موقع التجديد العربي

للتواصل عبر البريد الإلكتروني: arabrenewal2002@gmail.com 

 
  • default color
  • green color
  • blue color
ستشهاد 4 فلسطينيين وإصابة 269 خلال أسبوعين ::التجــديد العــربي:: السيسي: 13 ألف جريح جراء الإرهاب بمصر ::التجــديد العــربي:: مصر.. السيسي يعلن ترشحه لفترة رئاسية ثانية ::التجــديد العــربي:: تدمير صاروخ بالستي أُطلق باتجاه نجران ::التجــديد العــربي:: تركيا تبدأ «عملية عفرين» بقصف عبر الحدود ::التجــديد العــربي:: لبنان يحبط مخططا إرهابيا لداعش ::التجــديد العــربي:: اكسون موبيل: مشروع مرتقب مع "سابك" لتأسيس أكبر مصنع لتقطير الغاز في العالم ::التجــديد العــربي:: شلل يصيب الحكومة الأميركية مع وقف التمويل الفيدرالي ::التجــديد العــربي:: انطلاقة مهرجان مسقط 2018 ::التجــديد العــربي:: القائمة الطويلة للبوكر العربية تقدم للقراء ثمانية وجوه جديدة ::التجــديد العــربي:: الزواج وصفة طبية للنجاة من أمراض القلب ::التجــديد العــربي:: فول الصويا الغني بالمادة الكيميائية 'آيسوفلافونز' يمنع آلية الموت المبرمج للخلايا العضلية، ويحسن صحة القلب والأوعية الدموية لدى النساء في سن الشيخوخة ::التجــديد العــربي:: الاتحاد يقلب الطاولة على الاتفاق ويستقر بربع نهائي والتأهل في كأس الملك ::التجــديد العــربي:: ريال مدريد يعود لسكة الانتصارات في كأس اسبانيا بيفوزه على جاره ليغانيس ::التجــديد العــربي:: الاتحاد الافريقي يطالب ترامب باعتذار بعد "وصف دول افريقية بالحثالة" ::التجــديد العــربي:: روسيا: واشنطن لا تنوي الحفاظ على وحدة سوريا ::التجــديد العــربي:: سوريا وروسيا وتركيا تنتقد تشكيل الولايات المتحدة قوة حدودية جديدة شمالي سوريا ::التجــديد العــربي:: الإمارات والمغرب على قائمة أميركية للدول الأكثر آمانا في العالم ::التجــديد العــربي:: الإمارات تعلن ان احدى طائراتها المدنية تم اعتراضها من قبل مقاتلات قطرية خلال رحلة إعتيادية متجهة إلى البحرين ::التجــديد العــربي:: محمد حمدان المسؤول في حركة حماس الفلسطينية ينجو من محاولة اغتيال في صيدا ::التجــديد العــربي::

نحو سياسة ثقافية مشتركة (2)

إرسال إلى صديق طباعة PDF

إن الأمراض السياسية المستعصية، الناشئة عن ثقافة سياسية عنصرية- عدوانية، توجد مناخا تنمو فيه أمراض أخرى، اجتماعية وثقافية واقتصادية.. إلخ، قد تكون مستعصية على المعالجة، ومن شأن ذلك أن يضاعف ضعف الضعفاء وغطرسة الطغاة والمعتدين، وأن يوجد مناخا لا يساعد على العلاقات السليمة والحياة المشتركة للبشر، بَلْهَ على التقدم في معارجها، واستشعار السعادة فيها.

وكأنموذج لسياسات وممارسات مبنية على ثقافة سياسة غير مقبولة ولا متوازنة ولا مسؤولة، نسوق أنموذج الولايات المتحدة الأميركية وممارساتها، تلك الدولة التي قامت منذ نيف وثلاثمئة سنة واستمرت على سياسات وممارسات وقيم، تدخل في باب المدان والكارثي والعنصري من الأفعال والسياسات، فضلاً عن المستغرب والمستهجن والمرفوض قانونياً وخلقياً في ممارساتها التي لا يفوقها فيها سوى الكيان الصهيوني، وهما أنموذجان متحالفان على أية حال:

