موقع التجديد العربي

للتواصل عبر البريد الإلكتروني: arabrenewal2002@gmail.com 

 
  • default color
  • green color
  • blue color
"داعش" يعلن مسؤوليته عن الهجوم على مركز الشرطة في حي الميدان في دمشق ::التجــديد العــربي:: الحكومة الفلسطينية تعقد الاجتماع الأول لها في غزة منذ 2014 ::التجــديد العــربي:: ستيفن بادوك، المشتبه بإطلاق النار في لاس فيغاس، كان مقامرا ::التجــديد العــربي:: وفاة رئيس العراق السابق جلال طالباني عن عمر يناهز 84 عاما ::التجــديد العــربي:: برلمان العراق يمهد لتعليق عضوية نواب أكراد شاركوا بالاستفتاء ::التجــديد العــربي:: مسلح ستيني يقتل 59 شخصاً ويجرح 527 شخصا في لاس فيغاس.. وينتحر ::التجــديد العــربي:: أرامكو تقترب من الانتهاء من أول مشروع للغاز الصخري ::التجــديد العــربي:: مصر تصدر سندات دولارية مطلع 2018 تعقبها سندات باليورو ستتراوح قيمتها بين 3 و 4 مليارات دولار، بينما ستتراوح قيمة سندات اليورو بين 1 و 1.5 مليار يورو ::التجــديد العــربي:: معرض عمان الدولي للكتاب والامارات ضيف الشرف و المعرض يستقطب نحو 350 دار نشر و أمسيات شعرية وندوات فكرية ::التجــديد العــربي:: معرض بلبنان للمواد المحظورة من الرقابة ::التجــديد العــربي:: الدوري الانجليزي: مانشستر سيتي يعود للصدارة بعد فوزه على مضيفه تشيلسي ::التجــديد العــربي:: برشلونة ينضم إلى الإضراب العام في كاتالونيا ::التجــديد العــربي:: التوقف عن العلاج بالأسبرين يؤجج الازمات القلبية والدماغية ::التجــديد العــربي:: أول مصل عام في العالم يكافح جميع أنواع الانفلونزا ::التجــديد العــربي:: وزراء خارجية الدول الأربع يبحثون آليات جديدة بأزمة قطر في نيويورك ::التجــديد العــربي:: ماتيس: واشنطن لديها "الكثير" من الخيارات العسكرية في الأزمة الكورية ونغيانغ تصف عقوبات الأمم المتحدة بأنها "عمل عدائي شرس، غير إنساني، وغير أخلاقي ::التجــديد العــربي:: المحكمة العليا العراقية تأمر بوقف استفتاء الأكراد ومناورات تركية على حدود العراق ::التجــديد العــربي:: حماس تستعجل حكومة الحمدالله في تسلم مهامها بغزة ::التجــديد العــربي:: القوات السورية تسيطر على ضاحية الجفرة الحيوية في دير الزور ::التجــديد العــربي:: أمطار غزيرة تغرق أجزاء من الفلبين وتغلق الأسواق والمدارس ::التجــديد العــربي::

المثقف وفقه الأزمة - ما بعد الشيوعية الأولى... (1+2+3+4+5)

إرسال إلى صديق طباعة PDF


الحلقة الأولى

نقد التاريخ طريق إلى تصحيح الأخطاء وتجاوز المعضلات ورضا الأجيال القادمة

إستهلال

“حتى الشيطان يخجل من الحقيقة”... نيتشه

يختلف الداعية عن المثقف في أن الأول يستخدم جميع الوسائل لتبرير أفعال "جماعته" وسلوكها ويروّج لسياساتها ويبرر أخطاءها، حتى وإن كان في الأمر ثمة خداع أو زيف، فجماعته هي الأفضل والأحسن والأوقر والأشرف والأنزه، أما خصومه أو أعدائه، فهم الأسوأ والأقبح والأحمق والأوضع والأدنأ.

باختصار الداعية يضع كل العيوب على شمّاعة الآخر، في حين يجد في جماعته كل مزايا البشر ومحاسنهم، إن لم تقترب من الملائكة أحياناً، في حين إن وظيفة المثقف هي النقد، ونقده يدعوه لنشر الحقيقة والمعرفة، وكشف المزعومات التي تنتجها جماعة سياسية لنفسها أو طائفة دينية أو فريق يضع بوجه النقد ميليشيات ثقافية.

فالنقد في نظر هؤلاء هو بدعة، ومراجعة التاريخ هدفها النيل من "الجماعة" أو الإساءة إليها، و"الجماعة" مطهّرة وخارج نطاق النقد، وهكذا سار على هذا النهج جميع الدكتاتوريين وأصحاب الأفكار والآيديولوجيات الشمولية والذين وضعوا "مقدسات" لا يمكن للآخر مساسها، سواء كانوا رجال دين أو جماعات سياسية في السلطة أو خارجها، جلادين أو ضحايا، غالبين أو مغلوبين، حيث تنتقل قيم الأول إلى الثاني حسب عبد الرحمن بن خلدون، لاسيّما بتوجّهات قيادية قاصرة، أو ادعاءات عشائرية فارغة أو تمثّلات جهوية مفروضة أو غير ذلك، وسيكون نقيض "المقدّس" هو "المدّنس".

غالباً ما يواجه النقد بالإتهام أو الشك، ويتم التعامل معه بالخفّة وعدم الاتزان، ويخرج بعضهم عن أخلاق المناظرة والمبادرة والمحاورة، ليدخل في متاهات المبارزة والمناورة والمؤامرة، والأكثر من ذلك حين يتصرّف خارج نطاق أي اعتبار، سوى ما يهيمن عليه من إلغاء الآخر أو استئصاله أو تحطيمه.

وقد يحتاج الأمر إلى قدر كبير من الغباء لقراءة أو للإصغاء لما يذهب إليه هؤلاء الذين يتحدثون مع أنفسهم وفي الدوائر الضيقة، وبالطبع فإن الردّ بالمثل وهو أمر مُتاحٌ وسهلٌ، لكنه سيجعل من النقد مهاترة، ومن المراجعة مشاغبة، أما مبدأ "العين بالعين"، فسيجعل العالم كلّه أعمى على حد تعبير المهاتما غاندي، في حين إن المثقف يسعى إلى التنوير والإلتزام بمعايير المعرفة والثقافة، وهو ما يحتاج إلى رياضة مع النفس وتصالحاً معها واحتراماً للآخر وإقراراً بحقه في النقد، مع إظهار الجانب الأخلاقي والتهذيبي في الكتابة، كما هو في الحياة.

حين تكون في الحزب الشيوعي، لا يعني إنك ينبغي أن تكون داعية لأخطائه أو لسلوك وتصرّفات بعض إدارييه، وحين تجد النقد مفيداً كمثقف، لا ينبغي عليك أن تحيد عنه، بما فيه انتقاد نفسك، بهدف قول الحقيقة في لحظة انسجام مع المعرفة، أما إذا سعيت إلى الترويج والدعاية، وهو من حقك فستخرج من دائرة الثقافة والتنوير لتمارس دور الداعية، والدعاة هم مروّجون لا تهمّهم الحقيقة، بقدر ما يهمّهم التأثير على الآخر وإخفاء النواقص والعيوب والأخطاء، لأنها تتعلّق "بالعشيرة" السياسية أو الملّة "الحزبية" أو حتى "بالإدارة السياسية" لهذه الفترة أو لما سبقها، وتلك مهمة لا تليق بالمثقف والناقد، أو لا ينبغي أن تكون وظيفته تلك، وقد سعت الحقبة الجدانوفية الستالينية إلى تطويع المثقفين بحجة الواقعية الاشتراكية، كما ساهمت في ترويضهم، لكي يكونوا دعاة ومروجين للاستبداد والعسف، وهي أمور سادت في حركتنا الشيوعية، وللأسف فإن ذيول الجدانوفية الصغار لا زالوا ينفخون بأنفسهم باستذكار سلوكيات تلك المرحلة.

للأسف لم يراجع تاريخنا، ولم يسهم النقد في كشف أخطاء الماضي، الاّ بحدود الصراعات الدائرة، بين هذا الطاقم القيادي أو ذاك، وتصفية حسابات بين الفرقاء، أما التاريخ فقد ظل "صامداً" ككتلة صمّاء، لا يمكن الاقتراب منها، وقد يكون بعضهم مسؤولاً عنها، والآخر لا يريد ذكر الحقيقة ويخشى الاقتراب منها، لأنها تتعلّق بفترة سكوته وصمته لسنوات طويلة، اعتاد فيها على تلقّي التعليمات.

لم نلحظ هناك من نقد حقيقي لتاريخنا، خصوصاً مسلّمات الماضي وعيوبه، لاسيّما إذا كان المعنيون قريبين من الطاقم الإداري أو من منحدراته، وحتى حين كُتبت الكثير من المذكرات، ظلّ الكثير من العقد الأساسية دون مساس، وإن جرى التعرّض لها، فمن باب إلقاء الحجة على الآخرين، وفي أحسن الأحوال سمعنا نقداً مثيراً للشفقة، لمن يقول أنه يتحمّل المسؤولية وهو بالطبع كذلك، لأنه كان على رأس الهرم أو من المحيطين به أو من حواشيه، والغالب الأعم يتحدّث هؤلاء باستمرار عن صواب سياستنا التي أثبتها التاريخ، والدفاع عن نقاوة النظرية وإن كان الأمر معكوساً، ففي تاريخنا بعض المطبّات والانحرافات التي علينا مراجعتها مثلما فيه الكثير من الاشراقات والإيجابيات التي يمكن استلهامها، كما لا يكفي الحديث عن إننا نمتلك "أعظم" نظرية في العالم، علماً بأنها لا ينبغي أن تكون بمعزل عن البراكسيس.

لاحظت ذلك بخصوص جميع القوى السياسية، فحزب البعث أو الجماعات المتبقية منه تتحدّث عن كل شيء باستثناء صدام حسين، وغالباً ما ينزّه ويمجّد، وإنْ جرى الحديث عن الارتكابات والجرائم، فهي ليست سوى أخطاء هناك من يقوم بها، وقد لا يعرف بها "الرئيس" وإذا انتقدت توجّهاتهم وحاورت في الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان، فإنك ستكون حاقداً أو مشبوهاً وفي أحسن الأحوال فإنك جاهلٌ.

أما القوميون العرب فلا يمكن المساس باسم جمال عبد الناصر أو حتى نقده، فالنقد سيضعك في خانة العداء للقومية العربية أو في صف "الشعوبية"، وحتى لو ذكرت مشروعه السياسي بملاحظات أو آراء، بخصوص قضية الحريات ووحدانية التنظيم السياسي وملاحقة اليسار وهزيمة 5 حزيران/ يونيو/ العام 1967، فإن ذلك ليس سوى تفاصيل بالنسبة لهم، إذْ لا يمكن المساس باسم الزعيم "الخالد" والأمر يتعلق بغياب النقد الذاتي، وعدم قبول نقد الآخر.

ولم نسمع نقداً للمشروع الإسلامي من داخله، باستثناء مناكفات في فترة المعارضة بين جماعات سياسية، وإلاّ فإن المرجعية "مقدسة" والتعرّض لها سيجعلك في عداد الملاحدة أو من يتنكّرون لدورها التاريخي، وأحياناً تعتبر من طائفة أخرى، حتى لو كنت من صلب الانتماء الديني أو المذهبي، ضمن التصنيفات السائدة.

وإذا كانت الحركة الكردية قد عصفت بها رياح عاتية من داخلها، وواجهت نقداً حاداً وشديداً، وصل حدّ الاتهامات، فإن هذا النقد غالباً ما يطوى على حساب المصالحات السياسية الظرفية، وبذلك يضيع النقد الموضوعي التي هي بحاجة إليه، وأحياناً يضيق بعضها بالنقد حتى إذا كان انحيازك لصالح الشعب الكردي وحقوقه العادلة والمشروعة، وفي مقدمتها حقه في تقرير مصيره.

