محنة العبودية!!

الاثنين, 06 فبراير 2017 09:46

د. عبدالله القفاري

ثقافة وفنون
طباعة

 

منذ أن ظهر في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي فيلم "الجذور" المأخوذ عن رواية "أليكس هيلي" الشهيرة "الجذور: ملحمة عائلة أميركية"، تسرب إلى وعينا عبر تلك الملحمة التاريخية محنة العبيد في أميركا.

 

تتبع "هيلي" تاريخ عائلته منذ أحد أجداده، والذي يدعى "كونتا كونتي" والذي خطفه تجار الرقيق وجلبوه إلى الولايات المتحدة.. لتتناقل الأجيال اللاحقة قصة "كونتا" وكيف أنه كان يوما شخصا حرا في غامبيا.. وهو جد "هيلي" من جهة والدته.

رائعة "هيلي" كشفت حجم المعاناة الكبرى التي عاشها الأفارقة السود عبر رحلات الرقيق التي بدأت بالخطف وانتهت في أسواق الرقيق ومزارع القطن والذرة والتبغ في أميركا.

كان تصويرا مؤلما وقاسيا ومهولا لتلك المعاناة التي عاشها السود وأبناؤهم وأحفادهم الذين دخلوا أميركا رقيقا.. ليمر قرنان قبل أن يحظوا بحريتهم التي لم يحصلوا عليها إلا بعد معاناة وحروب وأوجاع.

استعادت الذاكرة الجذور بينما كنت أقرأ في مذكرات تكشف أبعادا أخرى لتك المأساة الإنسانية التي لا شك أنها تكررت في أنحاء أخرى من العالم.. إلا أن تجسدت على نحو بالغ البشاعة والقسوة في الجنوب الأميركي تحديدا.

"مذكرات عبد أميركي"، لفريدريك دوغلاس.. لم تكن مجرد يوميات من وجد نفسه يعيش ظروفا عبودية سيئة للغاية مع سادة جفاة غلاظ لا يتعاملون إلا بالأوامر والسياط.. بل كانت نشيدا متواصلا ومؤلما للحرية، التي أشعلت في نفس "فريدريك" التوق للخلاص الذي ظل يلازم حلمه، حتى هرب للشمال في مطلع منتصف عقده الثاني، ليصبح فيما بعد من أبرز المناهضين للعبودية، التي كانت جاثمة على صدور الأفارقة في الجنوب الأميركي.

قصة "فريدريك" عمرها قرابة القرنين، لكنها لم تزل نابضة بالحياة، إنها تصوير صادق لفظاعة حياة السود المستعبدين في المزارع الواسعة في الجنوب الأميركي، وهي تضرب عميقا في النفاذ لجوهر العبودية والأعمال اللا إنسانية لملاك العبيد..

"فريدريك" كان شخصا آخر، فلم يستكن للعبودية باعتبارها قدره الأبدي، تعلم القراءة والكتابة رغم كل العوائق التي زرعها ملاكه والسادة الذين كان في خدمتهم، ليصور بشاعة وأهوال ما حوله.. وليقوده هذا لاكتشافه معنى الحرية التي كانت تعانق روحه في إلحاح غريب.. ليصبح بعد هروبه مناضلا في جمعية مناهضة العبودية، خطيبا وفاعلا ومؤثرا في تغيير الاتجاه المضاد للملونين، واكتساب المريدين وإثارة عقول الجماهير مما فاق أكثر التوقعات حماسة له.

يقول فريدريك في مذكراته "لم أعرف أبي، كان رجلا أبيض، وهذا يؤكده ما سمعته عن مولدي. وربما كان أبي هو سيدي.. فُصلت عن أمي قبل أن أعرفها كأم لي، وهي عادة شائعة في ولاية ميريلاند حيث يفصل الأطفال عن أمهاتهم في عمر مبكر جدا. تنتزع منه أمه، وتنتقل مبيعة إلى مزرعة أخرى بعيدة، بينما يوضع الطفل تحت رعاية امرأة عجوز غير قادرة على أعمال الحقل...".

ثمة مسائل في هذه المذكرات جديرة بالتأمل والتوقف.. الأولى تلك العاطفة المقتولة منذ المهد، والثانية الجهل والتجهيل المقصود، والثالثة الانفصال بين روح الدين وسلوكيات ملاك العبيد المتدينين في الجنوب الأميركي.

لماذا يتم هذا الفصل بين الطفل وأمه؟ لقد كان الهدف قمع نمو عواطف الطفل تجاه أمه، ومسح وتدمير العاطفة الطبيعية لأم نحو الطفل كنتيجة حتمية لذلك، كما أن إعاقة نمو عواطف الطفل تجعل السيطرة عليه إذا كبر أمرا سهلا، وتجعله يقبل بأعمال ربما كانت ذات طبيعة قاسية، كما تجعل الطاعة العمياء لسيده أمرا مفروغا منه.. خاصة عندما تتوجه تلك القسوة نحو أقرانه الآخرين من العبيد.

رأى "فريدريك دوغلاس" الصغير أن التعليم كان محرما على العبيد حتى في درجاته الأدنى التي تمكن أيا منهم من القراءة.. بل إن السيد كان يصاب بالفزع عندما يلحظ اهتمام أحد عبيده بمحاولة تعلم القراءة.. ولقد كان هذا التحريم والتجريم جزءا من نظام العبودية والسيطرة الدائمة التي جعلها السادة ملاك العبيد قانونا يبذلون الكثير دون خرقه أو انتهاكه.

يقول فريدريك بعد أن سمع سيده بيلي يحذر زوجته من تعليم فريديك الأبجدية: "لا يجب تعليم الزنجي شيئا غير طاعة سيده في أن يعمل ما يطلب منه عمله.. وأن التعليم يفسد أفضل زنجي بالعالم.."

"انسكبت هذه الكلمات عميقا في قلبي، حركت فيه العواطف النائمة، واستدعت إلى الوجود تيارا جديدا تماما من الأفكار. كانت هذه رؤية خاصة وجديدة تفسر الأشياء الناقصة والمبهمة التي كافح رأسي الصغير عبثا ليفهمها.. لقد فهمت الآن ما كان بالنسبة لي أكثر المصاعب حيرة، أعني قوة الرجل الأبيض في استعباد الرجل الأسود، لقد كان هذا مكسبا عظيما وقد قدرته عاليا، ومنذ تلك اللحظة فهمت الطريق من العبودية إلى الحرية..".

 

د. عبدالله القفاري

كاتب سعودي

 

 

شاهد مقالات د. عبدالله القفاري