موقع التجديد العربي

للتواصل عبر البريد الإلكتروني: arabrenewal2002@gmail.com 

 
  • default color
  • green color
  • blue color
مصر تُهدي العراق معجم الكلمات السومرية والأكدية في العربية ::التجــديد العــربي:: 13 مليار دولار لتحفيز الاقتصاد في أبوظبي ::التجــديد العــربي:: اتفاق مصري أثيوبي على تبني رؤية مشتركة حول سد النهضة ::التجــديد العــربي:: ترامب ينقلب على مجموعة السبع ويهدد حلفاءه برسوم جمركية جديدة ::التجــديد العــربي:: كيم وترامب يستعدان لقمة تاريخية في سنغافورة ::التجــديد العــربي:: الداخلية العراقية: حريق بمخزن لصناديق الاقتراع في بغداد ::التجــديد العــربي:: أزمة سوريا ونووي إيراني والتجارة الدولية أبرز بنود بيان شانغهاي ::التجــديد العــربي:: لقاء رباعي بين المملكة والامارات والكويت والاردن برعاية الملك سلمان في مكة ::التجــديد العــربي:: تأييد باريس للبيان الختامي المتفق عليه من قبل قادة دول "G7" في كندا مشيرة أن كل من يدير ظهره لنتائج تلك القمة يظهر "تقلّبه وتناقضه" ::التجــديد العــربي:: روسيا والصين تبرمان جملة قياسية من اتفاقات الطاقة النووية ::التجــديد العــربي:: موسكو.. العثور على آثار ثمينة من القرن الـ 17 ::التجــديد العــربي:: بعثة الأخضر السعودي تصل إلى مدينة سانت بطرسبرغ الروسية استعداداً للمشاركة في المونديال ::التجــديد العــربي:: أسبانيا تختتم استعداداتها للمونديال بفوز صعب على تونس 1 / صفر ::التجــديد العــربي:: وصول المنتخب المصري إلى مدينة غروزني عاصمة جمهورية الشيشان في روسيا للمشاركة في المونديال ::التجــديد العــربي:: علماء يعلنون عن فوائد جديدة للقهوة! ::التجــديد العــربي:: فوائد البقدونس... كنز صحي متكامل! ::التجــديد العــربي:: إعادة التراث الثقافي المنهوب على طاولة اليونسكو ::التجــديد العــربي:: هل تناول بيضة واحدة يوميا يقلل مخاطر الإصابة بأمراض القلب؟ ::التجــديد العــربي:: 'كوسموتوفلكس' أول قزحية اصطناعية ::التجــديد العــربي:: مفوضية اللاجئين تحتاج 2.4 بليون دولار إضافية سنوياً ::التجــديد العــربي::

طنجة التي لا تصدّق أحداً

إرسال إلى صديق طباعة PDF

 

أين يقع ليلها؟ لعل الليل كما نعرفه لم يمر بها. سيكون علينا أن نسأل نهارها المقبل عن ليلها الفائت. فالمدينة التي وصلتُها في الثالثة صباحاً بعد رحلة طويلة من مطار محمد الخامس في الدار البيضاء كانت في ذروة حيويتها، كما لو أنها تستعد للذهاب إلى العمل أو الدرس أو النزهة الصباحية.

تطلّ المكيدة من بين أقدام السائرين، المنغمرين بصراخهم العبثي. لا أحد منهم ينظر إلى ساعته. بل أتوقع أن لا أحد منهم ينتمي إلى الوقت الذي كنت أفكر فيه. مثلما الأرصفة مكتظة بالمشاة السائرين على عجل كما لو أنهم ذاهبون إلى موعد ضروري، فإن العربات كانت تذرع أضواؤها الشوارع من غير هدف، على الرغم من أن الزحام لم يكن يسمح لها إلا بالسير البطيء. هذيان يهذي بصخب يمهد لطلعة فجر لن يجد له معنى وهو يرى الناس قد سبقوه إلى الساحل. لقد سبقته الحياة إلى فكرته. طنجة لم تنم في الليلة الفائتة لكي تستيقظ على صيحة ديك ريفي مسكين لم تغرر به السياحة. أكلّ مَن رأيت من البشر هم من الغرباء؟ لا أظن. يمكنك أن تتعرف إلى المغربي من مشيته. من صرخته بين جملتين، وهما جملتان لم يقلهما بعد.

المقاهي مكتظة والمطاعم أيضاً. "لقد خرجوا لتوّهم من السينما"، قال فيصل سلطان كما لو أنه يسخر. لقد ذهبت به ذاكرته إلى بيروت السبعينات. غير أنه صمت وهو يرى بشراً لا يدل مظهرهم على أنهم خارجون من السينما، ذاهبين إلى البيت. لا أحد منهم يتثاءب أو يرمش وهو يتذكر مشهداً من الفيلم الذي كنا شهوده الواقعيين.