النقد فضيلة، ولاسيّما في السرديات الثقافية، وغيابه يجعلنا أمام حالة من الصدام والاحتدام المستمرين، خصوصاً في النظر إلى الآخر، أما على صعيد الآخر من الداخل فسيكون بديله الاستكانة والخنوع أو الاحتقان والاختناق حتى يحصل المحذور، لذلك فإن الكثير من التمرّدات والانشقاقات ليست بعيدة عن ذلك، إذ أن الإلغاء والتهميش واحتكار الحقيقة وادعاء امتلاك الأفضليات ستقود إلى نتائج أخرى في ظل غياب النقد، وهو ما حاول الباحث تسليط الضوء عليه باعتباره الأساس في فقه الأزمة.

وإنْ كنت قد قدّمت قراءات انتقادية للحركة الشيوعية وتاريخها، فلأنني معني بها أكثر من غيرها وما أريده لها أن تكون معافاة وسليمة، كما إنني عندما استرجع جزء من التاريخ، فلأنه يحتاج إلى إعادة نظر بروح رياضية ودون خشية من النقد والاعتراف بالأخطاء والاعتذار عنها، والأمر قد ينسحب على الإدارات المسؤولة التي ارتكبت الكثير من الأخطاء، وظلّت تنكر أو تتصرّف باعتبارها فوق النقد، خصوصاً في ظلّ غياب المساءلة والشفافية، الأمر الذي يحتاج إلى نقد شفاف وجريء دون تجريح أو إساءة، بقدر ما يهمّ تاريخنا وعلاقاتنا الرفاقية ونظرتنا المختلفة إلى الماضي وإلى الحاضر وإلى المستقبل، ناهيكم إلى الحياة ذاتها بما فيها من مستجدّات ومتغيّرات، بما فيها محاولة قراءة الماركسية بروح القرن الحادي والعشرين وبمنهج ماركس الذي لا يزال يمتلك حيوية، لا بتعاليمه التي تصلح لعصره، وعفا الزمن على الكثير منها.

وأخيراً فالنقد لتاريخنا الشيوعي هو نقد من الداخل، وهو نقد مسؤول للذات ونقد لمسار يعني جميع الشيوعيين والماركسيين، بل وعموم الوطنيين، وكل من هو حريص على المستقبل الشيوعي، إذْ لا يمكن الحديث عن تاريخ الدولة العراقية، دون المرور بالقلم العريض على تاريخ اليسار العراقي الذي لعب دوراً مهماً منذ تأسيسها.

والهدف من النقد تسليط الضوء على بعض النواقص والثغرات في مسيرتنا الكفاحية المقدامة، لكي لا تتكرّر، ولكي يتعرّف عليها الجيل الحالي والمستقبلي وينتفع منها، ونقد التاريخ هو أيضاً نقد للبرامج والسياسات والممارسات وما علق به من سلوكيات غريبة. ولعلّ أهم خدمة تقدّم إلى العدو هو إخفاء أخطائنا والزعم بصواب سياستنا على طول الخط، فتلك المهمة الإيمانية التبشيرية الاستكانية لا تصلح الاّ للدعاة والمروّجين المنحازين، وهي غير المهمة النقدية العقلانية التساؤلية، التي يضطلع بها من يبحث عن الحقيقة.

سأتوقّف بعد هذا الاستهلال في القسم الأول بالقراءة والنقد والأزمة، وخصوصاً في التوقف عن مأزق المثقف الشيوعي، خصوصاً بمحاولة السياسي إخضاع المثقف والعلاقة بين الحزبي وبين الحزبي وبين الشيوعي الثقافي لمناقشة مقوّمات الأزمة والقراءة النقدية لها. وقد حاولت المرور على الذاكرة والمعرفة والحلم كثلاثية يكمّل بعضها البعض، ولاسيّما للمثقفين.

أما القسم الثاني، فكان بعنوان "المثقف والموقف من الآخر" المثقف والموقف من الآخر، وهو يتناول حدثين يتعلّقان بكتابين أساسيين وكتب أخرى، فالعمر لديّ لا يعني شيئاً بدون كتب وأوراق وأقلام. والحدثان فيهما دلالة لمنهج التفكير الشمولي والعقل الإقصائي، وحتى لو اختلفت المواقع، فالأمر لا يختلف من حيث الفعل. الكتاب الأول: النزاع العراقي- الإيراني، وقد صدر في العام 1981 وقدّم له باقر ابراهيم عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي في حينها، والثاني: عامر عبدالله - النار ومرارة الأمل، وصدر في العام 2014، أي أن الفارق بينهما نحو 33 عاماً، وهو فارق تاريخي بلا أدنى شك، وكذلك في الموضوع والتناول وجهة النقد، لكنهما أثارا بعض ردود الفعل الغاضبة وإن كان توجّهات أصحابها مختلفة، بل ومتعاكسة، لكن التواشج الإلغائي كان بمثابة الحبل السري، للرضاعة من ثدي واحد، حسبما يبدو، وحليب إلغاء الآخر، هو الذي تشرّب منه البعض ولا يزال على الرغم من كل ما حدث لنا من كوارث. ففي الكثير من الأحيان يستعير الضحية أساليب جلاّده ويحاول تقليده شكلاً ومضموناً.

وحسب بابلو نيرودا فإن تعاقب الحلم يجعل المرء يقوى على تحمّل الكثير من المشقّات وحين يستحضر الإنسان ذلك استذكاراً وقراءة ونقداً فإنه سيجد إن الكثير مما يفترض أن يدوّنه التاريخ قد أمحي وعفا عليه الزمن أو غدا غباراً لا يهدأ "كمثل زجاج جريح ليس يبرأ"!

ولعلّ واحداً من أهداف هذه الاستعادة التاريخية هو الحرص على الحقيقة كي لا تضيع بما فيها من آلام وعذابات ودروس وعبر، وهو ما حاول الباحث فيه تسليط الضوء على بعض الجزئيات التي يهتم بها بما فيها المنسي أو المهمل أو غير المرغوب استذكاره أو غير المسموح الحديث عنه، كي لا تندثر أو تتبدّد أو يطويها النسيان وذلك استكمالاً لصورة المشهد من زواياه المختلفة. وإذا كانت هذه إحدى جوانب القراءة المؤدلجة والإغراضية، فإن القراءة المفتوحة ودون عقد مسبقة، كانت هي الأكثر استقبالاً وحفاوة للنصّين، دون أن يعنيها الانحيازات الجاهزة الصنع. وهو الأمر الذي ينطبق على كتب أخرى ومواقف مختلفة.

أما القسم الثالث، فيسلّط الضوء على المثقف والرقم الصعب ويتناول فقه الأزمة ومتفرّعاتها من خلال الثقافة ودور المثقف واختلال العلاقة بالسياسي، ويبحث في هذا القسم ظاهرة عامر عبدالله " طائر الفينيق" الذي ما إن يزاح عن مواقعه، حتى يعود إليها منبعثاً من الرماد، ولكن على نحو أقوى، وتحت عنوان المعلن والمستتر يدرج الكاتب خمسة أسباب وراء استهداف عامر عبدالله وفي ظروف المنفى إضافة إلى التراكمات القديمة، ويضيف هذا القسم إشارات ودلالات جديدة إلى قضية ثابت حبيب العاني، ويتساءل أين مذكرات عامر عبدالله؟ ويكشف عن البعثيين الذين لم ينتموا، ويناقش في خط انسحابنا من بشتاشان واستراتيجياتنا في أوضاع مختلفة. ويختم الكاتب بشيء عن الماركسلوجيا.

*****

المثقف وفقه الأزمة - ما بعد الشيوعية الأولى/ ح 2

نجف في أعماق فحص كنت استحثه على إظهارها قبل رحيله

القسم الأول

القراءة والنقد والأزمة

1- مأزق المثقف الشيوعي

بعد صدور كتابي الموسوم "عامر عبدالله - النار ومرارة الأمل" قرأت ما أثاره من ردود فعل واهتمام من جانب القرّاء بشكل عام والمعنيين بشكل خاص، كما تلقّيت عدداً كبيراً من الرسائل والمهاتفات من شخصيات وجهات عراقية وعربية، إضافة إلى ما كتب عنه في الصحافة وما أجري من مقابلات تلفزيونية وإذاعية وصحافية معي بخصوص الكتاب.

وفي الوقت نفسه كانت بعض ردود الأفعال مختلفة سلباً وإيجاباً في أواسط الشيوعيين، ولاسيّما من جانب بعض من عمل في إدارة الحزب في وقت سابق، لاسيّما من الذين أصبحوا "فائضين عن الحاجة"، وقد تكوّنت لدى هؤلاء ولأسباب مختلفة وجهات نظر خاصة إزاء عامر عبدالله وإزاء الصراع الذي دار في أوساط الحزب في الثمانينيات، وبعضه يمتدّ إلى فترة أبعد من ذلك في أواخر الخمسينيات وبداية الستينيات، ولم يكن ذلك بعيداً عن شخصية عامر عبدالله الإشكالية وذات الكاريزمية الخاصة، ناهيكم عن المنافسات المشروعة وغير المشروعة، سواءً على المستوى الشخصي أو على المستوى السياسي أو على المستوى الفكري.

ولتلك الأسباب جميعها وجدت نفسي "مستدرجاً" بأريحية مجدّداً للكتابة حول "المثقف وفقه الأزمة" انطلاقاً من بعض ما ورد بخصوص عامر عبدالله أو تاريخ الحركة الشيوعية، وما إلى ذلك من قضايا كانت ولا تزال مدار نقاش مفتوح وجدل مثار في الأوساط الشيوعية بشكل خاص والوطنية بشكل عام، بقدر ما تتشابك المصائر وتتداخل المصالح على المسرح السياسي، التاريخي والآني والمستقبلي، والأمر يمتدُّ إلى الحركة الشيوعية العربية والعالمية التي سبقتنا بمراجعات فكرية وسياسية للأزمة وأسبابها وتجلياتها وسبل الخروج من المأزق، وهو أمر لا زال بالغ الحيوية حتى وأن اعتبر بعضهم ذلك مجرد نزوة فكرية أو موضوع ماضوي لا يغني ولا يسمن من جوع، لكنني أعتقد أن الأمر يستحق تخصيص مثل هذا الوقت، لاسيّما في ظل تداخلات جديدة وتفاعلات فكرية كان من أبرزها المواقف من الاحتلال الأمريكي، فضلاً عما شهده العالم من تحدّيات جديدة، خصوصاً في ظل الأزمة المالية والاقتصادية التي عانت منها الرأسمالية التي ابتدأت في العام 2008 ولا تزال مستمرة حتى الآن.

بعض من قرأ الكتاب لاحظ إنني أتعامل مع نفسي كشيوعي، بل ومعتزٌ بشيوعيتي حتى وإن كنت خارج العمل الروتيني المسلكي واليومي، في حين كان ينتظر قسم آخر، ولاسيّما بعد انهيار الأنظمة الشيوعية، الانزياح عنها إلى جانب خصومها بعد انسداد آفاقها وتدهور سمعتها بفعل ممارسات النظم الاشتراكية البيروقراطية الشمولية، وهو ما فعله البعض بالتبجّح بليبراليته الجديدة، فضاعت عليه البوصلة، فلم يعد يفرّق بين بنيامين نتنياهو وخالد مشعل، وبين الصهيونية ونظامها العنصري وحركة حماس، بل ويحمّل حركة حماس والمقاومة عموماً بما فيها حزب الله، أسباب عدوان "إسرائيل" المتكرّر.

