حدثتنا.. فاطمة

الأربعاء, 04 أكتوبر 2017 10:46

أميمة الخميس

ثقافة وفنون
طباعة

 

لم تكن هي تتحدث كثيراً, فكيف امتلأ الجوف بصوتها, ونهضت الذاكرة بأعمدة تفاصيلها، وصار للصباحات الشتوية كلها رائحة الحليب المنكهة بالهيل الذي كانت تعده لنا؟

 

المركبة التي أقلتها من مكة إلى الرياض عروسا, كانت تعرف جيدا المجاز بين نجد والحجاز, ولكنها تجهل طريق العودة, لذا ظلت فاطمة هنا وتجذرت وأصبحت سدرة تمتد أغصانها مابين المشرق والمغرب, وتحط على فروعها جميع الأسراب المهاجرة التي يتحشرج في صدرها تغريد وزقزقة لا يجيد الإنصات له سواها.

كان في بيتها فانوس يضئ وحشة الأمسيات, وأحيانا أخرى يصبح فانوسا سحريا, فنجد وسائدها مطرزة, وأثوابها موشاة, وموقدها يفور بشاي السمور, ومائدتها تصطف بالأعاجيب التي تمتد من وسط نجد إلى تلك الجبال القصية المثلجة في وسط آسيا....وما فاض من تلك المائدة أولمت به للقطط , فحينما تفيض ينابيع الرحمة والشفقة تغمر المكان ...وتدثر مواءات القطط الجائعة المستوحشة في حديقة منزلها.

خرجت من بيت شيخ جليل يلتف حوله تلاميذه ومريديه تحت أحد أعمدة المسجد الحرام يدرس الفرائض, علما نادرا لايبزه سواه في هذا العلم حتى لقب بالفرائضي, لتدخل كزوجة بيت شيخ علامة آخر علق عقد نجوم فوق صحراء جزيرة العرب, وبين البيتين لم تقبل هي أن تظل على الضفاف, انشغلت في البداية بقوائم المهام التي يتربص بها المجتمع للنساء, فلما كبر الصغار, واتسعت المساحات التي تتحرك بها, اكتشفت بابا صغيرا في السور يفضي إلى مدرسة فتسللت منه لترمم تشظيات روحها, وأشواقها الغامرة للمعارف, وظلت تخاتل الأحرف وتنازل الكلمات إلى أن نالت شهادتها.

وما لبثت أن ارتدت إلى ملكوتها الخاص تصمم أيامها بما يتوافق مع الحضرة الورعة التقية واستغراق في العبادات وصيام الخميس والاثني, والبيض, وظل قلبها رقيقا مندى بالرحمة, فعندما تصطف القطط عند بوابتها تموء... تولم لها.

ماذا حدثتنا فاطمة ...وهي التي لم تكن تقول كثيرا ...؟

فللصمت مهابة وجلال يمرر ما تعجز عنه عشرات الكلمات, وجمل قليلة مختزلة تظهر في موضعها تغني عن اللجاجة والجدال, والأفعال المكتملة أبلغ من معلقات ...ولكن لربما ضجيج الكلمات المضمرة في أعماقها أنهك قلب صغير بحجم قبضة يد, فقرر التريث وغير مساره.

غادرت وبدأنا نسأل كيف سنكمل والركن الشرقي من صدورنا متهدم ؟ كيف سنروض مرارات الأيام الخالية من حلوى فاطمة المنكهة بالهيل ؟

أين سنذهب ؟ ..فتحت سدرتها كانت ذاكرة ...كان هناك مآب ومآوى ...كان هناك وطن.

 

أميمة الخميس

كاتبة وروائية سعودية

 

 

شاهد مقالات أميمة الخميس