موقع التجديد العربي

للتواصل عبر البريد الإلكتروني: arabrenewal2002@gmail.com 

 
  • default color
  • green color
  • blue color
مسيرة ضخمة في لندن تطالب بالاعتذار عن "وعد بلفور" ::التجــديد العــربي:: خادم الحرمين يأمر بتشكيل لجنة لـ«حصر جرائم فساد المال العام برئاسة ولي العهد ::التجــديد العــربي:: أمر ملكي: إعفاء وزير الحرس الوطني متعب بن عبدالله و عادل بن محمد فقيه وزير الاقتصاد والتخطيط و قائد القوات البحرية الفريق عبد الله السلطان ::التجــديد العــربي:: النيابة العامة الإسبانية تطلب مذكرة توقيف أوروبية لبيغديمونت ::التجــديد العــربي:: قوات الدفاع الجوي تعترض صاروخًا بالستيًّا باتجاه الرياض ::التجــديد العــربي:: الحريري يستقيل ويعلن عن مؤامرة لاغتياله ويرجع قراره لمساعي إيران 'خطف لبنان' وفرض الوصاية عليه ::التجــديد العــربي:: الصين تبني سفينة ضخمة لبناء الجزر ::التجــديد العــربي:: ترامب يتطلع لطرح أسهم أرامكو في بورصة نيويورك ::التجــديد العــربي:: مصر تخطط لإنشاء ميناء جاف بكلفة 100 مليون دولار ::التجــديد العــربي:: أستراليا ضيف شرف مهرجان القاهرة السينمائي ::التجــديد العــربي:: 90كاتبا يتدفقون على معرض الكتاب الفرنكفوني في بيروت ::التجــديد العــربي:: الفاكهة والخضراوات الملوثة بمستويات عالية من آثار المبيدات الحشرية تعرض النساء للعقم والإجهاض او تضر بالإنجاب ::التجــديد العــربي:: تلوث الهواء يصيب أكثر من 10 ملايين بأمراض الكلى سنويًا ::التجــديد العــربي:: برشلونة يحلق منفردا بقمة الدوري الاسباني و اتلتيكو يتقدم على ريال ::التجــديد العــربي:: بايرن ميونيخ يعود من أرض دورتموند بنقاط الفوزو- لايبزيغ الى المركز الثاني ::التجــديد العــربي:: إنشاء قاعدة عسكرية تركية أولى في سوريا ::التجــديد العــربي:: هنية يدعو إلى مواصلة المصالحة ووقف التنسيق الأمني مع الاحتلال رداً على المجزرة فيما شيع آلاف الفلسطينيين في عدد من المناطق أمس جثامين سبعة شهداء سقطوا في قصف للنفق من قبل طائرات الاحتلال ::التجــديد العــربي:: هجوم مانهاتن: ترامب يأمر بتشديد الرقابة على دخول الأجانب إلى أمريكا و«سي إن إن» تكشف هوية المشتبه به ::التجــديد العــربي:: تكليف رئيس الوزراء الكويتي بتشكيل حكومة جديدة ::التجــديد العــربي:: الجيش المصري يعلن مقتل بعض إرهابيي هجوم الواحات وعن تدمير ثلاث عربات دفع رباعي محملة بكميات كبيرة من الأسلحة والذخائر ::التجــديد العــربي::

كيف نقرأ محمود درويش ؟

إرسال إلى صديق طباعة PDF

سنقولها بملء الفم. نعم نحن اختلفنا مع محمود درويش كثيراً ومنذ السبعينيات، وكان الإختلاف عميقاً وجذرياً في ما يتعلق بالسياسة والمواقف من الكيان الصهيوني، والوجود اليهودي الصهيوني في فلسطين، وكذلك في ما يتعلق بمشروع المقاومة الفلسطينية وهويتها، والموقف من القرارات الدولية من أولها إلى آخرها، وعلى التحديد قرار التقسيم رقم 181 لعام 1947، وقرار 242 لعام 1967. أي بكل ما يتضمن إعترافاً بالكيان الصهيوني.

هذا ومن دون الحديث حول الموقف من القوى العالمية السائدة الرسمية وشبه الرسمية ابتداء من السوفيات قديماً ووصولاً إلى أوروباحالياً، ناهيك عن النظام الرسمي الفلسطيني والعربي. ولكن لم يكن هذا الإختلاف في مستوى الإختلاف السياسي السابق إلاّ أنه في كل الأحوال مشكلة ذات أبعاد سياسية وثقافية وأيديولوجية وأخلاقية.

فنحن هنا، نتعامل مع محمود درويش السياسي وليس الشاعر ونقطة على السطر. صحيح أن السياسي في محمود درويش ليس الوجه الرئيس، وإنما الشاعر. ولكن ما دام قد دخل في السياسة وتعامل معها، وتبّوأ مناصب سياسية فلنا العذر في أن نختلف معه إختلافاً عميقاً وجذرياً من هذه الزاوية. لأن عظمته وشهرته كشاعر يجب ألاّ تـُهّرِّب مواقفه السياسية، أو تعطيها أي شكل من الشرعية أو الترويج أو التسويغ.

ولمحمود درويش موقف معلن من المقاومة الإسلامية في فلسطين بل من المقاومة المسلحة عموماً. وهو لهذا صبّ جام غضبه على حماس، وأيّد عزلها وإخراجها من سياق الوحدة الوطنية الفلسطينية على الرغم من أنها لم تعامله كما عاملها. فقد أصدر رئيس مكتبها السياسي خالد مشعل بياناً يعزي فيه ويقدّر إسهامه الأدبي عاليَ التقدير.