"هذه طنجة يا صديقي. غداً صباحاً ستكتمل صورتها"، قلت له وأنا أقصد أن سرّها لا يُذاع بيسر. المدينة الدولية ظلت على عهدها القديم بعدما تحررت من الوصاية. مدينة القادمين إليها من غير أن تضطر لتفسير سلوكها الجانبي لمن يعيش فيها. سيقول صديقي عبد العزيز جدير "أباً عن جد"، وأصدّقه، غير أن صديقي صار تدريجيا ينسى الوقت الذي أقضّ مضجعه، لينخرط في الترجمة. في درسها العنيد الذي يضع كل نبرة في إطارها المعرفي. "نترجم لكي ننسى"، يقول.

من شرفة في فندق "أطلس الموحدين"، أرى أن الترجمة قد خذلت صديقي. فما من لغة مؤكدة في طنجة لتطل على أخرى. لتفتح ثغرة في جدارها الذي لن يكون صلباً. لم تكن المعرفة مطلوبة لكي نفرق بين السائل والصلب، بين المرن والشديد، بين الثغاء ومعناه. ما من تراث للصداقة أصلاً. هنا ينشأ كل شيء على عجل، وبيسر يكشف عن هشاشته. طنجة مطبخ كبير للمأكولات السريعة. للصداقات التالفة. للجمل المنسية. للكلام الذي لا يبحث عن معناه. لفحيح الأفعى الذي يُسمَع بين جمهرتين قادمتين من لا مكان، لتذهبا إلى لا مكان آخر.

لم ينم أحد لأنهم جميعاً سينامون حين يستيقظ الناس الأصحاء، المندمجون في الخدمة. أين يقيم أولئك الناس الأصحاء؟ ولكن هل نحن في مستشفى؟ سأبالغ في رثاء فاكهتها، برتقالها وتينها ولوزها وتفاحها. سأخون أنبياءها الذين مرّوا بها وسقط البعض منهم في بئرها ومشوا على طريق يوسف الآهلة بالمفاجآت الغرامية. "همت به وهم بها"، شيء منها يظل يطاردهم برائحته، بأبواق سياراتها، بالفتيات الهائمات على وجوههن في انتظار اشارة صداقة عابرة، فيما كانت أشباحهن تسير بين أزقتها بأحلامها.

لم يكن هناك طفل واحد من بين الناجين. لم تكن هناك عائلة.

سأفكر مضطراً بلحظة ما بعد الطوفان. هناك حشر، وما من عيد. هناك من يقول أن اسم طنجة مستلهم من جملة قالها هدهد نوح: "طين نجا". حذفت الياء ودمجت السينان فكانت طنجة. لو نطق مغربي بالجملة لوصلنا إلى النتيجة نفسها. تفكر نهيلة بالعشرين سنة التي مضت من عمرها. درست الفندقة، ولكن ذلك لا يكفي في بلد كالمغرب لكي تكون لها وظيفة. ففي بلد تأكل السياحة فيه الجزء الأعظم من كفاءة شبابه بطريقة رثة ومتهالكة لن يكون للوظيفة التي تفكر فيها نهيلة معنى يذكر. عليها أن تتعلم شيئاً آخر، غير أن تكون دليلاً سياحياً موقتاً. لا تتوقف نهيلة عند محطات الغزل الطارئ. ما تسمعه من إطراء يغذي أنوثتها، غير أنه لا يضيف سنتيمتراً واحداً إلى طريقها.

هل ستذهبين إلى النوم حقاً؟ تضحك. أنا أقيم في مكان آخر. وهل في طنجة مكان آخر؟ يمكنني أن أتخيل أنها تقيم في طنجة أخرى، طنجة النائمة على وسادة لا تطلق أصواتاً، المستسلمة لخيال صياديها الذين رأيتهم في الميناء وهم يتأملون تلالاُ من السمك الطازج.

ولكن نهيلة، هيئتها على الأقل، لا تقول إنها كانت ذاهبة إلى البيت.

غريبة في طنجة وهي منهلها. ألا ينفع مع هذه المدينة أن تكون قد ولدت فيها؟ لا فرق بين الأخضر واليابس. لا فرق بين العابر والمقيم. لكنها الكذبة التي يجب علينا أن نصدّقها من أجل أن نكون موجودين لكي نصف. لا شيء أكثر تفاهة من الوصف. أنا أصف لأنني لا أملك موقفاً. لا يزال في إمكان نهيلة وهي ابنة العشرين أن لا تغادر طنجة إلا موقتاً لكي تكون موجودة. تذهب إلى أصيلة وتعود منها. مسافة لا تربو على الأربعين كيلومتراً. من خلالها تعيش حياتين. الفتاة التي يهمها أن تكون يقظة في أصيلة لا بد أن تجد سبلاً للنوم في طنجة. لن تقول إنها ألقت الدلو. لا تزال تشعرني بأنها تفكر في ما يساعدني في النجاة من مأزق الثلاثة أيام الحائرات التي أمضيها في طنجة.

