موقع التجديد العربي

للتواصل عبر البريد الإلكتروني: arabrenewal2002@gmail.com 

 
  • default color
  • green color
  • blue color
مواضيع اجتماعية وسياسية ووجودية في جائزة الرواية العربية ترعاها البوكر ::التجــديد العــربي:: افتتاح معرض القصيم للكتاب ::التجــديد العــربي:: تونس تستعد لاستقبال ثمانية ملايين سائح ::التجــديد العــربي:: الإسراع في تناول الطعام يزيد الوزن ::التجــديد العــربي:: عقار يصد ضغط الدم ينجح في كبح السكري من النوع الأول ::التجــديد العــربي:: قمة تشيلسي وبرشلونة تنتهي تعادلية وميسي يزور شباك البلوز ::التجــديد العــربي:: بايرن ميونخ يسحق بشكتاش بخماسية ويقترب من التأهل ::التجــديد العــربي:: زوما يستقيل من رئاسة جنوب أفريقياو انتخاب سيريل رامابوسا رئيسا جديدا ::التجــديد العــربي:: نجاة وزير الداخلية المكسيكي بعد تحطم طائرة هليكوبتر كانت تقله ::التجــديد العــربي:: الجيش المصري يقضي على ثلاثة مسلحين ويدمر 68 هدفًا في عملية سيناء 2018 ::التجــديد العــربي:: مجلس الأمن الدولي يوافق على تعيين مارتن غريفيث مبعوثا خاصا إلى اليمن ::التجــديد العــربي:: لافروف يسخر من اتهام روسيا بالتدخل في الانتخابات الأميركية غداة توجيه الاتهام إلى 13 روسيا في هذه القضية ::التجــديد العــربي:: طرح أرامكو يجذب المستثمرين الروس ::التجــديد العــربي:: الذهب يرتفع بسبب مخاوف التضخم ::التجــديد العــربي:: نصف مليون عنوان في مسقط الدولي للكتاب و 70 فعالية متنوعة وبرنامج عروض مسرحية وأمسيات شعرية وورش وحفلات توقيع ::التجــديد العــربي:: معرض الكتاب بالدار البيضاء يحتفي بـ 'مدن السور' ::التجــديد العــربي:: اكثروا من تناول الزبادي لصحة قلوبكم ::التجــديد العــربي:: الهلال ينفرد بالصدارة إثر فوز مثير على الشباب في الوقت القاتل ::التجــديد العــربي:: خادم الحرمين للسيسي: المملكة حريصة على أمن واستقرار مصر ::التجــديد العــربي:: موناكو يثبت أقدامه في وصافة بطولة فرنسا بفوز كبير على ديجون ::التجــديد العــربي::

هنريك إبسن.. وأنموذجان بشريان

إرسال إلى صديق طباعة PDF


أنموذجان بشريان مُتضادان عَرضهما الكاتب النروجي الشهير هنريك ابسن، في مسرحيتين قدم فيهما صورة عن أبناء عصره، ودعوة عامة للناس، وهو الذي عاش حياته الممتدة بين عامي 1828- 1906،

في حرب مع التقاليد والعادات والمعتقدات والظروف السيّئة في بلاده، وأمسك معول الهدم من أجل البناء، فهدم وبنى.. تزوج، وأنجب أطفالاً، وارتكب أخطاء، وأتى أعمالاً حسنة، وذاق البؤس والسعادة، وتألم وفرح.. وذهب كل ذلك أدراج الرّياح.. لكن بقي لنا منه ما لا يذهب به الموت، بقي لنا الإحساس الإنساني المنبثق من ضمير حي، ومن روح مثالي يسعى إلى الكمال، ومن التزام بمجتمع سوي.. وبقي لنا إبسن الشاعر والأديب والمسرحي اللامع، والمصلح الاجتماعي.

