موقع التجديد العربي

للتواصل عبر البريد الإلكتروني: arabrenewal2002@gmail.com 

 
  • default color
  • green color
  • blue color
حصيلة شهداء قصف الإحتلال على غزة ترتفع إلى 4 ::التجــديد العــربي:: لبنان يتحرك للاعتراف بالقدس عاصمة لفلسطين ::التجــديد العــربي:: قمة اسطنبول تدعو إلى الاعتراف بالقدس عاصمة لفلسطين ::التجــديد العــربي:: بوتين يأمر بانسحاب جزئي للقوات الروسية من سوريا ::التجــديد العــربي:: 25 إصابة خلال مواجهات مع الاحتلال شرق قطاع غزة ::التجــديد العــربي:: نائب الرئيس الأميركي يؤجل زيارته للشرق الأوسط ::التجــديد العــربي:: هنية يدعو إلى تظاهرات «غضب» أسبوعية في خطاب امام مهرجان ضخم نظمته الحركة لمناسبة الذكرى الـ 30 لانطلاقها ::التجــديد العــربي:: عراقيون يكسبون دعوى تعويض ضد جنود بريطانيين خلال الحرب في العراق ::التجــديد العــربي:: أطباء بلا حدود: أكثر من 6700 من مسلمي الروهينجا قتلوا خلال شهر ::التجــديد العــربي:: مصر وروسيا توقعان اتفاقية لبناء أول محطة مصرية للطاقة النووية ::التجــديد العــربي:: السعودية تضخ 19 مليار دولار لإنعاش النمو في القطاع الخاص ::التجــديد العــربي:: الشارقة تطلق الدورة العشرين لمهرجانها الدولي للفنون الإسلامية ::التجــديد العــربي:: مكتبات صغيرة مجانية تنتشر في شوارع القاهرة ::التجــديد العــربي:: خسارة الوزن بوسعها قهر السكري دون مساعدة ::التجــديد العــربي:: استخدام الأجهزة الذكية قبل النوم يعرّض الأطفال للبدانة ::التجــديد العــربي:: بطولة اسبانيا: برشلونة يستعد جيدا لمنازلة غريمه ريال مدريد ::التجــديد العــربي:: ريال مدريد يتخطى الجزيرة الى نهائي مونديال الأندية بشق الأنفس 2-1 ::التجــديد العــربي:: فض تظاهرة قرب السفارة الأميركية في عوكر - لبنان بالقوّة ::التجــديد العــربي:: استمرار مسيرات الغضب رفضاً لقرار ترامب بحق القدس المحتلة ::التجــديد العــربي:: لليوم الرابع الإنتفاضة مستمرة... 231 مصابًا في مواجهات مع الاحتلال ::التجــديد العــربي::

المثقف وفقه الأزمة - ما بعد الشيوعية الأولى... (ح 6+7+8+9+10)

إرسال إلى صديق طباعة PDF

 

المثقف وفقه الأزمة - ما بعد الشيوعية الأولى... (ح 6)

جهة وهمية تعمم أسماء شخصيات مرموقة قابلت القذافي بقصد الإساءة إليها

وقد ضمّنت تلك المعلومات في كتابتي عن جورج حبش في جريدة السفير اللبنانية، "الاستثناء في التفاصيل أيضاً"، وذلك بمناسبة رحيله، العام 2008، وقد طلب مني مناضلون فلسطينيون وأصدقاء أعزاء من اللبنانيين إعادة طبع الكرّاس الذي صدر العام 1986، مع تضمينه المعلومات الوافرة عن حيثياته، خصوصاً وأن الكاتب يدعى ييرجي بوهاتكا وهو اسم مستعار كما تأكّد الكاتب من ذلك، وتلك قصة أخرى سوف أحاول كتابتها عن إعداد الكرّاس لطبعة جديدة. وكان الإيرانيون قد طلبوا ترجمته العام 2001 خلال زيارتي إلى طهران على رأس وفد لحضور المؤتمر التحضيري ضد العنصرية الذي انعقد في ديربن العام نفسه، لكن تأخر كتابتي مقدمة جديدة له حال دون ذلك. آمل أن يسعفني الوقت لإعادة طبع كرّاس "مذكرات صهيوني"، مع المقدمة الجديدة التي وعدت بها لفيف من الأصدقاء.

وحين صدر كتابي عن الجواهري الكبير "جدل الشعر والحياة" كتب على نحو سريع أحد "الأصدقاء" مقالة يتعرّض للكتاب والكاتب بنوع من التجريح والإساءة بطريقة انفعالية غير مسبوقة، ولم يكتف بذلك، بل شمل مقدّم الكتاب الدكتور عبد اللطيف أطيمش، بتجريحه، (وكان من المؤمل أن يكتب مقدمة له الشاعر بلند الحيدري، لولا رحيله المفاجئ) وذهب أبعد من ذلك حيث شتم صاحب دار النشر "الكنوز الأدبية" وهو كاتب ومناضل سياسي مرموق "عبد الرحمن النعيمي" واسمه الحركي حين ذاك "سعيد سيف"، في حين كان يُحتفى بالكتاب وبالجواهري الكبير من جانب نخبة فكرية وأدبية، ضمّت: الشاعر محمد علي فرحات (الحياة) والأديب محي الدين اللاذقاني (الشرق الأوسط) والمؤرخ والدبلوماسي نجدت فتحي صفوت والمؤرخ والباحث جليل العطية، والشاعر عبداللطيف اطيمش والعازف أحمد مختار وكاتب السطور، وذلك في ديوان الكوفة كاليري في لندن مطلع العام 1997، وبحضور حشد عربي كبير.

وبعد انتهاء الأمسية بعدة أيام اتصل بي محمد علي فرحات من صحيفة الحياة وطلب مني إذا كنت أرغب بالردّ على كاتب مقالة التجريح، فاعتذرت، وحاول إقناعي بأنه المسؤول عن الصفحات الأدبية، لكنه عندما تم نشر تلك المقالة المسيئة على حد تعبيره كان مجازاً، فقلت، له إن أسلوب الهجوم لم يبقِ شيئاً يمكن الحوار عليه أو بخصوصه، ولا أدري كيف ذهب الهجوم إلى تناول بعض استشهاداتي بالكاتب والمفكر حسن العلوي، الذي لم يسلم هو الآخر من التجريح، وقد ردّ العلوي في حينها بمقالة عميقة دفاعاً عن الكتاب والكاتب وعن لغة الحوار، وكان رأيي الذي سبق وأن بينته في كتابي عن الجواهري، يعتبر حسن العلوي من أفضل من كتب عنه. إن الذين كتبوا عن الجواهري لم يكونوا من معسكره، وهو نقد مشروع، حاول كتابي عن الجواهري "جدل الشعر والحياة" الصادر في حياة الجواهري، محاولة سدّ النقص في هذا المجال، خصوصاً وهو امتداد لجهد طويل مع الجواهري، الذي توّج بصدور كتابي الموسوم "الجواهري في العيون من أشعاره" في العام 1986 بالتعاون مع الجواهري الكبير، الذي كتب له مقدمة للشباب العربي الموجّه إليه الكتاب.

ولأنني كتبت عن القضية الكردية ودافعت عن حقوق الشعب الكردي، ولاسيّما في المنظمات الدولية واستحصلت على عدد من القرارات لصالحه، ولفكرة حق تقرير المصير، فضلاً عن تأييدي لفكرة الاتحاد الفيدرالي (والموضوع لا علاقة له بالفكرة الدارجة حول تأييد القيادات السياسية الكردية التي هي مثل غيرها تخطأ وتصيب)، فهناك من ذهب للنيل من آرومتي العربية، بالقول إنه من أصل إيراني، ومن الفيلية، بل وهو "شعباني" وليس شعبان، وهي عائلة "نكرة" استأجرت الكيشوانية في مقام الامام علي، وهي مهنة لا يرتضيها العرب، علماً بأن آل معلّة وهم عائلة عربية عريقة هي المختصة بالكيشوانية في حضرة الإمام علي، كما أن العوائل التي خدمت بفرامين سلطانية من الدولة العثمانية كلها عوائل عربية بالكامل، وينسى هؤلاء المتعصبون أياً كان أصل الإنسان وقوميته فهو بشر يتساوى مع غيره والإنسان بعمله أولاً وقبل كل شيء وبما يقدّمه لما ينفع الناس.

ولعلّ الدافع السياسي هو الذي يقف وراء مثل تلك المحاولات من الافتراء، وخصوصاً لمن ليس مطّلعاً، إن أصل العائلة يعود إلى اليمن وإلى جبل النبي شُعيب وعنهم أخذت العائلة لقبها "الأشعوب"، و"الشعبانيون" و"بني الشعبان" "وآل شعبان"، وهم من "حمْيَر القحطانية" حسبما جاء في العديد من الكتب الموثقة بينها كتاب: ماضي النجف وحاضرها لجعفر محبوبة. ومنذ الشيخ عامر الشعبي وبعده الشيخ الأمين محمد الحسين شعبان والشيخ علّيان شعبان، الخازن بالمشهد الغروي، اكتفينا بلقب شعبان ولم نستخدم التذييل الطويل: الحميري القحطاني، وهو ما درج عليه العلاّمة الشيخ يحيى سديد الدين شعبان والشيخ عبد الرحمن شعبان مسؤول إدارة الحرم العلوي الشريف، والعلاّمة الشيخ محمد حسين شعبان والعلاّمة الشيخ جابر شعبان والشيخ أحمد شعبان والشيخ عبدالله شعبان نائب السادن ورئيس الخدمة في حضرة الإمام علي والشيخ محمد شعبان وهو الجد الثامن للكاتب، وهو ما تؤكده الفرامين السلطانية الثلاثة لدى العائلة وشجرتها ومتفرعاتها، واحتفظت العائلة برئاسة الخدمة "سر خدمة" في حضرة الإمام علي منذ قرون.

وخلال أربعة عقود من الزمان نشرت ما يزيد على ثمانية كتب عن القضية الفلسطينية والصراع العربي- الإسرائيلي، وكان آخرها بعنوان "لائحة اتهام- حلم العدالة الدولية في مقاضاة إسرائيل" وإذا بكاتب صهيوني يزعم أنه يساري وهناك يسار صهيوني بالطبع، يتصدّى لي ويكتب أكثر من مقالة جاء عنوان إحداها: على من يتستر عبد الحسين شعبان؟ وجوهر مقالاته وهجوماته تعريض لكتاباتي ضد الصهيونية كعقيدة عنصرية وممارسة استعمارية استيطانية إجلائية.

قبيل سقوط القذافي وخلال احتدام المعارك بينه وبين الثوار نشرت جهة مجهولة قوائم قبض لشخصيات وجهات عربية بعضها كان قد استقبله القذافي أو دعاه للقاء عشية اختياره رئيساً للقمة العربية وقد ذهبت لمقابلته مجاميع عربية من مصر وسوريا ولبنان وفلسطين والأردن والعراق وموريتانيا وتونس والمغرب، إضافة إلى اتحاد المحامين العرب ونقابة محامي بيروت ونقابة محامي طرابلس وجهات مهنية مختلفة وكذلك المؤتمر القومي العربي وغيرها، وقد حُشرت في هذه القوائم بعض الأسماء باعتبارها تتسلم رواتباً ومساعدات من القذافي، وقد قامت هذه الجهة الغامضة وغير المعلومة بإرسال هذه القائمة التي ضمّت شخصيات عربية مرموقة أكثر من عشرين مرة إلى مئات العناوين في البريد الالكتروني، ونشرتها على عشرات المواقع الالكترونية، ناسبة الخبر إلى مركز دراسات الشرق الأدنى، الذي قالت أن مقره في لندن.

