نبوءة الكاتب

الأحد, 31 يوليو 2016 00:02 د. حسن مدن ثقافة وفنون
طباعة


ما أكثر ما كتب الكُتّاب الكبار كلاماً لم يفهمه أحد في زمنهم، بل إنهم تعرّضوا نتيجة ذلك للازدراء والتسفيه والسخرية.

وبعضهم عانى التهميش والحصار واللامبالاة من قبل المحيط بهم من أوساط ثقافية وأدبية، فضلاً عن السلطات والقابضين بزمام الأمور، ممن رأوا في هاته الكتابة تعريضاً بالمقدّس أو المصون أو المسكوت عنه أو الممنوع الاقتراب منه.

بالمقابل ما أكثر ما ذاع صيت أسماء ومؤلفات هؤلاء الكتّاب السابقين لأزمنتهم بعد أن يكونوا قد رحلوا عن الدنيا، حيث يعاد لهم الاعتبار، وتطبع مؤلفاتهم في عشرات وربما مئات الطبعات وبلغات مختلفة، وحين نقرؤهم نندهش بمقدار الفطنة وقوة البصيرة لديهم، ما مكنهم من أن يروا المقبل ويستشرفوه ويحذروا من عواقبه، كأنهم كانوا يقولون لمعاصريهم: لم يفت الأوان بعد لتدارك الخطر، وبوسعكم أن تحولوا دون عواقب كارثية قادمة إن تصرفتم على نحو آخر.

لعلها رسالة الكتّاب الكبار والمتميزين، هي التحذير من الكارثة قبل وقوعوها، وهم لا يفعلون ذلك على سبيل الوعظ، وليس في أذهانهم وهم يكتبون أن يحذروا من آتٍ مخيف لا ريب فيه، ولكنّ حاسة المبدع لديهم هي التي تجعلهم في وضع يشبه وضع زرقاء اليمامة التي رأت جيوشاً مجيشة تختفي وراء أشجار مرفوعة للتمويه، فيما بقية القوم لم يروا سوى ما شُبّه لهم أنها أشجار واقفة.

ونصرّ على الوصفين السابقين لهذا النمط من الكتّاب: الكبر والتميز، والمقصود بالكبر ليس العمر وإنما الموهبة، فليس كل من يكتب، لديه هاتان، الحاسة والبصيرة، لذا فإن كتابتهم لا تعيش حتى لو وجدت في زمنها من يروج لها ويفرضها مقررات في المدارس والجامعات، فهي تسقط بسقوط غائيتها، وانتفاء شروط التوظيف التي يقوم بها مريدوها.

لم يكن كافكا مثلاً مفهوماً من معاصريه، وحتى بعض الكتّاب الكبار حين قرأوه لم يستسيغوا ما كتبه، ومن هؤلاء أناييس نن التي اعترفت بأنها لم تفهمه عندما قرأته أول مرة، خاصة أنها بالبحث لاحظت أنه لم يكن في طليعة كتّاب عصره، لكن كيف لنا اليوم أن نفهم تجربة الإنسان الذي يشعر بالضآلة والضياع والتشوش في عالم فسيح من المؤسسات البيروقراطية ومن سطوة الحياة الاستهلاكية التي تسطح حياة الإنسان وتصيب عالمه الروحي بالخواء دون أن نقرأ كافكا؟ أما والت وايتمان فإنه بالكاد تمكّن من العثور على مطبعة صغيرة توافق على نشر ديوانه «أوراق العشب» الذي لم يحظ سوى بالقليل من الاهتمام، بل جُوبه بالتسفيه والقدح، فيما ينظر إليه اليوم على أنه «إنجيل أمريكا الجديد»، ولصاحبه على أنه «نبي الأخوة».

***

madanbahrain@gmail.com

 

 

د. حسن مدن

تعريف بالكاتب: كاتب ورئيس جمعية المنبر البحرينية
جنسيته: بحريني

 

 

شاهد مقالات د. حسن مدن