- لقد قامت الولايات المتحدة الأميركية على أعمدة رئيسة، تحدد جوهر ثقافتها السياسية، أو مفاهيمها السياسية، واعتمادها مبادئ غير أخلاقية في السياسة، بمعنى يجسد عنصرية وميكيافيلية صارخة، وممارسات عنصرية أصبحت ديدناً استعمارياً طغيانياً بامتياز، ومنهجاً للسلب والنهب وإرهاب الإمبراطور، فقد قامت ب-:

1- إبادة الجنس، حيث أبيد أكثر من خمسين مليون من الهنود الحمر، على أيدي المؤسسين وأتباعهم، وقضي كلياً على حضارات منها حضارة الأنكا وسواها، حتى تقوم الدولة.

2- عبودية الزنوج الأفارقة، والتمييز العنصري ضدهم، وقتل الآلاف المؤلفة منهم، وتعذيبهم واضطهادهم. ويمكن تذكر ما جرى لهم في ما سمي ﺑ"طريق الدموع" حين قطعوا أكثر من ألفي كيلو متر مشياً، من أقصى الولايات المتحدة إلى أقصاها، وتخطفهم خلالها الجوع والمرض والأوبئة.. لتقام لهم معازل.

3- استخدام القنابل الذرية لأول مرة في تاريخ العالم، وذلك ضد اليابان في هيروشيما وناغازاكي، بعد استسلام اليابان في الحرب العالمية الثانية.

4- استخدم السلاح الكيمياوي، "سلاح الأورانج"، ضد فيتنام.. في الحرب القذرة ضدها، وما زال الفيتناميون يعانون حتى الآن من أثار ذلك السلاح، بعد مرور أكثر من ثلاثين سنة على تلك الحرب.. ومثل ذلك حروب في آسيا بين الكوريتين وغير ذلك في أنحاء متفرقة من العالم.

5- سلب ونهب ثروات الشعوب، والتدخل في شؤونها بأشكال مختلفة.

تلك العوامل المؤسسة للدولة وهي إبادة الجنس والعبودية والعنصرية، واستخدام الأسلحة المحرمة.. هي التي تكون أسس الثقافة السياسية في تلك الدولة المتغطرسة، التي دمرت العراق بطلب صهيوني وتحقيقاً لمصلحة أميركية، وما زالت تشن الحروب وترتكب الجرائم في أفغانستان، وفي باكستان " بالوكالة" وفي سواهما.. وتدعم عنصرية الصهاينة واحتلالهم وممارساتهم في إبادة الجنس والحصار والعدوان.

6- ممارسات رهيبة، في سجون سرية وغير سرية، منها "غوانتنامو" وأبو غريب وغيرهما.

ذلك أنموذج لسياسة تحكم العالم وتتحكم به وتقرر ما تشاء في ازدواجية معايير غريبة، من خلال مجلس الأمن الدولي، تشكل غطاء وحماية للعنصرية الصهيونية الأبشع، وتنحاز ليها وتحمي احتلالها واستيطاناً وعدوانا، وممارساتها لعنصرية.. فالعنصري يتعاطف مع العنصرية لأن التكوين الثقافي واحد، والطينة واحدة.

وبعد هذه المقاربة السريعة لنوع من الثقافة السياسية يحق لنا أن نقول بضرورة قيام قواعد قيمية وخلقية حاكمة، فلابد للسياسي أن يخضع لمعيار خلقي- قيمي- إنساني، وألا يبقى كتلة شر منفلتة من القوانين والعقل والوجدان وحق الآخر في الحياة.

ويبدو جلياً من خلال التجربة الطويلة التي مر بها العرب والشعوب الإفريقية في ظل الاستعمار الغربي والأميركي والاحتلال الصهيوني لفلسطين، أن تلك الأمراض لا تعالج بغير امتلاك قوة توازن من نوع ما بين قطب مريض وآخر تنعكس عليه نتائج الأمراض وأفعال المرضى وأوضاعهم. وهذا الوضع المزمن يطرح أسئلة مقلقة قد تشير إلى طرق منقذة، وهي أسئلة يطرحها المعافى على المريض، وأخرى ينبغي أن يطرحها المريض على نفسه لكي يجد مخرجاً مما وُضع فيه على مدى قرون، ويسوغ لنفسه أن يبقى ضحية الغطرسة وما لم يواجه به نفسه، ومن ثم لم يجد منه مخرجاً.