بالتأكيد لا أحد يطلب من محمود درويش أن يتخلى عن أيديولوجيته أو فلسفته ونظرته إلى الحياة والإنسان والموت والشعر، أو أن لا يكون له وجهة نظر سياسية متحفظة حول المقاومة المسلحة أو المؤيدة للتسوية أو الحل النهائي للقضية الفلسطينية. ولا أحد يطلب منه ألاّ يخالف في كل ذلك، أو بعضه التيارات الإسلامية أو التيارات القومية الفلسطينية المتمسّكة بتحرير كل فلسطين أو الرافضة للاعتراف بالكيان الصهيوني، فلمحمود درويش الحق في أن يخالف كل تلك التيارات أو يخالف هنا وهناك أقرب الناس إليه أو أشدّ محبّيه. فهو ولا شك فريد، ويريد أن يكون فريداً، ولا يُحْسَب على أحد.

ولكن ليس من حقه ألاّ يتفهم الشعب الفلسطيني حين صوتـّت غالبيته في الضفة والقطاع لحماس، أو حين تصبح الحركة الإسلامية، داخل مناطق الـ48 حيث ولد وترعرع، قوّة جماهيرية كبيرة، ولها دورها الذي لا يُنكر في الحفاظ على الهوية وتثبيت عرب الـ48 في الأرض كما في حماية التراث (تميّزت في حماية المسجد الأقصى وترميم مواقع أثرية ودينية وتراثية).

فالمطلوب ليس ألاّ يعترض على ذلك، أو أن يحتفظ بموقف سياسي وفكري مغاير، وإنما ألاّ يذهب باعتراضه وموقفه السياسي والفكري إلى حد الإقصاء وأكثر، وألاّ يكون مع وحدة الشعب الفلسطيني الذي ضمّ ياسر عرفات وجورج حبش وأبا علي مصطفى وفتحي الشقاقي وأحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي وأبو جهاد وكمال عدوان كما ضم محمود عباس وخالد مشعل واسماعيل هنية ورمضان عبد الله شلح وبهجت أبو غربية وأحمد جبريل. وبما يشمل كل الفصائل الفلسطينية وقادتها وشعرائها وشهدائها كما يضم محمود درويش وسميح القاسم وهارون هاشم رشيد وناجي علوش وعز الدين المناصرة وخالد أبو خالد وآخرين كثر من الأسماء البارزة التي لم تذكر هنا من شهداء وقادة وشعراء وأدباء. نعم نقولها بملء الفم نحن نختلف مع محمود درويش حين يذهب بالسياسة والأيديولوجية إلى إقصاء التيارات الإسلامية والدور الإسلامي والقوى الرافضة لأي تنازل عن أي جزء من فلسطين. ولا بأس أن يكون رينيه شار أو جاك دريدا، أو جيل دولوز، أو أوكتافيو باث، أو خوان غوتيسولو أقرب إلى قلبه من الشيخ القرضاوي أو محمد عاكف أو راشد الغنوشي، أو عبد الوهاب المسيري أو فهمي هويدي وسليم العوا فهي مسألة وعي وأحاسيس ونظرة إلى الحياة. ولكن كيف لا يرى في هؤلاء حتى ما رآه في الآخر الصهيوني عدّوه، أو يخرجهم من الآخر العام التجريدي ـ الإختزالي الذي وحدّه مع "أناه".

أما عندما نأتي إلى الشعر فنحن ممن يضعونه في المقدّمة بين الشعراء الكبار، ولا نحاكم شعره بمقاييس ما كانت عليه سياسته أو انحيازاته السياسية والفكرية. فالحكم على الشعر وما يحمل من محتوى أو يلبس من شكل مسألة تخص الشعر، ولا تخص الشاعر، وليس لها علاقة بحبنا للشاعر أو نقدنا له كفرد سياسي ـ أيديولوجي. ولكننا لنا موقف نقدي كذلك ولا نبتلع كل شعره.

فالإنفصام بين المواقف السياسية والأيديولوجية والإنحيازات للشاعر والقاص والفنان وما ينتجه من نص مكتوب أو لوحة أو مسرحية (مرسحية) أو معزوفة موسيقية، أصبح أمراً مسّلماً به لدى الكثيرين من النقاد المنتمين إلى مدارس عدّة. فالعمل الفني (النص أو اللوحة، أو المعزوفة) لا يرتفع إلى مستوى الفن إذا كان مجرد ترجمة تقريرية للسياسة والفكر حتى لو أطل بها من خلال نص شعري أو لوحة مرسومة أو معزوفة. وإنما العملية هنا تنتج خارج هذه الترجمة سواء أكان الفنان (المفن) واعياً لنتائجها أم لم يكن واعياً. والأمثلة على ذلك كثيرة تبدأ من ميغيل دو سرفانتس وأندريه دو بلزاك لتمرّ بكثير من الأدب السوفياتي وتنتهي بالحداثيين وما بعد الحداثيين. وذلك من خلال تميّز النص حتى التناقض مع مواقف مبدعه.

ومن هنا يجب أن يعامل كل نص لشاعر وفقاً لخصوصيته واستثنائيته حتى بالمقارنة مع النصوص أو المقطوعات الأخرى للشاعر نفسه. فما من شاعر أو فنان إلاّ وعنده من نتاجه ما يرتفع عالياً وما يهبط إلى أدنى. أو على حد النقد العربي القديم "إلاّ وفيه الغث والسمين".

اصطلح أغلب مقيّمي تجربة محمود درويش الشعرية على تقسيم أطوارها إلى أربع مراحل، ولو عاش سنة أخرى لربما كانت المرحلة الخامسة. فقد كان حريصاً على ألاّ يكرّر نفسه من ناحيتي الشكل والمضمون (لا فصل بينهما لأن المضمون يخرج من الشكل والشكل مضمون بالضرورة). المرحلة الأولى التي كانت بواكير نتاجه في الستينيات إلى أوائل السبعينيات: "العصافير تموت في الجليل"، "عاشق فلسطين"، "أوراق الزيتون"، والثانية الإنتقال من مرحلة "الواقعية الإشتراكية" (مع التجاوز) إلى تجربة شعرية جديدة مختلفة، وهي التي ابتدأها من خلال "سرحان يشرب القهوة في الكافيتريا" ثم في "تلك صورتها وهذا انتحار الشاعر" أو "أحبك أو لا أحبك"، و "ديوان المحاولة رقم 7"، والمرحلة الثالثة بعد السبعينيات أو مرحلة الثمانينيات: "ورد أقل"، و"أحد عشر كوكبا"، و"أرى ما أريد". ثم جاءت الرابعة عبر الـ"جدارية" و"كزهر اللوز أو أكثر"، و"أثر الفراشة".