بعد تدقيق وتمحيص واستفسار وسؤال من جانب الروائية والكاتبة العراقية اليسارية هيفاء زنكنة، تبيّن أن الجهة وهمية وأنه لا وجود لهذا المركز المزعوم، وقد بادرت هي بحسّها الإنساني ومعرفتها بأساليب الدعاية السوداء بتعميم رسالة باسمها تؤكد فيها أنها قامت بالبحث فلم تجد أي أثر للمركز المشار إليه ولا للجهة التي بثّت الخبر ونشرته على نطاق واسع، وبالمناسبة فلم يعرف أحد من الليبيين أي شيء عن تلك الفريّة المفتعلة، وقد تلمّست ذلك خلال زيارتي إلى طرابلس وبنغازي في شهر كانون الأول (ديسمبر) العام 2012 بدعوة من رئيس الوزراء علي زيدان ووزارة الخارجية الليبية للمشاركة في احتفال تكريم الشخصية الليبية الوطنية منصور الكيخيا (زميلنا في المنظمة العربية لحقوق الإنسان)، وقد ألقيت كلمة في الاحتفال إلى جانب رئيس الوزراء ورئيس المؤتمر الوطني محمد المقريف ونائبه د. جمعة بو عتيقة وممثل الأمم المتحدة طارق متري ومحمد فايق. كما ذهبت بطائرة خاصة إلى بنغازي مع زوجة الفقيد الكيخيا السيدة بهاء العمري وابنه رشيد وشقيقه محمود ومعنا جثمان الكيخيا بعد أن تم التأكّد من الحمض النووي في معهد دولي خاص أُنشئ لهذا الغرض في سراييفو، واتضح بأنه توفي في العام 1997. وقد دفن بعد موكب تشييع وتوديع وطنيين، حيث تم تنظيم احتفالية له، وهناك أيضاً ألقيت كلمة في الساحة التي انطلقت منها الثورة ضد نظام القذافي العام 2011.

وقد سبق لي أن كتبت عن منصور الكيخيا كتاباً (نصفه باللغة العربية والنصف الآخر ترجمته إلى اللغة الانكليزية) بعنوان "الاختفاء القسري في القانون الدولي- الكيخيا نموذجاً" وصدر الكتاب في العام 1998، وكان الكيخيا قد اختفى خلال المؤتمر الثالث للمنظمة في القاهرة "10 كانون الأول/ ديسمبر 1993"، كما أنتجنا عنه فيلماً بعنوان "اسمي بشر".

أقول ذلك لأنني أعرف مقاصد الحرب النفسية التي تشنها أجهزة دولية مختصة وتوكلها إلى بعض عناصرها وتقوم هذه الأخيرة بترويجها بأسماء مستعارة، وأحياناً بصفاقة وغباء باسمها باعتبارها حقائق، وذلك لاستدراج بعض السذج أو الذين لا يعرفون بواطن الأمور ودوافع وأهداف تلك الجهات السرية، خصوصاً إذا كانت تستهدف قوى وشخصيات غير مرغوبة من جانب واشنطن وحليفتها "إسرائيل"، وللأسف فإن بعض أصحابنا من قام بترويج ذلك أيضاً، وكانوا بعلم أو دون علم "أدوات" لتنفيذ سياسات جهات مشبوهة.

الوقت من ذهب

قلت لمحاوري الرفيق شوكت خزندار "أبو جلال" الذي استوضح مني بعض الأمور ووجه إليّ أسئلة مباشرة لنشرها على شكل حوار بروح المسؤولية والشفافية كما عبّر وذلك في العام 2005 ما يلي: وكنت قد اعتبرت ذلك استثناء عن المبدأ العام الذي أتمسك به، وهو عدم الانجرار إلى أية معركة لا تملك مواصفات المعركة الفكرية والسياسية والثقافية، وتهبط بمستوى النقاش والجدل إلى مستوى الشتائم والاتهامات والشكوك، والتركيز على ما هو فكري وسياسي وثقافي، ولعلّ في أي صراع أو خلاف حضاري لا بدّ من إبراز ما هو عام، خصوصاً مناقشة الآراء والأفكار والمواقف في حوار معرفي يتّسم بالرزانة والوقار، وأي نقاش أو جدل سوف لا يكون له قيمة تُذكر إنْ لم يتحلّ بمثل هذه المواصفات.

إن سبب إحجامي أو عدم رغبتي في الردّ يعود أيضاً إلى الأجواء المحمومة السائدة، التي صاحبتها إساءات ومهاترات وتعريض شخصي. فقد كنت دائماً وربما الآن أشدّ حساسية بسبب العمر إزاء المعارك المفتعلة والتجريحية لقناعتي بعدم جدواها، فضلاً عن إن لا وقت لديّ لأضيعه في الترهات أو "القيل والقال" أو المشاكل الثانوية والشخصية. ما تبقّى لي من وقت وجهد أريد أن أستثمره على نحو مفيد ومثمر، ولهذا أحافظ عليه ولا أرغب في تبديده أو هدره، فالوقت كالسيف كما يقال إنْ لم تقطعه قطعك.

أعرف مسبقاً أن الذي يشتغل في العمل العام، ينبغي عليه ارتداء جلد تمساح، فنحن نتعامل مع بشر، وليس قديسين أو أنبياء، وهناك بلا أدنى شك تعقيدات حياتية وسياسية وأمراض اجتماعية ونفسية وتباين وتفاوت في المستويات والأولويات، ناهيكم عن التربية والبيئة العائلية. قسم منهم يجهلون الحقائق والوقائع، لعلّ عذرهم جهلهم، وأستذكر هنا قولاً أثيراً للإمام علي "الإنسان عدو ما جهل"، وبعضهم ما زال يعيش على ثقافة الحرب الباردة، ويعتبر أي اختلاف عداء وتناحر وإلغاء، خصوصاً في ظل يقينيات ثابتة ومستقرة حدّ التحجّر أحياناً، وثنويات جاهزة: الخير والشر، التقدّم والتخلّف، الوطني والخائن، (مع الكفاح المسلّح، ضد الكفاح المسلح) مع الاحتلال وضد الاحتلال، مع الحصار وضد الحصار، مع الفيدرالية وضد الفيدرالية، مع الديمقراطية، ضد الديمقراطية، مع حقوق الأكراد أو ضدها (مع الحزب وضد الحزب، مع الثورة وضد الثورة)، بعض هؤلاء لا يستطيعون أن يروا التداخل والتفاعل والخطوط الموصولة والمتشابكة.

العقل التركيبي

في العهد الملكي تستطيع أن تستقطب الشارع سريعاً، عندما تهتف عاشت الحرية لتتمكّن من تجميع جمهور يشعر بالاستلاب ليسير خلفك. أما اليوم فلا أحد يسير خلفك إنْ رفعت الشعار نفسه. الصورة اليوم معقدّة ومتناقضة ومتداخلة. الثنوية تبسيطية وتسطيحية للأمور. أنت بحاجة إلى عقل تركيبي وليس تبسيطي. عليك الإلمام بظروف الصراع وتفاصيله وتداخلاته.

تستطيع أن تركّب ما يلي: أنت ضد الاحتلال، ولكنك ضد الديمقراطية وضد التقدم وضد حقوق المرأة وضد حقوق الإنسان. أو أنت ضد الاحتلال ولكنك في الوقت نفسه مع الاستبداد والدكتاتورية. بالنسبة لي أعتبر مثل هذه الوطنية ناقصة. (أو) أنت مع الاحتلال أو مهادناً له، ولكنك مع الديمقراطية والحداثة وحقوق المرأة وحقوق الأقليات، فوطنية من هذا النوع بالنسبة لي قاصرة ومقيّدة، بل مغلولة، حتى وإنْ ارتدت الثوب الديمقراطي (أو) أنت ضد الاحتلال ومع الديمقراطية والتقدم وحقوق الإنسان، هنا تكتمل الوطنية بالديمقراطية.

*****

المثقف وفقه الأزمة - ما بعد الشيوعية الأولى/ ح 7

بعض البعثيين يدافعون عن مآسي الماضي وجروه وارتكاباته بحجة خطر الاحتلال

الوطنية بدون ديمقراطية تقود إلى الدكتاتورية والاستبداد. أما الديمقراطية بدون وطنية فتقود إلى الاستتباع وقبول هيمنة الأجنبي. الديمقراطية والوطنية لا بدّ أن يكون لهما فضاء إنساني. هذه هي حصيلة التجربة التاريخية، فالدكتاتورية رغبت أو لم ترغب ستنتهي إلى معاداة الشعب وستسهّل للطرف الآخر الامبريالي التسلّل والتسرّب، خصوصاً لمعاداة الديمقراطية وكبت الحريات. وكان جون كنيدي الرئيس الأمريكي الأسبق ومعه "تروست الأدمغة" والعقول قد صرّح بصدد الصراع الآيديولوجي مع المعسكر الاشتراكي بنظرية بناء الجسور، التي ستعبرها الأفكار والبضائع والسواح لمجتمعات مغلقة تعاني من القهر السياسي وقمع الحريات والاستئثار بالسلطة وغياب التعددية والتداولية السلمية.

القضايا مركّبة ومعقدة ومتداخلة ولا يمكن تبسيطها، ماذا تقول بمن يبرّر الاستبداد وأساليبه القمعية بما فيها التشويهية بصورة مباشرة أو عبر بعض ذيوله في السلطة وخارجها أحياناً (البعثيون مثلاً)، وفي الوقت نفسه يريد المزايدة بأنه ضد الاحتلال، ولكنه يريد عودة الماضي أيضاً، بل يمارس نوعاً من الابتزاز الفكري من خلال إساءات لمجرد نقد التجربة الماضية وهذا ما حصل.

الموقف من الاحتلال سليمٌ لكنه ناقص أو غير كاف. وإذا لم يتم إعادة النظر بالموقف من الاستبداد ومصادرة حق الشعب وتحديد مسؤولية إيصال الأمور إلى ما وصلت إليه، فإنه والحالة هذه لا يتحمل المسؤولية الأساسية عن الماضي حسب، بل يتحمل جزءًا من مسؤولية الحاضر ولا وسيلة تمكّن الاحتلال من الاستمرار غير التشبث بالماضي وأساليبه. لا يكتمل الموقف الوطني من الاحتلال أو غيره إن لم يتزاوج ويتلاقح مع الموقف الديقراطي.

أنا معجب بموقف السيد مقتدى الصدر من رفضه الاحتلال، لكنني لا أخفي تحفظي من موضوع إسلامية الدولة التي يدعو إليها ومن مواقفه من حقوق المرأة والتقدم الاجتماعي، ولا يمكنني كمثقف مستقل إلّا أن أنتقد هذا الموقف علناً، ولكن ليس من موقع عدائي، مثل ما أنتقد كل موقف لا يتخذ رأياً صريحاً وواضحاً من قضية الديمقراطية وحقوق الإنسان والمبادئ الدستورية في الدولة العصرية، كما أنتقد بشدة كل موقف أو جهة تدعو صراحة أو ضمناً لاستمرار الاحتلال أو تسهيل مهمته، سواءً كانت هذه مواقف لقوى يسارية أو قومية كردية أو إسلامية.

هذه وظيفة المثقف كما أعتقد، ولست هنا بصدد عقد تحالف سياسي لتتم الترضيات وتبويس اللحى والسكوت عن القضايا المبدئية أو الدعوة لتأجيلها بحجة وجود الاحتلال. ولعلّ هناك فارقاً بين حقوق الشعب الكردي الذي أتعاطف مع معاناته السابقة وبين مواقف قيادة الحركة الكردية. وبالنسبة لي فإن الموقف من الاحتلال ومشروعه والتوجّه الديمقراطي هو أحد عناصر الافتراق في الرؤية والمعيار.