والنموذجان اللذان عَرضهما ابسن في مسرحيتيه: “براند” و“بيير جنت”، هما نموذجان موجودان في كل بلد، وفي كل عصر. أحدهما غاية في التّشدد والتطرف الديني “الأخلاقي”، الذي لا يسمح لنأمة تدعو إلى سلوك يستظل بالاعتدال، ليفضي إلى الانحلال.. هو القس براند الذي يضحي بأفراد أسرته، فضلاً عن “مسرَّات الحياة”، لكي يكون أنموذج المسيحيّ المتديّن، المتَّبع بصرامة وإخلاص للسيد المسيح، حسب رأيه ورؤيته.. وليقدِّم قدوة في الزهد، والاستقامة، والإصرار على بلوغ الغاية، مهما كانت الصعوبات، والتحديات، والتضحيات. والآخر “بيير جَنت”، أنموذج المتهالك، المتهافت، المتآكل القيم والإرادة والروح، الذي هو أقرب ما يكون إلى الانحلال منه إلى التحلل من كل قيد ديني وأخلاقي واجتماعي.. وسلوكه واهتمامه، بنظري، يكادان يُرْهِصان بسلوك العبثيين، والهيبيين، الذين ظهروا في الأوساط الأوروبية خاصة، والغربية عامة، في عقود زمنية لاحقة. فقد كتب ابسن مسرحيته “بيير جنت”، قبل أن يكتب ألفرد جاري مسرحية “أوبو الملك”، التي تعتبر من أوائل المسرحيات التي أرهصت بمسرح العبث واللامعقول.

أتوقف اليوم عند هذين الأنموذجين، وفي هذا الزمن بالذات، الذي تمر به منطقتنا، وأمتنا، ونعيش أحداثه، وتناقضات سلوك الناس فيه، وذهاب بعض الناس في التشدد والتطرف والغلوِّ إلى مدى بعيد، من جهة.. وذهاب البعض الآخر منهم إلى التحلل من الدين، والقيم الأخلاقية والاجتماعية، ومن المسؤوليات بأشكالها وأنواعها، حيث يصل أولئك، أو بعضهم، إلى حدود رفض الدين، والخلُق، والقيم الاجتماعية، والعيش في الوهم والخرافة، والتهتُّك، وتتدنّى المستويات والغايات والاهتمامات، والهمم، والعزائم، والتفكير، عندهم، ومن ثم يبلغ البعض منهم حدَّ الابتذال والانحلال. وفي مثل هذا المجتمع، وفي مثل هذا المناخ.. يغيب الاعدال، وتضمُر الوسطية، وتضمحل فعالية الناس “الوسط”، ويتعرَّضون للتآكل والتواكل والمعاناة.

في مسرحية “بييرجنت” يحملك إبسن على أجنحة الخيال، ويطوف بك الدنيا، في رحلة تكشف الحياةَ نفسها. كان بطلها “بييرجنت”، مثالاً للسلبية.. شخص فارغ تافه، يحلم ويحقق كل ما يريد عن طريق الحلم، ولا يبني في الحياة أو من أجلها شيئاً بالعمل.. طاف العالم وذهب إلى مصر، وتزوج الفتاة التي أحبها، حيث خطفها كالفارس العنيد من حضن زوجها، ليلة الزفاف، وعاش منعّماً.. فعل كل هذه الأشياء بشطحات خياله.

وبعد أن رسم إبسن لنا هذه الشخصية الفارغة، جعل حَداداً يتقدم من بييرجنت وبيده مطرقة عظيمة ومغرفة ويقول له: “بييرجنت إنك لا تستحق شيئاً في الحياة.. بل أنت لا تستحق الحياة نفسها، فماذا أفعل بك؟ سأطرقك بهذه المطرقة حتى أحيلك إلى عدم، لأنك عبء على الحياة والأحياء.”. ويعيش بييرجنت مع هذا الحَدّاد حلماً مرعباً، كأنه كابوس مهلك، ويرى خلال هذه المقابلة، ويعرف، من هو، وماذا يستحق.

