 2017

  1-فلسطين   - "... وبدأت طلائع الوعي العربي تتسلّل إلى تفكيري وأنا طالب في المرحلة ...

القول الحديث في تاريخ مصر الحديث: الحكم العثماني في مصر بين الوثائق والاستشراق

محمد شعبان صوان

| الخميس, 5 أكتوبر 2017

ساد الحديث زمناً عن "الاحتلال العثماني" وبعضهم زايد بصفة "الاستعمار التركي" للبلاد العربية، ونال الق...

العقل الإسلامي وإشكاليات النهوض الحضاري*

د. عزالدين عناية

| الخميس, 5 أكتوبر 2017

  ثمة مفارقة يشهدها تاريخنا الراهن تسترعي الانتباه. في الوقت الذي تعيش فيه الساحة العربية ...

الفلسفة محبة، الفيلسوف باحث، التفلسف تجاوز

د. زهير الخويلدي

| الخميس, 5 أكتوبر 2017

  "لماذا نتفلسف؟ يبدو أن اللفظ يجاب عليه من ذاته: من أجل الحكمة (صوفيا) حيث ...

تونس المعاصرة

د. عزالدين عناية

| الاثنين, 18 سبتمبر 2017

  يُمثّل كتاب ستيفانو ماريا توريللي الصادر بالإيطالية بعنوان "تونس المعاصرة" قراءةً معمّقةً للأوضاع السياسية ...

الخروج من التاريخ

حسن العاصي

| الاثنين, 18 سبتمبر 2017

هل يعاني العرب استعصاءات فكرية مزمنة؟ إن أية نظرة موضوعية للواقع العربي الراهن تؤكد بما...

البرنامج التربوي في تجربة جون لوك الفلسفية

د. زهير الخويلدي

| الاثنين, 18 سبتمبر 2017

  "لا تستهدف التربية إلا تشكيل الإنسان، سواء بواسطة مدرسة الأحاسيس، أي العائلة، أو بواسطة ...

التساؤل عن الإنية والبيذاتية عند هيدجر وسارتر وكيركجارد

د. زهير الخويلدي

| الخميس, 31 أغسطس 2017

  تأليف روبار تيرفوداي1 ترجمة   هل يكون القلق، بالمعنى الهيدجري لهذا المصطلح، نبرة ...

سوسيولوجيا المثقّفين العرب في الغرب

د. عزالدين عناية

| الأربعاء, 30 أغسطس 2017

مرّت زهاء خمسة عقود على صدور النسخة الإنجليزية من مؤلف هشام شرابي "المثقفون العرب وال...

إشكاليات بناء الدولة المدنية والمواطنة في الدول العربية

د. ساسين عساف

| الأربعاء, 30 أغسطس 2017

كثيرة هي الدراسات التي تناولت اشكاليات بناء الدولة في الدول العربية، الدولة الديموقراطية والمدنية، دول...

"الاشتراكية بالخصائص الصينية".. واقع وتحديات

فتحي كليب

| السبت, 12 أغسطس 2017

في إطار التوجه العام للقيادة الصينية بالانفتاح على أحزاب وشخصيات شيوعية واشتراكية ويسارية بهدف وضع...

الأزمة المالية تعرقل مسار التنمية الاقتصادية

د. زهير الخويلدي

| السبت, 12 أغسطس 2017

"يتعلق الأمر بمنح الأولوية إلى قوى الإبداع والخلق والعمل. وينبغي القفز على العوائق والاحراجات الت...

المزيد في: دراسات

-
+
10
mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterاليوم30204
mod_vvisit_counterالبارحة38345
mod_vvisit_counterهذا الاسبوع157268
mod_vvisit_counterالاسبوع الماضي225854
mod_vvisit_counterهذا الشهر648824
mod_vvisit_counterالشهر الماضي1063018
mod_vvisit_counterكل الزوار45711212
حاليا يتواجد 3686 زوار  على الموقع