في المرحلتين الأخيرتين أصبح محمود درويش أقرب إلى "مدارس الحداثة" و"ما بعد الحداثة" المعرفة في الرموز الغامضة، ولولا انشداده الدائم إلى فلسطين وهمومها، أو شدّها الدائم له، ولولا حب عشرات الآلاف لشعره ووقوفه الدائم في المهرجانات الواسعة الحضور، لذهب درويش إلى الغرق في شعر الغموض أكثر ربما إلى حد اللامعنى. أو إلى ما يمكن أن نسّميه شعر الألغاز والأحاجي والطلامس.

وإننا لنعجب إذا ادّعى أحد بالرغم من هذا الانشداد الذي أبقى له بعض الوضوح، مع الفهم بصعوبة وعسر، في كثير من القصائد، بأنه يستطيع تفسير كل نصوصه الشعرية. فنحن في الأقل على الرغم من ادّعائنا معرفة اللغة العربية، والتعاطي القديم والدائم مع الشعر لا نبالغ إذا قلنا أن كثيراً من شعر محمود درويش في المرحلتين الثالثة والرابعة لم نعد نفهمه. ومن لا يفهمه كيف يحق له أن يدّعي الإعجاب به أو اللا إعجاب، أو أن ينقدَ ما لم يفهم. ولا يشذ إلاّ من يعتبر الشعر مسألة طرب.

فمشكلتنا هنا مع درويش أننا لم نفهم ماذا يعني وماذا يقصد وعلى ماذا تدل رموزه. بل فليحذر كل من يحاول تفسيره. لأن ما سيفهمه غير ما سيفهمه مفسّر معجب أو غير معجب آخر.

فنحن هنا لسنا أمام شعر رمزي فالرمز الذي أمامنا خرج عن الرمزية ليدخل عالم الصناديق المقفلة والمغاليق. فلم يعد درويش شاعر شجن ولا شاعر صورة فذة التقطها من لحظة صنعتها الحياة الإنسانية، أو برقت بها الطبيعة. وإنما هي صورة ركبها فكر فلسفي ولغة مسبوكة بصناعة وحرفية غير مألوفتين وبعد إجهاد وعسر ولادة.بل قد نحتها وحمّلها عدة أوجه.

مثلاً حين يقول "أخرج من أناك" هنا استخدم الأنا بمعنى فلسفي أو ربما بنسبه إلى الأنا في "علم النفس" وأضاف إليها الكاف وهذا نحت للكلام خارج أو مستجد على الإستخدام اللغوي بإضافة الكاف إلى أنا فيصبح لدينا "أناكَ"، "أناكِ"، "أناهُ" "أناها" "أناهم" "أناهن" "أنانا" وهكذا نكون قد طوّرنا اللغة العربية ولكن أين الشعر هنا إذا لم يكن التقرير المباشر. ولكنه ملفوف بغموض المعنى والمقصود وغريب اللفظ بما يشبه التقعُّر.

وبهذا لا نكون انتقلنا من التقرير إلى الصورة والرمز، وإنما إلى تقرير ربما أشد تقريرية من خلال الغموض. لأن "اخرج من أناك" تقرير ولكن يحمل أكثر من معنى، وليس بمألوف. فهل هذا هو الشعر؟ وإذا أجيب بنعم دخلنا في مشكلة ما الشعر؟

وهذا يشبه قوله: "أما أنا، وقد امتلأت بكل أسباب الرحيل/ فلست لي، أنا لست لي".

فنحن أمام شعر تقريري ولا يختلف عن القول "أنا لست أنا" سوى باستخدام درجة مركبة من التلاعب باللغة أو نحتها: "لستُ لي". ثم يصل به القول على النهج نفسه: "… لم أجد أحداً يسأل: "أين "أيني" الآن؟" وبالمناسبة ثمة الكثير من التقرير في شعر درويش يغلفه الغموض وأسئلة الفلسفة ويستران عليه.

فدرويش يعرف ماذا يفعل فاستمع إليه:

"(إلى قارئ): لا تثق بالقصيدة،

بنت الغياب،

فلا هي حدسٌ

ولا هي فكرٌ

ولكنها حاسّة الهاوية؟"

والسؤال الآن هنا أي غياب أو غياب ماذا؟ وعن أية قصيدة يتكلم أم هو شرط للقصيدة حسّ الهاوية؟ أو قوله: "الكتابة جروٌ صغير يعضُّ العدم

الكتابة تجرح من دون دم"

باختصار لو لم يكن هذا النص لدرويش لما التفت إليه أحد. والسؤال هل أصبحت أسئلة الفلسفة هي الشعر؟ أم استمع إليه

"… لغتي مجاز

للمجاز، فلا أقول ولا أشير إلى مكان، فالمكان خطيئتي وذريعتي"

عن أي مكان يتحدث، هل هو فلسطين (مصيبة أن تكون خطيئته وذريعته) أم هل هو مطلق مكان، فنصبح أمام موقف قابل لوضع ما تشاء بدل "خطيئتي وذريعتي" أو عندما تقرأ ماذا تفهم من قوله:

"وليمة حارسات اللازورد" ما هي هذه الوليمة ومن هنّ حارسات اللازورد؟

بالتأكيد: المعنى في قلب الشاعر" أو ليخترع كل منا معنى يجعله في باطنه لأنه إن أخرجه لم يعد معنى. كم تمنيت أن يخبرني أحد من هنّ حارسات اللازورد؟ طبعاً أعرف ممنوع السؤال.

ولهذا قال محمود درويش لمحبيه وقارئي شعره: "لن تفهموني دون معجزة، إن الوضوح جريمة، وغموض موتاكم هو الحق الحقيقة".