وهناك من قرأ الكتاب أو قرأ ما كُتب عنه أو سمع به، فلاحظ أنني كتبت عن الشيوعية، وكأنني أخرج عليها، متصوّراً أن كل نقد لأخطائنا ومراجعة لتاريخنا، تضع الإنسان في خانة العداء والكره، هكذا يفسَّر النقد أحياناً من زاوية العقل السكوني والفكر المتخشّب والفهم المسطّح، فما بالك بالإغراضي.

لقد تصرّفت كناقد يشرح ويحلّل ويفسّر، سواء أصاب أم أخطأ، لكنه في كل الأحوال يقدّم اجتهادات وقراءات جديدة ومن الموقع ذاته، منطلقاً من نقد ذاتي اعتبره البعض جريئاً، في حين أغاظ البعض فندّد به، خصوصاً حينما تناولت بعض أخطائنا ونواقصنا، وبالطبع لا نقد يخلو من جرح أو ما يسبّبه من صدمة أحياناً، لاسيّما إذا انكشف المستور والمسكوت عنه، فالوقائع أحياناً تُفاجئ وتُدهش الكثيرين ممن لا يعرفون بواطن الأمور، أو ممن استغرقوا في السبات لدرجة التيبّس، وهنا نضع موضع المساءلة والمراجعة والنقد والنقد الذاتي تاريخنا بكل ما له من إشراق وتضحيات ودفاع عن قضايا التقدم والحداثة، مثلما عليه من مثالب وعيوب لا نريد أن نخفيها.

لقد حاولت كسر بعض التابوات والمحرّمات من خلال محاولات تشخيص ونقد ومكاشفة ومساءلة لقضايا لا يريد البعض لأحد أن يقترب منها، وكل قصدي الاّ يستمر تمويه الحقائق إلى ما لا نهاية أو الالتفاف على الأزمة الفكرية والسياسية التي لا زلنا نسبح في فضائها أو مشكلاتنا الداخلية العويصة، وليس الهدف الإساءة إلى أحد أو إلى التاريخ، بل لكي لا تتكرّر وتزداد الأزمة استعصاءً وتعقيداً، وهو ما يناقشه اليوم جمهرة من الشيوعيين والماركسيين العرب، فلم يعد مقنعاً التنكر للأزمة أو محاولة إلقاء تبعاتها على العدو فحسب، مثلما كان الأمر في السابق.

لقد ناقشنا على مدى عقد كامل (الثمانينيات) هل إن حركة التحرر الوطني في أزمة أم ثمة مصاعب ونواقص تعاني منها؟ وكان البعض يتضايق من مجرد ذكر كلمة الأزمة، معتبراً ذلك مبالغة أو تطرّفاً أو استهدافاً، وإذا بالأمر ينكشف على نحو سافر عن أزمة طاحنة وبنيوية في حركة التحرر الوطني، بل في الأنظمة الاشتراكية التي كان مجرد الاقتراب من نقدها تضع الناقد في خانة "الأعداء"، وهو أمر انعكس على صعيد نقد الحزب أو قيادته أو سياساته ومواقفه، وللأسف فإن بعض موروثاتها لا يزال قائماً ومستمراً ولم يتأثّر بالتغييرات الكبيرة التي حدثت في العالم.

والأمر لا يقتصر على الشيوعيين العرب، بل إنه موضوع مطروح للنقاش على المستوى الكوني، وهناك مساهمات جدية على هذا الصعيد، سواءً في الغرب أو في البلدان الاشتراكية السابقة، وحاولت عرض جزء منها في كتابي "الحبر الأسود والحبر الأحمر- من ماركس إلى الماركسية".

الأساس في موقفي النقدي، إنني أعرّف بالشيوعية كما أفهمها، وكما أنظر إليها كيما تكون، خصوصاً وأنني خارج الصراع الداخلي، وقد حسمت هذا الأمر منذ زمن، وتحرّرت من انتمائي الضيق متوجّهاً إلى الفكر الرحب، متخلصاً من الطقوس والفرائض والأحكام والأطر التي تشبه إلى حدود غير قليلة أحياناً، تعاليم أتباع الأديان والطوائف، في حين أن الشيوعية تنتمي إلى أهل الفلسفات، فما بالك بقيم الحرية والعدالة والمساواة.

كنتُ أشعر بثقل الوصاية، ولهذا حاولت البحث عن صيغ أخرى جديدة مهنية وحقوقية لخدمة الإنسان، لاسيّما في البحث عن الحقيقة، خارج إطار اليقينيات السرمدية والحتميات التاريخية وبعيداً عن التهويمات العقائدية، بهدف التجديد الفكري، وعبر عناوين وأسماء ذات حيوية وفعالية راهنية.

لا شيء يجدي للقول إن النظرية سليمة والخطأ في التطبيق، خصوصاً بعدما أنتج هذا الأخير على يد دُعاته وحرّاسه كل هذا الكم الهائل من الاستبداد والعنف الأعمى والفساد الفاحش وشحّ الحرّيات وعدم تكافؤ الفرص ومحاولة احتكار الحقيقة، بل ومحاولات إذلال الإنسان وتصغير شأنه حتى وإن كان الهدف المعلن هو "أنسنة" إنسانيته، لكن التجارب جميعها تقريباً كانت عكسية.

في بعض المداولات لاحظنا منطق التهافت والافتئات على الحقائق، بل نكرانها، وحتى كيل التهم لتغطية الارتكابات ومتفرّعاتها ومحاولة محو آثارها. ولأنني لم أقصد سوى تسليط الضوء على بعض الظواهر، فقد أحجمت عن ذكر الكثير مما أعرفه من الحقائق والوقائع، والتي يعرف المتبجّحون قبل غيرهم أنني أعرف ذلك، بما فيه بعض ما خفي على بعضهم، ولذلك اتجهت إلى نقد العقل ونقد النصوص والبيانات، وعلى نحو آخر نقد الوقائع ونقد الحقائق، لأنه لا وجه واحد لها، فلا يستطيع المرء الزعم بأنه يمتلك الحقيقة كاملة وغير منقوصة.

علينا إعادة قراءة الوقائع والنصوص وأثرها المكتوب والمسموع، لنرى مدى الاقتراب بين الفكر والواقع، وبين النص ومعناه، وبين البيان ودلالاته، عند ذلك لا يجدي نفعاً الزوغان عن الحقائق أو محاولة طمسها، وإذا كانت هناك قراءة مغلوطة لها فستتضح وينكشف السرّ.

لا أنفي عن نفسي تهمة القراءة النقدية حتى للماركسية ذاتها، فهي بالنسبة لي قابلة للنقد وغير مقدّسة، وخصوصاً تعاليم ماركس نفسه، الحلقة الذهبية التأسيسية في الماركسية وليس نهايتها، فقد كانت تعاليمه تصلح لعصره وليس لعصرنا. أي أنها ليست سرمدية وخالدة، دون أن يعني ذلك التخلّي عن منهجه المادي الديالكتيكي الذي لا يزال صحيحاً، مثلما يمكن الإفادة من المدارس الأخرى، علماً بأن الرأسمالية ولاسيّما بعد الأزمة الراهنة عادت إلى كتب ماركس واستندت إلى منهجه في دراسة الظواهر المختلفة في السابق والحاضر، ولو عاد إلى الحياة هارولد ويلسون رئيس الوزراء البريطاني (العمالي) في الستينيات، فستراه يكون أكثر حصافة حين يتحدّث عن ماركس والماركسية، إذْ لم يعد بوسعه القول: يجب علينا ألاّ نبحث عن حلول في مقبرة هاي غيت (حيث يرقد ماركس) وبالطبع لم يكن بالإمكان مجادلته بمنطق يقبله، لكن أهمية منهج ماركس عادت اليوم إلى الحياة ولم تعد تقبع في المقابر، وهو ما يقرّ به كبار الرأسماليين.

كتب جورج ماغنوس وهو محلل اقتصادي كبير في بنك UBS الذي مقرّه في سويسرا ويمتلك رصيداً يزيد عن 2 تريليون دولار مقالة بعنوان "أعطوا كارل ماركس فرصة لانقاذ الاقتصاد العالمي"، وهو الأمر الذي فات الكثير من اليائسين والمندحرين الذين وجدوا في انهيار الأنظمة الاشتراكية وكأنه انهيار للحلم القديم، مثلما أفرح الكثير من الذين اعتقدوا بظفر الرأسمالية الأبدي، ونهاية التاريخ حسب فرانسيس فوكوياما، مبشرين بحقبة من الرخاء والنظام الأكثر عدلاً بفعل منجزات الاقتصاد الحر، وإذا بنا بعد أقل من عقدين من الزمان تتحول تلك الأحلام المريضة إلى كوابيس، واتضح إنها أوهام وتهويمات ليس إلاّ، وأن فرضية كفاءة السوق لا يمكنها أن تكون علاجاً شافياً لأمراض الرأسمالية، وذلك حسب تعبير الكاتب البريطاني "ألين وودز" في مقالته المثيرة "راهنية أفكار ماركس".

ولذلك فإن القراءة النمطية ذات الطابع القدسي، لا تقود إلاّ إلى الجمود العقائدي، والذي لا ينتج سوى التعصّب والانغلاق والتطرّف، وإذا ما أصبح ذلك أيديولوجيا وفيما بعد سلطة، فإنه سيقود إلى إلغاء الآخر أو استئصاله إمّا جسدياً أو فكرياً، سواء تجاه الشيوعي المختلف أو الخصم أو العدو، وذلك تحت عنوان الزعم بامتلاك الحقيقة، وهذا لا يعني سوى الحق في احتكارها، وتلك ليست سوى احتقار للعقول، أياً كان منهجها.

ولعلّ هذا ما تذهب إليه وما تقوم عليه الأصوليات الدينية، ونعني بها آفة التقديس التي تنطق بالحقيقة المطلقة والنهائية ومن خلال الاصطفائية الذاتية التي تزعم أن لها الأفضلية مهما عملت ومهما قامت به من ارتكابات، خصوصاً حين يصاحبها الادعاء بأن لها أجوبة لجميع أسئلة الكون والمجتمع، أي محاولة ختم العقول بعدم التفكير وشلّ الطاقات الحيوية للبشر في الخلق والإبداع والابتكار والنقد.

إن مثل هذه الادعاءات لا تنتج سوى الاحتراب ومحاولات التسيّد والعنف، سواء كان مادياً أو معنوياً وبجميع صوره وأشكاله، لأن الحصيلة هي غلق أبواب المعرفة، باعتبار نظريتنا بوسعها تفسير كل شيء، فهي خلاصة مكثفة للعلوم والفلسفة والاجتماع والاقتصاد والقوانين، في حين إن ما تراكم يتطلّب نقد العقل ونقد النص، إذ بقدر ما يتم الاستكانة لليقينيّات والمثاليات، كلّما ترتفع الانتهاكات للقيم والمثل والمبادئ والقواعد الناظمة للاجتماع الإنساني، والأمر سواء بسواء، للغيبيات الدينية أو للحتميات التاريخية، فكلاهما ذات نسقية مغلقة لا تقبل الإضافة أو الحذف أحياناً.

إن السبيل للخروج من المأزق هو الكف عن التعامل مع النص أو الشخص باعتباره مقدساً أو خط دفاع لا يقبل الاّ التمترس معه أو العداء له من منطلق شيطنة الآخر، في حين أن النص ليس فردوسياً والنقد ليس بعيداً عنه تجاه الذات، بالمراجعة والمحاسبة مع النفس دون أوهام أو تهويمات، وكذلك تجاه الغير بعيداً عن الوصاية إزاء أية آيديولوجية أو أية سلطة حكم أو حاكم، غير سلطة العقل.