البعض يريد تملُّق بعض القوى مثلما تريد هي استخدامه، وذلك عن طريق ما يعرف بنظرية "التخادم". هي تريد من يشتم الآخرين الذين يتصدّون للمواقف الخاطئة التي ما تزال متمسكة بها، عن طريق الإرهاب الفكري، إذْ تطلب من الجميع السكوت عن الماضي إنْ لم ترغب في تمجيده. البعض يريد استغلال هؤلاء الضعفاء، خصوصاً وإن الفشل السياسي يلعب دوراً في ذلك، ناهيكم عن عزلة سياسية خانقة يعيشونها، فيتطوّع للنيل من الآخرين أو الانتقاص منهم، سواءً بإدراك أو وعي أو دون معرفة عواقب مثل هذا التورّط على الصعيد السياسي والأخلاقي، ناهيكم عن إمكانيات الملاحقة القانونية.

المسألة أصبحت معروفة ولا يمكن التغطية عليها، فهؤلاء محكومون بعوامل مختلفة، بعضهم استنفذ دوره وليس له ما يفعل سوى النيل من أي جهد أو موقف مستقل، خصوصاً تلك المواقف التي لا تعتمد الرؤية التبسيطية التسطيحية للأمور، بل تتجاوزها لرؤية مركّبة ومتداخلة مما يدفع المحكومين بنظرية المؤامرة الكبرى وادعاء معرفة الخفايا والأسرار لاجتزاء هذا الموقف وتلك الجملة أو ذلك التصريح وتحميله ما لا يحتمل. إن ذلك يحتاج إلى خيال روائي لا يخلو من أمراض وعقد وكوابيس، كلها تشكل رؤيته المتهلوسة وتعكس أزمته هو ومشكلته مع الواقع.

أعرف إن للاستقلالية أثماناً باهظة في مجتمعاتنا، التي اعتادت على الاستكانة وعدم التفكير واعتبار الرأي المستقل خروجاً عن المألوف وربما مروقاً وانشقاقاً يستحق التخوين والإدانة، فالسير مع الجماعة وفي ظلهم، إنّما يشكل حماية وغطاءً. السير مع القطيع يجنّب الفداحة والنقد بكل السهولة والتبسيطية...

أنت مع الماضي وضد الحاضر وتريد التبرير، وترفض كل شيء جديد لأنه لا ينتسب إليك، ولا تستطيع أن ترى الجوانب الايجابية في الظاهرة المعقّدة، المركّبة، السلبية من حيث اتجاهاتها العامة والتي تعارضها وتقاومها، لكنك كباحث ومستقل لا يمكن أن تهمل الظواهر الجديدة وتتركها دون دراسة أو تمحيص، كما إن عليك الإقرار ببعضها إنْ كان ايجابياً.

سيعتبر كلامك عن حرية التعبير وحق تأسيس الجمعيات المهنية والسياسية وحق التظاهر والإضراب والكتابة والنشر وكأنه "تزويق" للاحتلال. هكذا يفكّر العقل التبسيطي، خصوصاً ممن ينتمي إلى الماضي أو من ذيوله (من البعثيين والمستفيدين من النظام السابق)، مثلما كانت تفكّر المعارضة المتعاونة مع الولايات المتحدة، فهي لا تستطيع أن ترى شيئاً ايجابياً واحداً في الماضي وظلت محكومة بعقدها، بل إنها اعتبرت كل دعوة لرفع الحصار الدولي الجائر أو منع العدوان على العراق، وكأنه خدمة للنظام السابق، حتى وإنْ بعض القوى الوطنية ظلّت دعوتها مائعة بخصوص الحصار الذي طالبت برفعه شرط تشديده على النظام، وفي حين يكون الجزء الأول من الشعار بنبرة خافتة، يطغى الجزء الثاني من الشعار الذي يشمل استمرار الحصار.

السياسي لا ينبغي أن ينطلق من عقده أو من إخفاقاته أو من خصوماته، فالكراهية شيء ذميم، ولا يمكنها أن تصنع شيئاً، وهي ما تقود صاحبها إلى الوقوع في دائرة الفساد الفكري والأخلاقي أحياناً، والإصابة بتشوّهات وعقد تاريخية لا يمكن الشفاء منها آلاّ بترويض النفس واعتماد التسامح والاعتراف بالآخر منهجاً وسلوكاً. ولهذا سوف تكون الأحكام والتقديرات المبنيّة على الكراهية والكيدية والحقد لا قيمة لها، لأنها تنطلق من رؤيةٍ تسقيطية مسبقاً تعكس الأزمة الأخلاقية لأصحابها وعقدهم النفسية وستكون هذه أكبر وأخطر إذا ما رافقها فشل سياسي أو مهني أو شعور بالدونية الاجتماعية.

تركيبية المشهد

لقد كنت من معارضي النظام السابق سياسياً وحقوقياً لاحقاً وبأعلى صوتي ودون أن أختفي وراء أسماء وهمية، وكنت ضد حربه على إيران عام 1980، ولكن عندما سحب الجيش العراقي قواته من الأراضي الإيرانية، لم يعد هناك مبرّر لاستمرار الحرب التي كانت في البداية هجومية عدوانية من جانب العراق. وعند انتقال الحرب إلى الأراضي العراقية كنت من أوائل الذين صرّحوا وعملوا في العديد من المحافل العربية والدولية إلى الأخذ بنظر الاعتبار التغييرات التي طرأت على طبيعة الحرب، وأدّت إلى أن تصبح هجومية عدوانية من جانب إيران ودفاعية وطنية من جانب العراق، وتحدثت عن ذلك في لقاءات ومؤتمرات وندوات وأعددت ملفات نشرتها صحف ومجلات كثيرة.

الموقف المعارض لا يقدّم الحزبي أو الطارئ أو المؤقت، على حساب الوطني والثابت والاستراتيجي، فالوطن هو القضية الأكبر والأهم. يريد البعض (من البعثيين) اليوم الدفاع عن الماضي بكل ارتكاباته ومآسيه وجروحه على مستوى الدولة والسياسة وانتهاك حقوق الجماعة والفرد، بحجة إن الخطر هو الاحتلال، ولهذا ينبغي السكوت عن كل شيء أو تأجيله، وكأن المسألة صفقة سياسية دون أن يدركوا إن نقد أخطائنا وتجربتنا كفيل بوضع أرجلنا على الطريق الصحيح، وأي علاقات بدون مكاشفة ونقد ذاتي وشفافية ستعيدنا القهقري.

بعض "رفاقنا" الشيوعيين لا يريدون نقد الماضي وما حصل من إرهاب فكري وسياسي على يد المقاومة الشعبية عام 1959 وما حصل من مجازر في الموصل وكركوك وغيرها. ما زال بعضهم متشبثاً بتعليق كل شيء على شمّاعة القوى الأجنبية وشركة النفط والقوميين والبعثيين "المتآمرين"، وينزّه نفسه من تلك الآثام والارتكابات. وكنت قد تناولت تلك المراجعة والنقد الذاتي في أحاديث وكتابات، لعلّ بعضها قد نشر في كراس عام 1994 بعنوان "بعيداً عن أعين الرقيب"، مما ثارت ثائرة البعض ضدّي وهو أمر طبيعي لمن ظلّ يبرّر الماضي ويتشبّث به. وكنت قد سبقت ذلك في ندوةٍ في ديوان "الكوفة كاليري" متحدثاً بنقد لتجربتي الشخصية تحت عنوان "محطّات بين الثقافة والسياسة". (ويمكن مراجعة مطالعتي بشأن موضوع أحداث الموصل كركوك “المأساوية” في ردّي على رسالة جاسم الحلوائي) وكذلك في مداخلتي الموسومة: فضاء الشيوعية وهواء الصندوق.

البعثيون يرمون كل شيء (حصل في العراق وأدّى إلى احتلاله) على عاتق المؤامرة الخارجية والقوى المتعاونة معها وينسون ما قاموا به هم وما قالوه. كلامهم عن مبرّرات الحرب والإجماع المصطنع بشنها وبالانسحاب، وكذلك الإجماع المصطنع بقصة غزو الكويت عام 1991، ثم الانسحاب منها والرواية الرسمية السمجة عن "قيام حركة ثورية للإطاحة بآل الصباح"، ثم الإلحاق والضم، ثم الانسحاب والموافقة بالإجماع بعد الدخول في حرب محسومة النتائج سلفاً، وفيما بعد جاء مسلسل القرارات الدولية المجحف والمذل، كيف تحولت الدولة إلى مهرّبٍ وكيف تنازلت التنازل تلو التنازل للقوى الخارجية، لكنها لم تقدم أي تنازل للشعب بإشاعة الحريات وتطبيع الحياة السياسية وتحقيق المصالحة الوطنية والتخلي عن أساليب الاستبداد والاستئثار بالعمل السياسي.

ولا أريد هنا أن أتبجّح الآن من إنني كنت رغم معارضتي أرفع صوتي عالياً في المحافل العربية والدولية ضد الحصار وضد القرارات الدولية المجحفة، ولا أريد أن أبالغ هنا أيضاً من أنني كنت أكثر الداعين والناشطين لرفع الحصار، وأذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر كتابان صدرا لي عام 1994 الأول بعنوان "عاصفة على بلاد الشمس" والآخر بعنوان "بانوراما حرب الخليج- وثيقة وخبر" الأول تضمن فصلاً عن الحصار وتأثيراته، والثاني تم تكريسه بالكامل لتفنيد الحجيّة القانونية للقرارات الدولية وللولايات المتحدة التي تقف وراءها، ومحاضرات ألقيتها في لندن وتونس والمغرب ومصر والأردن وعواصم أوروبية، ناهيكم عن عشرات المقالات ومئات التصريحات والأحاديث الصحافية والإذاعية والتلفزيونية وغيرها.

وبهذه المناسبة أستحضر أيضاً ثلاث مواقف تحدثت فيها ضد الحرب على العراق على المستوى الدولي وهذه على سبيل المثال لا الحصر. الأول، إلقائي خطاباً باسم المجموعة العربية التي ضمت 13 وفداً في طهران ندّدت فيه بخطط الحرب والحصار وتناولت معاناة شعب العراق وفلسطين {كنت المتحدّث العربي الوحيد من المجتمع المدني الذي تحدث أمام الحكومات، باسم اتحاد المحامين العرب ومنظمة التضامن الآفرو- آسيوي واتحاد الصحافيين العرب ومنظمات مهنية ومراكز أبحاث ودراسات متنوعة “2001”}.

وكذلك مساهمتي المعروفة في التحضير لمؤتمر ديربن (جنوب افريقيا 2001) حول العنصرية والذي أدان الصهيونية واعتبرها شكلاً من أشكال العنصرية والتمييز العنصري، وبالمناسبة فقد كنت الأمين العام للجنة العربية لمناهضة الصهيونية والعنصرية ومن مؤسسيها في أواسط الثمانينات، وكذلك مداخلتي في سيؤول (كوريا الشمالية 2002) التي أثارت ردود فعل أمريكية شديدة عن موضوع الحرب على العراق ومحاججتي من موقع قانوني للقرارات الدولية وبخاصة الهدر السافر والصارخ لحقوق الإنسان الذي سبّبه نظام العقوبات الدولية. (وكانت مادلين أولبرايت قد حضرت المؤتمر).

ولعلّي أستذكر هنا كراسة صدرت عام 1999 بعنوان "العراق تحت الحصار" وهي ملخّص لحوارات شاركنا فيها الدكتور وميض جمال عمر نظمي وأنا بحضور نخبة مصرية متميّزة في مركز البحوث العربية والأفريقية، وقال حلمي شعراوي مدير المركز في تقديمه: لدينا رؤيتان لمفكرين عراقيين معارضين أحدهما في الداخل والآخر في الخارج. ويحضرني الآن ندوةً هامة أقمتها في لندن باسم المنظمة العربية لحقوق الإنسان بعنوان "الحصار الدولي والواقع العربي وحقوق الإنسان" في عام 1998 وفتح علينا هذا باب النقد والتشهير وهو نقد لا يقلّ عن النقد والتشهير دناءة الذي حاول بعض الضعاف ترويجه.