هذا يعني أن درويش كان يعلم، وقد حذرنا أننا لن نفهمه من دون معجزة، والمعجزة بالضرورة لن تأتي. فقد تجنب الوضوح لأن الوضوح جريمة. يا للهول. وما يقصد بغموض موتانا؟ ربما قصد عدم عودة أحد منهم (المعري) ليخبرنا ماذا في الموت وماذا بعد الموت. فهذا الغموض هو الحق الحقيقة. مما يعني أن الغموض معنى فلسفي نوافقه أو لا نوافقه عليه (لا نوافقه). وإذا كان هو الحق والحقيقة فهل يعني أن كل ما عداه باطل.

وبهذا لا يبقى للشعر في عدد من قصائده إلاّ أن نعجب بالأسلوب وطريقة الصوغ، وبالغموض الذي يتركنا في الغموض. وهذا بالضرورة يقود إلى قوله: "يحبونني ميتاً ليقولوا كان منا وكان لنا" (ديوان "ورد أقل"). فالذين يحبونه ميتاً هم مريدوه ومادحوه، بالغموض وبلا غموض: إنهم الذين يمدحونه كما لو كان خالياً من كل نقص، أو لو كان شعره هو آخر الكمال في الشعر. هؤلاء بالضرورة ينتقون من درويش ما يريدون ويتجاهلون ما لا يريدون. ولهذا سبقهم محمود درويش ليقول لهم يحبونني ميتاً ليقولوا "كان منا وكان لنا"… وبالفعل أنظر إليهم اليوم، فهم كذلك يفعلون، لأن المتاجرة بمحمود درويش تجارة رابحة لأنفسهم، وإلاّ ما معنى قولهم "كان منا وكان لنا" فيما يرفض أن يكون منهم أو لهم. وهو بهذا يستعيد نظرة المتنبي إلى نفسه وعلوها وتميّزها وفرادتها ووضعها فوق كل من حوله من تلك البطانة التي مادت الأرض من تحتهم. فمحمود درويش ثاقب النظر (ليس بالضرورة دائماً) قطع عليهم الطريق بالابتعاد عنهم، وبدرجة من الإحتقار لا تخفى. وقد التفّ أحدهم على هذه الإشكالية قائلاً: "بل نحن منك ولك". ولكن أي محمود درويش؟ عليهم أن يختاروا. وإذا اختاروا لا يعودون منه ولا له.

محمود درويش في شعره الجميل لم يكن شخصاً واحداً، ولا "أنا" واحدة، ولم يكن انحيازاً واحداً، أو نظرة واحدة أو معنى واحداً.

ولهذا لا عجب أن يجد فيه كل من أراد ضالته، ويهمل الباقي أو يتناساه أو يعتبره لا يمثل محمود درويش. بل حتى بعض الإسلاميين ممن أقصاهم وهاجمهم وحتى رجمهم، ما يعجبهم. فياسر الزعاترة مثلاً يحفظ عن ظهر قلب قصيدة: "خطبة الهندي الأحمر ما قبل الأخيرة أمام الرجل الأبيض".

ثمة قوم من النقاد والشعراء ذهبوا بالشعر إلى حدود قهر الشعر ولكن للشعر درجة إحتمال، من يتجاوزها يدفع الثمن بالخروج من عالم الشعر ومن عالم محبّيه. وذلك شأنهم شأن الذين تغنّوا وتباهوا بفلسفة "قهر الطبيعة" او "السيطرة على الطبيعة" إلى حد الخروج من حضنها وحدود احتمالها، هؤلاء سعدوا، بعض الوقت، بما فعلوا. ولكنهم سرعان ما عوقبوا عقاياً شديداً، فإن لم يرتدعوا هدّدوا وجود الحياة بالموت، والعمران بالدمار.

فالطبيعة التي خلقها الله لم تعد تحتملهم. فقد ناءت بحملها لهم. ولهذا انفتح ثغر الأوزون ليلقي بحممه غير المنظورة على الناس رويداً رويداً. فأعطانا إنذاراً تلو إنذار بأنكم لم ترتدعوا ولم تتوازنوا في حبكم، وفي احترامكم، لسنن الله، فإن الآتي أعظم.

وهكذا كان من أتباع هؤلاء (من أهل الحداثة) من فعلوا الأمر نفسه مع محمود درويش حتى عندما حاول أن يقهر الشعر بالغموض، وأن يخرج من أحضان الشعر ليصبح هو الشعر لقد صفّقوا له كلما أوغل في شعر الغموض أكثر… وراحوا يمتدحون "المتمرّد أبداً" حتى غدا التمرّد على الشعر والمعنى والفهم مطلوباً لذاته. وليكن بعدِيَ الطوفان، أو اللاشيء أو اللامعنى، أو اختلاط الحابل بالنابل ليعم الغموض. فيتسابق الشعراء من بعده في الغموض. فمن أصبح مُغلقاً أكثر أصبح "الأشعر".

الإنسان العادي (الفلسطيني وغير الفلسطيني) لا يستطيع أن يعيش إذا لم يعرف ما يأكل من طعام، أو يعمل من فعل، أو إذا لم يعرف ما الحب والبغض في تجربته ويحب أن يعرف معنى الشعر الذي يغنيه وإلاّ دندن للحن والنغم لا للشعر. فالإنسان والحياة يبحثان عن الإنتقال من الجهل إلى العلم، ومن الغموض إلى الوضوخ، ومن الغياب إلى الحضور. وليس الإنتقال من الوضوح إلى الغموض أو من الحضور إلى الغياب كما هو المسار الشعري لمحمود درويش أو من المعنى إلى اللامعنى. والجهل من مظاهر الغموض والغياب واللامعنى.