ويكفي أن يقول بيرجنت، في مرحلة من هذه المسرحية، حين يعطيه الحَدَّادُ، الذي يمثل له عزرائيل، “فرصةً” أخرى، ليحضر فيها شاهداً يستفيد منه بعد الموت: “الوقت من ذهب هكذا يقول الكاتب الطبيب.. لو قد عرفت فقط، أين يقع مفترق الطريق؟ قد يكون قريباً، وقد يكون بعيداً. الأرض تحترق كالحديد الأحمر. شاهد.. شاهد. أين أجدُ شاهداً؟ ألن أجد شاهداً هنا في أعماق العامة. إن عالماً يضطر المرء فيه إلى إثبات حقوقه، وهي واضحة كالشمس، لهو عالم خَرِب.. سيء الإدارة”.. يكفي أن يقول لك “بييرجنت” ذلك، حتى يشعرك بخلاصة تجربته في الحياة، التي بدأت بالخيال، وبناء قصور فوق جبال الأحلام، وأراد الإنسان بيير أن يحقق فيها كل ما يريد، من خلال اندفاع انفعالي عاطفي، معتمداً أساليب الجان، والكذب، والادعاء، والمغامرة، والغدر، والتضليل، و.. و… إلى أن يعود، وقد تقدمت به السن، يعود إلى أرض الواقع والانتماء، بعد جولات في مدن التاريخ القديم، وفي الماضي الحضاري للإنسانية.. يعود منهكاً، ليلقي الموت من دون أن يقدم لنفسه الزاد الكافي للآخرة. إنه يريد أن يهرب.. ولكن إلى أين، ولات حين مناص. فقد واجهه الحَدَّادُ الذي يريد أن يصهَرَه، لأن طبيعته تلِفَت، ولا بد من إعادة صوغه مع آخرين، لإيجاد بشر أكثر جدة وقدرة وحيوية، يخوضون لعبة الحياة من جديد، بسلامة واقتدار.

وبهذه اللفتة البارعة يعطي إبسن، بكل عنف شخصيته وعمقها، درساً لشباب النرويج الذين عجزوا عن أن يكونوا شيئاً في الحياة بنظره في ذلك الوقت، وأحجموا عن مساعدة إخوانهم في الدانمرك، ولم يهبوا لنجدتهم حينما اعتدى عليهم معتد. ولهذا لقَّنهم إبسن درساً، برسمه شخصية بييرجنت.. فأوضح لهم أن السلبي الحالم الفارغ، لا يستحق حتى أن يُطرق بمطرقة حَدَّاد عامل.

ويمكن أن نعتبر مسرحية بيير جنت وشخصيته، الوجه النقيض لمسرحية براند وشخصيته. فإبسن يعرض النقيضين في الحياة، ويضرب الاثنين، براند وبييرجنت، ويلطمهما، لأنه يرى أن كليهما لا يصلح للحياة، وأن على الإنسان أن يكون معتدلاً ليعيش.. فلا السلبية والميوعة وعيش الوهم يصنع رجلاً يبني الحياة، ولا الصلابة المطلقة والمثالية الخالصة تؤهلان الإنسان للحياة، بسعادة واتزان وأمان.

في مسرحية “براند” نحن أمام مواقف، وآراء، ومواجهات فكرية، تتصل بالحياة، والممارسات، والتوجهات، وبنظريات دينية وفلسفية، ويرد عليها، أو يتعامل معها إبسن، باقتدار. لقد تأثر إبسن بالفيلسوف الوجودي المؤمن سورين كيركغارد Kierkegaard ونهل من فلسفته كثيراً، ولكنه ناقشه ورد على جوانب من فلسفته، بمسرحية “براند”، وأنا أرى أن هذه المسرحية رد قاس على التزمت الروحي والتصوف القاسي الخالص، وعلى التطبيق الحرفي المتطرف، لفهم قد يكون مغلوطاً، لمبادئ الدين المسيحي، التي كان ينادي بها كيركجارد، فيلسوف الدانمرك.