وفي كل الظروف والأحوال أحاول ألاّ أنطلق مما هو ذاتي أو شخصاني، إذْ رغم كل ما تعرّضت له إلاّ أنه لم يمنعني اتخاذ الموقف الوطني الذي ينسجم مع قناعتي، فمثلاً رغم اكتشافي إن أجهزة النظام كانت تدبّر خطة لاغتيالي في كردستان، وقد ألقت السلطات الكردية القبض على المنفّذين وأطلعني الأخ كريم سنجاري (وزير الداخلية لاحقاً) على جوانب منها، لكن ذلك لم يحول بيني وبين الموقف الوطني من الحصار، وكذلك رفض موضوع ضرب العراق.

كما إن التنكيل بعائلتي واعتقال أفرادها جميعاً بما فيهم والدي ووالدتي وإخضاعهم لرعب مستمر على مدى يزيد عن عشرين عاماً لم يقف بيني وبين الموقف الوطني السليم الذي كان عليّ اتخاذه رغم كل الآلام والعذابات.

السياسي والمثقف لا ينبغي أن يتعامل مع الأمور من موقع الانتقام أو الحقد أو الضغينة، لأن الكراهية إذا ما سيطرت عليه ستحكمه وتجرّه إلى مواقف لا يريدها، بل ستلحق ضرراً به ولا أحد يدعي امتلاكه الحقيقة كاملة ولا أحد لا يخطئ وكل القوى السياسية مارست الإقصاء والعزل والاستئصال، ولذلك كنت وربما تلك إحدى دروسي الشخصية ضد الإلغاء والإقصاء والاستئصال والعزل تحت أية حجة كانت.

*****

المثقف وفقه الأزمة - ما بعد الشيوعية الأولى/ ح 8

كردستان قاعدة الحب الأساسية قد شعرت بمحاولات علي وتهميشي فرجعت إليها

ومثلما كنت ضد إجراءات الحكومة السابقة بقيادة حزب البعث لإلغاء الآخرين وتحريمهم وتجريمهم بقوانين وقرارات تعسفية بما فيها ملاحقتهم بأثر رجعي، كما حصل لحزب الدعوة الإسلامي (العميل) كما سمّاه القرار الصادر في 1980/3/31 كنت في الوقت نفسه ضد قانون الاجتثاث الذي أصدره بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي في العراق، وأول من صرّح ضده من موقع معارضة هذا القانون الإستئصالي لحقوق الإنسان.

أنا ضد العزل السياسي، لأن الفكر لا يجابه إلّا بالفكر والحجّة تواجه بالحجّة والدليل بالدليل وليس بقوة القانون أو بالتحريم أو بالتجريم المسبق على نحو جماعي وأخذ البريء بجريرة المذنب. المرتكبون مكانهم قاعات المحاكم ومنصّات القضاء، وعدا ذلك فأي إجراء سيؤدي إلى ردود فعلٍ ستكون نتائجها سلبية على الحراك السياسي والاجتماعي.

لاحظ أن القوى السياسية جميعها تقريباً مارست العزل السياسي ونهج الانفراد والإقصاء وآن الأوان للإقرار بالتعددية الفكرية والسياسية والثقافية، ونبذ أساليب الماضي الاستئثارية وتحريم استخدام السلاح والعنف وسيلةً لفضّ النزاع بين الأحزاب والقوى الوطنية.

العهد الملكي خصوصاً في الخمسينيات وعشية إبرام حلف بغداد حاول إلغاء المعارضة. ثم جاء رفاقنا الشيوعيون وحاولوا إلغاء الناصريين والقوميين والبعثيين عام 1959 وهمّشوا دور الديمقراطيين والليبراليين والإسلاميين، وحين وصل البعثيون إلى السلطة أصدروا بيان رقم 13 يوم 8 شباط (فبراير) 1963 القاضي بإبادة الشيوعيين، وصفّوا قيادات الحزب وكوادره وزجّوا آلاف المواطنين بالسجون مستخدمين جهاز "الحرس القومي"، ثم لاحقوا الحركة الكردية وشنّوا الحرب ضد الأكراد.

وبعد انقلاب عبد السلام عارف ورغم الانفراج النسبي إلاّ أنه تم احتكار العمل السياسي من جانب (الاتحاد الاشتراكي العربي) وحرمان الآخرين منه. الحركة الكردية هي الأخرى مارست العزل السياسي في كردستان عام 1970- 1974 وكذلك خلال عملية الاقتتال الكردي- الكردي عام 1994- 1998، ثم جاءت المناصفة بين الحزبين. بل إن أحدها استعان بإيران والآخر بالحكومة العراقية (الأخوة الأعداء)، لبسط نفوذه على حساب الآخر.

وبعد عام 1968 رغم الانفتاح في السنوات الأولى إلاّ سياسة القضم التدريجي كانت مستمرة ابتداءً من تصفية التنظيم البعثي الموازي (مجموعة سوريا)، إلى القيادة المركزية، إلى الحركة القومية والناصرية، إلى الحركة الكردية بعد الاستبشار ببيان 11 آذار (مارس) التاريخي عام 1970، إلى الحزب الشيوعي وبقية الهوامش السياسية بعد انفراط عقد الجبهة الوطنية عام 1978/ 1979، إلى الحركة الإسلامية بمختلف تياراتها.

الحكام الجدد بمساعدة الاحتلال يريدون اجتثاث البعث، بل يتهمون المقاومة ومن يدعمها بالارتباط بالنظام السابق، وذلك في محاولة لعزلها وإبعادها عن قوى وتيارات داعمة، واستخدام الابتزاز السياسي والإرهاب الفكري وسيلة للتعريض بالخصوم السياسيين.

ثمن التعبير عن الرأي

على صعيد التجربة الشخصية كنت باستمرار ضحية التعبير عن آرائي ومواقفي سواءً داخل الحزب الشيوعي أو خارجه، علماً بأنني لم أعمل خارجه، فالمنبر كان امتداداً لتيار الحركة الشيوعية، وبخصوص العمل في المؤتمر الوطني، فهو عبارة عن تحالف سياسي أي (تجمّع ضم منظمات وأحزاباً وشخصيات) اجتمعت في مؤتمر فييّنا حزيران (يونيو) 1992 وصلاح الدين (إربيل) تشرين الأول- تشرين الثاني (أكتوبر- نوفمبر) 1992 حيث دخلته الغالبية الساحقة من القوى السياسية العراقية (الحركة الكردية بحزبيها الرئيسين وأحزاب أخرى والحزب الشيوعي والحركة الإسلامية ممثلة بحزب الدعوة والمجلس الإسلامي الأعلى ومنظمة العمل الإسلامي وأحزاب إسلامية أخرى، إضافة إلى تجمعات قومية وديمقراطية وإسلامية صغيرة وشخصيات متنوعة).

وبسبب مواقفي المنشورة والمعلنة من ضرب العراق والموقف من الحصار وترسيم الحدود ونقد الارتهان للقوى الخارجية حصل الاحتكاك بيني وبين القوى المتنفذة في المؤتمر، والمتعاونة مع الولايات المتحدة، والتي اعتبرتها (مهادنة) للحكومة العراقية (لاحظ هنا المفارقة العجيبة ولكن يبدو إن الذين لا يستسيغون الرأي الحر والمستقل، يرضعون من ثديّ واحد حتى وإنْ كانوا من مشارب مختلفة). أما المجموعة التي تدافع عن الماضي وارتكاباته وذيولها فتعتبر الرأي الحر والمستقل دفاعاً عن الاحتلال، والعنصر المشترك هو التشكيك والاتهامات الجاهزة.

لكنني لم أكترث وواصلت مواقفي وكنت أول من استقال من المؤتمر لأسباب سياسية (عندما تقاطعت الرؤية وأصبح التوافق صعباً، بل يكاد يكون مستحيلاً خصوصاً بسبب الموقف من الحصار والاستعانة بالقوى الخارجية، بل والارتهان لإرادتها) وليس لأمر يتعلق باختلافات ثانوية أو إدارية أو مالية، كما بيّنت ذلك في مذكرتي التي قدمتها بعد سلسلة مناقشات طويلة في نيسان- أيار (إبريل- مايو) ثم في تموز (يوليو) 1993، والمنشورة في مجلة الملف العراقي التي كان يصدرها غسان العطية.

التعبير عن الرأي كان أقرب إلى أسئلة تداهمني باستمرار ولا يروي ظمأي أجوبةً لا أراها شافية وكان قلقي وإرهاصاتي الداخلية تكبر معي، ولعلّ لظروف النشأة والتكوين والروافد الروحية والمدينة والعائلة... كل ذلك كان عنصراً محرّكاً إضافة إلى البحث عن الحقيقة، بل والتفتيش عنها، بما يقتضي التعبير عن الرأي والجدل واتخاذ موقف. كان ذلك يجلب لي بعض المتاعب، لكنني الآن سعيد بها لأنها كانت صميمية ومبكرّة في حين كنت أرى كيف يتعلّم الآخرون فن الصمت، كنت أنا مجاهراً ومحاوراً ولدي مواقف باستمرار حتى وإنْ كان بعضها خاطئاً.

أذكر لك حادثة طريفة حين تساءلت في اجتماعٍ ضمّ نخبة بينهم صفاء الحافظ وسعيد اسطيفان وجوهر شاويس وهناء أدور وحميد بخش وسهيلة السعدي وخليل الجزائري وكريم حسين وخالد السلام وحميد برتو ونوزاد نوري ومهدي الحافظ الذي كان قد أصبح عضواً في ل. م وآخرين (أرجو أن لا أكون قد أخطأت في أحد الأسماء) هل أن السوفييت هم يريدون الجبهة الوطنية أم هو رأي القيادة؟ ثم ما هي الضمانات للحريات والديمقراطية؟ عندها ثارت الدنيا وبعد أخذ الاستراحة جاءني حميد بخش (أبو زكي) وطلب مني تقديم اعتذار في بداية الجلسة التالية، لأن الأمر جد خطير... (وفيه تعريض بالسوفييت) حاولت أن أناقشه، لكن الأمر كان بلا جدوى، وطلبت الكلام عند بداية الجلسة اللاحقة، ولكنني بدل "الاعتذار" ثبّت رأيي الأول وزدت عليه من خلال التوضيح، بأن هذا الموقف عرضه أحد أعضاء المكتب السياسي في اجتماع رسمي كنت أحضره، وكنت قد ناقشت الرفيق بوجهة نظري لضمان استمرار أي تحالف لا بدّ من توفّر عنصري الثقة والحريات، إضافة إلى الحق في النقد وقلت إن ذلك من مسؤوليتنا ونحن أعرف بظروفنا ولا بدّ من وضع ذلك في سلّم أولوياتنا.

ومرّة أخرى عبّر أحد أعضاء ل. م. في اجتماعٍ قائلاً: نحن نقدّم المعلومات للرفاق بالقطّارة ويأتي فلان ليضعها كلّها على الطاولة. من أين له هذه المعلومات التي تشكك برأي الحزب وكيف يتجرأ على قولها أمام رفاق بمستويات مختلفة؟

في السبعينيات تعرّضت إلى أكثر من عقوبة حزبية بعضها غير معلن، وفي الثمانينيات نحيّت من جميع المسؤوليات وذلك بسبب الرأي. كان الشائع إن الذين يرفضون الذهاب إلى كردستان يعاقبون، أما أنا فإن إصراري على العودة إلى كردستان رغم مرضي آنذاك كان سبباً في انفتاح الصراع على المكشوف مع القيادة الرسمية، رغم عدم قناعتي بخطة ما يسمّى بالكفاح المسلح، لكنّني تلمّست محاولات عزلي وتهميش دوري واستشعرت أمراً مبيتاً للحركة تمهيداً لتصفية المعارضة الداخلية وعقد المؤتمر الرابع. اعتقدتُ إن بإمكاني أن ألعب دوراً أفضل في كردستان قاعدة الحزب الأساسية آنذاك بعد أن توضّحت الصورة أمامي كاملةً. حوسبت واعتبرت مخرّباً وان إصراري على العودة هو دليل رغبتي التكتلية والتخريبية.