إن البحث المتعمق عن الغموض والغياب والغربة واللامعنى أو اليأس واعتبار كل شيء باطل الأباطيل يمثل ترفاً لا تجده عند الإنسان العادي أو الشعب تحت الحصار أو في المنافي… فهذا الترف يتلذذ به مثقف لا يجد أمامه عدواً يقاتله، ولا بلداً لا يستقبله، عندئذ يمكنه التلذذ بالتساؤل من أنا؟ وأي معنى لحياتي ومماتي، أو أن يركض وراء الغيوم العقيم ويزرعها في قلبه. ويرسمها لوحة غامضة داكنة لا يستطيع أن يشرحها حتى من صنعتها ريشته. ولكن البعض منهم تراهم مع هذا الترف الفكري منغمسين في اللذات أكثر من بوهيمي لم يفكر بأسئلة الوجود. ومع ذلك يبيعوننا اليأس والضياع.

قالوا له الأرض لا تتسّع لك… وفلسطين لا تتسّع لك، والعروبة لا تكفي، والإسلام خصمك اللدود.. وقالوا و"أناك" لا تتسّع لأناك وعدّوك أناك، وأنت هو إثنان في واحد سكنا بدناً. فكل الثنائيات أوهام، والجندي الذي يقتل طفلاً فلسطينياً يقتل في الحقيقة بضربة واحدة ثلاثة: ابنته التي كان من الممكن أن تحب الطفل لو لم يقتله والدها ويتزوجا وينجبا بنتاً من دم أمها اليهوديةز وبهذا لا يكون الجندي قد قتل طفلاً فلسطينياً فحسب وإنما أيضاً ابنته وابنة ابنته ("وكيف أصبت ثلاث حمائم بالطلقة الواحدة" من ديوان "حالة حصار") وبهذا تصبح يا محمود درويش عالمياً وإنسانياً وتخرج من فخ القول لقد قتل الجندي الإسرائيلي ولداً صغيراً فلسطينياً ـ نقطة على السطر.

قالوا له أنت المتمرّد تمرّد أبداً. فتمرّد أولاً على شعرك الذي اشتهرت به وأحبّك الناس عليه، وأسموه شعر "الشعارتية" تحقيراً. وتمرّد ثانياً على ذاتك وعلى ما تريد وما لا تريد، وعلى حبك وبغضك ليغدو الآخر أنت ولتغدو أنت الآخر. وتمرّد على عدوك ليكون "أناك" ولتكون أناه. وبهذا تصبح عالمياً وإنسانياً؟

وبكلمة صريحة: نحن نحب شعر محمود درويش العفوي المتمرّد على الصهيوني: درويش "سجل أنا عربي"، "المارون بين كلمات عابرة"، درويش "الهندي الأحمر". وبعض درويش اللاحق حيث الحنين إلى أمه وفلسطين "بلا رتوش". درويش قصيدة "عندما يبتعد". أما درويش الآخر المتمرّد على شعر درويش أبداً فنحن لا نلهث وراءه، ولكن نحبه أو لا نحبه، وفقاً للقصيد. وعذراً إن لم نستطع الإعجاب بقصيدةلم نفهمها. ولم نعرف ماذا يقول. وماذا أصبح يريد وإلى أين يسعى.

وما دمنا لم نفهم، فاعذرونا، لا نستطيع أن نحب ما لم نفهم. وإن دهشنا وطربنا لبناء قصيدة لم نفهمها.

أحرارٌ أنتم يا من شجعتم درويش ليتمرّد على شعره أبداً فيسبح في الغموض ويجعلكم تتبعون ما لم تفهموا أو تعوا فنحن من طينة أخرى نريد لعقولنا أن تعرف، ولأحاسيسنا ومشاعرنا أن ترتعش وترتعد، وتشعر بما تحب وتكره، وبما تفرح وتبكي. نحن نبحث عن المعنى ونهرب من اللا معنى نبحث عن الشعر والشجن والصورة وننأى عن الغموض لأننا نلمس الوجع ونلمس الفرخ بعقولنا وقلوبنا ودموعنا في آن واحد. ونبحث عن تحرير فلسطين وهذا ما نريد وما نحب أن نرى.

والغريب أنكم عندما سمعتم قائلاً يقول أن وراء هذا الكون الله الذي خلق وسوّى.. وذهبنا بكم إلى الإيمان بالغيب هربتم وقلتم نحن نريد البرهان والملموس والحاضر والوضوح. وعندما جئنا بكم إلى البرهان والملموس والحاضر والمعنى هربتم منه إلى الغياب واللامعنى والغموض وقلتم كل شيء باطل الأباطيل، وليس من حق وحقيقة غير الغموض. فاللامعنى يسكن كل شيء (فلسفة ما بعد الحداثة: غياب المعنى) ولهذا ليس هنالك من عدو وصديق ولا "أناي" ولا "أناك" ولا هو ما دام هو أنا، وأنا هو، حتى لوكان الـ"هو" من اغتصب أرضي وسكن بيتي. فما دام الكل واحد فما الفرق في نهاية المطاف. فهو أنا في بيتي (بيته) وأنا هو في منفاي منفاه.

خلاصة عامة

ليس لدى محمود درويش من نسق في مساره الشعري إلاّ الإنتقال من الحضور إلى الغياب. ومن الظاهر إلى الباطن، ومن الوضوح إلى الغموض. وكان كلما أوغل في الغياب والغموض والباطن كان يعود مسرعاً ليبقي صلة بالحضور والظاهر والوضوح وكانت فلسطين هي تشدّه إلى عدم التحوّل الكلي إلى غائب غامض باطني.

أما على مستوى المواقف من الموت والحياة، ومن العدو والآخر، ومن الذات والمجموع فيمكن للمرء أن يجد في مسلسل أعماله عدة متناقضات وإلى درجة صارخة أحياناً، مثلاً عندما صرخ: "وطني ليس حقيبة/ وأنا لست مسافر" 1969. عاد في عام 1983 ليقول: "وطني حقيبة/ وطني على كتفي".