براند قسيس متزمت.. أخلاقي روحي.. لا يقبل المساومة في مبادئه، يؤمن بالخير والحق والسماء، ويريد أن يجعل الناس كلهم ملائكة على الأرض، ويدعو إلى تطبيق المبادئ المسيحية بكل صلابة، من خلال تصرفاته.. فهو الفرد الفريد المثالي الإيجابي. أخذ براند يدعو إلى نبذ كل ما هو دنيوي، وإلى التنسك والزهد، وابتذال الحياة الدنيا بوصفها عَرضاً زائلاً، ودعا إلى العمل والسعي وراء الآخرة، التي هي الجوهر والخلود، وحثّ الناس على أن يسيروا معه ليبحثوا، وليصلوا إلى ما وصل إليه المسيح، من عذاب وتطهر. ولم تجد المقاومة التي لقيها براند من قبل ممثل الكنيسة الحكومي الذي كان يدعو إلى أن يوازن الإنسان بين الدين والدنيا، ويقبل المساومة ويرضى بأنصاف الحلول.

ولم تجدِ معارضة أصحاب الحِرَف ومختار القرية ومقاومتهم لبراند، ومحاولة صدِّه عن غايته ودعوته، فسار وسارت خلفه جموع الشعب ينشدون الله والعمل الفاضل في الجبال والصحارى.. يعيدون بمسيرتهم إلى الأذهان طريق الآلام.. والصليب الثقيل الدامي.. وجبل الجلجلة.. والمسيح المضحي. وصبروا جميعاً.. وكانت تلوح أمام براند بين الفينة والفينة “غورد” الفتاة التي تشبه حمامة تحط على المرتفعات - وهي تمثل بنظري كل خبرات التصوف في الشرق- تحدوه وتشحذ همته للسير قدماً، حتى يبلغ الغاية المنشودة، وهي: معرفة الحقيقة، وكشف المجهول، والوصول إلى سرِّ الخالق، والذوبان في الله.

ولكن الناس لم يواصلوا السير وراء براند، بعيداً عن الدنيا ومتاعها الزائل، وفضلوا العودة إلى الحياة، إلى منازلهم. وساروا وراء ممثل الكنيسة الذي يستغل الدين وتعاليم الكنيسة في توطيد دعائم الحكم وإخضاع الناس لسلطة الحاكم.. الشيء الذي نبذه براند وخرج عليه.

وواصل براند سيره وراء لَمْعِ البرق، لكي يصل إلى الحقيقة.. ولكن الطريق لم تصل به، فما لبث أن أنحدر عليه انهيار ثلجي حطمه تحطيماً. وقبل ذلك رأى طائراً ينثر ريشه الأبيض في الهواء، وكأنه يمثل الفراغ وجدب المسعى، وسمع براند من وراء الأفق صوتاً عظيماً يردد: “إن الله هو المحبة.. إن الله هو المحبة”.

وقد أكدت رحلة براند الصعبة، في نفس إبسن، أشياء ظهرت فيما بعد، ولكن براند هذا الذي يقول عنه جورج برناردشو “إن براند يموت قديساً، بعد أن سبب بقداسته عذاباً أشد عنفاً، مما سببه أعظم آثم مطبوع على الشر، لو سنحت له ضعف الفرص التي تأتت لبراند“، براند هذا أكد في نفوسنا رداً مقنعاً، على عقم الروحية المطلقة، وعقم التمسك بحرفية الأخلاق والتزمت أو التطرف الديني.

كان براند في نضاله الصلب، ونظامه القاسي الذي فرضه على نفسه وعلى أتباعه، يشعر في بعض الأحيان بخوَر العزيمة، وبأنه يفرض على نفسه شيئاً لا يرضاه الله، ولكن هذا التفكير لم يكن ليدوم في ذهن براند أكثر مما يدوم ومض البرق في الأفُق.. فما تلبث الإرادة المصممة، والروحية المغالبة، والأخلاق المعالية، أن تشد براند إلى عالم العمالقة، فيسير غير آبه بحياته أو حياة ذويه وتابعيه. فقد مات ابنه وماتت زوجته، ولم يحاول أن يبتعد بهما عن طريق الآلام، ويجنبهما المرض، خوفاً من أن يقال إن براند أخذته المنافع، وحرص على خصوصياته، فترك الشعب.

