موقع التجديد العربي

للتواصل عبر البريد الإلكتروني: arabrenewal2002@gmail.com 

 
  • default color
  • green color
  • blue color
حصيلة شهداء قصف الإحتلال على غزة ترتفع إلى 4 ::التجــديد العــربي:: لبنان يتحرك للاعتراف بالقدس عاصمة لفلسطين ::التجــديد العــربي:: قمة اسطنبول تدعو إلى الاعتراف بالقدس عاصمة لفلسطين ::التجــديد العــربي:: بوتين يأمر بانسحاب جزئي للقوات الروسية من سوريا ::التجــديد العــربي:: 25 إصابة خلال مواجهات مع الاحتلال شرق قطاع غزة ::التجــديد العــربي:: نائب الرئيس الأميركي يؤجل زيارته للشرق الأوسط ::التجــديد العــربي:: هنية يدعو إلى تظاهرات «غضب» أسبوعية في خطاب امام مهرجان ضخم نظمته الحركة لمناسبة الذكرى الـ 30 لانطلاقها ::التجــديد العــربي:: عراقيون يكسبون دعوى تعويض ضد جنود بريطانيين خلال الحرب في العراق ::التجــديد العــربي:: أطباء بلا حدود: أكثر من 6700 من مسلمي الروهينجا قتلوا خلال شهر ::التجــديد العــربي:: مصر وروسيا توقعان اتفاقية لبناء أول محطة مصرية للطاقة النووية ::التجــديد العــربي:: السعودية تضخ 19 مليار دولار لإنعاش النمو في القطاع الخاص ::التجــديد العــربي:: الشارقة تطلق الدورة العشرين لمهرجانها الدولي للفنون الإسلامية ::التجــديد العــربي:: مكتبات صغيرة مجانية تنتشر في شوارع القاهرة ::التجــديد العــربي:: خسارة الوزن بوسعها قهر السكري دون مساعدة ::التجــديد العــربي:: استخدام الأجهزة الذكية قبل النوم يعرّض الأطفال للبدانة ::التجــديد العــربي:: بطولة اسبانيا: برشلونة يستعد جيدا لمنازلة غريمه ريال مدريد ::التجــديد العــربي:: ريال مدريد يتخطى الجزيرة الى نهائي مونديال الأندية بشق الأنفس 2-1 ::التجــديد العــربي:: فض تظاهرة قرب السفارة الأميركية في عوكر - لبنان بالقوّة ::التجــديد العــربي:: استمرار مسيرات الغضب رفضاً لقرار ترامب بحق القدس المحتلة ::التجــديد العــربي:: لليوم الرابع الإنتفاضة مستمرة... 231 مصابًا في مواجهات مع الاحتلال ::التجــديد العــربي::

نص - عندما قرأ عمّي صبري رواية كروزو

إرسال إلى صديق طباعة PDF

"هل قلت حمامة؟". "نعم. إنها لعبتي المفضلة". "أنت شيوعي إذاً".

 

بعد سنين كنت أقف على حاجز يفصل بين شطري مدينة برلين المقسمة. كانت هناك برلين غربية وبرلين شرقية. وهو ما استلهمه اللبنانيون حين تركوا للتاريخ صنيعهم الفذ الذي قسم عاصمة بلادهم بيروت بين غربية وشرقية. كان الله يقف مع بعضهم في مواجهة البعض الآخر، وكانت أجراس الكنائس تمتزج بأصوات المؤذنين في الوقت نفسه. لقد خُيِّل إليهم أن اختراعاً مثل خط التماس سيكون هو البرزخ الذي تتطهر فيه الأرواح من دنسها الدنيوي. ضحكتُ بأسى حين رأيتُ حمامات تمشي باطمئنان في ساحة المتحف ببيروت. نقّلت الشرطية الالمانية نظرتها بيني وبين جوازي ثم فتحت الحاجز. أنتَ في برلين الغربية. سيكون عليك أن تبتسم للرأسمالية بعد أن حطّم عينيك سخام الاشتراكية. لقد اختار صديقي طارق، وهو حلاق سابق في بغداد، أن يلتحق بصفوف الهاربين من حكم النظام الشيوعي، ذاهبا إلى الحرية. قرر أن يكره هونيكر مثلما كان يكره صدام حسين من قبل. قال لي: "لقد اخترت الفوضى من أجل أن يكون لهروبي من العراق معنى الحقيقة التي أمجد من خلالها نفسي". اما عمّي صبري فلم يكن محظوظا مثل طارق. لقد قادته لعبة دومينو بتقنية الحمامة إلى المنطقة التي صار العراقيون يطلقون عليها تسمية "خلف السدة". وهي منطقة لم تكن مسجلة على الخرائط الرسمية. كانت هناك سدة، أمر ناظم باشا، أحد ولاة العثمانيين، ببنائها لتحمي بغداد من فيضان دجلة، وكانت تلك السدة لا تبعد عن بيت جدي في وسط العاصمة، أكثر من نصف كيلومتر. ذلك النصف كيلومتر الذي لم يكن أحد من سكان محلتنا يرغب في المشي فيه، إلا إذا قرر الخروج من بغداد إلى التيه. لم يكن هناك شيء خلف السدة. كنا نظن ذلك.