2- الذاكرة والمعرفة والحلم

يمكن القول إن للذاكرة وظيفة نفسية، وهي مدى قدرتها في إحياء الحالات الشعورية التي انقضت، وبذلك تستبقي ما في الكائن في حاضره. وكنت في حواري مع السيد هاني فحص الذي رحل عن دنيانا مؤخراً، أستحثّه على استخراج النجف التي في داخله، كي لا تبدّد ويطويها النسيان أو تأخذنا غفلة من الزمن ويحصل المحذور كما يقال. ولعلّي وأنا استفزه، إنما أفعل ذلك كي أحرّض نفسي أيضاً، على إظهار النجف التي في أعماقي، والتي تطلّ برأسها بين الفينة والأخرى، بل تلحّ أحياناً في الظهور بصيغة ذكريات وذاكرة وتذكّر ووعي لا يتلاشى أو يضمر، وأكاد أرى ينبوعه وهو يتدفق ويرتسم بأشكال مختلفة، مادياً ومعنوياً، الأمر الذي يحتاج إلى تنظيمه ووضعه في إطار مراجعة شاملة.

وبعد صدور كتاب السيد هاني فحص عن النجف "ماضي لم يمضِ" حاورته عن الوجه الآخر للنجف وهو العنوان الذي اختاره الصديق الشيوعي المخضرم صاحب الحكيم لمذكّراته، التي صدرت في وقت لاحق، وعن حلقات اليسار والمواكب الحسينية والقصائد الحمراء وقرّاء المنابر وبعض ثنايا الحوزة والحضرة الحيدرية وبعض كادرها الشيوعي، وعن النساء النجفيات والجمال النجفي والعلاقات الاجتماعية والوافدين ومدرسة الخليلي والاختلاط بأمم وقوميات ولغات والتعايش الإسلامي، العروبي، الأممي، اليساري، وعن "الفكر المنفتح في المجتمع المنغلق" حسب السيد مصطفى جمال الدين، وصورته الأخرى "الانغلاق الظاهر" و"الانفتاح الباطن" أو المحافظة الشكلية والتقدمية الجوهرية.

*****

المثقف وفقه الأزمة - ما بعد الشيوعية الأولى/ ح 3

النظام لاحقني بشكل استثنائي إثر صدور كتاب النزاع العراقي- الإيراني

وتلك كانت مفردات لمحاضرة لي في الكويت، وأخرى في الجامعة اليسوعية في بيروت بتحريض من الصديقين جهاد الزين وحامد حمود العجلان، وهو الأمر طالما بقيت أبحث عنه في العديد من الحوارات واللقاءات والكتابات والاستفهامات مع عدد من الشخصيات الفكرية والثقافية، لا فيما يتعلق بالنجف، بل بالتاريخ والأحداث والسرديات والذكريات والمذكرات، خصوصاً من يمتلك قدرة في قراءة نقدية للماضي، بكل ما له وكل ما عليه.

وإذا كان هذا الاستهلال يخصّ عامر عبدالله ارتباطاً بحوارات ومدارات ومفهومات سبق للكاتب أن عرض بعضاً منها، وهو إذْ يتابع استكمال بعضها، فلأن بعض ما لديه لم ينفض الغبار عنه بعد، خصوصاً حوارات في موضوعات شائكة وتقييمات لأشخاص ومواقف وأحداث، وذلك ضمن منهج اتبعه الكاتب مع شخصيات وازنة ومبدعين نافذين، ويحتفظ ببعض قصاصات جمعها في أوقات مختلفة وبلقاءات منقطعة ومتّصلة مع عامر عبدالله وعنه، عن مدينة عانة والعانيين عموماً، وعلاقتهم بمدينة راوة، فضلاً عن دعابات وطرائف، كان مخزون عامر عبدالله غنيّاً بها ويعرضها بمنهج سسيوثقافي فيه الكثير من النقد الذاتي، مثلما هي علاقة البيبسي كولا بالحداثة مثلاً، أو ماركس بأكلة البامية وهكذا.

في المثقف وفقه الأزمة، أعود إلى ما كتبته في كتاب عامر عبدالله "النار ومرارة الأمل" وما رافقه من ردود فعل إيجابية أو سلبية، إذْ يمكننا التمييز بين ثلاثة أنواع من الذاكرة:

الأولى- الذاكرة الانفعالية، وهي شكل من أشكال الإرادوية التي يتم إسقاطها على الواقع، سواءً لتصفية حسابات أو لتبرير مواقف أو صرف النظر عن أخرى أو تحميل مسؤولية إلى جهة وتبرئة النفس عن أخطاء وممارسات أو غير ذلك، وهدف هذه الذاكرة ليس الاستذكار أو التذكّر أو إعادة قراءة الحدث التاريخي انطلاقاً من تكوّنه والعناصر الجديدة التي ظهرت عليه والوقائع المضافة التي أعقبته، والمؤثرة في تقييمه بالطبع، لاسيّما خلاصاته التاريخية، أي أخذه بسياقه التاريخي وربطه مع غيره من الأحداث، مستفاداً من العبر والدروس التي أفرزتها التجربة التاريخية، وعكس ذلك فإن الانفعالية ستؤدي إلى التقولب، خصوصاً إذا حُدّدت الوظيفة مسبقاً خارج سياق الوقائع التاريخية أو حين تتم قراءتها بطريقة مبتسرة وانتقائية والتي ستؤدي إلى الإخلال بتفاصيلها، ولعلّ بعض هذه القراءات، هي محاولة لنقض كل ما عداها لدرجة لا يمكنها أن ترى التطورات التي حدثت والوقائع الجديدة التي يمكنها تغيير مسار الوجهة الأولى، التي غالباً ما أنتجت تخندقاً سياسياً وعصبوية آيديولوجية، ترى في نفسها أفضلية على الآخر وتزعم امتلاك الحقيقة.

الثانية- الذاكرة الحسيّة، وهي القدرة على تذكّر واستذكار الأحوال والأهوال أحياناً على نحو خام، أي من خلال مفردات ووقائع وتفاصيل عند حدوث الفعل التاريخي، ولكن قراءته تأتي بعد حين، بما تُرك وما استقر في الذاكرة، باعتباره واقعاً لا جدال فيها، خصوصاً إذا ما استمرّ الوعي يشحن الانحياز المسبق، وعدم الرغبة في رؤية ما استجد وما أضيف إلى الواقعة التاريخية، بحيث يؤثر على مسارها. وبكل الأحوال فإن المادة الخام يمكن تكييفها أو إعادة عجنها حسب قراءة المؤرخ أو الشاهد أو المشارك، وفقاً لتوجهاته ودرجة وعيه ومقدرته على ملامسة الحقيقة.

الثالثة- الذاكرة المنظّمة، وهذه الذاكرة لا تقتصر على المادة الخام وإنْ كانت هذه ضرورية ولا يمكن الحديث عن ذاكرة دون هذه المادة الأولية، ولا على الرأي المسبق بالطبع، الذي يتناول الحدث بطريقة انفعالية، بالاصطفاف والتمترس، بزعم الأفضليات أو ادعاء امتلاك الحقيقة، وإنما تقوم على تذكّر واستخلاص المعاني التي تنتظم الذكريات في إطارها، وهذا الناظم يقوم على المادة الخام (المادة الأولية التي تتألف منها الوقائع) وصولاً إلى الدلالة، خصوصاً بفعل التحقّق، وذلك بإضفاء التفسيرات والتأويلات على النص أو الحدث أو الواقع المعيش، ونحن نتحدّث عن تاريخ مضى، وبذلك يمتزج الفكري بالتاريخي، والاجتماعي بالنفسي، والقراءة المجرّدة، بإعادة ترتيب الصور والأحداث، على نحو عضوي بتوليف عناصره، من خلال إعادة قراءة الحدث في سياقه التاريخي.

بهذه الصورة حاولت أن أقدّم عامر عبدالله من خلال محاولاته لقراءة ما حدث على نحو يؤشر وبخطوط ملوّنة إلى الواقع من خلال قراءة جديدة، وسعيت أن يشارك فيها جمهور القرّاء أيضاً، من خلال نقد ذاتي لعدد من التوجهات التقليدية السائدة والمستقرّة، أو التي تلقى المسؤولية فيها على الأعداء، وهم يتحمّلون قسطهم الكبير والوافر في ذلك، لكن عبر مراجعة لأخطائنا ونواقصنا وبعض مواقفنا وممارساتنا، على نحو يتّسم بالأريحية وعدم المغالاة. وسبق للكاتب أن قال لأكثر من مرّة إن إخفاء النواقص والعيوب والتغطية على المثالب والثغرات، هو مجافاة للحقيقة وإساءة كبيرة لتاريخنا المضيء والمليء بالعناصر الناصعة والمشرقة.

إن فعل التذكّر يشكل عنصراً أساسياً في استعادة بعض الوقائع التاريخية، مضافاً إليه فعل النقد والمراجعة، من خلال مسار تاريخي كان عامر عبدالله فيه هو صانع الحدث والمشارك فيه والشاهد عليه وذلك بإخضاعه لفحص وتدقيق ومناقشة ورؤية مختلفة أحياناً، لكن ذلك لم يكن يرضي أصحاب الذاكرة الانفعالية بشكل خاص، خصوصاً وأن الكاتب حاول استرجاع الحدث والتعرّف على تفاصيله وكأنه يحدث اليوم، من خلال ما وقع فعلاً مقارنة بأكثر من مصدر أحياناً، والأمر يحتاج إلى تمحيص وتقليب من زوايا مختلفة، إضافة إلى ما اكتسبه الإنسان من معارف جديدة، وما أضيف إليه وما كتب عنه وما ظهرت من حقائق بخصوصه، وهي محاولة درج عليها منذ ثلاثة عقود، وفي ذلك اتفق واختلف مع صانع الحدث وشاهده ومع آخرين.

المعرفة مرتبطة بالزمن الحاضر، حتى وإن كنّا نتحدث عن التاريخ، فهناك عناصر مكوّنة لها، منها درجة التعلّم والاكتساب، إضافة إلى التكوين والتخزين والاسترجاع والاستجماع والاستيعاب والإحاطة والاستنهاض والمقارنة والمقاربة، وذلك في إطار مصهر أكاديمي ومحاولة الابتعاد عن العواطف والهوى المسبق قدر ما يستطيع، ولا شكّ إن في كل ذلك تجري أحياناً عمليات انتقاء واختيار حسب القدرة على الانتباه ودرجة التأثير ومدى التشكّل في نسيج الوعي، وهو ما يحدّده علماء النفس من علاقة بين الذاكرة المادية والذاكرة الروحية، وما تبقى من الأولى في الدماغ من معلومات، ناهيكم عن طريق استحضارها، في حين أن الثانية تختلف أحياناً مع العادة التي تأتي من خلال التكرار والإعادة وعنصر الاستخدام.

القسم الثاني

المثقف والموقف من الآخر

1- كتاب وملاحقة: الصراع على الوطنية

حين صدر كتابي "النزاع العراقي- الإيراني" في بيروت العام 1981 هاجت المخابرات العراقية للبحث عنّي سواءً لتصفيتي ومحاولة إيذائي على أقل تقدير، وكنت قبل ذلك قد كتبت مقالتين بذات المضمون في صحيفة تشرين السورية بعد عدّة أسابيع من اندلاع الحرب (العام 1980). وعلى طريقتها المعروفة إنْ لم تستطع الوصول إلى هدفها، فتحاول المخابرات الانتقام من الأهل والعائلة والضغط عليهم بجميع الوسائل عسى أن تفلح في إضعاف خصمها، ولجأت إلى اقتحام منزلي ومنزل شقيقتي سميرة، الملاصق له في منطقة العطيفية - شارع المحامين، واحتجزت من في المنزلين، ومكثت فيهما لمدّة خمسة أيام، مع الوالد عزيز جابر شعبان الذي كان قد تعرّض إلى حادث سيّارة مدبّر قبل فترة قصيرة من هذا التاريخ، وبقي طريح الفراش حتى وفاته في مطلع العام 1985، والوالدة نجاة حمّود شعبان التي تحمّلت القسط الأكبر من الأذى وبقية أفراد العائلة.

