حكاية عن صابونة من حلب: رأيتك نائما في الحرب مثل قطعة جبن

الثلاثاء, 17 أبريل 2012 22:09

فاروق يوسف

ثقافة وفنون
طباعة

تركته الأم منسيا في الرحم. لم ينزله الحوذي ولا سائق الحافلة ولم يقل له أحد أن القطار لن يقف مرة أخرى. لكي تكتمل الحماقة وجد ان عليه أن يقتفي أثر يده على وجهه. كان يوزع نومه على حواسه.

العين وقد باركها الرب بالعمى، الاذن وهي المنذورة للصفير وقد تجشم عناء المشي بعكازتين في دروب الغابات، الانف الرقيق الذي صارت خيوط الحرير تشده إلى روائح الاوراق الميتة. نائم في نومه. نائما يحلم. حالماً ينام. في البندقية المحشوة أناشيد، في رغبته في أن يكون حيا حالما يغادر النوم. في النافذة حيث تسيل المرئيات. ليته استيقظ ليرى، ولكنه يرى وهو نائم. في غريزته تلمع الابرة. ”يا بلادي“ سيقول لأنثى الوعل وينام. الغربية نائمة ولا قطعان بقر وحشي. تنبأ أن تكون ليلته موحشة، وها هو يمد يده إلى الكأس فيلمس جيشا من الهوامش المنسية في قعر الكأس.

صورتك منسيا في المرآة هي غدك الجالس على ظهر جاموسة.

ألم أحدثك عن المعدان؟

سأجد متسعا بين قتيلين لأروي الحكاية.

هناك كانت المياه أرضا. يمكنك أن تذهب إلى السماء بالمشحوف. حافي القدمين وبفم يملأه الماء العذب، ستلعب يدك بالاسماك فيما الأشعار لا تفارق شفتيك. اضمن لك شعرا لا يستهلكه غنج نسائه. لك أن تمحى فلا تراك الطواويس في الطريق. لك أن تصمت فلا تسمع صوتك طيور الماء. ينزلق بك المشحوف كما لو أنك دمعة على صحن صيني. ”هو ذا أبني“ ستقول الزخرفة ويقول الماضي انك ابن سبعة. لك شهران من الحياة الغضة ناقصان. يمكنك أن تستعيدهما حين تريد. لكنك تهوى أن تذهب إلى جزر لم تطأها قدمان من قبل. ترضى أن تضع على رأسك اكليلا من البرغش لترتقي سلما يقود إلى الهة المعدان.

”ولكنهم مسلمون“

”نعم ولكن ربهم أنثى“

”.........“

”من قال ان الله ذكر؟“

نائم على المشحوف. في تلك البرية المائية، على سطح الفكرة المتحركة، بين زرقتين: زرقة الفجر وزرقة روحك. لن يتهمك أحد بالبذخ، في الوقت الذي كان فيه شبحك يضع قدمه بين قدمي ملاك ليسقطه ويأخذ مكانه. ”هل كنت ترى؟“ ”رأيتُ الله“ تضحك جذلا كما لو أنك رأيت صديقا قديما. في تلك البقعة، تلك الفجوة، تلك الفرصة المثالية ما الذي يمكن أن يراه المرء؟ لا فرق هنا بين ما يتخيله المرء وبين ما يراه. ما من عتمة لكي نتحدث عن وهم بصري. العين ترى وتتخيل في الوقت نفسه وهي لا تخون وظيفتها في الحالين. تمر الأشكال والمساحات والخطوط من خلال العين لتتنفس معانيها في الدماغ. العين تتخيل بالطريقة نفسها فيكون الله صديقا لانه يعمل بالطريقة نفسها. هناك مختبر للخليقة التي لم تر النور بعد. الشعير في المزرعة. المطر في ليل صيفي. قدما صديق بين الباب وغرفة االضيوف. نائم على المشحوف. تلك وصفة لنعيم فالت.

كان الله قريبا ليس لأن السماء كانت قريبة.

لمَ تركتني إذن؟

لن أسأل أحدا بعينه.