إن معاناتنا مع الاستعمار والنزوع العنصري المستحكم في أنفس وشرائح بشرية، وضعفنا وتفرقنا حيال ذلك، ودخولنا في صراعات إقليمية وداخلية مميتة، من صنعنا ومن صنع غيرنا، هي في النتيجة لمصلحة المستعمر وتؤسس لتهافتنا وتآكلنا، والمفترض فيها أن تدفعنا إلى التضامن والتعاون ورفع الصوت بتطلعات وأسئلة منها:

- هل نستطيع أن نقيم حواراً بناء جاداً وعميقاً وشاملاً، سياسياً وثقافياً واجتماعياً، بين العرب والأفارقة، يُبنى على حقائق التاريخ والجغرافية، والتقارب والتفاعل الثقافيين، يصل ما انقطع من علاقات تاريخية وتفاعل ثقافي واجتماعي، ويتركز في دوائر ضيقة في البداية ثم تتسع دوائره ويتسع معها المشترك الذي يجمعنا وينمو بتحاورنا، ويشكل مناخاً وحاضنة للتفاهم والتعاون والتضامن وللتنمية والاستثمار، بين أطراف لها مصلحة قصوى في اللقاء والحوار والتعاون، ولها في لقائها وحوارها وتعاونها- بعيداً عن دوائر الإملاء والهيمنة والسيطرة والاستعمار الجديد، والاستغلال والنهب المستمرين- قوة وحرية وتحرير لقرارها وإرادتها، أو سعي باتجاه امتلاك القوة والحرية والتحرير، لا سيما على المستويات الحيوية: الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية، وفي مجالات الأمن المتبادل بأنواعه؟!

- وهل نستطيع أن نقيم ذلك الحوار، في إطار رؤية المنافع المتبادلة مشخصة وملموسة بين دولنا وشعوبنا، بعيداً عن الصور النمطية المشوهة التي رسمها لنا الرب الاستعماري وما زال يرسمها، وعن عمليات المحو والإلحاق والتبعية والابتزاز واستغلال الآخرين، كما هي حالنا الآن مع الغرب الاستعماري والشركات والتكتلات الاقتصادية والمالية الجشعة التي يديرها أو يتحكَّم بها، ويحكُم العالم من خلالها، ومؤسسات دولية أخرى يسيطر عليها، منها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية..إلخ؟!

إن مجرد البدء بخطوة على تلك الطريق سيجعلنا نكتشف الأفق الواسع لهذه العملية التضامنية الإنسانية المشروعة، في مجالات حياتية حيوية كثيرة ومتنوعة.. وبذلك نستيقظ من كابوس يجثم على صدورنا، ونلغي أكثر من مستغل عنصري جشع، في المجال الاقتصادي على الأقل، يراكم أرباحه على حسابنا، ويسيطر على مصالحنا وصلاتنا ويتحكم بها ويوجهها حيثما يريد، ويضع أموالنا تحت تصرفه، ويتاجر بنا وببضائعنا وموادنا الأولية وثرواتنا الطبيعية، ويمسك رقابنا من المَخانق، ولا يسمح لنا بالتنفس إلا بالقدر الذي يبقينا أحياء ضعفاء نحتاج إليه في كل شؤون الحياة، ونقوم بخدمته بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ويجعل بعضنا يقتل بعضاً من أجله عند الضرورة.. ويمنُّ علينا من بعد بأنه يمنحنا بعض نفايات ما نهبه منا لكي نبقى نلهث وراءه مستطيبين الذل والحاجة، لقمتنا مرة ومغمسة بالدم والعفن، وملقاة على قارعة الطريق، وتستفحل الأنيميا في دمنا، ويفتك بنا الجوع والفقر والمرض والتخلف.. فلماذا وإلى متى؟.