وكنت قبلها قد رفضت عروضاً مغرية بتسلّم أعلى المواقع والمسؤوليات: اليوم إلى عضوية اللجنة المركزية وغداً إلى المكتب السياسي، فيما إذا وافقت على التعاون مع الكتلة المتنفذة بقيادة عزيز محمد- فخري كريم، لكنني رفضت ذلك لاعتبارات سياسية وأخلاقية وقرّرت خوض الصراع علناً ودون مواربة أو اختفاء وراء بعض الأسماء، وهكذا حسم البعض موقفه وظلّ البعض الآخر متردّداً، ينتظر نتائج الصراع بين مجموعة المنبر وبين القيادة الرسمية، وكانت عينه وهو يشجّع المنبر على النشر، على قيادة عزيز محمد، عسى أن تعيده إلى مواقعه، بل إن بعض هذه العناصر استثمر ضد المنبر الذي أصدر جريدة وكراريس وأعلن مواقف وكوّن علاقات عراقية وعربية وعالمية واسعة.

المنبر: خيار لم يكتمل

المنبر كان محاولة فكرية وسياسية علنية للصراع شارك في التأسيس أربعة رفاق، ثم صدر بيان باسم الرفاق الستة حول الحرب العراقية الإيرانية بعد اجتماعاتهم في براغ، وتوسّعت دائرته فيما بعد لتشمل عشرات الكوادر المثقفة. وقد صدرت جريدة باسم المنبر من بيروت وكان عددها الأخير من لندن أواخر العام 1990 (أما العدد التجريبي “صفر” فقد صدر من فيينا). لقد تبنّى تيار المنبر بعض القضايا المبدئية الصحيحة وقدّم اجتهادات ومواقف صائبة، لكنه هو الأخر عانى من أخطاء فادحة ولم تكن تلك بمعزل عن أمراض المركز المنافس.

لقد قلتُ في نقد التجربة منذ سنوات طويلة، عندما تشكّل تيار المنبر كان لكل منّا أجندته الخاصة على الرغم من المشتركات التي تجمعنا وهي كثيرة، ولذلك بعد حين حصل التعارض بين الخاص والعام، خصوصاً عندما استنفذ التيار أغراضه. لقد حاولنا تقديم قراءة جديدة للماركسية في ضوء تجربتنا العربية والعالمثالثية ودعونا للتجديد واتخذنا موقفاً انتقادياً من الماضي، خصوصاً في موضوع التحالفات وقدّمنا رؤية جديدة للقضية الفلسطينية، كما اتخذنا موقفاً مسؤولاً إزاء أساليب الكفاح والمغامرة والبيروقراطية.

واتّخذ تيار "المنبر" موقفاً وطنياً صريحاً وواضحاً ضد المشروع الحربي والسياسي الإيراني بعد انتقال الحرب إلى الأراضي العراقية، لكن مراهنة البعض على السلطة في حينها أوقعنا في إشكالات زادها إصراره على العودة بطريقة فردية. وكان الاتجاه العام يعتقد بعدم جدوى مثل هذه الحلول، وإن السلطة لم تغيّر أساليبها وهي غير مستعدّة للتراجع عن أخطائها، بل إن غرورها دفعها لمغامرة جديدة باحتلال الكويت وتعريض العراق واستقلاله الوطني ومستقبله والأمة العربية كلّها لمخاطر حقيقية، وقد تكون مروّعة وهو ما جاءت الأيام على إثباته سواءً بشن الحرب على العراق بحجة "تحرير الكويت"، ومن ثم فرض حصار دولي وعقوبات جائرة عليه طحنت عظام العراقيين لمدة 13 عام تحضيراً للعدوان ومن ثم الاحتلال البغيض.

لو سألتني الآن بعد مرور نحو 20 عاماً (الحوار في العام 2005) عن تجربة "المنبر" هل أنت نادم عليها، لقلت لك كلاّ، ولكنني أخطأت حين اندفعت فيها، في حين كان البعض يمدّ خيوطه باتجاهات مختلفة، البعض مع السلطة والبعض الآخر مع القيادة الرسمية، وهو ما انكشف لاحقاً في حين أنني خضت الصراع بنيّة وتوجه صادقين ولاعتبارات مبدئية، وبشجاعةٍ قد أعتبرها اليوم اندفاعاً كان يمكن أن تكلفني حياتي وربما مستقبلي. كان بإمكاني التعبير عن رأيي من موقع مستقل وليس كجزء من كيان لا يختلف كثيراً عن الأصل.

وكان الرفيق أبو جلال قد سألني عن دوري في المنبر الشيوعي ولماذا توقّف، وهناك أقاويل وأحاديث تتردد بين بعض الشيوعيين على عودة الوئام والمصالحة بينكم وبين حميد مجيد موسى (الأمين العام الحالي) والأمين العام السابق عزيز محمد وعضو م. س السابق فخري كريم: ما مدى صحة ذلك؟ وهل تطمح في موقع قيادي في الحزب الشيوعي؟ ثم ما هو رأيك بالقيادة الحالية وموقفها من الاحتلال؟

واختتم سؤاله بسؤال فرعي بقوله: ألا تفكّر بتجميع قوى اليسار الحقيقي مع آخرين، لأن فكرة اليسار أصبحت بعد سقوط المعسكر الاشتراكي تعني الانتقال إلى حضن واشنطن والمعسكر الغربي بحجة "التجديد" وعدم وجود ثوابت؟

وقد أجبت عن هذا السؤال بالتالي وأنقله حرفياً:

نستولوجيا الشيوعية

أما عن الأقاويل والأحاديث حول عودة الوئام والمصالحة بيني وبين قيادة الحزب الممثلة بحميد مجيد موسى وعزيز محمد وفخري كريم، فأود أن انتهز هذه الفرصة للقول إنه رغم خلافاتي الشديدة، لم تنقطع صلتي بالقيادة الشيوعية وكذلك بالقيادة الكردية والإسلامية، رغم أنني وضعت مسافةً واضحةً وبالخط الأحمر بعد الاحتلال، لكن العلاقة قائمة ومستمرة وفي الوقت نفسه النقد قائم ومستمر بكل الفترات.

كنت ألتقي عزيز محمد وحميد مجيد موسى وكريم أحمد ورحيم الشيخ وكمال شاكر وسامي خالد وجلال الدباغ وملاّ حسن وآخرين من القيادة عند زياراتي العديدة إلى كردستان لإلقاء محاضرات في جامعة صلاح الدين "لطلبة الدراسات العليا" وأتبادل معهم الرأي وأناقشهم. وكنت قد كتبت رسالة إلى الرفيق حميد البياتي "الأمين العام" حول موقف الحزب من الحرب وشجعته على اتخاذ موقف أكثر حزماً وأكثر وضوحاً، خصوصاً وأن هذه الحرب ستجرّ الويلات على العراق والمنطقة، ولكنني لم أتلقّ جواباً، ورسالتي محفوظة وسأنشرها في الوقت المناسب، كما وجهت رسالتين إلى البارزاني والطالباني بالاتجاه ذاته، لكنني لم أتلقّ جواباً أيضاً على غير العادة، ولعلّي أدركت حجم الالتزامات السياسية والدولية وما يرتّبه جوابهم على رسالة مثقفٍ متعطش للحقيقة يعيش همّ وطنه بدقائقه. رسالتي إلى الحزب الشيوعي سلّمتها باليد إلى سلم علي (عضو م. س) ورسالة أوك سلمتها إلى فؤاد معصوم، أما رسالتي إلى حدك، فقد سلمتها إلى سيامند البنّا.

*****

المثقف وفقه الأزمة - ما بعد الشيوعية الأولى/ ح 9

رأيت في عزيز محمد شخصية قادرة على التوفيق بين الفرقاء ولكن للعمر أحكاماً

وتسألني هل أطمح بموقع حزبي؟ وأجيبك لقد عُرض عليّ مثل هذا الموقع قبل نحو ربع قرن يوم كان الموقع مغرياً والاتحاد السوفياتي والحركة الشيوعية في عنفوان ظاهري والامتيازات يسيل لها لعاب الكثيرين، وحيث كانت أغلبية القيادات والكوادر "تبلع" ألسنتها، كنت أنا أرفض تلك الصفقات التي اعتبرتها وكأنها امتداداً لسوق الشورجة أو سوق الحميدية، وذلك لاعتبارات أخلاقية ومبدئية.

كنت في العام 1980 ومنذ قدومي من العراق مسؤولاً عن العلاقات الوطنية وممثل الحزب في العلاقة مع القيادة السورية، ونُسّبت مع عبد الرزاق الصافي لتمثيل الحزب في الجبهة الوطنية (جوقد)، ومنسّقاً للجنة الوطنية العراقية للسلم والتضامن، وفي كردستان كنت مسؤولاً عن منظمة الإعلام المركزي وعضو مكتب العمل الآيدولوجي المركزي، وعضو هيئة تحرير الإذاعة، ومشرفاً على تنظيمات الشبيبة والطلبة في لجنة التنظيم النقابي المركزي وعضو في لجنة الإعلام المركزية للجبهة الوطنية الديمقراطية وغيرها، وبعد أن رفضت الصفقة التي كانت تشترط قطع صلتي ببعض الرفاق (وبالتحديد عامر عبدالله ونوري عبد الرزاق ومهدي الحافظ) وعدم معارضة السياسة السائدة تم تنحيتي من جميع هذه المسؤوليات. إذا كان هذا ما رفضته سابقاً فكيف أقبله الآن، خصوصاً إن مياهاً كثيرة قد مرّت من تحت الجسور كما يقال.

العلاقة الخاصة والودية مسألة إنسانية، ولا أذيع سراً إذا قلت إنني أصبحت أرى في عزيز محمد شخصيةً وطنية عامة وله دور مهم على صعيد كردستان ويستطيع أن يلعب دوراً توفيقياً بين الفرقاء، ربما لم يكن بمستطاعه أن يلعبه لو بقي أميناً عاماً للحزب الشيوعي. (ولكن للعمر والأوضاع السياسية استحقاقاتهما، ولو راجعنا كتاب "المثقف في وعيه الشقي"، سنلاحظ النقد الموضوعي لبعض القيادات والتفريق بين ما هو شخصي وما هو عام).

وحول القيادة الحالية والسابقة للحزب بمن فيهم معارضوها، فإنه يمكنني القول وبإخلاص وتجرّد الآن، إنها كانت ضعيفة التأهيل، قليلة المعرفة، متلقية وغير مبادرة وتفتقر في الكثير من الأحيان إلى الشجاعة الأدبية، ناهيكم عن تسلطيّتها وبيروقراطيتها، ولربّما يعود قسم من ذلك إلى ظروف العمل السري، وكبت الحريات والملاحقة، لكن ذلك لا يمنع من القول بنضاليتها وتفانيها ودرجة تحملّها الصعاب.

أذكر هذه الأمثلة السريعة، وأكتفي بالحديث عن ظواهر مرضية في العلاقات السياسية والثقافية، وخصوصاً إزاء الرأي الآخر وهي تعكس فقه الأزمة، وفقه الواقع المأزوم، الذي أثرّت فيه انزياحات الثقافة لصالح السياسة، التي استخدمتها وسيلة للقمع الآيديولوجي وتحطيم المخالفين، ومرّة أخرى أقول: من حق أي شخص الكتابة والنقد والتصويب والتصحيح والمعارضة، فما قيل ويقال وما كتب وما يكتب، سواء من جانب الكاتب أو أي كاتب آخر، وهو اجتهاد قابل للنقض والاختلاف والإضافة والحذف، ولا يزعم أحد أنه يمتلك الحقيقة كاملة.

كما أن الكاتب يعفي نفسه من الانزلاق، إلى التعامل بالمثل بشأن التجريح والإسفاف بالإساءة الشخصية ورد "الصاع صاعين" وهو قادر على ذلك، وهناك الكثير الذي يقال في هذا المجال، لكنه يربأ بنفسه من الانجرار إلى هذا المستوى ويشعر بالأسف لمن يفقد الحجة والرأي من التورّط فيه، بما يرتّب من مسؤوليات قانونية. وأعود لأتناول ظاهرة عامر عبدالله كمفكر إشكالي.