"سأمدد لك من أجل أن تزور صديقك الرسام في كازابلانكا. لا تفكر في الامر. نم مطمئناً". ولأنها تذكر النوم، فقد كان عليَّ أن أفكر في "فندق الموحدين"، "أطلس الموحدين"، وهو اسمه الرسمي. ألأنه يقع على البحر؟ في انتظار قدوم القراصنة تجلس المدينة على ركبتي الوحش الذي لا يكفّ عن الضحك. هذه صورتها في الجدول حيث لا ماء. وهي صورتها في الغيوم حيث المياه الفائضة. من شرفة غرفتي التي تطل على البحر أسمع صفيراً ولا أظنه يشير إلى القيامة. تخبرني نهيلة أنها تسمعه دائماً. تسمع ذلك الصفير من غير أن تبحث عن ساعتها: "لم يعد لديَّ وقت خاص. الآن على الأقل". الحلوة لا وقت لها. الحلوة لا تحترم الوقت ولا تفكر فيه. الحلوة تضع الوقت على ركبتها لينام.

"ألا تنام؟"، كانت تسأل كما لو أنها تستفهم عن الساعات التي تكفيني للنوم. قلت لها: "يمكنه أن لا يكون نوماً ذلك النوم. أحيانا أحلم في أني لم أنم إلا من أجل أن أحلم في أن أكون نائماً". قد لا تصدق نهيلة ما أرويه لها. حقيقتها لا تستسلم لدعابات خيالي. سيمضي الأمر كله كما لو أنه مزحة. ولكن مدينة مثل طنجة يمكنها أن تقلب المعادلة. هذه مدينة شياطين. أضحك من أجل أن يرى أحد آخر ما تخبئه ضحكتك من دموع. المدينة تضحك لأنها أنثى تستقبل رجالاً لا يزالون دون سن الرشد. ما من شيء في سلوكها يتعلق بفحص هرمون الذكورة. نقع في الخطأ السياحي نفسه إن توهمنا أن طنجة تقترح على القادمين إليها خلاصاً جنسياً موقتا. كنا قد يئسنا من العثور على مقعدين في مقهى بشارع باستور فقررنا البحث في الشوارع الجانبية عن مصطبة لنجلس. لم يكن ما رغبناه فيه سهل المنال. وأخيراً عثرنا على مصطبة يجلس على طرف منها رجل وحيد. قال عبد العزيز: "هناك متسع لكلينا". ما إن جلسنا حتى اقترب منا شاب تبدو عليه كهولة مبكرة وخاطبني بالمغربية التي لم أفهم منها شيئاً. ترجم لي عبد العزيز إنه يطلب سيجارة. قلت للشاب أعطيك اثنتين، فضحك من قلبه وقال: "لا واحدة". وهبته السيجارة فشكرني برقة متناهية وحين ابتعد سألتُ صاحبي لماذا رفض الثانية، فقال لأنه لم يصدقك.

طنجة مثل ابنها الذي حلّقت به الحشيشة عالياً، لا تصدّق أحداً.


 

 

فاروق يوسف

تعريف بالكاتب: شاعر وناقد من العراق يقيم في السويد
جنسيته: عراقي

 

 

شاهد مقالات فاروق يوسف

أرشيف وثائق وتقارير

صحافة وإعلام

مواقــــع

أخبار منوعة

كيم وترامب يستعدان لقمة تاريخية في سنغافورة

News image

وصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون إلى سنغافورة أمس، عشي...

الداخلية العراقية: حريق بمخزن لصناديق الاقتراع في بغداد

News image

أعلنت وزارة الداخلية العراقية عن اندلاع النيران في مخزن لصناديق الاقتراع بمنطقة الرصافة في الع...

أزمة سوريا ونووي إيراني والتجارة الدولية أبرز بنود بيان شانغهاي

News image

أصدرت قمة منظمة شانغهاي للتعاون بيانا ختاميا اليوم الأحد وقعها قادة روسيا والصين وقيرغيزستان وكا...

لقاء رباعي بين المملكة والامارات والكويت والاردن برعاية الملك سلمان في مكة

News image

تستضيف #مكة المكرمة الأحد الاجتماع الرباعي الذي دعا إليه العاهل السعودي، #الملك_سلمان بن عبدالعزيز، وال...