وعلى مدى خمسة أيام جمعوا مكتبتي وجميع مقتنياتي الشخصية بما فيها شهاداتي الدراسية وصوري ورسائلي وأطروحاتي وثلاث مخطوطات كنت أعدّها للطبع، ونقلوها إلى المخابرات، حيث اقتادوا أفراد العائلة جميعهم إليها، واستبقيوا هناك، وأرسلت والدتي إلى بيروت للقاء بي، وتلك قصة أخرى سبق لي أن رويت جوانب منها بما يسمح فيه المجال، سواء في حواراتي مع د. حميد عبدالله لتلفزيون الاتجاه (خمس حلقات) أو لصحيفة الناس لمحاوري الإعلامي والكاتب توفيق التميمي الذي نشر منها 24 حلقة، ثم جمعها مع إضافات أخرى لتصدر في كتاب بعنوان "المثقف في وعيه الشقي".

وكان عامر عبدالله قد سألني لماذا تعتقد إن المخابرات العراقية استهدفتك بالذات، بعد أن عرف بإرسال والدتي إلى بيروت بهدف الضغط عليّ: ألأنك ممثل الحزب في العلاقات في الشام أم لنشاطك المعروف أم بسبب كتاب "النزاع العراقي- الإيراني"؟ وهنا لفت نظري إلى مسألة مهمة وحسّاسة لم أكن أعطيها الأهمية الكافية، خصوصاً وإن القوى والمواقف التي تعارض النظام كانت كثيرة ولها منشوراتها، لكن على ما يبدو أن موضوع الكتاب كان له وقعٌ آخر.

كان عامر عبدالله قد استحسن مادّة الكتاب وتوجّهه، وطالبني بتوسيعه، وكتبت لاحقاً عدّة دراسات بخصوص الحرب والنفط، والحرب والقضية الكردية، والحرب والصراع العربي- الإسرائيلي، وبانوراما الحرب، والحرب والحسم العسكري، وأسرى الحرب في القانون الدولي، وحرب المدن، وسيناريوهات الحرب، وحرب الناقلات، وعشرات المقالات غيرها في العديد من الصحف والمجلاّت الفلسطينية والسورية واللبنانية، كما ألقيت محاضرات في إطار رابطة الكتاب والصحفيين والفنانين الديمقراطيين العراقيين وفي مواقع فلسطينية للجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية وجبهة النضال الشعبي، وبعد ذلك في مواقع قوات الأنصار في كردستان، في منطقة بشتاشان وأشقولكا وغيرها.

بارزان التكريتي

قلت لعامر عبدالله ما قاله مدير المخابرات العراقية برزان التكريتي في حينها كما عرّفت به والدتي حين خاطبها "السيد العام" كما كانوا يطلقون عليه "والمدير الكبير" كما أسمته: بأن الكتاب موجود على طاولة السيد الرئيس منذ شهر (المقصود صدام حسين)، وقد أطلعها على نسخة منه في الدُرج، وقالت إن لونه وردي، وقرأت اسمي عليه. وتنبّهتُ وأنا أطلب نسخاً من الناشر الرفيق "فخري كريم" (دار الطريق الجديد) إلى نفاذه بسرعة من مكتبات بيروت، وحرصت على بعض النسخ المتبقية التي أرسلت إلى منظمة سوريا وبعضها جلبته من اليمن عند زيارتي لها، وهي لا تتعدّى بضعة نسخ، فاحتفظت ببعضها.

واتّضح أن السفارة العراقية في بيروت في حينها قامت بشراء كمّية كبيرة من النسخ وأرسلتها إلى بغداد بطلب من الأخيرة، كما يبدو، وحينها أدركت سبب الاستهداف الحقيقي، فلم يكن النشاط المعارض ضد النظام وحده، فهناك كثيرون، بل أكثر مني "خطراً" على النظام، وأنا لست سوى كاتب أعزل لا يملك سوى سلاح النقد، وهو لا يعيره النظام أي اهتمام، فكما هو معروف كان نظاماً دموياً لا يضع أية اعتبارات لما تخشاه الكثير من الأنظمة عادة، إزاء سمعتها وتورّطها بأعمال إرهاب وبطش، فما الذي يدفعه لمثل ردّ الفعل هذا إزاء صدور كتاب، لم يقرأه سوى مئات في أحسن الأحوال، في وقتها؟.

ولكن للنظام حسبما يبدو حسابات أخرى تتعلق بالصراع الفكري والسياسي، وهنا أدركت على نحو أكبر وبشكل مباشر دور الكلمة، خصوصاً عندما تكون مؤثرة، فهي مثل المدفعية الثقيلة، فإذا أحسنت استخدامها في الميدان على نحو صحيح، فإن مفعولها سيكون ماضياً، والعكس صحيح أيضاً، وتلك بعض جوانب المعركة الآيديولوجية والدعائية، الأمر الذي كان يقتضي متابعته من جانب النظام، وهو ما دعاه لاستهداف صاحب الكتاب، علماً بأن الكثير من الأدبيات والمطبوعات كانت تهاجم النظام وتلعنه صباح مساء، سواءً من جانب الإسلاميين أو الشيوعيين أو الحركة الكردية أو البعثيين الموالين لسوريا أو غيرهم، لكن ذلك شيء، والحجج القانونية التي تعكّز عليها في شن الحرب، والتي قام الكتاب بتعريتها ودحضها شيء آخر.

المختلف في الكتاب الموسوم "النزاع العراقي- الإيراني: ملاحظات وآراء في ضوء القانون الدولي" إنه يدافع بلغة واضحة ولا غموض فيها عن حقوق العراق الوطنية التاريخية في الماء واليابسة، ويندّد بالاتفاقيات غير المتكافئة والمجحفة، ولاسيّما اتفاقية الجزائر الموقعة في 6 آذار (مارس) العام 1975 بين صدام حسين وشاه إيران، التي كانت إدارة الحزب الشيوعي قد أيّدتها للأسف الشديد في حينها بحرارة، ويستعرض الأطماع الإيرانية المعتّقة، ويشدّد على تصحيح العلاقات العراقية- الإيرانية على أسس جديدة قوامها مصلحة الشعبين والبلدين والمشتركات الإنسانية واعتبار الحرب لا تخدم سوى الامبريالية والصهيونية.

*****

المثقف وفقه الأزمة - ما بعد الشيوعية الأولى/ ح 4

بيروت مركز إعلامي وأمني للنظام السابق وساحة مهمة من ساحاته الخارجية

كنت أعتقد أن غضب النظام على الكاتب يتأتّى من كونه قدّم سيناريو لإحالة المسؤولين عن شنّ الحرب إلى القضاء الدولي وفي مقدمتهم الرئيس السابق صدام حسين، بموجب أربع تهم أساسية، وعدد من الوثائق الدولية، وهو بتواضع أول معارض عراقي قدّم تلك المنهجية في الصراع، قانونياً وسياسياً، لكنني تيقّنت بعد حين إن ذلك أيضاً لا يعيره النظام أي اهتمام.

كان المهم لديه لدرجة الهوس والانتقام هو وضع الشيوعيين في خانة اللاوطنية، وإظهار نفسه المدافع عن مصالح البلاد العليا، ولذلك لا يقبل أية منافسة له في الدفاع عن القضية العراقية والحقوق العراقية التاريخية، التي قال ممثل النظام د. عصام عبد علي في عدن خلال انعقاد مؤتمر مجلس السلم العالمي حول "خطر الوجود العسكري الامبريالي في الشرق الأوسط والخليج العربي" وحضره وفد برئاسة عامر عبدالله والدكتورة نزيهة الدليمي وكاتب السطور، إن ذلك من حق النظام وحده، فما بالك حين يأتي كاتب ومن منظور أكاديمي ليدافع عن حقوق العراق، والأكثر من ذلك حين يكون شيوعياً، الأمر الذي أثار انفعاله، لاسيّما وأن مزاجيته ونرجسيته لا تقبلان أي شريك، فكيف الأمر بمعارض، ومن موقع اليسار؟.

الوطنية العراقية

لم أكن أحسب إن الكتاب سيترك مثل هذا الأثر والتأثير، بل والنقمة عليّ وعلى عائلتي، الاّ بعد فترة طويلة، وهو ما عرفته من أحد أقطاب النظام لاحقاً الذي التقيت به بعد سنوات على هامش أحد المؤتمرات الدولية، فقال لي: أنتم تريدون منافستنا على آخر ما نملك وهو "الوطنية"، ولذلك كنتم أخطر علينا من الآخرين الذين نستطيع أن نكيل إليهم الاتهامات بسهولة: فهذا في الحضن الإيراني، وذاك من الموساد وثالث من اﻟCIA ورابع ضمن الأجهزة السورية، وهكذا، أما من وقف ضد احتلال إيران للعراق ووقف ضد الحصار وضد مشروع الاحتلال الأمريكي، وفي الوقت نفسه يقف ضدنا باعتبارنا دكتاتوريين ومتفرّدين بالسلطة ومستأثرين بالمواقع، فقد كان الأخطر في عرف الحلقات المتقدمة من النظام، لأنه يريد أن ينزع عنّا الورقة التي نكافح وننافح فيها وهي "الوطنية العراقية" فماذا سيتبقّى لنا؟

إن صدور كتاب عن الحرب العراقية- الإيرانية يعيد طرح المسألة الوطنية على نحو مختلف من منظور معارض، عدّه النظام اختراقاً غير مسموح به، بعد أن ظهر الرئيس صدام حسين حينها، وهو يبتسم على شاشة التلفزيون، ليعلن إلغاء اتفاقية الجزائر من طرف واحد، بل ليقوم بتمزيقها أمام الملأ في 17 أيلول (سبتبمر) العام 1980، ثم بعد خمسة أيام، أي في 22 أيلول (سبتمبر) ليبدأ بشن الحرب، ويجتاح الأراضي الإيرانية، ويزهو بانتصارات هي أشدّ عاراً من الهزيمة على حد تعبير كارل ماركس، فهذا في عرف النظام تحدّياً لا ينبغي السكوت عنه، خصوصاً وإن الكتاب حاجج بخصوص الوسائل التي كان ينبغي اتباعها وهي مقرّرة في الاتفاقية ذاتها، والتي كان يمكن اللجوء إليها تجنّباً للحرب وابعاداً لشبحها، على الرغم من جميع التحفّظات القانونية والسياسية بشأنها.

لكن الحرب كانت الكارثة الأكبر التي عرفها العراق حتى ذلك التاريخ، وتوالت بعدها الكوارث والفواجع والمآسي الواحدة تلو الأخرى، فمن الحرب التي دامت ثمان سنوات 1980- 1988 إلى غزو الكويت في 2 آب (أغسطس) العام 1990، إلى حرب قوات التحالف ضد العراق في 17 كانون الثاني (يناير) العام 1991، إلى مسلسل قرارات مجلس الأمن الدولي التي فرضت الحصار الدولي الجائر ونظام العقوبات الغليظة على العراق، والتي زادت على 60 قراراً، ثم وصلت إلى 73 قراراً صدر منها نحو 13 قرار بعد الاحتلال الأمريكي للعراق العام 2003، وظلّ العراق يرزح تحت رحمة الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الخاص بالعقوبات الدولية، وصولاً إلى اندلاع الإرهاب والعنف على مصراعيهما وصعود الموجة الطائفية- الإثنية.