القسم الثالث

المثقف والرقم الصعب

1. المثقف واختزالات السياسة!!

لم يكن عامر عبدالله تفصيلاً عابراً في الذاكرة الشيوعية والوطنية العراقية، لكي نتعامل معه بإلقاء نظرة عجلى وكأنه أحد الأرقام السهلة التي عبرت من بوّابة "القيادة"، فنحن منذ نصف قرن تقريباً، وكلّما أردنا العودة إلى فترة الخمسينيات أو الستينيات أو السبعينيات وحتى فترة الثمانينيات لا يمكننا إلاّ أن نتوقّف عند عامر عبدالله، ودوره ومساهماته، سواء بالإيجاب أو بالسلب كما دأبت الدعاية الحزبية الموجّهة حسب الارتياحات والظروف.

كما لم يكن عامر عبدالله مجرد عضو في اللجنة المركزية أو المكتب السياسي، فقد مرّ من هذه القناة أو ما يقاربها كثيرون، حتى دون أن نتذكّر أسماءهم ومواصفاتهم، لأنهم لم يتركوا أثراً يُذكر، سواء على الصعيد الفكري أو الوطني، دون أن يعني الانتقاص منهم أو من أدوارهم التي قاموا بها، لكنها بشكل عام تظلّ محدودة وبعضها غير معروف، وفي أحسن الأحوال مقتصرة على دائرة حزبية ضيقة، في حين شغل عامر عبدالله الساحة الفكرية والسياسية طولاً وعرضاً، اجتهاداً وتنظيراً، جدالاً واختلافاً، صراعاً وسجالاً، قبولاً ورفضاً، وترك بصمته المميّزة سواء على المستوى العراقي وإلى حدود غير قليلة على المستوى العربي، وأحسب في جزء منه لم يكن بعيداً عن دائرة البلدان الاشتراكية وأحزابها الحاكمة ومنظماتها العالمية، فقد منح جوائز وأوسمة، وكان حضوره فاعلاً، فلم يحظ زعيم شيوعي بالكتابة في صحيفة البرافدا (الشيوعية السوفيتية)، وفي وقت مبكّر سوى عامر عبدالله وعدد محدود من القيادات العليا، وكان قد كتب في العام 1957 مقالتين بقلم خالد محمد.

بدأب قلّ نظيره سعى عامر عبدالله لتطوير وتجديد أطروحاته تبعاً لتطوّر الأحداث والظروف، فلم يكن جامداً أو نصّياً قياساً بغيره، كما لم يكن مدرسياً مؤطراً ببعض الضوابط التي لا يستطيع الفكاك عنها، فقد اجتهد وحاول التفكير بحرارة المناضل واجتهاد الباحث، أخطأ أم أصاب. وكان من الذكاء بمكان بحيث يستطيع التقاط الجوهري من الأشياء، في التركيب والتجريب، لدرجة المغامرة أحياناً، غير هيّاب من الأخطاء أو تغيير المواقف والآراء، وفي كل ذلك كانت اللمعة الإيحائية شديدة الحضور، حيث تجد طريقها إلى مواقفه وكتاباته المكثفة والغنيّة، فلم يترك وسيلة الاّ وطرقها محاولاً التواؤم بين الجانب النظري والجانب العملي.

وبقدر استشرافه المستقبل، فقد كان ينطلق من الواقع ويحاول فهمه وتحليله وهو ما دعاه منذ وقت مبكّر لاقتراح ذلك على سلام عادل لاستبدال تاكتيكات الحزب من الكفاح السلمي حسبما قرّر كونفرنس العام 1956 إلى الكفاح العنفي، حين اشتدّ عنف السلطة وحلف بغداد الاستعماري بعد انتفاضة العام 1956 فوافق عليها سلام عادل بعد مناقشة مستفيضة، وعرضها على القياديين الذين اقتنعوا بها، وهكذا جرى تعميمها لتصبح سياسة رسمية، كما أن عامر عبدالله لم يهمل التاريخ، على معرفته بمكر هذا الأخير ودهائه، سواء كان تاريخنا العربي- الإسلامي أو التاريخ العالمي.

وامتلك عامر عبدالله جرأة تكاد تكون استثنائية، وهو وإن كان واحداً أحياناً، لكنه يشعر أنه جمعٌ وكيانية وحضور، حتى وإن جار الزمان عليه في سنواته الأخيرة، حيث رحل حزيناً ومكسوراً، يوم واجه ذلك الزائر الثقيل وحيداً، وكأن هذا الغادر الأخير الذي ظلّ يغالبه لسنوات طويلة، لم يستطع الدخول عليه إلاّ خلسة ومخادعة، وهو في ذلك الليل البهيم.

لقد فهم عامر عبدالله السياسة باعتبارها تجسيداً أعلى للثقافة والفكر، وتلك إحدى الاشكاليات المزمنة التي عانى منها المثقفون الحزبيون، خصوصاً في مواجهة البيروقراطية الحزبية، وغالباً ما كان يحدث الافتراق بين اليومي والاستراتيجي، والآني والبعيد المدى، لأن رجل الفكر غير الداعية السياسي أو المبشّر، ورجل السياسة المؤدلج غير رجل الفكر المنفتح، والصورة التعارضية تتكثف بين الحزبي الذي يتلقى التعليمات وبين صاحب الفكر الذي تكون مهمته إنتاج الأفكار، ففي حين ينظر الأول إلى المعادلة بطريقة حسابية، يحسب الثاني معادلته من خلال التأمل، ولعلّ قليلين من جمعوا الفكر بالسياسة أو اجتمعت فيهم مزايا الفكر وبراعة السياسة، وإن تغلّبت بعد حين أحدهما على الأخرى، لكنه ظل ينهل منهما ويلاقح بينهما كلّما كان ذلك ممكناً.

عامر عبدالله: الظاهرة المثيرة

يعتبر عامر عبدالله ظاهرة مثيرة في إطار الحركة الشيوعية العراقية، ولذلك فالكتابة عنه، إنما تعني الكتابة عن مفكر ماركسي وشيوعي مخضرم، ولد مع بدايات تأسيس الدولة العراقية، وعاش مراحل تطوّرها المختلفة. ولأنه شخصية إشكالية ومتميّزة فقد كان يشكّل ظاهرة جديرة بالدراسة والاهتمام والقراءة الارتجاعية لما تركت من تأثيرات فكرية وسياسية على صعيد الحركة الشيوعية أو الحركة الوطنية، وبما له وما عليه.

ودراسة هذه الظاهرة لا تستهدف التقديس، فهو مجتهدٌ يخطأ ويصيب وبشرٌ لديه مشاعر وعواطف ويتعرّض إلى ضغوط أحياناً، تغالبه ويغالبها مثل كلّ البشر وينتصر عليها وتنتصر عليه أحياناً. وليس من أغراض دراسته التدنيس كما يريد فريق آخر، مواربة أو تلميحاً، وهو الأمر الذي ينقسم عليه بعض رفاقه الذين شغلوا مواقع موازية له، وإن لم يشغلوا المكانة التي احتلّها عامر عبد الله، وتلك أمور طبيعية، لا ينبغي أن تزعج أحداً، وحسبي هنا الاستشهاد بالحديث النبوي المعطّر: "رحم الله امرئ عرف قدر نفسه"، فعضوية اللجنة المركزية أو المكتب السياسي، لا تعطي لصاحبها: المعرفة أو الثقافة أو العلم أو المكانة الاجتماعية أو المركز المرموق، بقدر ما يعطيه هو إليها وليس العكس، ولذلك ترى إن العيون والألسن أحياناً ظلّت مصوّبة نحو عامر عبد الله، لاعتبارات تتعلّق بدوره ومكانته وتأثيره، ولعوامل تتعلق بالحسد والغيرة والكيدية، ناهيكم عن بعض جوانب الضعف الإنسانية، وهي صفات لا يكاد يخلو منها مخلوق، لكنها تكبر هنا وتضمر هناك، وحسب الظروف والأوضاع، لاسيّما في ظل ردود فعل قد تكون سلبية أو غاضبة.

وهكذا كان عامر عبد الله، يختلف عن الكثير من أقرانه، فقد أضاف إلى جميع المواقع التي شغلها وأثار جدلاً لم ينقطع حتى بعد وفاته، في حين أخذ بعضهم من المواقع التي تربّع فيها، وبغيرها ما كنت ستذكرهم، بل إن بعضهم أساء إليها بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وقد طواهم النسيان أحيانا لمجرد تغيّر المواقع، مهما حاول من التشبث بالتاريخ، أو التمسّح بذيوله، أو التعليق على هوامشه. ولهذه الأسباب ترى البعض شديد الحساسية إزاء المواقع، بالرضا عنه أو بخلعه، وفي كلا الحالين يظل "رهين المحبسين" على حد تعبير أبو العلاء المعرّي، فتلك تدابير "الإدارة" التي هي على صواب دائماً، كجزء من نمطية تفكير وعقلية سائدة تكرّست مع مرور الأيام لتصبح ظاهرة ملفتة تتمثّل بالخنوع، حتى بعد انهيار الأنظمة الشمولية وانكشاف الكثير من أساليبها التآمرية وانتهاكاتها الصارخة وممارساتها السلبية، اللاّ إنسانية، وهي ممارسات لم تكن بعيدة عن بعض إداراتنا.

المسألة ليست إساءة لأحد، بل لتقدير دور متميّز لرفيق على آخر وهكذا هي الحياة، فالأول تجمّعت فيه بفعل عوامل مختلفة بعض الخصائص والمواصفات الريادية بحيث جعلته قائداً أخطأ أم أصاب وسياسياً أكثر منه حزبياً ومفكراً أكثر منه سياسياً أحياناً، وصاحب رأي مجاهر أكثر منه مسلكياً مستكيناً أو إدارياً بيروقراطياً "منضبطاً"، في حين كان الآخرون مسؤولين أو إداريين في سلسلة المراتب الحزبية، وقد شاءت الصدف أن يتحكّمون به وبغيره، وإنْ ظلّ البعض يذكرّ بصفاته الوظيفية تلك، وكأن تلك المواقع تمثّل إقطاعاً سياسياً توقّف عند تلك الحدود.

وإذا كان عامر عبدالله مفكّراً، فلا يعني أن إدارة الحزب ينبغي أن تكون عصبة من المفكرين، وهو الأمر الذي يحتاج إلى فكّ ارتباط من جهة، وتواؤم من جهة أخرى بين الموقع الحزبي وبين المواهب والمؤهلات الثقافية أو الفكرية أو الأدبية، وتلك المسألة لا تدركها أو لا تريد إدراكها البيروقراطية الحزبية، دون نسيان بعض الجوانب النضالية التي يتطلّبها العمل السري وظروف المواجهة.

ولعلّ إضفاء صفة المفكّر على عامر عبدالله، تعني أن مسؤوليته ستكون أكبر من غيره حتى وإن كان موقعه الوظيفي الحزبي أدنى من طاقم إدارة الحزب، التي تجمع أحياناً الغثّ والسمين، كما هي المواقع الأخرى الأدنى تراتبياً، وهي أمور اعتيادية في الحياة والدولة ومؤسساتها وفي المجتمع وهيئاته، ولذلك فإن عامر عبدالله بقدر اعتزازه بنفسه وشيوعيته كان يشعر، وربما أكثر من غيره بمسؤوليته الفكرية والسياسية، لكنه بطبيعة الحال ليس معصوماً أو خارج دائرة النقد، وهو أمرٌ جرى التصدّي له انطلاقاً من نظرة موضوعية فيها الكثير من المغالبة للهوى الصعب والنقد الموضوعي، سواء في مراحل سابقة أو في المرحلة الأخيرة من حياته، وهكذا فإن أخطاءه ستكون أكبر من غيره أيضاً بحكم دوره الفكري.

