الآن أفضل من كان من الممكن

الاثنين, 02 أكتوبر 2017 12:24

د. ميسون الدخيل

ثقافة وفنون
طباعة

 

تطرق العديد من الدراسات إلى أهمية إدخال عامل الترفيه في التعليم، ومن هذا المنطلق تم إنشاء العديد من البرامج التعليمية والتثقيفية في الكثير من بلاد العالم منها الدول العربية ، لكن طرق التطبيق ظلت محدودة في عالمنا العربي، فكان التركيز أكثر على المعلم كمحور أساسي داخل الصف الدراسي، بمعنى هو من ينقل المعلومة والطالب هو المتلقي، وبهذا تم حرمان التلاميذ من البحث بأنفسهم عن المعلومة، استراتيجية إن تم تطبيقها تقوم على إكساب الطالب المعرفة وتخزينها في الذاكرة بعيدة المدى، ومن ثم القدرة على استرجاعها، إما لبناء معرفي جديد، أو لحل مشكلة تعليمية معينة، كيفما كان الاستخدام فإنه يكون نابعا من الطالب نفسه، وليس عبارة عن أداة تردد متسقة مع ذبذبات المعلم.

 

حين بحثت عن القنوات التربوية، أو لنقل التعليمية التابعة لوزارة التعليم، ودخلت «عين»، وفتحت منهاج الأول الابتدائي قراءة، لم أجد سوى نسخ من صفحات الكتاب! لا شيء جديد؛ لا حركة لا لعب لا تميز! بحثت عن المواد الثقافية من أفلام تربوية فلم أجد! نعم توجد لدينا قناة ثقافية، ولكن هل تقدم الأفلام الوثائقية التعليمية للأطفال أو حتى طلاب مرحلتي المتوسطة والثانوية؟! إن لم أكن مخطئة فالغالب عليها برامج حوارية وتغطية للفعاليات التراثية والثقافية التي تجري دوريا في أرجاء الوطن!

إن أردنا أن يعتمد المعلم على أفلام تربوية تعليمية تثقيفية، على ماذا يمكن أن يعتمد؟! على الأفلام من الدول العربية الأخرى التي تتناول عادة ثقافة البلد المنتج لهذه الأفلام أو الأفلام الأجنبية، وهنا تظهر مشكلة اللغة والترجمة!

لماذا لا تقوم وزارة التعليم بإنشاء قسم خاص بالإنتاج الفني التعليمي، خاص بالدراما التربوية الخاصة بكل مرحلة تعليمية، أو تقيم اتفاقيات مع شركات تعليمية تثقيفية عالمية على تدريب وإنتاج مشترك، على الأقل في البداية، لأفلام وثائقية عن مناطق تاريخية، جغرافية، تراثية مرتبطة بالأدب والشعر والثقافة المحلية؟ لماذا لا يفتح في جامعاتنا قسم الإنتاج الفني الثقافي والتعليمي، فيخرج لنا أخصائيين وأخصائيات في هذا الفن التربوي؟ يمكن دمج عدة تخصصات في إخراج العمل، منها اللغة والاجتماع والتصوير والجرافيك على سبيل المثال لا العد، فإن تركنا المجال للإبداع استطعنا أن نعيد مسار خريجي الكثير من التخصصات الذين لم يجدوا بعد فرص عمل، وبناء برامج تؤهلهم لهذا المساق التعليمي الحديث والمطلوب ليس محليا بل عالميا، فمجرد إلقاء الضوء على ما يسمى القنوات التعليمية والثقافية والتربوية في العالم ستجد أن الأعداد فعلا كبيرة، ولم لا؟ لم لا نؤهل أبناءنا للسوق العالمية، فلقد أثبتت الخبرات القريبة وليست البعيدة تفوق أبنائنا في الخارج في عدة مجالات، بل منهم ومنهن من تحصل على مراكز قيادية في مؤسسات طبية وعلمية وثقافية أيضا. نريد أن تكون في مدارسنا مكتبات تحتوي على أفلام تحاكي جميع المساقات الموجودة لكل مرحلة تعليمية، إضافة إلى الأفلام الثقافية والفكرية والتربوية وتنمية القدرات والتواصل، والمجال مفتوح لتنوع وتعدد المجالات والمواضيع، وبالمقابل تقدم الوزارة موقعا يحتوي على مكتبة موازية، وربما أكثر ثراء في العدد والمواضيع، سواء على يوتوب أو من خلال قناة فضائية خاصة لهذه النوعية من الأفلام.

نريد فيلما عن مدائن صالح مثلا من إخراج وطني بالطبع يوازي، بل يتفوق على فيلم «تدمر جوهرة الصحراء»، أو فيلم «مدرسة قلعة صالح»، أو «المومياء»، وجميعها أفلام تربوية من قبل وزارت تعليم دول عربية، وهذا على سيبل المثال لا الحصر، ثم إن بعض هذه الأفلام حصل على جوائز إخراج وإنتاج في مهرجانات فنية محلية وعالمية، وعليه فإن المجال أمام مبدعينا مفتوح ليس محليا بل عالميا أيضا، وهم على قدر تحمل هذه المسؤولية.

نعود إلى التعليم في المدارس، نريد أن نحبب التعليم إلى أبنائنا، والترفيه في جميع صوره ينافسنا سواء على التلفاز أو الألعاب الإلكترونية أو وسائل التواصل الاجتماعي، نريد أن نشدهم إلى رحاب المعرفة بحبال غزلت بمحبة وإبداع، وعلم بقالب ترفيهي يخاطب ميولهم وتوجهاتهم، أن ندخلهم عالم المدرسة سهل، أن نبقيهم في هذا العالم هنا التحدي! لا يعني أن هذه الطريقة هي الوحيدة، فالمنظومة التعليمية متعددة الأوجه، ومساحة الإبداع مفتوحة لكل منها، ما أتحدث عنه هو فقط وجه واحد، ولكنه أثبت فاعليته في بلدان كثيرة، بدليل أن سوقه مزدهرة وفي تطور مستمر، ونحن بذلك نضرب عصفورين بحجر، نجذب أبناءنا ونفتح سوق عمل جديدة لأبناء آخرين.

القنوات موجودة، والشباب الواعد موجود، والساحة بحاجة إلى مثل هذا المجهود والمنتج، إذًا لنبدأ بتفعيل كل ذلك الآن، وحتى «الآن» بعد قليل تصبح «كان من الممكن»، إن لم نتحرك!

 

د. ميسون الدخيل

كاتبة وأكاديمية سعودية

 

 

شاهد مقالات د. ميسون الدخيل