في محيط البحر الأحمر، على سبيل المثال لا الحصر، تجمُّعٌ فريد، آسيوي إفريقي، عربي وغير عربي، مسلم وغير مسلم، غني بالموارد البشرية وبالثروات والمواد الأولية المتنوعة وبموارد الطاقة، ويتمتع بمواقع استراتيجية عالية القيمة والأهمية، اقتصادياً وتجارياً، أمنياً وعسكرياً؛ ويجمع في حوض كبير ثقافاتٍ غنية ومتنوعةً وشعوباً ذات تاريخ وحضارة، وذات تأثير في التاريخ والحضارة، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، فلمَ لا يقوم بين أطراف هذا التجمع الكبير لقاء وحوار وتعاون وتفاهم بين دوله والمجموعات البشرية المتشاطئة فيه، على أرضية من الاحترام وتبادل المنافع وحماية الذات والهوية من أشكال التهديد والغزو والاستنزاف والتعبيد؟ ولمَ لا يقوم تعاون واتفاق للبحث عن المصالح والاستثمارات توفيراً لمناخ الاستقرار والتنمية، واستشرافاً للمستقبل، وامتلاك الحرية والاستقلال التامين، بعيداً عن سيطرة القوى التي تفترس أعماقنا هناك؟ ولماذا تسمح تلك الدول والشعوب للغرب الاستعماري ووكيله العنصري، رأس حربته الاستعمارية في المنطقة، " الكيان الصهيوني" الذي يثبت كل يوم أنه عدو السلام وسبب التوتر وفقدان الأمن والاستقرار في المنطقة، لماذا تسمح له بإحداث الوقيعة وإشعال نار الفتنة فيما بينها، وتتركه يتسلل من بين خلافاتها ومصالحها إلى مواقع تمكِّنه من السيطرة عليها والتحكم باقتصادها وأمنها وسياساتها، وتوجيه تلك السياسات؟!

السعودية واليمن والأردن ومصر والسودان وإرتريا وجيبوتي والصومال وحتى إثيوبيا، دول متشاطئة يجمعها حوض البحر الأحمر الغني بكل معاني الغنى والموبوء بخلافات وصراعات ظاهرة وباطنة، وهو حوض يمكن أن يتحرر من الفتن والفقر والجوع والمرض وسوء التغذية، ومن الاستعمار المباشر وغير المباشر الذي يمسك رغيف الخبز في بعض تلك البلدان ويحرك جماعات هنا وأخرى هناك ليقسِّم ويفتِّت ويُضعف ويتحكم؟ لماذا لا تقيم دُوَلُه اعتماداً متبادلاً وثقة وتجارة رابحة فيما بينها، متحررة من السيطرة والتدخل؟.. ولماذا يكون لزاماً على بضائع الدول العربية والإفريقية وأموالها وحاجاتها أن تمر عبر الوسيط الغربي وأن تتبارك في مصارفه وعواصمه؟ هل لمجرد أن يأخذ العمولة وفائدة الشحن والأرباح الفاحشة، ويتحكم بالقرار عند الحاجة، ويفرق القلوب ليقدم نفسه " بلسماً لها؟".. ويا له من " بلسم" قتَّال، يوغل في الأعماق حتى لا يكاد يُرى أو يُشْعَرَ به، ويفتك بها هناك فتكاً ذريعاً، أدمنه الناس حتى كاد يصبح جزءاً من تكوين المنطقة والأنفس وتقاليد الدول وعادات الناس.؟!

وما ينطبق على بلدان متشاطئة في حوض البحر الأحمر ينطبق على أخرى هناك مشتركة في حوض النيل، حيث يهدد بعضُها العطش، وتعيش أخرى في ما يشبه المجاعة، ويُراد لها ألا تتفاهم وتتفق وألا تتعاون، وأن تتناوش هناك وتتقاتل، وتشرف على الأسوأ من العلاقات والصلات في هذا المجال.. ما لم يتم تدارك ذلك بالحكمة وتحكيم العقل واستقراء التاريخ البعيد المفعم بالتعاون والتفاهم؟!. وهناك غير هذا وذاك مشكلات وصراعات وحروب، نتيجة أوضاع خاصة مضطربة وتدخل أجنبي في شؤونها الداخلية.. وما يجري في السودان والصومال أنموذج صارخ، وهناك أيضاً من المشكلات والأزمات ما قد يتفاقم ويؤدي إلى فتن داخلية وصراعات عربية عربية، وإفريقية عربية، وإفريقية- إفريقية، إذا ما قسم السودان، لا سمح الله، وتفاقمت أزمة تقاسم المياه في حوض النيل، وأزمات الصحراء واليمن والقرن الإفريقي.. إلخ.