العقلية الجدانوفية

إن مسألة الكتابة عن عامر عبدالله لا تتعلّق بالمحبة أو الصداقة، أو الكره أو البعد، فتلك أمور خارج دائرة الباحث، بل هي تتعلّق بجزء من تاريخ الحركة الشيوعية بما لها وهو كثير جداً وما عليها وهو ليس بقليل. وجاء هذا الحديث بعضه على لسانه وجاء بعضه الآخر، بالمعايشة والتجربة والمتابعة والقراءة، وذلك من خلال مراجعات وقراءات انتقادية للماضي، تهدف إعادة قراءة تاريخنا بشيء من الموضوعية وبعيداً عن العواطف والانفعالات.

*****

المثقف وفقه الأزمة - ما بعد الشيوعية الأولى/ ح 10

إنجلز ينهر محرر صحيفة الحزب: متى علمناكم أن السياسة أهم من الفكر؟

وليس الهدف من ذلك تنزيه التاريخ أو تبييض كل ما قمنا به، فالتاريخ أصبح ماضياً، أو لنقل إن الماضي أصبح تاريخاً وعلينا قراءته والاستفادة من دروسه، بقدر ما لهذه القراءة من مراجعة ونقد، ضمن اجتهادات، قد تكون صائبة وقد تكون خاطئة، ولكنها على أية حال هي جزء من النقد الذاتي، وتاريخنا لا يمتلك أحد حق التصرف به، فهو ليس سجلاً عقارياً باسم أحد يحق له التصرف فيه مهما كانت منزلته.

أنه تاريخ مفتوح للشيوعيين ولغيرهم، ونحن نقرأ بعضه، وبعضه عشناه أو سمعناه أو تابعناه، وكل ذلك يخضع للاجتهاد، ومن حق أي إنسان أن يبدي رأياً فيه، لاسيّما إذا كان قد استند إلى بعض المصادر وبذل جهداً، وهدفه لا يتعلق ﺒ: تشويه التاريخ وكأنه ركام من الأخطاء والخطايا، أو إظهاره ناصعاً لا شائبة فيه، "فالحقيقة معنا دائماً"، مثلما يريد البعض حيث يتم الحديث على نحو عاطفي عن تاريخنا، لكن تلك ليست الحقيقة التي نبحث عنها بالطبع.

وبالنسبة لي كنتُ قد توصّلت منذ حين إلى مراجعات جزءها الأكبر، النظر إلى تاريخنا بما فيه من إشراق وعناصر قوة وهو ما أحاول إظهاره دائماً، أما الجزء الآخر، فهناك ضلال من العتمة والنقاط السوداء شابته، وعلينا الاعتراف بأخطائنا الفكرية والسياسية، وأخطاء القيادات والإدارات الحزبية، دون أية إساءة لأحد، ولم يعد بالإمكان إنكارها أو تغطيتها، فسلاح العاجز هو الإنكار، مثلما سلاح الفاشل هو الاتهام، خصوصاً لمن يرفع عقيرته بالنقد، وذلك ليس سوى أسلوب بالي ومستهلك وتردّ سهامه دائماً إلى أصحابه.

إن فكرة ماركس عن الحزب، هي غيرها فكرة لينين وستالين ولاحقاً الأحزاب الشيوعية، حيث تحوّل مفهوم الحزب إلى الرأي الواحد. يقول إنجلز: طلب مني كارل ليبكخنت (قائد الحزب الألماني) (وهو تلميذه) برسالة رقيقة كتابة مقالة لصحيفة الحزب، وهو ما فعلته على الفور، لكنني فوجئت بالمقالة منشورة وقد تم تقطيعها إرباً إرباً، وحين سألت في رسالة عتاب (الاستاذ يسأل التلميذ) عن السبب الذي دعا محرّر الصحيفة إلى التلاعب بأفكارها ردّ هذا مفتخراً "لقد حذفنا منها كل ما يتعارض مع خط الحزب" فما كان من إنجلز إلاّ أن قال: ومتى علّمناكم ماركس وأنا: أن السياسة أهم من الفكر.

استعدتُ هذه الحادثة وأنا أستذكر، كيف طلب هادي هاشم الأعظمي عضو المكتب السياسي من حسقيل قوجمان المفكر الماركسي (اليهودي الأصل) وهو نزيل السجن لعشر سنوات أن يغيّر دينه إلى الإسلام، لكي يتم إطلاق سراحه بعد ثورة 14 تموز (يوليو) 1958، وحين وافق يعقوب مصري (عادل) وعمّومة مصري (عميدة) ومادلين وسعدية مشعل (سعاد خيري) وآخرين من أتباع الديانة اليهودية على هذه المقايضة طالما يريدها الحزب، صرخ قوجمان بوجه الأعظمي: أنا الذي كنت أدرّسكم الديالكتيك في السجن، وأنت تأتي إليّ لتطلب مني تغيير ديني، بل تزجّني في قضية لست مؤمناً بها ولا ناقة لي فيها ولا جمل.

وبالطبع تحمّل قوجمان عذابات لسنوات تالية فاقت سنوات السجن العشرة، حين عُزل وقوطع اجتماعياً و"حُرم" من العمل، حتى انتهى به الأمر سجيناً في سجن العمارة، وبعد إطلاق سراحه فرّ إلى "إسرائيل" حيث لم يعد يجد مكاناً أمامه للعيش، وعند وصوله إليها، أخذ جواز السفر واتّجه إلى لندن مشدّداً على عنصرية الدولة الصهيونية، ولم يترك مناسبة طيلة نصف قرن ونيّف ولحدّ الآن، إلاّ وعبّر عن عراقية صميمية، وتأييد لحقوق عرب فلسطين، وخصوصاً حق تقرير المصير، وشيوعية صافية، حتى وإن اختلفنا مع أطروحاتها، وهو ذا الاختلاف بين الفكر والسياسة.

وهناك روايات أخرى أوردت قسماً منها في كتابي "تحطيم المرايا- في الماركسية والاختلاف"، وفي محاضرة في أكسفورد "لمشروع دراسات الديمقراطية" عن "الديمقراطية داخل الأحزاب في البلاد العربية" في العام 2003، (نشرت بكتاب بالعنوان ذاته) وأصدره مركز دراسات الوحدة العربية، وكذلك في حواراتي مع الإعلامي والكاتب يوسف محسن حول: هل كان فهد "مشروعاً تنويرياً" لماركسية عراقية؟، وفي حواراتي مع الإعلامي والكاتب توفيق التميمي في كتاب بعنوان "المثقف في وعيه الشقي- حوارات في ذاكرة عبد الحسين شعبان" العام 2014، وهناك أمثلة كثيرة على التعامل السلبي مع المثقفين، خصوصاً بسيادة العقلية الجدانوفية التأثيمية إزاءهم، ولاسيّما بخصوص الرأي الآخر، وخلّفت فترة الجبهة الوطنية مع حزب البعث والفترة التي أعقبتها، ولاسيّما عند الانتقال إلى المعارضة أمثلة صارخة، بصدد الموقف من الحرب العراقية- الإيرانية وقضايا التحالفات وأساليب الكفاح، فضلاً عن سيادة النهج البيروقراطي- التفريطي الذي كان المؤتمر الرابع عنواناً أساسياً له.

طائر الفينيق

إن الكتابة عن عامر عبدالله، إنما هي كتابة عن ظاهرة تستحق البحث والدراسة، بل تستحق التنقيب، فكيف لقائد بوزن عامر عبدالله يتم تنحيته أربع مرّات من القيادة، ويُعاد بعدها إلى مواقعه وكأنه "طائر الفينيق"، والكل يعترف بكفاءته ومواهبه وقدراته، لكن القسم الأكبر يناصبه العداء المستتر ولاحقاً المعلن؟ ودائماً ما كان الجهاز الحزبي الخاص يروّج بعض ما يردّده الأعداء ضده، بل أن بعض الإشاعات لم تكن تجد طريقها إلاّ من صفوفنا، بطريقة الهمس أو علامات الاستفهام أو غير ذلك، وهناك أمثلة عديدة أوردتها في كتابي عن "عامر عبدالله" - النار ومرارة الأمل.

أليس في الأمر ثمة مفارقة إذاً، بل إنه أقرب إلى لعبة "السلّم والثعبان" المعروفة شعبياً باسم "الحيّة والدرج"، حيث يصعد عامر عبدالله ليصل إلى القمة، ثم يعود إلى الأسفل، وهكذا تتجدّد المسألة وكأنها أقرب إلى لعبة أم ثمة لغز في الأمر؟. وقد حاولت التوقّف عند بعض المحطات لأكتشف أسرار تلك المنعرجات، وخصوصاً في حواراتي معه، وبالمقارنة والمقاربة مع آخرين. ويبقى الأمر بحاجة إلى إزاحة النقاب عن هذا الجزء المعقّد من تاريخ الحركة الشيوعية بتحليل بعض أسبابه الاجتماعية والسياسية والنفسية، وبتدقيقات جاء بعضها عبر تفوّهات على لسان الآخرين أو من خلال مذكّراتهم، وقد أكون قد نجحت في بعضها أو أخطأت في البعض الآخر، لكن ما هو مؤكد إنني حاولت لفت الانتباه إلى هذه الظاهرة حتى وإن أزعجت البعض، لكننا لم نحصل على أجوبة شافية لها.

إن هذه الظاهرة تستحق التوقّف طويلاً ومقارنتها عميقاً بظواهر مماثلة أو حالات مشابهة لوجود بعض المشتركات أحياناً مع تجارب شيوعية عربية ودولية أخرى، لكنها كانت حسب معرفتي فريدة من نوعها، فلم يحدث أن نحىّ الرفيق وتمت إعادته عدّة مرّات إلى مواقعه مثلما هي حالة عامر عبدالله. يمكن أن تحدث المسألة لمرّة واحدة وفي الثانية ستكون نهائية، ولديّ أمثلة كثيرة على ذلك، وحتى عملية إعادة الرفيق إلى حدود مواقعه الأولى، فإنها تحتاج إلى وقت ليس بالقصير، وفي حالة عامر عبدالله، فثمة انقلابات لم أستطع فهمها ولأنها ظلّت غير مبحوثة أو مسكوت عنها أو تحت ركام السرّية حيث أصبحت ملتبسة أو غامضة، خصوصاً وإن إدارة الحزب لم ترغب في توضيحها أو تسليط الضوء عليها، وكأن الأمر اعتيادي. وإذا كنت أتفهم وضع عبد السلام الناصري، فإن حالة زكي خيري وبهاء الدين نوري كانت أكثر وضوحاً من ضبابية وضع عامر عبدالله.

في حالة عامر عبدالله، فقد تم تنحيته رسمياً بعد إضعاف مواقعه، خصوصاً عند اختلافه مع قيادة سلام عادل بعد الثورة وفي العام 1959 ولغاية العام 1961، واتهامه بالتكتّل ضمن "عصابة الأربعة" في العام 1962، حين تقرّر إنزال عقوبة مشدّدة به وأرسل للدراسة في موسكو لكي يحجب تأثيره على المواقع الحزبية، ثم أعيد إلى إدارة الحزب، وكأن شيئاً لم يكن ومعه بهاء الدين نوري وزكي خيري، في العام 1964، آخذين بنظر الاعتبار انقلاب 8 شباط (فبراير) العام 1963 الدموي، وما تركه من جروح عميقة في كيانية الحزب، الأمر الذي استوجب لملمة الموضوع وإعادة العديد من الرفاق إلى إدارة الحزب، خصوصاً بفقدان كوكبة لامعة من قيادته، الذين قتلوا تحت التعذيب وفي مقدمتهم سلام عادل، وكذلك الحاجة لسدّ النقص بإعادة عدد من الرفاق "الأكفاء" ونسيان العقوبات بحقهم حتى وإن كانت من الوزن الثقيل.