لو وقفنا أمام النص الذي رثاه فيه صديقه المقرّب كمال أبو ديب في صحيفة "الحياة" 11/8/2008 لقرأنا: "كان شاعراً لفلسطين فعكرت صفاء منابع أغوار ذاته فلسطين ولم ترحمه. وحين تحرّر من فلسطين تدفقت بشائر العظمة في عروقه المحتقنة. وبدأ يَعِدُ بالعظمة الحقيقية في الشعر. ليغفر الله لفلسطين من أجل نقاء روحه وبهاء شعره".

النصيحة واضحة: إبتعد يا محمود درويش عن فلسطين لأنها عكرت صفاء منابع أغوار ذاتك ولم ترحمك"، وحين تحرّرتَ من فلسطين "تدفقت بشائر العظمة في عروقك المحتقنة". و"بدأت تعِدُ بالعظمة الحقيقية في الشعر" تصوّروا لو هبط محمود درويش على الناس مبتعداً من فلسطين وحين يعود لمسّها يمسّها راجفاً ضعيفاً كمن يخشاها. فهل كان هنالك ذلك المحمود درويش أي لو كانت بدايته في شعره كنهايته. في الرموز وبعضها أقرب ما يكون للفلسفة لا للشعر.

بالفعل ابتعد محمود درويش عن فلسطين وعن نبض شعبها. وراح يغوص في ذلك تحت دعوى التغلغل في أعماق النفس الإنسانية وعذاباتها وتساؤلاتها أمام الموت والوجود وبهذا تتدفق بشائر العظمة فيصبح شاعراً كونياً بمقاييس الكونية الغربية. وبهذا أرضى الكثيرين في الغرب كما ذلك النفر من الحداثيين الذين كانوا ذات يوم مناضلين من أجل فلسطين ومقاومين وممانعين لقوى الهيمنة الإمبريالية وللرأسمالية العالمية، فانقلبوا الآن إلى ليبراليين بلا قضية. وأصبح ماضيهم عبئاً على وعيهم الراهن. وغدا منظر من واصلوا الدرب من مقاومين مؤذياً لهم. الأمر الذي أدخلهم في عالم الضياع والغربة والغياب. وهو ما جعلهم يلتفون حول محمود درويش. وجعلهم الآن يرثونه بمدائح لم يحظ على مثلها شاعر من قبل، وقد وصل الأمر بهم ألا يروا عنده قصيدة ضعيفة، أو مقطعا يمكن نقده. أو في الأدّق وصل الأمر بهم حداً رأوا فيه كمن وصل الكمال شعراً وشخصية وموقفاً ورؤيوية. فهؤلاء لا تجد بينهم في تقويمهم لشعره، الأكثر حداثة، من ينقده ولو برمي وردة عليه. لماذا لأنهم يخشَوْن فتح هذا الباب، كما لأنهم يريدون مرجعية فوق البشر. السبب واضح: الإختباء وراء محمود درويش في حين ندَرَ منهم من جاء باستشهاد واحد من شعره. ما تناوله من أحكام عامة، لأن شعره ينوء تحت مبالغات تلك الأحكام. ولكن مشكلة هؤلاء أن محمود درويش ليس موقفاً واحداً ولا اتجاهاً واحداً حتى في القصيدة الواحدة والديوان الواحد.

ولهذا لا تعجب حين يأتي منتقدوه من بعض النقاد ذوي المرجعية الإسلامية بعشرات الشواهد من شعره التي تعبّر عن موقف إلحادي أو شِرْكي. كما لا تعجب من نقادّ مقاومين أن يأتوا بعشرات الشواهد على روحه المقاومة ضد الإغتصاب الصهيوني للبيت الفلسطيني والأرض الفلسطينية. ومثل هؤلاء وهؤلاء قد يأتي غيرهم بعشرات الشواهد على ما احتواه شعره من تقريرية لا علاقة لها بالشعر. وغيرهم بإمكانهم أن يلتقطوا من شعره مقطوعات مشحونة بالشجن والشعر العذب والمبدع. فكل شاعر كبير عنده ما يؤخذ منه وما يُرّد.

وإذا جئنا إلى الرمز فهنالك من المقطوعات الرمزية التي لا علاقة لها بالرمزية التقليدية، ولا بالرمزية ذات الأبعاد المتعارف عليها. وثمة رموز مغرقة في الغموض، ومنغلقة على الفهم، فهو مخترعها. ومن هنا قطع بالقول لمريديه "لن تفهموني".

ولهذا عندما يتخلص الناقد المداح المحب العاشق لشعر محمود درويش لا سيما في مراحله الأخيرة. ويحاول تفكيك القصائد في محاولة لفهمها وتحليلها سيجد نفسه أمام عقد مستعصية على الفهم، وأمام تناقضات في الفكر والشعر والمواقف حتى بالنسبة ؟إلى موقفه من الجندي: مثلاً، رآه تارة ضحية، وأخرى قاتلاً، وطوراً مغتصباً للبيت، ومرة أخرى، شريكاً للفلسطيني في صنع المستقبل.

فدرويش مأزوم نفسياً، وممزق في موقفه من فلسطين، وباحث عن التجديد والإبداع بقلق لا مثيل له، وضائع في ما بين أصدقائه، وإلى أين يريدون أن يذهبوا به. فمن جهة هو حريص على علاقته بجمهوره ومُستمعي شعره، وهو من جهة أخرى يُقصيهم في غموضه وغيابه. ولكنه يريدهم أن يصفقوا له حتى من دون أن يفهموا فعلاً ما أراد أن يقول. فهذا هو محمود درويش لا يمكن أخذه كله ولا تركه كله. فبعضه هنا وبعضه هناك، وبعض بعضه بين هنا وهناك وهنالك. ولكنه يظل شاعراً كبيراً مبدعاً مهما اختلفت معه. ويبقى مسكوناً بفلسطين مهما ابتعد منها، أو أقصاها عنه، أو ساوم فيها.. فكل من يحترم نفسه لا يستطيع أن يأخذ درويش كله إلاّ إذا كذب على نفسه. وكل من يحب الشعر لا يستطيع أن يكره درويش كله لأن لديه ما يفرضه عليه وإن أبى.