كان يقضي أوقاته ذهاباً إياباً من بيت إلى بيت ليساعد الناس ويهديهم.. قطع نهراً متجمداً خطراً كي يصلي على روح ميت، في حين جبن أقرب الناس للميت عن مرافقة براند في رحلته الخطرة عبر النهر. وعادى براند أمه، ولم يحضر وفاتها إلا بشرط واحد، وهو أن تتخلى عن كل ما تملك في سبيل الله، وتوزعه على الفقراء. وهكذا كان شديداً على نفسه ليضرب المثل الحي، للذين يناديهم ويدعونهم للسير خلفه.

يرى بعض النقاد مسرحية براند وشخصية براند بالذات في المسرحية، مثالاً على الرجولة والصلابة وقوة الإرادة، ضربه إبسن لأبناء أمته كي يتخذوه قدوة، وأميل إلى النظر إلى هذه المسرحية على أنها رد منطقي على فلسفة كير كغارد الفردية، وعلى فلسفة هيغل الاوتوقراطية، وأنها تجربة عاشها إبسن في شبابه، حين كان نهباً بين الروحية المطلقة واندفاع الشاعر خلف المثل، وبين الواقع المر وقسوة الحياة.. تجربة أخلاقية وعملية في دنيا الأحياء، وتجربة فنية لكاتب مسرحي ناشئ، ولشاعر مرهف الحس، يعيش في مجتمع يساوم أفرادُه.. وتجربة مصلح اجتماعي يهمه بالدرجة الأولى أن يرتفع بشعبه إلى مراتب السمو. ويجب ألا نهمل بأي حال من الأحوال، نظرة إبسن لدور الدين والكنيسة في الحياة. تلك النظرة التي حاول صاحبها ألا يكون قاسياً متزمتاً مثل براند، ولا متهاوناً مساوماً مثل ممثل الكنيسة الحكومي الذي يرى الدين خادماً يؤيد مطالب الحاكم، ويؤمّن سلطته، ويقنع الناس بوجوب الخضوع لتلك السلطة وتقديس شرعيتها. إن إبسن يرى الله في المحبة، وأن كل ما يوافق الطبيعة الإنسانية ويرتفع بالإنسان روحياً هو خير.

وإبسن يوافق كيركجارد Kierkegaard إلى حدٍّ بعيد، في نظرته إلى الدين كعلاقة روحية ذاتية بين الإنسان والخالق، يصل إليها الفرد عن طريق المعاناة والكشف الذاتي، والتمرس الروحي بآلام التجربة، والتأمل في روعة الوجود. ولكنه لا يرضى أن ينصرف الإنسان كلياً إلى التصوف المطلق، ويهمل الجوانب الحيوية الدنيوية والمادية في الحياة.

كما أن إبسن لا يؤيد رأي براند، بل يرى رأياً مضاداً تقريباً. فرأي إبسن أن الكنيسة لا تمنح الدين أو تأخذه.. كما أنها، بوضعها الذي رآها عليه آنذاك، لا يمكن لها أن تهدى الناس إلى الله، وما على الإنسان إلا أن يقيم كنيسة في قلبه، ويعرف الله ويعبده عن طريقها، وبواسطة التواصل بين الله وذاته، عن طريق تجربته وألمه. وهذا الرأي، وإن كان فيه شيء كثير من كير كجارد، إلا أن إبسن صوّر في المسرحية المصير الذي يبلغه الإنسان، إذا طبق نظرية المتصوفة المغالين، ومنهم “كيركجارد”، بحرفيتها.