 

كم كانت بغداد صغيرة يومها وكنت أظنّها كوناً.

فكرة عمّي صبري عن العالم كانت تمزج اللعب الملغز بالحقيقة الماكرة. كان بريئاً على الرغم من أنه خرج من المعتقل الليلي بيد وقدم مكسورتين. ولأنه كان ضعيف النظر، فقد اعتمد في التعرف إلى معذِّبيه، على الانصات إلى أصواتهم. كان يثق بأذنه. أتذكر تلك الضربات الخفيفة على الباب الذي انفتح على جثة لا تزال تتنفس. كان الوقت فجراً حين تركوه. لقد رفع اصبعه إلى فمه في اشارة لنا لكي نصمت. لقد أوصوه بالصمت. بعدها قرّر عمي أن يتزوج، وهو الذي كان عدمياً في نظرته إلى مؤسسة العائلة وكان عازباً أبدياً. سيكون ثمة معنى، لذلك الصمت الذي سيطر على بيت جدي شهورا طويلة. لم يعد النصح نافعاً. كان أبي يقول في المطبخ بعيداً عن غرفة عمّي: "لقد حذرته من الذهاب إلى المقهى فالبلاد تمر في مرحلة خطيرة". كان أبي يستند إلى تقليد عائلي لم يكن المقهى من مفرداته. كان عمّي في ذهابه إلى المقهى هو الاستثناء الوحيد، وهذا ما دفع ثمنه شخصياً. بعدها لم يذهب عمّي إلى المقهى. غير انه فاجأني يوماً بالقول وهو يضحك: "عمي كس عرض الشيوعية. الحياة أجمل".

بعد ثلاثين سنة كنت أقف مع زوجتي في الكسندر بلازا، بالضبط تحت الساعة العالمية الشهيرة، في انتظار صديق، فإذا بجملة عمّي تضرب خيالي. أما كان ممكناً أن تكون هناك شيوعية خالية من الرعب اليومي؟ كنت أفكر في شيوعية مرحة، مرتاحة إلى ضميرها العمالي، خالية من العقد الحزبية، شيوعية تشبه ماركس وتذكّر به. كان رفيقه انغلز يفكر في العائلة المقدسة. وهذا ما انتهى إليه عمّي صبري بعد رحلة عذاب حملته من خلف السدة إلى بلاد لم يكن قد اكتشفها من قبل.

لا يزال في إمكاني أن أتنزه خيالياً في تلك البقعة التي صارت مهجورة. سيكون عليَّ أن أفكر في إنشاء متحف خيالي للأبرياء الذين صاروا جزءاً من التاريخ، على الرغم من أنهم لم يفعلوا شيئاً. لقد صرنا نفكر في المعنى الذي أخذه جلاّدونا معهم إلى الغياب. في سن متقدمة، صرت أعبر تلك السدة وكانت بغداد قد اتسعت بطريقة مؤسفة. كان طريق محمد القاسم السريع يمر من فوق تلك السدة، وكنت أحياناً اراها على يميني وأنا أقود سيارتي ذاهباً إلى البيت. لقد تواطأت الجغرافيا من أجل أن تمحو شيئاً من تاريخ بلادي، وهو تاريخ شخصي بقدر ما هو تاريخ سياسي، في جانبه السلبي. لا يزال أثر من الجريمة هناك. صرخة أو تنهيدة. لا فرق.

"كنت وحيداً هناك"، يقول لي عمّي: "لم أكن شيوعياً". لم يفهم جلاّدوه ما معنى أنه لم يكن شيوعياً في الوقت الذي كان فيه يصر على أن يلعب دومينو بتقنية الحمامة. "لقد وصفتهم بالأغبياء فجنّ جنونهم. كانوا يفضلون أن أكون شيوعياً على أن يكونوا أغبياء، غير أنني في الحقيقة لم أكن شيوعيا". أضحك لأن عمّي اكتشف أن الشيوعية ليست مهنته، هو الذي لا مهنة له.

أعظم ما فعله عمّي أنه تزوج من امرأة كنت قادرة على أن تدير حياتهما بعيداً من نظرياته. غير أنها نجحت في إقناعه بأن كل ما كانت تقوم به إنما هو انعكاس لما يفكر فيه. لقد أخذته إلى السوق وهو الذي كان يرى فيه إلى وقت قريب عدوّاً.