فكثيرون من محبيه لم يعودوا يحبّون سماع "سجل أنا عربي"، أو "أيها المارون بين كلمات عابرة". وفي المقابل كثيرون من الذين يأخذون عليه التعدّي على الرموز الدينية، وبطريقة مُسّفة أحياناً لا يمكن لهم أن يخفوا الإعجاب وهم يقرأون أو يسمعون:

أيها المارون بين الكلمات العابرة

احملوا أسماءكم، وانصرفوا

واسرقوا ما شئتم من زرقة البحر ورمل الذاكرة

وخذوا ما شئتم من صور، كي تعرفوا

أنكم لن تعرفوا

كيف يبني حجر من أرضنا سقف السماء

****

أو قوله في "أنا من هناك"

أنا من هناك … ولي ذكريات، ولدت كما يولد الناس، لي والدة

وبيت كثير النوافذ… لي إخوة أصدقاء … وسجن بنافذة باردة …

ولي موجة خطفتها النوارس … لي مشهدي الخاص … لي عشبة زائدة …

ولي قمر في أقاصي الكلام … ورزق الطيور … وزيتونة خالدة …

أما من جهة أخرى فإن الأمثلة التي لا بد من أن يرفضها أو يشمئز منها الذين أخذوا عليه التعدّي على الرموز الإسلامية المقدّسة قوله في "الموت في الغابة":

"نامي فعين الله نائمة".

أو قوله في "سرحان يشرب القهوة في الكافيتريا":

"وسرحان يرسم شكلاً ويحذفه،

طائرات، وربٌ قديم".

وفي ورد أقل" يقول:

"أمن حق من هي مثلي أن تطلب زوجاً

وأن تسأل:

إلهي، إلهي، لماذا تخليت عني

لماذا تزوجتني

يا إلهي، لماذا؟ لماذا تزوجت مريم"

ثم كيف يفهم محبو الغموض وما هو ابعد من الغموض، قول محمود درويش:

"نرسم القدس: إله يتعرّى فوق خط داكن الخضرة"

وبدهي أن استخدام "إله يتعرّى" لا يقبله مسلم او مسيحي مؤمن. ثم ما قصده بالخط الداكن الأخضر. هل هو الخط الأخضر لخطوط الهدنة 1949. أم رمز آخر ما دمنا نبحث عن الرموز ونرفض التقريرية. أو كيف يفهم:

"بين ريتا وعيوني بندقية،

والذي يعرف ريتا ينحني

ويصلي لإله في العيون العسلية"

أولاً: بندقية من بين ريتا وعيونه؟ هل هي البندقية الإسرائيلية أم بندقية المقاومة الفلسطينية؟ فإذا كانت الأولى فمن تكون ريتا؟ وإذا كانت الثانية فالأمر كذلك من تكون ريتا. ثم من يكون هذا "الإله" الذي في العيون العسلية ويُصلي وينحني له؟

ثانياً: الذين يؤمنون بإله واحد بمن فيهم أم محمود درويش ووالده الذي توفى بضربة شمس في الحج على أرض مكة لا يمكن أن يرتاحوا لهذا الإستخدام وفي هذا المقام.

وثالثاً: أساء للمسيح في "سرير الغريبة"

****

وفي الختام، يمكن الإستشهاد على موقفنا من محمود درويش من خلال موقفه من المتنبي المتنبي وأبي تمام. وذلك لهدفين: الأول التخفيف من المدائح العمياء التي قيلت في محمود درويش بعد موته. فعلى أصحاب تلك المدائح أن يتعاملوا معه كما تعامل هو مع المتنبي. والثانية الإنتباه إلى نقده لأبي تمام ومدى انطباقه على نقد شعره. في مقابلته مع عبده وازن في "الحياة" في 12/12/2005 أجاب درويش:

ـ "المتنبي على الإختلاف الكبير معه حول نزعته إلى السلطة ومدائحه وهجاءاته، أعتبر أنه يلخص الشعر العربي الكلاسيكي".

ولهذا لا يعجبن أحد حين يصار إلى الإختلاف مع محمود درويش من ناحية المسلك والعلاقات بالسلطة وأصحاب السطوة السياسية عربياً ودولياً والأهم الإختلاف السياسي مع مواقفه السياسية.

ثم يجيب في مكان آخر من المقابلة حول المتنبي قال "ليس من شاعر كل شعره جميل. وعندما أقرأ مدائحه وهجائياته أنسى الممدوح والمهجو. وتطربني الجزالة الشعرية والبلاغة. القوة الداخلية لدى المتنبي حجبت عني أخلاقياته".

بسهولة يمكن قول ما هو شبيه بهذا عند تقويم شعر محمود درويش. ولكن لماذا يهاجم "أخلاقيات" المتنبي. وقد "اتفقنا" على عدم التعرض للأخلاقيات الشخصية للشاعر عند تقويم شعره، ولا إلى "العطايا" التي نالها.

أما في تعليقه على أبي تمام فقال فيه:

"أبو تمام مشروعه التحديثي (بين قوسين) هو الذي سمح للحركة الشعرية أن تتجدّد. طبعاً هو من الشعراء الكبار. لكنه شديد التقعّر ومشغول بنحت الكلمات وخلق الصور الغامضة".

ما أخذه محمود درويش على شعر أبي تمام ينطبق عليه بالتمام والكمال سواء أكان من ناحية الإنشغال بنحت الكلمات (فما نحته محمود درويش أكثر) أم كان من ناحية خلق الصور الغامضة. فمحمود درويش تجاوز غموض صور أبي تمام غموضاً وتعمّداً للغموض. أما التقعّر فهو مشترك بين الإثنين وإن بطريقتين مختلفتين.

فإذا كان من نقائص الشعر تقعّره وصورهُ الغامضة، وانشغاله في نحت الكلمات فإن محمود درويش يكون قد أسهم في نقد شعره هو نفسه.