كان موقفي من اتفاقية 6 آذار (مارس) العام 1975 سلبياً انطلاقاً من دراساتي القانونية، ولاسيّما تقييمها طبقاً لاتفاقية فيينّا حول "قانون المعاهدات" لعام 1969، وهو ما كتبته في حينها بمطالعة من 13 صفحة، وهو الرأي الذي بنيت عليه فكرة الكتاب، خصوصاً بعد شن الحرب، وزاد الأمر تعقيداً تلويح إيران بمشروعها الحربي والسياسي الذي عبّر عنه السفير السيد موكري منذ وقت مبكر حين طرح أربعة شروط لوقف الحرب، تناولها الباحث في الكتاب وهي: استفتاء أكراد العراق، بالانفصال أو الانضمام إلى إيران، ووضع مدينة البصرة تحت السيادة الإيرانية المؤقتة، ومنح 150 مليار دولار تعويضات لإيران بسبب شنّ الحرب عليها، والأهم من كل ذلك هو قيام نظام حكم إسلامي (على غرار الجمهورية الإسلامية في إيران) بديلاً عن صدام حسين.

وهي أطروحات أبرزها الكتاب وعارضها، بتمسّكه بحقوق العراق مستعرضاً الاتفاقيات والمعاهدات التي تنازلت بها الدولة العثمانية تاريخياً للامبراطورية الفارسية، وهي حقوق تتعلّق بالعراق أساساً، وتناول العلاقات العراقية- الإيرانية منذ تأسيس الدولة العراقية في العام 1921 ولحين شن الحرب بما فيها اتفاقية العام 1937 التي تضمنت بعض التنازلات العراقية لإيران، ودور إيران الشاه في توتير العلاقات بعد ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958، وانسحاب العراق من حلف بغداد الاستعماري، ثم السعي لإلغاء اتفاقية العام 1937 من طرف واحد في العام 1969، وتوقّف عند اتفاقية الجزائر التي اعتبرت شط العرب نهراً دولياً، وقسمته بموجب خط الثالويك Thalweg، من أعمق نقطة في وسط النهر عند انخفاض منسوب المياه، وحتى البحر، علماً بأنه خط وهمي.

ولعلّ مثل هذا الإقرار يعتبر تنازلاً خطيراً لإيران، فشط العرب هو نهر وطني عراقي وليس نهراً دولياً، فضلاً عن إن انحساره تاريخياً من الضفة اليسرى، الأمر الذي سيوقعه بعد نحو 100 عام حسب علماء الطوبوغرافيا في الجانب الإيراني، إضافة إلى تنازلات أخرى عن أراضي عراقية في كردستان في منطقة نوكان- ناوزنك (التي كان للحزب الشيوعي مواقع أنصارية فيها، وقد عاش فيها الكاتب بضعة شهور)، مقابل استعادة مناطق زين القدس وسيف سعد التي لم تعيدها إيران، فاستعادها العراق حرباً، ثم عدنا إلى اتفاقية الجزائر ذاتها بخطاب وجّهه الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين في 15 تشرين الأول (أكتوبر) العام 1990 إلى الرئيس الإيراني هاشمي رفسنجاني في العام 1990 في حينها بعد تورطه باحتلال الكويت، وكأن دماء نحو مليون إنسان من الطرفين، وخسارة نحو 100 مليار واحتياطي 37 ملياراً وديون ثقيلة وأسرى ومعوّقين، لا قيمة لها وذهبت هدراً.

اختراق معاكس

لعلّ صدور كتاب في بيروت التي كانت تعتبر مركزاً إعلامياً وأمنياً للنظام، وهو يفضح الحجج التي تعكّز عليها في شن الحرب، وفي الوقت ذاته كان كاتبه شديد الحساسية إزاء حقوق العراق، كان يعني من وجهة نظر النظام اختراقاً في ساحة مهمة من ساحاته الخارجية، بل ساحة متقدمة، خصوصاً وقد جاء في ظل فعاليات سياسية وثقافية عراقية معارضة كان للحزب الشيوعي الدور الأكبر والأساس فيها، ولذلك كان ردّ الفعل شديداً، خصوصاً وأن الأمر أحدث نوعاً من التشوّش عربياً على الدعاية الديماغوجية الخارجية للنظام، وهو ما دفعه للانتقام من الكاتب وعائلته التي تحمّلت على مدى زاد على عقدين من الزمان عذابات لا حدود لها مثل العديد من العوائل السياسية العراقية المعارضة.

ولا أريد هنا التوقّف إلى ما تعرّض له الكاتب قبل ذلك من اعتقال وملاحقة ولاحقاً من ضغوط ومحاولة اغتيال وحجز الأموال المنقولة وغير المنقولة، فضلاً عن مصادرة مقتنياته الشخصية، لكنه تسنّى لي بعد لقائي بالوالدة بعد أكثر من عقدين ونيّف من الزمان (على آخر لقاء لي بها في بيروت حين أرسلها النظام لمقابلتي وتقديم عروض لي من جانب المخابرات العراقية) وحكت لنا تفاصيل ذلك والتهديدات التي حملتها، بحضور عبد الرزاق الصافي، عضو المكتب السياسي في حينها، وفخري كريم، مسؤول بيروت في حينها، وقد استمعنا إلى قصص وحكايات عن المعاناة الرهيبة التي عاشتها العائلة طيلة تلك الفترة.

وحين رحلت الوالدة نجاة حمود شعبان في العام 2007 كتبت خاطرة بعنوان "أحنّ إلى خبز أمي" وهي مرثية استذكار واعتذار، وفي العام 2012، وفي حواراتي مع الكاتب والإعلامي توفيق التميمي، ضمنّت ردّي على أحد أسئلته الذكية "رسالة اعتذار متأخرة" إلى والدتي ووالدي لما سبّبته لهما طيلة حياتي من أذى، لم أكن قادراً على ردّه أو إيقافه، وأكرّر مرّة أخرى، أنا فخور بهذه العائلة المتحّابة، المتسامحة، المتفانية والنبيلة.

إذاً كان وراء الاستهداف من جانب الحكومة العراقية وجهاز مخابراتها هو محاولة احتكار الوطنية العراقية، خصوصاً باستغلال ضبابية بعض أطروحاتنا وشطط بعض ممارساتنا وقصور بعض تقديراتنا وتحالفاتنا، واستمرار رفعنا لشعار "إسقاط الدكتاتورية ووقف الحرب"، وهو الشعار الذي أثار نقاشات وجدالات وتوتّرات، وقادت هذه إلى تعارضات وانشقاقات وتباعدات، وخصوصاً بعد احتلال الفاو، شملت إدارة الحزب وكوادره بينهم: زكي خيري وعامر عبدالله وباقر ابراهيم وحسين سلطان ومجموعة المنبر التي ضمّت مهدي الحافظ ونوري عبد الرزاق وماجد عبد الرضا وخالد السلام وأحمد كريم وكاتب السطور، ومجموعة من الكادر الوسطي، إضافة إلى عشرات المثقفين اليساريين بينهم سعدي يوسف ومحمد كامل عارف وهيفاء زنكنة ومظفر النواب وشاكر السماوي وطارق الدليمي وعبد اللطيف الراوي ومحمود البياتي وآخرين.

1- كتاب وخطاب: عقدة احتكار الشيوعية

استذكرت حكاية كتاب "النزاع العراقي- الإيراني" عند بعض ردود الأفعال السلبية إزاء صدور كتابي عن: "عامر عبدالله- النار ومرارة الأمل: فصل ساخن من فصول الحركة الشيوعية"، الذي استقبل بحفاوة أكثر مما أتوقّع بكثير من لدن أوساط واسعة، حتى إن هناك من عرّف به قبل صدوره، وهناك من أجرى مقابلة مع الكاتب عنه عشية صدوره وكتب بمناسبته عن عامر عبدالله أكثر من كاتب، وهناك من اتصل ليحجز نسخة له ويسأل عن دار النشر. واحتفت به بشكل خاص أوساط أخرى من المهتمين بالحركة الشيوعية والوطنية وتاريخها وشخصياتها، التي يمثّل عامر عبدالله أحد أبرزها، حيث كان الوجه الأكثر إثارة للجدل خلال العقود الأربعة منذ الخمسينيات وحتى الثمانينيات، وتعرّض ما تعرّض له من إساءات بعضها لم يكن بعيداً عن أوساطنا، كما يبيّن الكتاب، فضلاً عن بعض آرائه واجتهاداته.

الوفاء الشيوعي

واعتبر كثيرون إن صدور كتاب عن عامر عبدالله هو جزء من الوفاء للتاريخ الشيوعي ولشخصية مميّزة لم يُعرف عنها الكثير إلاّ اختلاطاً، لاسيّما وسط الزحام الكثيف وفي ظل صعود موجة طائفية- إثنية، وكان إصدار كتاب عنه، ويتضمن حوارات مباشرة معه إزاء عقد تاريخية ومشكلات وطنية وأخرى حزبية، إنما إجلاء لكثير من الحقائق والمعلومات، ناهيكم ما احتواه الكتاب من وثائق ونصوص ومواد بقلمه، سواء محاضرته في الكوفة كاليري في لندن العام 1992 أو محاضرته في الملتقى الفكري للمنظمة العربية لحقوق الإنسان في لندن، عن: حرّية التعبير وحق المشاركة السياسية العام 1993، وهما إضافتان جديدتان تنشران لأول مرّة على نطاق واسع، لاسيّما في تطوّر فكر عامر عبدالله، وربما كانا مرتكزين لتوجّهات كتابه "مقوّضات النظام الاشتراكي العالمي" الصادر في العام 1997، وشكّلا واحدة من إرهاصاته، إضافة إلى مذكرته للرفاق السوفييت العام 1986 (مع باقر ابراهيم) ومذكرته إلى عزيز محمد الأمين العام السابق العام 1989 (مع رفاق آخرين ومجموعة المنبر) وعكست هذه النصوص نظرته إزاء القمع الحزبي ومراراته بخصوص تطور الأوضاع السياسية بشكل عام والواقع التنظيمي بشكل خاص وما آلت إليه الأمور.

بيد إن هذا الاهتمام بالحركة الشيوعية وبعامر عبدالله، لم يكن يعجب بعض الإداريين السابقين في الحزب ممن أرادوا المطاولة مع عامر عبدالله بعد غيابه، فأخذوا يبحثون عن دور لهم في الإساءة لهذا الرفيق أو ذاك، لاسيّما لأصحاب وجهات النظر ومن الذين اتخذوا مواقف في الأزمة الطاحنة التي شملت الحزب منذ نحو أربعة عقود، ولا تزال مستمرة، فهناك من اعتبر الحديث عن مواصفات عامر عبدالله ودوره التاريخي مبالغة، في حين هناك من اعتبره جحوداً بحقه وتطاولاً عليه من خلال بعض الانتقادات التي تناولها، وبالطبع فإن التمجيد أو التنديد، مثلما هو التقديس أو التدنيس، ليسا من مهمات الكاتب والكتاب، وبالطبع فإن الكاتب يتفهّم طبيعة هذا النقد، ويقدّر بعض دوافعه، لكن تحوّله إلى هجوم غير مسبوق، فهو أمر خارج نطاق النقاش والجدل والخلاف الذي لا ينبغي أن يُفسد في الود قضية كما يُقال، لاسيّما حين يكشف بطريقة سافرة عن "السمّية" والحقد، بل والكراهية لدرجة التأثيم والتجريم والتحريم، وذلك لإخفاء الارتكابات التي اعتقدوا أن الذاكرة يمكن أن تمحوها أو إن النسيان سيطويها وإن الإنشغال بالهموم اليومية للناس منذ الاحتلال ولحد الآن يمكن أن يُبعد تلك المشكلات عن دائرة الضوء أو يقلّل من أهميتها، متناسين إن الحاضر استمرار للماضي، سواء في مبالغات لخدمة الغير والتسبيح بحمده أو في الحصول عن امتيازات ومكاسب لأوضاع ملتبسة ومثيرة للتساؤل.