وبعد فإن إبسن قدم المثل الأعلى لأبناء بلاده في الخُلق والمثالية والصلابة في شخصية براند، وصور لهم السلبي، أو صورهم في شخصية بييرجنت، فأوضح السلبية والميوعة وعيش التفاهة على أحلام وأوهام يسبح بها الخيال، فينقل الفرد إلى عوالم الوهم، حيث لا تقابل رغباته بأي مانع، من أي نوع.

ومن هاتين المسرحيتين، ”براند، وبيير جنت”، نحس عنف معركة البناء الذاتي.. ومخاض النضج الذي عاشه إبسن، وهو على مشارف النضج، إذ كان يرى أمامه مثالين للرجل: المثال الصلب العنيد الأخلاقي الروحي الخالص، والمثال السلبي الفارغ المنحل. ولم يتح إبسن لأي من هذين النموذجين الحياة والبقاء، ولم يولِه ثقته، بل حطمهما تحطيماً، وانطلق عملاقاً يسير في الحياة، ويكشف عن خطوط سيرها، ويخط الطريق، والمثال، لرجل الحياة من وجهة نظره. وتصب وجهة النظر تلك في الوسطية.. ذلك النهج الذي دعانا الله، سبحانه وتعالى، لنكونه، ونتَّبعه:

﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴿143﴾ - سورة البقرة. وهذا النهج، والخيار، والمنحى.. هو المُنجي من الضلال، والمُخَلِّصِ من التَّطرف والغلوِّ بأنواعهما “السلبي والإيجابي”، ومن تبعات كل منهما. وقد دعانا النبي صلى الله عليه وسلم إلى الاعتدال، ونهانا عن الغلوِّ، ففي حديث لابن عباس قال: “قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إياكم والغلو في الدين فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين”. وهو ما اتبعه النبي، ودعانا إليه، وألح علينا باتباعه.. كيلا نسلك مسلك المُنْبَتِّ، الذي “لا أرضاً قطعَ، ولا ظهراً أبقي”.. فنُهْلِكَ، ونَهْلَك.

 

 

د. علي عقلة عرسان

تعريف بالكاتب: كاتب وأديب
جنسيته: سوري

 

 

شاهد مقالات د. علي عقلة عرسان

أرشيف وثائق وتقارير

صحافة وإعلام

مواقــــع

أخبار منوعة

زوما يستقيل من رئاسة جنوب أفريقياو انتخاب سيريل رامابوسا رئيسا جديدا

News image

أختير سيريل رامابوسا رئيسا لجمهورية جنوب إفريقيا بعد يوم واحد من اضطرار الرئيس جاكوب زوم...

نجاة وزير الداخلية المكسيكي بعد تحطم طائرة هليكوبتر كانت تقله

News image

تحطمت طائرة هليكوبتر عسكرية كانت تقل وزير الداخلية المكسيكي الفونسو نافاريتي وحاكم ولاية واهاكا الو...

الجيش المصري يقضي على ثلاثة مسلحين ويدمر 68 هدفًا في عملية سيناء 2018

News image

تمكنت القوات المسلحة المصرية من القضاء على ثلاثة مسلحين وتدمير 68 هدفًا تستخدم في تخز...

مجلس الأمن الدولي يوافق على تعيين مارتن غريفيث مبعوثا خاصا إلى اليمن

News image

وافق مجلس الأمن الدولي الخميس على تعيين البريطاني مارتن غريفيث مبعوثا أمميا خاصا إلى الي...

لافروف يسخر من اتهام روسيا بالتدخل في الانتخابات الأميركية غداة توجيه الاتهام إلى 13 روسيا في هذه القضية

News image

ميونخ (ألمانيا) - وصف وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف السبت اتهام روسيا بالتدخل في الا...

الجيش المصري يحقق في " الوثائق المخفية" لذا سامي عنان حسب تصريح لهشام جنينة الرئيس السابق للجهاز المركزي للمحاسبات واحد المقربين للمرشح المستبعد من ال

News image

القاهرة - أعلن الجيش المصري مساء الاثنين أن جهات التحقيق ستتخذ اجراءات بحق رئيس الا...