وكلمة أخيرة، لا تأخذوا شعر محمود درويش كله، واقرأوه بعين نقدية، واختاروا أجمل ما فيه معنى ومبنى، وابتعدوا عن غموضه وعن شعر الفلسفة. ولا تكونوا ممن "يحبونه ميتاً ليقولوا كان منا وكان لنا".


 

منير شفيق

تعريف بالكاتب: كاتب وسياسي فلسطيني
جنسيته: فلسطيني

 

 

شاهد مقالات منير شفيق

صحافة وإعلام

مواقــــع

أخبار منوعة

خادم الحرمين يأمر بتشكيل لجنة لـ«حصر جرائم فساد المال العام برئاسة ولي العهد

News image

أمر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز اليوم (السبت)، بتشكيل لجنة لـ«حصر الجرائم وال...

أمر ملكي: إعفاء وزير الحرس الوطني متعب بن عبدالله و عادل بن محمد فقيه وزير الاقتصاد والتخطيط و قائد القوات البحرية الفريق عبد الله السلطان

News image

  أصدر الملك سلمان، مساء السبت، أمرا ملكيا بإعفاء وزير الحرس الوطني الأمير متعب بن ...

النيابة العامة الإسبانية تطلب مذكرة توقيف أوروبية لبيغديمونت

News image

طلبت النيابة العامة في إسبانيا إصدار مذكرة توقيف أوروبية في حق الرئيس المعزول لكاتالونيا كار...

قوات الدفاع الجوي تعترض صاروخًا بالستيًّا باتجاه الرياض

News image

الرياض- صرح المتحدث الرسمي لقوات تحالف دعم الشرعية في اليمن العقيد الركن تركي المالكي أنه...

الحريري يستقيل ويعلن عن مؤامرة لاغتياله ويرجع قراره لمساعي إيران 'خطف لبنان' وفرض الوصاية عليه

News image

بيروت - أعلن رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري استقالته السبت في كلمة بثها التلفزيون وقا...

الصين تبني سفينة ضخمة لبناء الجزر

News image

بكين - دشنت الصين سفينة ضخمة وصفت بانها "صانعة الجزر السحرية" وتعد أكبر سفينة تجر...

إنشاء قاعدة عسكرية تركية أولى في سوريا

News image

ذكرت مصادر سورية أن تركيا استكملت إنشاء وتأهيل القاعدة العسكرية الأولى لها من بين ثمانية ...

مجموعة التجديد

Facebook Image

المزيد في ثقافة وفنون

بلادنا فلسطين- داخل دير مار سابا

جميل السلحوت | الجمعة, 17 نوفمبر 2017

تمنّيت لو أنّني أستطيع البقاء في دير مار سابا أو محيطه لمدّة أسبوع على الأ...

هكذا قالت لها قارئة الفأل

نايف عبوش | الجمعة, 17 نوفمبر 2017

  قصة قصيرة احست بضيق صدر شديد.. وكآبة مزعجة عندما أنهت خبز عجينها على التنور ...

"الصحراء في عيون إسرائيل"

إبراهيم أمين | الجمعة, 17 نوفمبر 2017

جامعة هارفارد:- وسط لفيف كبار العلماء وأساتذة جامعة هارفارد يَمنح البروفيسور جيمس بينجامين الأستاذ صاب...

أحبّ روايات ماركيز إلى نفسه

د. حسن مدن | الجمعة, 17 نوفمبر 2017

لم يكن ماركيز يرغب في كتابة رواية عن الجنرال سيمون بوليفار حين كتب روايته: «ال...

استقلال فلسطين حي

كرم الشبطي | الجمعة, 17 نوفمبر 2017

يعني شو منه فاهمين فاكرين القصة خلصت لا ومليون لا للمحتلين...

أيها المارون من إلى كرة الأرض...

محمد الحنفي | الجمعة, 17 نوفمبر 2017

في حياة الأرض... مرت ملايين الأجيال... وملايير البشر......

مساعد الرشيدي الذي لا يغيب

خلف الحربي

| الاثنين, 13 نوفمبر 2017

  في طريق ما وفِي ليلة ما كان صوت الشاعر العفوي يتسلل بين الأشجار: (تخوفن...

اللوفر في أبوظبي: الفن والتسامح

د. السيد ولد أباه

| الاثنين, 13 نوفمبر 2017

  بتدشين متحف اللوفر في أبوظبي، تكون هذه المدينة الناهضة قد استحقت بالفعل لقب عاصمة ...

أديب رفيق محمود... شاعر من بلادي

محمد علوش | السبت, 11 نوفمبر 2017

إن الشعر الفلسطيني جزءٌ أصيل من مسيرة الشعر العربي، ولسنا حالةً خاصة أو استثنائية بسب...

كتاب ثقافة الهبل يدعو لتحرير العقول

مهند الصباح | السبت, 11 نوفمبر 2017

تخلوا عن الجهل والخرافات هذا هو النداء الذي يطلقه كتاب "ثقافة الهبل وتقديس الجهل" للأ...

ياسمين زهران ترحل بصمت وهدوء..!!

شاكر فريد حسن | السبت, 11 نوفمبر 2017

بهدوء وصمت كما حياتها، وحال جميع شرفاء الوطن، رحلت عن عالمنا في الرابع والعشرين من ...

بلادنا فلسطين- في دير مار سابا مرّة أخرى

جميل السلحوت | السبت, 11 نوفمبر 2017

من يزور دير مار سابا في براري بلدة العبيديّة قرب بيت لحم، سيحتار من أين...

المزيد في: ثقافة وفنون

-
+
10
mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterاليوم2138
mod_vvisit_counterالبارحة18940
mod_vvisit_counterهذا الاسبوع195437
mod_vvisit_counterالاسبوع الماضي305189
mod_vvisit_counterهذا الشهر706802
mod_vvisit_counterالشهر الماضي1251282
mod_vvisit_counterكل الزوار47020472
حاليا يتواجد 2145 زوار  على الموقع