لكن عامر عبدالله نحيّ مرة أخرى أو أبعد بعد استبدال خط آب الذي كان أحد أركانه، وخصوصاً بعد اجتماع اﻟ25 العام 1965، وهكذا كان أول المستهدفين عند أية احتدامات في الحزب، وفي وصف ظريف له، قال: إنني كتبت صيغة بيان آب (أغسطس) بطريقة ملطّفة ومخفّفة، وحسبتها صيغة يسارية قياساً بالتوجه الأصلي لما كان ينبغي أن يصدر به ما سمّي بخط آب، واستخدم هنا مصطلح واليسار واليمين كما درجنا على استخدامهما في تلك الأيام. وفي أعقاب اجتماع اﻟ25 العام 1965 الذي أعلن عن توجّه جديد، حيث تم التخلي رسمياً عن خط آب واعتمد شعار الإطاحة بسلطة عارف، علّق عامر عبدالله: يبدو أننا لا نصلح للقيادة، ولم يقصد نفسه وحده، بالطبع، بل قصد طاقم القيادة، ومن الأسماء التي ركّزت عليها القيادة المركزية لإزاحتها من قوام القيادة العام 1967 هو عامر عبد الله.

وأعيد عامر عبد الله بعدها فعلياً إلى إدارة الحزب، ولاسيّما خلال فترة انشقاق القيادة المركزية أيلول (سبتمبر)، لكنه اسقط في الكونفرنس الثالث العام 1967، ثم استعانت به إدارة الحزب بعد مجيء حزب البعث إلى السلطة، خصوصاً بعد المؤتمر الثاني العام 1970 (الذي لم يكن حظّه وفيراً فيه أيضاً بسبب الاستقطابات المسبقة)، والحاجة إليه ليكون أحد وجوه الحزب في المفاوضات، وعند العروض التي جاءت إلى الحزب باستيزار رفيقين، كان عامر عبد الله أول من فكّرت به إدارة الحزب، ويقول عزيز محمد أن اختيارنا لعامر عبدالله عبدالله ومكرّم الطالباني ليكونا وزيرين العام 1972 كان بالإجماع ولم يكن يعلمان به، وقد قام بإبلاغهما (أي أنهما لم يكونا عضوين في اللجنة المركزية في حينها).

وخلال فترة الجبهة ارتفع رصيد عامر عبدالله و"اختفت" كل عيوبه وبدأ الحديث عن كفاءاته ومحاسنه، ولكن منذ أن انفضّ التحالف أواخر العام 1978 ومطلع 1979 حيث بدأت عملية تقليم أظافره بالتدريج حتى أطيح به في المؤتمر الرابع، حيث أسقط في الانتخابات، علماً بأنه لم يحضر المؤتمر الرابع في حينها.

ألا تستحق هذه الظاهرة الدراسة إذاً، خصوصاً وأنه اعتبر المؤتمر الرابع "مكيدة" أقرب إلى مجزرة "قاعة الخلد" بحق البعثيين العام 1979؟ والمسألة ليست بعيدة عن تجارب الكثير من الأحزاب الشمولية، سواء كانت شيوعية أو قومية أو إسلامية، سواء في ظروف العمل السري أو في ظروف العمل العلني.

وبعد فعامر عبدالله شخصية عربية محترمة على المستوى العربي، وأقول ذلك خارج نطاق الصواب أو الخطأ أو العلاقة بين المبدئي والمسلكي، وأينما ذهب وحيثما حلّ كان له حضور كبير، وأستطيع أن أقدّر اليوم بعد هذه الأعوام، كم من أصدقائه القدامى اتصلوا بي مباشرة أو بصورة غير مباشرة عندما عرفوا بصدور الكتاب، أفلا يستحق إذاً شخصية مثل عامر عبدالله الكتابة والنقد والتقويم؟.

المعلن والمستتر

لعلّ أسباباً عديدة معلنة أو مستترة، واضحة أو مغلّفة، كانت وراء بعض ردود الفعل من بعض رفاق عامر عبدالله القدامى بمن فيه من يدعي صداقته أو الانتساب إليه من "الأعدقاء" نكتفي بذكر خمسة منها:

السبب الأول هو موقفه من الحرب العراقية- الإيرانية، لاسيّما بعد أن انتقلت إلى الأراضي العراقية، حين بدأت تباينات واضحة في مواقف العديد من الرفاق، لاسيّما بازدياد المخاوف إزاء المشروع الحربي والسياسي الإيراني والبديل المنتظر، وقد أعلن عامر عبدالله عن انحيازه لمثل هذا التوجّه، ولاسيّما عند احتلال الفاو العام 1986، وكان قبل ذلك يتندّر بخصوص النفوذ الإيراني داخل أوساطنا، ويردّد من أن اللغة التي ستكون سائدة في المؤتمر الرابع هي "الفارسية"، وأن علينا تعلّمها بل وإتقانها، لأن من لا يجيدها سيكون خارج الدائرة العليا. وكانت رسالته إلى عزيز محمد، سواء مع باقر ابراهيم وحسين سلطان العام 1986 أو مع مجموعة المنبر ورفاق آخرين، العام 1989 إعلاناً صريحاً بأن هناك نهجين أخذا يفترقان، وكان هذا التمايز قد بدا واضحاً منذ أوائل الثمانينيات وتم التعبير عنه بوسائل مختلفة، وهو الذي قاد إلى انشقاقات وتكتلات وعقوبات، سواء لمجموعة المنبر أو لمجموعة باقر ابراهيم وعامر عبدالله وعدد آخر من الرفاق.

السبب الثاني هو النزعة العروبية التي امتاز بها عامر عبدالله على سائر رفاقه، وهذا تقدير شخصي، قد أكون مخطئاً به، فكما أخبرني أنه هو من كتب تقرير الكونفرنس الثاني العام 1956، ذا التوجه العروبي الواضح، الأمر الذي أثار اعتراضات أقدّر بعض دوافعها، بأن سلام عادل هو المسؤول وهو من صاغ التقرير أو وضع خطوطه العريضة، ولكنني ما زلت أعتقد وذلك من خلال متابعتي أن عامر عبدالله كان له دور كبير في هذا التوجّه، ولا يهمّ إن كان الدور الأول أو الأكبر لسلام عادل، ولكن لعامر عبدالله حضوره وحججه، فضلاً عن ثقله الفكري.

 

أرشيف وثائق وتقارير

صحافة وإعلام

مواقــــع

أخبار منوعة

حصيلة شهداء قصف الإحتلال على غزة ترتفع إلى 4

News image

أعلنت وزارة الصحة صباح اليوم السبت، عن انتشال جثماني شهيدين من تحت أنقاض موقع تدر...

لبنان يتحرك للاعتراف بالقدس عاصمة لفلسطين

News image

بيروت - قررت الحكومة اللبنانية، الخميس، تشكيل لجنة لدراسة "إنشاء سفارة للبنان في القدس لتك...

قمة اسطنبول تدعو إلى الاعتراف بالقدس عاصمة لفلسطين

News image

دعت القمة الإسلامية الطارئة في إسطنبول إلى «الاعتراف بالقدس الشرقية عاصمة لفلسطين» واعتبرت أنه «لم...

بوتين يأمر بانسحاب جزئي للقوات الروسية من سوريا

News image

أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بانسحاب جزئي للقوات الروسية من سوريا، خلال زيارة له الا...

25 إصابة خلال مواجهات مع الاحتلال شرق قطاع غزة

News image

أصيب خمسة وعشرون شاباً، بالرصاص الحي وبالاختناق، خلال المواجهات التي شهدتها عدة مواقع في ق...

نائب الرئيس الأميركي يؤجل زيارته للشرق الأوسط

News image

أعلن مسؤول في البيت الأبيض اليوم (الخميس) أن نائب الرئيس الأميركي مايك بنس سيؤجل جول...

هنية يدعو إلى تظاهرات «غضب» أسبوعية في خطاب امام مهرجان ضخم نظمته الحركة لمناسبة الذكرى الـ 30 لانطلاقها

News image

دعا رئيس المكتب السياسي لحركة «المقاومة الإسلامية» (حماس) إسماعيل هنية إلى تنظيم يوم «غضب»، كل ...


المزيد في دراسات

في ذكراه المئوية..

فهد سليمان

| السبت, 2 ديسمبر 2017

وعد بلفور في مدار سايكس- بيكو 1- مبضع سايكس بيكو 2- فلسطين.. العقدة في منشار سا...

مقدّمات الحرب الأميركية/ الصهيونية على سوريا

د. ساسين عساف

| السبت, 2 ديسمبر 2017

أوّلاً: الأسباب/ الاتهامات منذ قيام الانتفاضة الأولى في فلسطين، ومنذ بدء عمليات "حز...

تعريف الفلسطيني

د. أحمد محمد المزعنن | الخميس, 30 نوفمبر 2017

أولاً- مائة سنة مشؤومة على وعد بلفور أ- قبس من نور المعرفة...

إستراتيجيات التفكيك والتجزئة والتقسيم

د. ساسين عساف

| الأربعاء, 15 نوفمبر 2017

* رسائل صهيونية لتقسيم لبنان والمنطقة إنّ خطّة تجزئة الوطن العربي هي قدي...

أصوات فكرية عريقة عن تربية فلسفية جديدة

د. زهير الخويلدي

| الأربعاء, 15 نوفمبر 2017

"انه لو ساءت حال صانعي الأحذية، ولم يعودوا كذلك إلا بالاسم، لما كانت العاقبة وخي...

بلفور الوعد الخبيث

حسن العاصي

| الثلاثاء, 7 نوفمبر 2017

قراءة في الانحدار الأخلاقي الغربي حين أعلن وزير الخارجية البريطاني اللورد "آرثر جيمس بلفور" رسم...

علامة وجود الديمقراطية هي قوة المشاركة وحرية الفعل

د. زهير الخويلدي

| الثلاثاء, 7 نوفمبر 2017

"لم يعد بمقدور السياسة الطموح إلى الشمولية التي كانت تدين بها للرغبة في توفير بدي...

نماذج من أقوال الرئيس عبد الناصر، مفاتيح لقراءة الراهن العربي

د. ساسين عساف

| السبت, 7 أكتوبر 2017

  1-فلسطين   - "... وبدأت طلائع الوعي العربي تتسلّل إلى تفكيري وأنا طالب في المرحلة ...

القول الحديث في تاريخ مصر الحديث: الحكم العثماني في مصر بين الوثائق والاستشراق

محمد شعبان صوان

| الخميس, 5 أكتوبر 2017

ساد الحديث زمناً عن "الاحتلال العثماني" وبعضهم زايد بصفة "الاستعمار التركي" للبلاد العربية، ونال الق...

العقل الإسلامي وإشكاليات النهوض الحضاري*

د. عزالدين عناية

| الخميس, 5 أكتوبر 2017

  ثمة مفارقة يشهدها تاريخنا الراهن تسترعي الانتباه. في الوقت الذي تعيش فيه الساحة العربية ...

الفلسفة محبة، الفيلسوف باحث، التفلسف تجاوز

د. زهير الخويلدي

| الخميس, 5 أكتوبر 2017

  "لماذا نتفلسف؟ يبدو أن اللفظ يجاب عليه من ذاته: من أجل الحكمة (صوفيا) حيث ...

تونس المعاصرة

د. عزالدين عناية

| الاثنين, 18 سبتمبر 2017

  يُمثّل كتاب ستيفانو ماريا توريللي الصادر بالإيطالية بعنوان "تونس المعاصرة" قراءةً معمّقةً للأوضاع السياسية ...

المزيد في: دراسات

-
+
10

مجموعة التجديد

Facebook Image
mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterاليوم21432
mod_vvisit_counterالبارحة35422
mod_vvisit_counterهذا الاسبوع275624
mod_vvisit_counterالاسبوع الماضي278378
mod_vvisit_counterهذا الشهر603966
mod_vvisit_counterالشهر الماضي1199023
mod_vvisit_counterكل الزوار48116659