400 من سيناء بينهم أجانب في قبضة القوات المصرية

News image

القاهرة - قال الجيش المصري في بيان بثه التلفزيون الرسمي الثلاثاء إن قوات الأمن قتلت عش...

مجموعة التجديد

Facebook Image

المزيد في ثقافة وفنون

قراءة في كتاب "طلال بن أديب"

عبدالله دعيس | الخميس, 22 فبراير 2018

"طلال بن أديبة" قصة مصورة للأطفال، تحكي سيرة حياة رجل الأعمال الريادي الفلسطيني طلال أبو...

تراتيل عشق حنان بكير والذّاكرة الخصبة

جميل السلحوت | الخميس, 22 فبراير 2018

صدر عام 2018 كتاب "تراتيل العشق" للأديبة الفلسطينيّة حنان بكير، عن دار "الميراد للطباعة وال...

اذكر الله

محمد جنيدي | الخميس, 22 فبراير 2018

ما لي أري المخلوق يذكرُ فضلَهُ وتمادى في حمد الذي لا يستقيم...

وألذُّ صباحاتي أنوثتكِ اليانعة..

كريم عبدالله | الخميس, 22 فبراير 2018

حبّي لكِ يملأُ هذا الافق فاغلقي أبوابَ قلبي أمامَ سطوةِ النساء وعطّري عيوني ﻓ(شوفتكِ)،* تفا...

بلاغة الاستعارة في شعر الاديب المبدع أبو يعرب

نايف عبوش | الخميس, 22 فبراير 2018

الشاعر المبدع إبراهيم علي العبدالله، المعروف في وسطه الاجتماعي، وفي الساحة الأدبية، والثقافية، بكنيته الش...

عامان على رحيل حارس الذاكرة الفلسطينية الأديب سلمان ناطور

شاكر فريد حسن | الخميس, 22 فبراير 2018

مر عامان على انطفاء الصديق والأديب سلمان ناطور الكرملي، أحد أبرز حراس الذاكرة الوطنية الف...

الأمثال في اللغة العربية

عبدالعزيز عيادة الوكاع | الخميس, 22 فبراير 2018

المثل، حكمة ترد في جملة من القول، مقتطعة من كلام. والامثال تراكيب لغوية ذات دلا...

هل يتكرر المهدي، في هذا الوطن؟...

محمد الحنفي | الخميس, 22 فبراير 2018

فالشهيد المهدي... في تاريخنا... واحد......

الصين.. من «الثورة الثقافية» إلى «الثقة الثقافية»

د. عبدالحسين شعبان

| الخميس, 22 فبراير 2018

  بعد أن دمّرت «الثورة الثقافية» (1965-1976) التي أطلقها زعيم الثورة الصينية (1949) ماو تسي تو...

راعي الجمال

فاروق يوسف

| الأربعاء, 21 فبراير 2018

  ذهبت إلى الكويت وكنت على يقين من أنني سأرى بلدا ينعم بالخير، لقد كانت ا...

المرأة والصنم “01”

نجيب طلال

| الأربعاء, 21 فبراير 2018

عود على بدء السؤال المحوري الذي يمثل صُلب هذا المنجز يمكننا طرحه في الصيغة الت...

الثقافة في مواجهة التطرف

د. أحمد يوسف أحمد

| الأربعاء, 21 فبراير 2018

أشرت في مقال سابق إلى مشاركتي في المؤتمر الرابع لمواجهة التطرف الذي نظمته مكتبة الإ...

المزيد في: ثقافة وفنون

-
+
10
mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterاليوم11416
mod_vvisit_counterالبارحة52309
mod_vvisit_counterهذا الاسبوع198811
mod_vvisit_counterالاسبوع الماضي307548
mod_vvisit_counterهذا الشهر991412
mod_vvisit_counterالشهر الماضي1321188
mod_vvisit_counterكل الزوار50968063
حاليا يتواجد 4724 زوار  على الموقع