إننا لا نكاد نفيد من ذلك القرب والماضي التاريخي والجوار الجغرافي والتداخل السكاني والتفاعل الثقافي والحضاري بين لعرب والأفارقة مثلاً.. شيئاً يذكر، وتبدو لنا نيويورك أقرب لكل منا من أية عاصمة إفريقية أو آسيوية.. على الرغم من إمكانية التواصل بيننا براً وبحراً وجواً في وقت أقصر، وأمن أكثر، وتوفير للمال والطاقة والجهد والوقت، الأمر الذي يعود على البشر في كل تلك البلدان بالخير والمنفعة؟.. فلمَ يقوم هذا الحجاب السميك بيننا ولمصلحة من، وإلى متى؟! ولكل منا مع الآخر بُعد ثقافي وحضاري وعقائدي وروحي مشترك، فضلاً عن إمكانية الدخول في حوض اقتصادي واسع واعد؟.. لمَ يكون الغرب هو وكيل الطرفين حتى في علاقاتهما بعضهما ببعض؟ أليس الغرب الاستعماري المستغِل، والصهيوني المتربص، هما وحدهما المستفيدان من تباعد القريبين، وتنافر المتجاورين، وتقاتل المستضعَفين، وغياب الحوار واللقاء والتعاون المباشر بين أطراف عربية وإفريقية، لو التقت في أطر إنسانية واجتماعية بناءة، لاغتنت وأغنت وحققت الكثير من الخير لشعوبها وللبشرية.. لثقافتها وللثقافة العالمية، لقيمها الروحية وللقيم الإنسانية كلها؟! ولا يحول الغرب وحده بيننا وبين أن نفعل هذا، بل إننا نسهِّل عليه ذلك أكثر مما يعمل هو له، فعلَّتنا القتَّالة في ذواتنا وفي عدم التفاتنا لأهمية أن يكتشف كل منا الآخر، وأن يقترب منه ويتعاون معه.. ليظهر لنا من بعد، كم يقوينا هذا ويحررنا ويساهم في التنمية والتقدم، ويجعل الأمن يستتب في منطقتنا ويعود علينا بالفوائد الجمة، ويجعل أبناءنا يستقرون في أوطانهم ويخدمونها بكرامة، ولا يعانون ويموتون في الصحارى والبحار ومتاهات الهجرة إلى بلدان يُستذلون فيها، وتستنفَد فيها طاقاتهم حتى الثمالة، ومن ثم يُرمون كالنفايات؟!!

ومن عجب أن تغيَّب أو تغيب فكرة الالتفات نحو هذه العوالم العربية الإفريقية الغنية الواعدة، حتى من كثير من مثقفيها وسياسييها وأهلها، ولا يكون المدخل إلى تلك العوالم، حتى في داخل ذواتها، إلا من قبل المستعمِر والمستغِل والعنصري والمتغطرس!!

من المؤكد أننا لسنا ضد الغرب عندما لا يكون ضد الآخرين، ومن المؤكد أنه لا غنى لنا عنه في بعض الأمور، ولا نريد أن نقيم بيننا وبينه الحواجز والكراهية والبغضاء، ومن المؤكد أننا نرحب بالتفاعل والتعامل معه ومع الآخرين، ونحرص على أن يحترم مصالحنا وخصوصياتنا وعقائدنا وهوياتنا القومية وقرارنا المستقل كما نفعل نحن ذلك حياله.. ومن المؤكد أننا لا نريد بدعوتنا إلى الالتفات نحو علاقة تعاون وتفاهم وتضامن عربية- إفريقية قوية وواعية، تهدف إلى رؤية ما تمتنع علينا رؤيته بشكل أو بآخر، وما يعمَّى علينا حتى لا نراه، ولا نرى المشترك الذي يجمعنا، والمصالح التي تعود علينا جميعاً بالفوائد، لا نريد أن نقصيه أو أن نقلل من حقيقة احتياجنا له، ومن قدرته على تقديم شيء حيوي وضروري ومستقبلي لنا وللحضارة الإنسانية، ولكننا نريد أن نرى ما حولنا جيداً، وأن نكتشف كم هو- أي الغرب- أناني ومستبد ومتغطرس وعدواني، وكم هو متغلغل في شراييننا إلى الحد الذي يمنع دمنا من أخذ حاجته الماسة من الأوكسجين، ويمنع حواسنا من التعامل مع الحياة والأشياء.. مع الأرض والطبيعة والناس من حولنا بتلقائية وسلاسة وسلامة وحرية وموضوعية.