*****

المثقف وفقه الأزمة - ما بعد الشيوعية الأولى/ ح 5

تحت بند النقد والنقد الذاتي تمت تنحية عامر عبدالله مرات عدة وإعادته للحزب

وقد عكس ذلك التوجّه الكيدي والانتقامي ضيق أفق وردّ فعل لا يجمعها جامع مع لغة الحوار واختلاف الآراء، علماً بأن كثيرين كتبوا في نقد الحزب وسياساته، بل في التعرّض بالقدح والذمّ والإساءة لأسماء وشخصيات من طاقم الإدارة القديم وتاريخهم، وهناك من وجّه اتهامات خطيرة ضدهم يربأ الكاتب بنفسه من تناولها، متعكّزاً كما يقول على معلومات، وهي الطريقة التي يتبعها بعض الحزبيين حين يريدون إغلاق الحوار، لكن هؤلاء لم يتوقف أحد عندهم إلاّ بصورة عابرة، في حين ما هو لافت أن يشمّر البعض عن ساعده لينال من الكاتب والكتاب وموضوع الكتاب "عامر عبدالله"، بسيل من الاتهامات والإساءات الشخصية ما أنزل الله بها من سلطان.

وبقدر ما في الأمر من شعور بالحزن والأسى إلى أن مستوى الحوار والجدل والتفكير ينحدر إلى هذا الحد، الذي كان أقلّ ما ورد في قاموسه تهمة المشبوهية والخيانة التاريخية، علماً بأن الأمر يستحق المساءلة القانونية والقضائية للقدح والذم والإساءة. وعلى حد تعبير صديقنا الروائي والصحافي الساخر شمران الياسري "أبو كَاطع" فإن أية تهمة، بل أدناها، سيكون أقلّها "الإعدام". وقد سبق لي أن رويت عن ناظم كزار والتهم التي يحضّرها ضد خصومه من السياسيين، ويبدو أن مثل هذا الأسلوب يعجب بعض أصحابنا الذين يقتبسون منه في إطار قرابة للضمائر المخرّبة. وهي تدلّ على خيال مريض وواقع مملوء بالحقد واليأس والعبث والخذلان.

أقول بقدر ما في الأمر من حزن، فإنه مفرح في الوقت نفسه أن يُظهر الناس على حقيقتهم وتنكشف أحجامهم الطبيعية بعد أن ظلّوا يختبئون لمدّة طويلة وراء عناوين مختلفة وينتفخون بألقابهم الحزبية. والأمر مفيد أن يستنفر المخلوعون ما تبقّى من قواهم للردّ على كتاب، وكاتب لا يمتلك سوى سلاح النقد، لفترة عاشها وخبرها، وكتب عنها من خلال شخصية شيوعية مثيرة هو عامر عبدالله، كجزء من مراجعاته الماركسية، ولا يهم البحث عن الحقيقة إن تعرّض للسباب والشتم والاتهامات والقدح والذم والتعيير، " فالإناء ينضح بما فيه"، وتلك إحدى مآثر علم النفس الحديث، ولاسيّما نظرية العالم سيجمند فرويد حول "الإسقاط" حين يحاول الإنسان أن يسقط ما عنده على الغير في مسحة لإبعاد الشبهات التي تظلّ تحوم حول أسئلة عالقة، حتى وإنْ احتمى "بالجماعة" وقبِلَ بالتدجين وسلّم بخنوع بالمقسوم، وصدق الرسول محمد (ص) في قوله "إذا بُليتم بالمعاصي فاستتروا"!.

والأمر مهم أيضاً حين يتم تناول كتاب لأنه يعود إلى مدى تأثير موضوعه والمقصود عامر عبدالله، ثم مدى تأثير كاتبه وصدقيته، خصوصاً لجمهور القرّاء، ولاسيّما لعدد واسع من الشيوعيين السابقين والحاليين، اتفقوا أو اختلفوا مع بعض توجهاته، لكنهم قرأوا باهتمام بالغ ما كتب، إضافة إلى شخصيات وطنية متعدّدة ومن اتجاهات مختلفة. وقد أبلغ الناشر "دار ميزوبوتيميا"، إن الكتاب قد نفذْ (فقد بعد ثلاثة أشهر من صدوره)، ولم يصادف أن نفذَ لديه كتاب بهذه السرعة وبهذا القدر من الطلب عليه، والأكثر من ذلك أن هناك كما نقل الناشر من قام بمحاولة استنساخ الكتاب وبيعه بطريقة غير قانونية ودون موافقة دار النشر، للطلب عليه، وطلب مني إصدار ما يشير إلى إن مثل هذا الأمر غير قانوني، وإن هذا الاستنساخ التجاري غير مرخّص من قبل الكاتب الذي لم يخوّل أحداً فيه، لكنّني اعتذرت عن ذلك وقلت إن ذلك من مسؤوليات دار النشر، وليس من مسؤولية الكاتب، وإذا اقتضى الأمر طبعه مرّة ثانية، فستكون طبعة محسّنة ومنقّحة.

استنفار واستفزاز

وثمة أمر يثير التساؤل: هل يستحق كتاب لكاتب مثل هذا الاستنفار؟ أم إن وراء الأكمة ما وراءها، بمن فيه لبعض من لم يقرأ الكتاب أو يطّلع عليه أو مرّ عليه مروراً سريعاً أو تصفّحه، دون مناقشة الإشكاليات التي تتعرّض لدور عامر عبدالله وأطروحاته ومساهماته بخصوص الحرب العراقية- الإيرانية، والمؤتمر الرابع والظواهر الغريبة في حياة الحزب وصولاً إلى حالات تعذيب وقتل تحت التعذيب، ثم باستدراج عناصر من إدارة الحزب إلى بغداد وبقائها لأسابيع تحت رحمة الأجهزة المخابراتية العراقية، ثم مغادرتها أو غضّ الطرف عنها خلال وجود وفد "الجبهة الكردستانية" للمفاوضات مع الحكومة العراقية بعد فشل الانتفاضة العام 1991، والأمر ليس افتئاتاً أو إساءة لأحد أو إشاعة يتم تردادها أو تهمة تتم محاولة إلباسها بغرض التشكيك، بل واقعة حقيقية مضى عليها اليوم أكثر من عقدين من الزمان، وهناك تفاصيل أخرى لا مجال لذكرها، وهو ما نقلته بعض القيادات الكردية العليا وأكّده بعض من خضع لمثل ذلك "القدر"، ولكن إدارة الحزب السابقة سكتت عنه ولحد الآن.

وشمل الحديث عن عامر عبدالله بعض آرائه وتوجهاته كجزء من تاريخ الحزب والكونفرنس الثاني العام 1956 والنزعة العروبية والتجديدية التي سادت بعد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي وتغيير أساليب الكفاح من التوجّه السلمي إلى الخيار العنفي بعد انتفاضة العام 1956 انتصاراً للشقيقة مصر.

وليس بعيداً عن ذلك العلاقة مع سلام عادل بما فيها من عناصر وصل وعناصر فصل، وود قبل الثورة ونكد بعدها والعلاقة مع قاسم وملابساتها، وخصوصاً موضوع إشراك الحزب الشيوعي بالحكم وتظاهرة 1 أيار (مايو) واجتماع تموز (يوليو) وأيلول (سبتمبر) العام 1959 للجنة المركزية والنقد والنقد الذاتي، وصولاً إلى عقوبات عامر عبدالله وتنحياته المتعدّدة وعودته، وغيرها من القضايا ذات الطبيعة الإشكالية، التي حاول الكتاب مناقشتها بشفافية.

تلكم ملخّص مكثف للقضايا التي تناولها الكتاب، فضلاً عن جوانب شخصية تخصّ عامر عبدالله وطفولته ومدينة عانه وعائلته ودراسته وترجماته وكتبه وغير ذلك، إضافة إلى عدد من القضايا الشائكة والملتبسة، بما فيها خط آب العام 1964 ومسألة "العمل الحاسم" العام 1965 والتحالف مع البعث العام 1973 ودور عامر عبدالله وانفضاض عهد الجبهة وفترة المنفى واشكالياته ومشاكله، وهي قضايا تحتاج إلى حوار هادئ ومفتوح، وبقلب حار ورأس بارد، بعيداً عن الزعم باحتكار الحقيقة أو إدارة الظهر عن مشكلات حقيقية عانى منها الحزب، وهي التي أوصلته إلى ما وصل إليه الآن من أزمة بنيوية مستفحلة، قبل وبعد انهيار الأنظمة الاشتراكية في أوروبا الشرقية وانحلال الاتحاد السوفييتي وارتباك الخطاب الآيديولوجي، والانتقال من ضفة الولاء المطلق للسوفييت، إلى الحديث عن مقتضيات العولمة والتكيّف مع النظام الدولي الجديد ودور واشنطن فيه.

الإستنسابية الشيوعية

إن عقدة احتكار الوطنية لدى صدام حسين وحزب البعث، ولاسيّما خلال الحرب العراقية- الإيرانية، تتلبّس بعض إداراتنا وإداريينا، لاسيّما الذين تم الاستغناء عن خدماتهم تلك التي تزعم حقها في احتكار اسم الشيوعية وحق النطق باسمها، وكأنها عقار تتصرف بملكيته بموجب سند بالطابو أو علبة من زجاج تخاف عليها من الكسر، وتحاول حملها معها أينما حلّت وارتحلت، "حفاظاً"على نقاوة الماركسية، حتى وإن انتهى أمرها بتقديم أوراق اعتماد امتحان الكفاءة إلى بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي للعراق، حسب تعبير الروائي والكاتب سلام عبّود، من جانب الأمين العام السابق والأمين العام الحالي، ليختار من يجده مناسباً، وهو ما حاول بريمر أن يطرق عليه في كتابه "عام قضيته في العراق".

لم يعد أعداء الحزب من الإمبرياليين والصهاينة، فهؤلاء أصبحوا بعرف بعض إداريينا وذيولهم "المجتمع الدولي" والقوى الكبرى، ولا يمكن مواجهة الولايات المتحدة بعد تبدّل ميزان القوى وانهيار الكتلة الاشتراكية، وكأنها قدر أقرب إلى "الحتمية التاريخية" التي كان البعض يتشبث بها، مثلما يتشبث المسلمون بالبسملة. وأصبحت "إسرائيل" لديهم جزءًا من القدر الحتمي الأمريكي، ويتحدث بعضهم عنها بصفة أقرب إلى الاستشراق والمستشرقين، وكأننا لسنا أبناء هذه المنطقة وشعوبها التي عانت من عدوان وإرهاب وعنف الصهاينة وحماتهم الامبرياليين، لدرجة إن منظمة حماس وحزب الله وحركة الجهاد ومنظمات مقاومة أخرى، هي منظمات إرهابية بعرف هؤلاء وذيولهم ومتفرعاتهم، لا تختلف عن داعش والقاعدة وجبهة النصرة، بل ويذهب بعضهم حتى دون حياء إلى اعتبار سبب عدوان "إسرائيل" على غزة في عملية "الجرف الصامد" العام 2014 يعود إلى استفزازات حماس، ولا فرق لدى البعض بين حركة تحرّر وطني، وإنْ كانت تحمل في خطابها وممارساتها نواقص وثغرات وعيوب، وبين حركات إرهابية لا برنامج لها ولا وسيلة لديها سوى العنف والقتل والإرهاب، وإذا كانت المقاومة تلتجئ إلى العنف اضطراراً، فلأن الوسائل الأخرى انعدمت أمامها من أجل التحرير واستعادة الحقوق، علماً بأن القانون الدولي أعطى للشعوب المستعمَرة والتابعة، حق اللجوء إلى القوة وإلى جميع الوسائل المشروعة لنيل استقلالها وانعتاقها.