أجلس على الحافة في نهار صيفي. تصل قدماي إلى الماء. كانت الاسماك الصغيرة تلهو من حول قدمي. لن يمر الغزال بي. كنت بعيدا عن الغابة وعن البيت. حين قررت أن لا أكتب إلا ما أراه خُيل إلي ان الرسام صفة تليق بآدم. ولكنه الرجل الوحيد الذي فقد امرأته. الرجل الذي يتكتم على حزنه ويسعى إلى العبور إلى الجانب الآخر من النهر وحيدا. ”لن تكون قويا دائما يا صديقي“ قلت له حين عبر شبحه قريبا من جثتي. كنت الميت السعيد على الضفة. صارت الأعشاب تستلهم خضرتي. سأكون أيقونة للضفادع. غني يا بلادي بصوتي الثمل. هناك قبرة تتذكرك. أخبرت رافيا قضماني انني حملت في حقيبتي صابونة صُنعت في حلب. ”من السويد؟“ سألتني مندهشة. الوصفة الوحيدة التي تتماهى مع كيمياء جسدي. قالت: ”سأغرقك بالصابون البلدي“. استسلم لهواء الصابونة وأنجو من هلع الجلد واحلق بجناحي حسناء دمشقية. ارتجل اغنية للحمام، حين يسيل الماء بكلماتها إلى المجرى تنبعث رائحة الياسمين من الفراغات التي تقع بين حرف وآخر من حروف تلك الكلمات. هذه الشام تتثاءب بفم روماني. نهار طويل مثل راقصة فلامنكو أخذنا بين الأزقة. في ذلك الوقت كانت الصابونة التي عادت إلى وطنها نائمة في الفندق. رائحة الازقة حملتني إلى باحات البيوت الدمشقية. رصفنا الكراسي بشكل دائري حول النافورة وحين جلسنا رفعنا أقدامنا ووضعناها على سياج رطب من الآجر. كنا أربعة ولم يعد أحدنا يرى الآخر إلا متقطعا من خلال مياه النافورة. اما الموسيقى، موسيقى المياه فقد تسللت عصافيرها إلى حواسنا. كانوا من حولي يضحكون، فيما كنت صامتا أفكر بصابونتي التي لم ترجع إلى بيتها تماماً.


من أجل أن تصل إلى قلب الصابونة، عليك أن تخترق سطوحا متراكمة ومتداخلة بعضها بالبعض الآخر. هناك نسيج من مادة متناغمة، يمكن تفتيته أو تقطيعه من غير أن يفقد الايقاع الداخلي الذي يجذب بعضه الى البعض الآخر. يمتزج ذلك الايقاع بالجسد ما أن يمسه، من غير ماء حتى، ليترك شيئا من نغهمه هناك. حتى عن طريق الشم يتسلل ذلك النغم خفيفا، منسابا، هادئا وإن كان قويا. تثق الصابونة بنفسها من خلال امتزاجها بما تفعله. الاهم من كل هذا ان صابونتي الحلبية صارت بمثابة المنقذ الذي الجأ إليه في كل الأحوال تحاشيا لأعراض مرض حساسية الجلد الذي انتفض فجأة وبشكل شرس.

لن انصت إلى أحد سواك يا مخلصتي.

لا شامبو، لا صابون سائل لحوض الاستحمام، لا معطر ابط، لا دهن للشعر، لا عطر بعد الحلاقة ولا بلسم. وحدك أنت وليذهب باكو رابان إلى الجحيم. بل لأذهب أنا إلى جحيم الصابون الذي لا يطلق عطرا. الصابون الصامت والناعم والمهذب في الوقت نفسه. ذلك الصابون الذي يلتحم بالجسد في معركة مائية من غير أن يطلق صوتا. يفقد اجزاءً منه، ويسرق أجزاءً من جسدي من غير أي ضجيج. كلما مسحته بجسدي شعرت بنكهة الأعشاب التي هو صنيعة مؤامرتها وهي تتسلل إلى خلاياي. حقول في البرية، مشاء وحيد وذئاب كثيرة تنظر إليه من بين الأشجار. من قبل كنت أمر برفوف العطور في الاسواق الحرة بالمطارات واقف مستنشقا الروائح التي تأخذني شرقا وغربا، باحثا عن ملهمي الخيالي. وبعد أن حلت بي الكارثة، صرت اتحاشى النظر إلى أقسام العطور في تلك الأسواق وانا أشعر بالأسى والظلم. ذات مرة قضيت عشر ساعات في مطار هيثرو في انتظار طائرتي الذاهبة إلى الكويت من غير أن استرق النظر إلى ما كانت تعرضه الاسواق من عطور. كان شعوري بالألم عميقا ولا يساويه إلا حرماني من التدخين.

صابونتي مخلصتي صارت مستقبلي.

 

فاروق يوسف

تعريف بالكاتب: شاعر وناقد من العراق يقيم في السويد
جنسيته: عراقي

 

 

شاهد مقالات فاروق يوسف