إن من حقنا أن نقول للغربي الذي استعمرنا قروناً، واستعبد فريقاً منا، وامتص دمنا وما زال يمطرنا بناره وسخطه وسياطه وغطرسته وألاعيبه ومؤامراته، ويحتل أرضاً لنا، ويطلب منا أن نقتتل بالإنابة عنه، تأميناً لمصالحه، وتكريساً لضعفنا، ودفاعاً عن احتلاله.. من حقنا أن نقول له: كفى فإننا بشر، وإن من حقنا نعيش، وأن نستمتع بلحظات استقرار وأمن ودفئ واطمئنان تحت شمسنا التي تسرقها من بين جفوننا وتقيم بيننا وبينها الحُجُب.. وأن نصرخ: "كفى تشويهاً وعدواناً وإرهاباً باسم الإرهاب، نعم كفى إرهاباً: فكرياً وإعلامياً وسياسياً واقتصادياً وعسكرياً، وكفانا رعباً وموتاً وذلاً ونهباً.. لقد شوهت أيها السيد الغربي المستعمِر المدمر حتى وجه الله في أبصارنا وبصائرنا، ولم تعوضنا عن القيم التي شوهتها والبنى التي هدمتها شيئاً يستحق الذكر، اللهم إلا إذا كان تخريب الذوق والثقافات والبنى القيمية والروحية والعلاقات الاجتماعية للأفراد والأسر والمجتمعات والشعوب، وتدمير التراث ونهبه، فضلاً عن نهب الثروات واستلاب الذات، وتخريب الاقتصاد.. شيئاً يستحق أن تُشكر عليه وتُعطى الحق في الاستمرار بالقيام به، بوصفه التقدم الذي تنادي به، والحضارة التي ترى أن نرتقي إليها، والديمقراطية التي تحرص على فرضها وعلى أن نمارسها وفق هواك. إننا أيها السيد موجودون ونريد أن نرى ونفكر ونتواصل ونتعاون ونتذوق طعم الحياة باطمئنان وكما يحلو لنا.

من الطبيعي أن السيد لا يسمح، ولكن هل من الطبيعي أن نبقى كما يريد أن نكون؟! إن علينا أن نعمل ونقوى ونرفع صوتنا لكي نحقق بعض ما نريد، ونجعل ذلك السيد يدرك أن العالم لنا وله، وأننا شركاء له في الشرط الإنساني والمصير الإنساني، وأنه من حقنا أن نصبح شركاء متساوين في عالم أوسع بكثير من نظرته الضيقة، وسلطته المطلقة، وأنانيته المفرطة، و "وحدانيته " المتفرّدة التي تغرق في صيغ نادرة من الأنانية والتورم البشري الخبيث والعنصرية المدانة.


 

د. علي عقلة عرسان

تعريف بالكاتب: كاتب وأديب
جنسيته: سوري

 

 

شاهد مقالات د. علي عقلة عرسان

أرشيف وثائق وتقارير

صحافة وإعلام

مواقــــع

أخبار منوعة

ستشهاد 4 فلسطينيين وإصابة 269 خلال أسبوعين

News image

القدس المحتلة -أظهر تقرير حماية المدنيين الصادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أو...

السيسي: 13 ألف جريح جراء الإرهاب بمصر

News image

القاهرة - أشرف عبدالحميد - كشف الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي أن عدد المصابين جراء الع...

مصر.. السيسي يعلن ترشحه لفترة رئاسية ثانية

News image

القاهرة - اشرف عبدالحميد- أعلن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ترشحه لفترة رئاسية ثانية في كلم...

تدمير صاروخ بالستي أُطلق باتجاه نجران

News image

الرياض - صرح المتحدث الرسمي لقوات التحالف "تحالف دعم الشرعية في اليمن" العقيد الركن ترك...