نجحت تلك المرأة في تهذيب أخلاقه السياسية.

لقد كفّ عمّي عن كره البعثيين. كما أنه لم يعد يفكر في الشيوعيين، كونهم سبباً في كارثته الشخصية. كان مرهف الحس فصدّق أن الماضي لا يمكن استعادته إلا باعتباره نوعاً من الاستعارة الفكاهية. لم أسأله: "ما الذي كان يشعر به وهو يمر يومياً بمعتقله القديم، خلف السدة؟". كنت استحضر مشاعره أحياناً، وأنا أمرّ من فوق تلك المنطقة التي شكّل وجودها جزءاً من ضميرنا الوطني. كانت أشبه بخطّ التماس. جدار برلين وقد اتخذ هيئة وهمية.

كان ناظم باشا وهماً، وفيضان دجلة هو الآخر كان وهماً، غير أن مشهد عمّي وقد تُرك عند باب البيت فجراً، مكسور اليد والقدم، ظل يلحّ عليَّ وأنا أفكر في مصير مدينة، كان خط التماس هو وسيلتها الوحيدة لكي تتسع جنوباً. كان جنوباً يذكّر بجنوب سبقه إلى اليأس المرير. يقال إن المعدان، سكان الاهوار، وهي مستنقعات مائية كبيرة تقع جنوب العراق، هم أحفاد السومريين، بناة الحضارة الإنسانية الأولى، مخترعي الكتابة والعجلة والأديان. كان النبي ابرهيم سومرياً. حمل المعدان معهم فكرة الجنوب، فكان عالمهم جنوبياً. عالم خلف السدة كان لهم. ولأن عبد الكريم قاسم، العسكري الذي أطاح الحكم الملكي في العراق عام 1958 كان مجنوناً بحب الشعب، فإنه وجد في شغفهم به، باعتباره وارث سلالة سومرية، سبباً في أن يكون واحداً من أنبيائهم المؤجلين. لقد رأى الفقراء صورته على القمر بعد مقتله عام 1963.

كان فائق حسن يومها قد رسم جداريته التي تقف الآن شامخة في الباب الجنوبي لحديقة الأمة. كانت تلك اللوحة تعد بمستقبل متفائل للرسم الحديث في العراق. لقد سجلنا من خلالها سبقاً تاريخياً. حداثة تشخيصية كان معلم الرسم الأول في العراق يباري من خلالها معلّميه الفرنسيين في ثلاثينات القرن العشرين، في تنافس ملحوظ مع المكسيكيين ريفيرا وسكايروس. كانت جدارية فائق حسن تطل على ساحة الطيران، وهي مركز بغداد، هناك حيث كان يقف الباحثون عن عمل يدوي في انتظار من يرغب في استئجارهم لعمل يوم واحد. كانت الحرية تسخر من إمام غائب. ربما كان المهدي المنتظر واحداً من أولئك العمال الذين كانوا يقفون تحت الشمس. يضحك عمّي صبري وهو يروي لي حكاية أولئك العمال اليائسين.

يقول: "إنهم أخطأوا المكان"، "المكان ليس لهم"، "صنعوا مكاناً خطأً". كانت جدارية فائق حسن سعيدة، لم يكن مشاهدوها سعداء. ما نفع الفن إذاً؟

كان الرسّام يكذب. بعد سنوات اكتشفت اننا كنا نكذب. كلنا كنا نكذب. المدينة كلها كانت تكذب. لقد جرّها جنوبها إلى المستنقع المائي الذي غرقت فيه واحدة من أعظم الحضارات البشرية.

قال لي: "حين قرأت رواية روبنسن كروزو تخيلت أنني كنت بطلها". كان عمّي لا يزال ينوء بعزلته. حتى بعد زواجه. بعدما رزقه الله البنين والبنات، بعدما كفّ عن أن يكون عاطلاً عن العمل، كان ينظر إلى ثيابه القديمة التي يبس الدم الذي هو دمه بين خيوط نسيجها وهو يشعر بالغضب.

 

فاروق يوسف

تعريف بالكاتب: شاعر وناقد من العراق يقيم في السويد
جنسيته: عراقي

 

 

شاهد مقالات فاروق يوسف

أرشيف وثائق وتقارير

صحافة وإعلام

مواقــــع

أخبار منوعة

حصيلة شهداء قصف الإحتلال على غزة ترتفع إلى 4

News image

أعلنت وزارة الصحة صباح اليوم السبت، عن انتشال جثماني شهيدين من تحت أنقاض موقع تدر...