لكل قاموسه

سأهمل جوانب التجريح الشخصي والتطاول والإساءة المقصودة والاستفزاز ومحاولة إبعاد الحوار عن هدفه وهو إجلاء الحقيقة، وجرّه إلى لغة مهاترات لا تغني ولا تسمن من جوع، وأكتفي بالقول إن لكل شخص قاموسه ومن يريد التخويض في مثل تلك الأوحال، فلينتظر ما شاء، فلن يجد ردّاً، وقد خبرت مثل تلك الأساليب التي تحاول إيذاء الآخرين وقد سبق أن استخدمت بما يخجل الإنسان عن ذكره بحق نوري عبد الرزاق في رسالة حزبية مذيّلة من المكتب السياسي في العام 1989، وضد مهدي الحافظ على مدى زاد عن عقد من الزمان (كل عقد الثمانينيات)، وضد باقر ابراهيم وصلت درجة الشتائم والاتهامات الصريحة وضد عامر عبدالله وحسين سلطان وآرا خاجادور وحميد برتو وعدنان عباس، وقبل ذلك ضد بهاء الدين نوري وماجد عبد الرضا وخالد السلام وثابت حبيب العاني وصاحب الحكيم و"أبو عليوي (المناضل الفلاحي هاشم محسن)" ومظفر النواب وسعدي يوسف والقائمة تطول لتشمل عشرات، بل مئات الكوادر وعلى مدى فترات زمنية مختلفة.

النتيجة واحدة وإنْ تعدّدت الأسباب، وباختصار فإن ذلك يعني في سلوك الإداريين إخراج غير المطيعين والمتمردين من "مجتمع المؤمنين" أو "جنّتهم" حتى وإنْ كان بينهم ما صنع الحدّاد، وهذا يعني حسب منطق المقدّس والمدنّس "الحكم على الخارجين بالذهاب إلى جهنم"، وهي الوسيلة التي استخدمت في جميع الأحزاب الشمولية في الحكم وخارجه، وفي أوروبا الشرقية بشكل خاص وفروعها ما أطلقنا عليه "دول التحرر الوطني"، مثل التجربة البعثية والناصرية والقذافية والبومدينية واليمنية الجنوبية وغيرها.

ولنا من تجربة أفغانستان وأثيوبيا والانقلابات والمؤامرات "الماركسية" الدموية خير دليل على ذلك، مضافاً إليه تجربة الحرب الأهلية بين القبائل "الماركسية" اليمنية في 13 كانون الثاني (يناير) العام 1986، التي راح ضحيتها أكثر من 13 ألف مواطن شهيد وضحية، وقد حاول عامر عبدالله في حواراته مع الكاتب مقارنة مجزرة قاعة الخلد بحق القيادات والكوادر البعثية في العام 1979 بمكيدة "المؤتمر الرابع" والتي عصفت بنصف القيادة الشيوعية وعدد من الكوادر الحزبية في العام 1985، وإنْ كان الفارق أن البعث في السلطة، وأن المؤتمر الرابع انعقد والشيوعيون بين المنافي والجبال البعيدة والمناطق النائية.

وقد انقلب السحر على الساحر لاحقاً فأطيح بعدد من المشاركين المتحمسين لخطة المؤتمر الرابع واعتبروا فائضين عن الحاجة وأصيب بعضهم باليأس والمرارة والاندحار لكنهم استمرأوا سياسة الخنوع وأوجدوا لأنفسهم أدواراً لمداراة حرصهم وطريقة إخراجهم من الإدارة.

لا زال البعض من إداريينا يتشبثون ببعض المقولات الستالينية حتى وإن كانت صدئة وعفا عليها الزمن، وهم يرددون: إذا وجِدَ حزبان شيوعيان في بلد واحد، فأحدهما انتهازي، بل ويزيدون على ذلك بدمغه بالخيانة، فكيف الأمر إذا كان فرداً يعتز بحمله راية الشيوعية، ولكن ليس على الطريقة العاطفية، ويستخدم عقله وضميره ويعترف بتقصيراتنا ونواقصنا ويحاول وضعها في سياقها التاريخي وهو يكتب عن الحزب وتاريخه. إن حالة التطيّر التي تصيب بعض الإداريين، حتى وإن كانوا بدون إدارة حالياً، هي دليل على أنهم لا يزالوا يعيشون في الماضي ولا يريدون الخروج منه.

كتب وإشكالات!

وقبل أن أنتقل لمناقشة بعض الموضوعات ذات الصلة، أذكر أنه عندما صدر كتابي "الصراع الآيديولوجي في العلاقات الدولية" في العام 1985، ولقي إقبالاً واستحساناً، على الرغم من منعه في عدد من الدول الخليجية في حينها، علّق أحد الإداريين أنه "ترجمة" وليس تأليفاً، ونسي أن الترجمة علم بذاته، ولست بقادر عليه، ولم أزعم أنني مترجم، حتى عندما ترجمت كرّاساً (أعددته مع مقدمة) ونشرته على خمس حلقات في مجلة الهدف الفلسطينية بعنوان "مذكرات صهيوني" أشرت بهذه المناسبة إلاّ أنني لم أقم بترجمته حرفياً، بل بإعداده، وقد صدر لاحقاً بكرّاس عن دار الصمود العربي في بيروت.

ولأن الموضوع كان مثيراً بالنسبة لي، فبذلت جهداً لإطلاع القارئ العربي عليه، وهو بالأساس أربع حلقات نشرت في صحيفة "المنبر" التشيكية في السبعينيات، وتتحدث عن علاقة الصهيونية بالنازية والتنسيق بينهما عن طريق إيغون ردليخ أحد قيادي المنظمة الصهيونية ماكابي هاكير، حتى وإن كان في السجن وقد أعدم في وقت لاحق، لكن مذكراته عُثر عليها في سقف أحد البيوت الحجرية في مدينة غودوالدوف بعد 23 سنة على إعدامه، ونشرت بعد حين.

 

 

صحافة وإعلام

مواقــــع

أخبار منوعة

الحكومة الفلسطينية تعقد الاجتماع الأول لها في غزة منذ 2014

News image

عقدت الحكومة الفلسطينية برئاسة رامي الحمد الله اليوم (الثلثاء) أول اجتماع لها منذ العام 201...

ستيفن بادوك، المشتبه بإطلاق النار في لاس فيغاس، كان مقامرا

News image

كان ستيفن بادوك، الذي تعتقد الشرطة أنه أطلق النار في لاس فيغاس، محاسبا متقاعدا ثري...

وفاة رئيس العراق السابق جلال طالباني عن عمر يناهز 84 عاما

News image

أعلن التلفزيون العراقي اليوم الخميس عن وفاة رئيس البلاد السابق والسياسي الكردي البارز جلال طال...

برلمان العراق يمهد لتعليق عضوية نواب أكراد شاركوا بالاستفتاء

News image

بغداد ـ كلف رئيس البرلمان العراقي سليم الجبوري خلال جلسة اعتيادية عقدها البرلمان، الثلاثاء، لجن...

مسلح ستيني يقتل 59 شخصاً ويجرح 527 شخصا في لاس فيغاس.. وينتحر

News image

قتل مسلح يبلغ من العمر 64 عاماً، 59 شخصاً، وأصاب 527 آخرين، أثناء حفل ...

ماتيس: واشنطن لديها "الكثير" من الخيارات العسكرية في الأزمة الكورية ونغيانغ تصف عقوبات الأمم المتحدة بأنها "عمل عدائي شرس، غير إنساني، وغير أخلاقي

News image

قال وزير الدفاع الأمريكي جيم ماتيس إن بلاده لديها "الكثير" من الخيارات العسكرية في موا...

المحكمة العليا العراقية تأمر بوقف استفتاء الأكراد ومناورات تركية على حدود العراق

News image

بغداد - أنقرة - قال الجيش التركي في بيان إن القوات المسلحة بدأت مناورات عسكرية عل...

مجموعة التجديد

Facebook Image

المزيد في دراسات

نماذج من أقوال الرئيس عبد الناصر، مفاتيح لقراءة الراهن العربي

د. ساسين عساف

| السبت, 7 أكتوبر 2017

  1-فلسطين   - "... وبدأت طلائع الوعي العربي تتسلّل إلى تفكيري وأنا طالب في المرحلة ...

القول الحديث في تاريخ مصر الحديث: الحكم العثماني في مصر بين الوثائق والاستشراق

محمد شعبان صوان

| الخميس, 5 أكتوبر 2017

ساد الحديث زمناً عن "الاحتلال العثماني" وبعضهم زايد بصفة "الاستعمار التركي" للبلاد العربية، ونال الق...

العقل الإسلامي وإشكاليات النهوض الحضاري*

د. عزالدين عناية

| الخميس, 5 أكتوبر 2017

  ثمة مفارقة يشهدها تاريخنا الراهن تسترعي الانتباه. في الوقت الذي تعيش فيه الساحة العربية ...

الفلسفة محبة، الفيلسوف باحث، التفلسف تجاوز

د. زهير الخويلدي

| الخميس, 5 أكتوبر 2017

  "لماذا نتفلسف؟ يبدو أن اللفظ يجاب عليه من ذاته: من أجل الحكمة (صوفيا) حيث ...

تونس المعاصرة

د. عزالدين عناية

| الاثنين, 18 سبتمبر 2017

  يُمثّل كتاب ستيفانو ماريا توريللي الصادر بالإيطالية بعنوان "تونس المعاصرة" قراءةً معمّقةً للأوضاع السياسية ...

الخروج من التاريخ

حسن العاصي

| الاثنين, 18 سبتمبر 2017

هل يعاني العرب استعصاءات فكرية مزمنة؟ إن أية نظرة موضوعية للواقع العربي الراهن تؤكد بما...

البرنامج التربوي في تجربة جون لوك الفلسفية

د. زهير الخويلدي

| الاثنين, 18 سبتمبر 2017

  "لا تستهدف التربية إلا تشكيل الإنسان، سواء بواسطة مدرسة الأحاسيس، أي العائلة، أو بواسطة ...

التساؤل عن الإنية والبيذاتية عند هيدجر وسارتر وكيركجارد

د. زهير الخويلدي

| الخميس, 31 أغسطس 2017

  تأليف روبار تيرفوداي1 ترجمة   هل يكون القلق، بالمعنى الهيدجري لهذا المصطلح، نبرة ...

سوسيولوجيا المثقّفين العرب في الغرب

د. عزالدين عناية

| الأربعاء, 30 أغسطس 2017

مرّت زهاء خمسة عقود على صدور النسخة الإنجليزية من مؤلف هشام شرابي "المثقفون العرب وال...

إشكاليات بناء الدولة المدنية والمواطنة في الدول العربية

د. ساسين عساف

| الأربعاء, 30 أغسطس 2017

كثيرة هي الدراسات التي تناولت اشكاليات بناء الدولة في الدول العربية، الدولة الديموقراطية والمدنية، دول...

"الاشتراكية بالخصائص الصينية".. واقع وتحديات

فتحي كليب

| السبت, 12 أغسطس 2017

في إطار التوجه العام للقيادة الصينية بالانفتاح على أحزاب وشخصيات شيوعية واشتراكية ويسارية بهدف وضع...

الأزمة المالية تعرقل مسار التنمية الاقتصادية

د. زهير الخويلدي

| السبت, 12 أغسطس 2017

"يتعلق الأمر بمنح الأولوية إلى قوى الإبداع والخلق والعمل. وينبغي القفز على العوائق والاحراجات الت...

المزيد في: دراسات

-
+
10
mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterاليوم7642
mod_vvisit_counterالبارحة28305
mod_vvisit_counterهذا الاسبوع62222
mod_vvisit_counterالاسبوع الماضي225854
mod_vvisit_counterهذا الشهر553778
mod_vvisit_counterالشهر الماضي1063018
mod_vvisit_counterكل الزوار45616166
حاليا يتواجد 2959 زوار  على الموقع