تركيا تبدأ «عملية عفرين» بقصف عبر الحدود

News image

عواصم -أعلن وزير الدفاع التركي، نور الدين جانيكلي، الجمعة، أن عملية عفرين السورية بدأت فعل...

الإمارات والمغرب على قائمة أميركية للدول الأكثر آمانا في العالم

News image

الرباط – صنفت الولايات المتحدة المغرب ودولة الإمارات ضمن قائمة الدول الأكثر آمانا لرعاياها الر...

الإمارات تعلن ان احدى طائراتها المدنية تم اعتراضها من قبل مقاتلات قطرية خلال رحلة إعتيادية متجهة إلى البحرين

News image

أبوظبي – اعلنت الإمارات صباح الاثنين ان احدى طائراتها المدنية تم اعتراضها من قبل مقا...

مجموعة التجديد

Facebook Image

المزيد في ثقافة وفنون

راقصةُ الهجع*

كريم عبدالله | الأحد, 21 يناير 2018

  دقّتْ ﺑ رجليها الناعمتينِ خارطةَ الألمِ تناثرتِ الموسيقى يعزفها خلخالها الفضيّ تلمُّ الأرض خمرةَ ...

اختطاف المهدي جريمة القرن...

محمد الحنفي | الأحد, 21 يناير 2018

فإذا كان الاختطاف... جريمة... وكانت جريمة الاختطاف......

مرة أخرى بعد كاتب گلگامش، يؤكد » هوميروس « بأن الشعر صورة

د. هاشم عبود الموسوي

| السبت, 20 يناير 2018

  بالرغم من أنّ تخصصي الدقيق في الهندسة المعمارية هو في حقل بيئات العمارة، ولكن ف...

ثوابت أخرى في فهم الدين

د. حسن حنفي

| السبت, 20 يناير 2018

  تعتبر حقوق الإنسان وحقوق الشعوب أحد الثوابت في حياة البشر وهو تنويع آخر على ال...

صراع الثقافات وفقر الأمم!

د. محمّد الرميحي

| السبت, 20 يناير 2018

  في تجمع كثيف من أهل الرأي من كل دول العالم تقريباً، قال السيد جاك شي...

وقفة مع المدهش.. أوجين يونيسكو “١ـ٢”

د. علي عقلة عرسان

| السبت, 20 يناير 2018

  ولد يونيسكو عام 1912 في سلاتينا، وقضى فترة من طفولته، وردحا من صباه وشبابه...

إحسان في ذكرى المولد والرحيل

د. نيفين مسعد

| الجمعة, 19 يناير 2018

  وكأن الأقدار شاءت أن يكون يناير من كل عام هو شهر شروق شمس إحسان ...

قديم يتنحى وقديم لا يغادر

جميل مطر

| الأربعاء, 17 يناير 2018

  نبالغ، نحن كبار السن، فى إعلان عشقنا للقديم. نعشق سينما الأبيض والأسود ونحث صغارنا...

ذئب الله... مرآة الواقع العربي

سامي قرّة | الاثنين, 15 يناير 2018

عواد الشخصية الرئيسية في رواية ذئب الله للمؤلف الأستاذ جهاد أبو حشيش شخصية ماكيفيلية انت...

عكا

شاكر فريد حسن | الاثنين, 15 يناير 2018

(مهداة الى أهالي عكا في وقفتهم ضد الهدم والترحيل) أتيتك يا عكا البحر والسور ...

خطورة الشفاهة

د. حسن مدن | الاثنين, 15 يناير 2018

لا يمكن الاستغناء عن المروي شفوياً، فالكثير من التاريخ غير مدون، وكذلك الكثير من الأ...

وصية المهدي، إلى أجيال القرن الواحد والعشرين...

محمد الحنفي | الاثنين, 15 يناير 2018

فقبل الاختطاف... كان المهدي يعلم... أن هناك من يتتبع......

المزيد في: ثقافة وفنون

-
+
10
mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterاليوم25245
mod_vvisit_counterالبارحة41291
mod_vvisit_counterهذا الاسبوع25245
mod_vvisit_counterالاسبوع الماضي278752
mod_vvisit_counterهذا الشهر793210
mod_vvisit_counterالشهر الماضي1142770
mod_vvisit_counterكل الزوار49448673
حاليا يتواجد 4481 زوار  على الموقع