لبنان يتحرك للاعتراف بالقدس عاصمة لفلسطين

News image

بيروت - قررت الحكومة اللبنانية، الخميس، تشكيل لجنة لدراسة "إنشاء سفارة للبنان في القدس لتك...

قمة اسطنبول تدعو إلى الاعتراف بالقدس عاصمة لفلسطين

News image

دعت القمة الإسلامية الطارئة في إسطنبول إلى «الاعتراف بالقدس الشرقية عاصمة لفلسطين» واعتبرت أنه «لم...

بوتين يأمر بانسحاب جزئي للقوات الروسية من سوريا

News image

أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بانسحاب جزئي للقوات الروسية من سوريا، خلال زيارة له الا...

25 إصابة خلال مواجهات مع الاحتلال شرق قطاع غزة

News image

أصيب خمسة وعشرون شاباً، بالرصاص الحي وبالاختناق، خلال المواجهات التي شهدتها عدة مواقع في ق...

نائب الرئيس الأميركي يؤجل زيارته للشرق الأوسط

News image

أعلن مسؤول في البيت الأبيض اليوم (الخميس) أن نائب الرئيس الأميركي مايك بنس سيؤجل جول...

هنية يدعو إلى تظاهرات «غضب» أسبوعية في خطاب امام مهرجان ضخم نظمته الحركة لمناسبة الذكرى الـ 30 لانطلاقها

News image

دعا رئيس المكتب السياسي لحركة «المقاومة الإسلامية» (حماس) إسماعيل هنية إلى تنظيم يوم «غضب»، كل ...


المزيد في ثقافة وفنون

أنت يا قدسُ

طلال حمّــاد | الأحد, 17 ديسمبر 2017

(1)   وجهٌ من ورود المساءِ...

هواجس حول فن الكتابة الصحفية

د. فايز رشيد

| الأحد, 17 ديسمبر 2017

  بداية, حريّ التوضيح, أن كاتب هذه السطور, وعندما يخطّ هذه المقالة تحديداً, فإنه لا يتع...

أين الثقافة الناقدة؟

د. حسن حنفي

| الأحد, 17 ديسمبر 2017

  الثقافة نوعان: ثقافة مغطاة بطبقة من الزيف والمصالح ومغطية للواقع الذي تنشأ فيه وساترة...

بطاقة حب للوطن

شاكر فريد حسن | الأحد, 17 ديسمبر 2017

أهواك يا وطني لا أهواك لأنك وطن فأنت أجمل وأغلى وطن...

من ذاكرة الحياة الدراسية

نايف عبوش | الأحد, 17 ديسمبر 2017

بينما كنت أقلّب أرشيف ما بحوزتي من صور قديمة في لحظة تأمل حالمة مع الم...

«أوراق» عبدالله العروي

د. حسن مدن | الأحد, 17 ديسمبر 2017

  في عمله اللافت «أوراق» لجأ عبد الله العروي إلى اختيار شخصية إدريس ليجعل منه ...

يا أحمد أوشن لقد فقدناك...

محمد الحنفي | الأحد, 17 ديسمبر 2017

في زمن... عز فيه الرفاق... عز فيه الوفاء......

البدرُ.. لصوتِ الأرض*

محمد جبر الحربي

| السبت, 16 ديسمبر 2017

ذكرى، وللذكرى.. ندىً وجباهُ تعلو، كما يعلو الذي صُنّاهُ مرّتنيَ الدنيا تُسائِلُ عنْ فتىً ...

كاسيت أبو بكر سالم

خلف الحربي

| السبت, 16 ديسمبر 2017

  جسد الفنان الكبير أبو بكر سالم بلفقيه حالة من حالات التداخل الثقافي والاجتماعي الكبير...

لا مكان لسترته فوق المشجب

د. نيفين مسعد

| السبت, 16 ديسمبر 2017

  مضى أسبوع كامل على عودة زوجها من عمله الخليجي وهي لم تزل بعد غير قا...

هذه القدس

شعر: عبدالله صيام | الأربعاء, 13 ديسمبر 2017

لاحَ في التلفاز مُحمّر الجَديلة... كيّ يَف بالوَعد أنّ يُسدي جَميله قالَ...

موطن الروح

محمد علوش | الأربعاء, 13 ديسمبر 2017

ملاك قلبٍ حالمٍ ملاك روحٍ متمردةٍ تبقين دوماً صهيل قلبي العاشق...

المزيد في: ثقافة وفنون

-
+
10

مجموعة التجديد

Facebook Image
mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterاليوم10321
mod_vvisit_counterالبارحة37471
mod_vvisit_counterهذا الاسبوع47792
mod_vvisit_counterالاسبوع الماضي292572
mod_vvisit_counterهذا الشهر668706
mod_vvisit_counterالشهر الماضي1199023
mod_vvisit_counterكل الزوار48181399