لو كنت رساما

الاثنين, 16 نوفمبر 2015 10:43

فاروق يوسف

ثقافة وفنون
طباعة

 

لم أكن في حاجة إلى أن أجرب أن أكون رساما لأعرف أن الرسم عذاب. هو كذلك لمَن يعرفه. أما مَن لا يعرفه فهو عبارة عن نزهة سريعة بين الصور.

 

قد لا يستغرق المشاهد في تأمل لوحة من فنسنت فان غوخ إلاّ لحظات. لقد رأيت كثيرين وهم يقفون أمام لوحته “زهرة عباد الشمس” ليلتقطوا الصور، ومن ثم ينتقلون إلى القاعة المجاورة من غير أن يلقوا نظرة وداع على اللوحة التي سحرتهم شهرتها.

لا أعتقد أن خبرا من هذا النوع سيسعد فنسنت أو أي رسام آخر. سيفضل أن يهدي لوحته إلى مَن يتأملها عميقا بدلا من أن تعرض في متحف، لا يؤمّه إلاّ سياح عابرون.

لو كنت رساما لأوصيت بأن لا تعرض لوحاتي في المتاحف. هي وصية تحرم قلة من البشر من التأمل العظيم في استغراقه، غير أنها بالتأكيد ستعصم العمل الفني من طريقة تافهة في النظر، تحط من قيمته حين تدسه في سلة الذكريات.

سيكذب السائح الياباني حين يري صورته مع لوحة فنسنت لأصدقائه “نعم لقد رأيتها.. كانت عملا فنيا عظيما”، سيضحك فنسنت حين يسمع كلاما رخيصا من هذا النوع.

فهو لم يرسم لوحته من أجل أن تكون عملا فنيا عظيما. لقد رسم من أجل أن ينقذ شيئا من إنسانيته. وشيء من شعوره بالإنصاف كان قد تجسد في تلك اللوحة.

ومع ذلك فالأهم بالنسبة إليه كان يكمن في قدرته على أن يكون وحيدا في الرسم كما هو وحيد في الحياة. تقنياته في الرسم هي نفسها تقنياته في الحياة. لذلك لم يكن يحفل بما يرى إلاّ بالقدر الذي تيسّره له محفوراته. كان يحفر ليرى. يهمّه أن يكون موجودا تحت السطح.

ما نراه من لوحته وهو شيء عظيم هو الجزء الذي لن يراه. الرسامون يتعذبون وهم يكتشفون منافي لأقدامهم لن تطأها إلاّ أقدام قلة من المغامرين.. الرسم عذاب.

 

فاروق يوسف

تعريف بالكاتب: شاعر وناقد من العراق يقيم في السويد
جنسيته: عراقي

 

 

شاهد مقالات فاروق يوسف