تأييد باريس للبيان الختامي المتفق عليه من قبل قادة دول "G7" في كندا مشيرة أن كل من يدير ظهره لنتائج تلك القمة يظهر "تقلّبه وتناقضه"

News image

أكدت الرئاسة الفرنسية تأييد باريس للبيان الختامي المتفق عليه من قبل قادة دول "G7" في ...

بوتين: الأولوية لتعزيز القدرات النووية في تطوير القوات المسلحة الروسية

News image

صرح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأن القدرة القتالية للجيش الروسي تعد ضمانا لحماية المصالح الر...

الناتو يجهز قوة تدخل سريع إضافية من 30 ألف جندي تحسبا لـ "هجوم روسي"

News image

يعتزم حلف الناتو زيادة استعداده تحسبا لـ هجوم من جانب روسيا"، بإنشاء قوة تدخل احت...

مجموعة التجديد

Facebook Image

المزيد في ثقافة وفنون

ثقافة المجتمع والمتاجرة بالجسد

د. حسن حنفي

| السبت, 16 يونيو 2018

  بين الحين والآخر، نقرأ قصصاً حول بيع أعضاء بشرية بسبب الحاجة وضيق ذات اليد. ...

معهد إفريقيا في الشارقة

د. يوسف الحسن

| السبت, 16 يونيو 2018

  - استحضرت في الذاكرة، قاعة إفريقيا بالشارقة وأنا أقرأ بسعادة غامرة خبر تأسيس أول مر...

عجوز فى الأربعين

جميل مطر

| الخميس, 14 يونيو 2018

  جاء مكانها على يمينى فى الطائرة. لم تلفت انتباهى معظم الوقت الذى قضيناه معا فى...

بياضُ الرُّوح!

محمد جبر الحربي

| الخميس, 14 يونيو 2018

1. لعاصمةِ الخير مني الودادْ ولي، أنّها وردةٌ في الفؤادْ أغادرُها.. والرياضُ.. تعودُ   ف...

خمسة فناجين لاتيه

د. نيفين مسعد

| الخميس, 14 يونيو 2018

  الغربة شعور غير مريح بشكل عام لكن في هذه المناسبات بالذات تصير وطأة الغربة...

عيد الطعام العربي

محمد عارف

| الخميس, 14 يونيو 2018

  الطعام عيدٌ تُعيدُ لنا مباهجه وملذاته «نوال نصر الله»، عالمة أنثربولوجيا الطعام العراقية، و«ساره...

القُدس.. أوُرسَالِم..

د. علي عقلة عرسان

| الثلاثاء, 12 يونيو 2018

يا قُدْسَ.. صباحُ الخيرِ.. مساءُ الخيرْ، فأنتِ صُبحُنا والمَساءْ.. ضحْكُنا والبُكاءْ.   تميمةُ العربيِّ، ومحراب...

الدين والتنوير العقلاني والسياسي

د. السيد ولد أباه

| الثلاثاء, 12 يونيو 2018

  تساءلنا في مقالة الأسبوع الماضي عن طبيعة العلاقة بين ديناميكيات ثلاث عرفها المجتمع الغربي...

قصة قصيرة شدوا الأحزمة

هناء عبيد

| الاثنين, 11 يونيو 2018

وبخت زوجتي هذا المساء. كيف لها أن تطعمنا قليل من الجرجير فقط في وجبتنا...

الثقافة البديلة.. وتجديد الفكر

د. حسن حنفي

| السبت, 9 يونيو 2018

  في الآونة الأخيرة، جرى البحث في الإعلام بأنواعه ليس فقط عن الثقافة في ذاتها ...

طفلة فى الأربعين

جميل مطر

| الأربعاء, 6 يونيو 2018

  عادت المضيفة مع مضيفة ثانية لإخلاء المكان من صحون الطعام وكؤوس الماء والمشروبات الأخرى...

المُزْنُ الأولى

محمد جبر الحربي

| الأربعاء, 6 يونيو 2018

ما أجملَها ما أجملَ فِطْرتَها كالمزْنِ الأولى إذْ فاضتْ فاضَ الشِّعْبُ   وفاضَ الشعرُ بحضرتِ...

المزيد في: ثقافة وفنون

-
+
10
mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterاليوم12038
mod_vvisit_counterالبارحة34127
mod_vvisit_counterهذا الاسبوع73639
mod_vvisit_counterالاسبوع الماضي195543
mod_vvisit_counterهذا الشهر554028
mod_vvisit_counterالشهر الماضي846272
mod_vvisit_counterكل الزوار54566044
حاليا يتواجد 2344 زوار  على الموقع