ألم نكن أشرارا صغارا؟ سؤال ناقص هو بحجم الألم، بفداحة الفقدان، ببياض العمى

الاثنين, 27 فبراير 2012 03:13

فاروق يوسف

ثقافة وفنون
طباعة

لطالما أثنى الأصدقاء على حزني. يقول صديق: 'لقد بكيتُ وأنا أقرأ نصك'. 'أكتب أليك ودمعتي في عيني' يقول صديق آخر. يُخيل إلي أنني قمت بإعداد مائدة كئيبة. كما لو أني أدعو أصدقائي لتقشير البصل في مطبخ عائم حين الكتابة.

ولكن الكتابة تُسعد يا أصدقائي. على الاقل هي تقلل من شقاء العالم. هذا ما يقال. التقيت ذات مرة في مقهى المسرح القديم بالمدينة التي أقيم فيها كاتبة من كوسوفو، هي لاجئة مثلي. قالت لي: ان الذين يستحقون اللجوء من أبناء كوسوفو لم يصلوا. لقد دفنوا هناك في مقابر جماعية'. تغطي وجهها بيديها. يجري الدم بقوة في شرايينهما فتبدوان ورديتين. يأتيني صوتها منهَكا: 'لقد وصلنا نحن بأسمالهم. بالجزء اللزج من الشاي الذي لم يشربوه، هناك حيث استقرت أسماؤهم. نحن بقايا الكابوس. فتات خبزه وشظايا مرآته. صار عملنا الوحيد أن نتذكر'

مهمة قاسية، وعبثية ربما.

نحن نُكسب الحجر فما. نصنع منه تمثالا وهميا، حين يكتمل نهرب منه. نعرف أنه لن يكلمنا. نعرف أن نظرة من عينيه الهلعتين تكفي لإزاحة الستار عن الكذبة التي نختبىء وراءها. لم نكن إلا أشرارا صغارا مؤجلين في زمن التجلي البعيد. حتى اللحظة لم نقل الحقيقة. ألأننا لا نعرفها ولم نهتد إلى الطريق التي تؤدي إليها؟ نبكي لنرث العاطفة الهشة. مأوى القطط البريئة ومعراج التأوهات. لتكون الخزانة المفقودة من نصيبنا. 'حملنا البلاد معنا'. سلة الثياب المتسخة وحقيبة الأوراق القديمة والبوم صور الموتى. لن تكون تلك البلاد موجودة إلا من خلال عدد من الوصفات الجاهزة.

لكي تغني لديك الريل وحمد، سيكون عليك دائما أن تتذكر أن القنطرة لا تزال بعيدة. عبرنا مئات القناطر ولا تزال قنطرة بعينها بعيدة. وصل الكثيرون، غير أن معجزتك تكمن في أنك لن تصل أبداً. تلك بلاد لا تصلح لإقامة الهائمين. ليس للجسد المريض سوى أن يهذي. وتلك بلاد مريضة هي الأخرى. نحن رسلها في طرق المتاهة. العالم حانة معتمة، خمورها النظيفة تلهم البكاء.

لكي تشرب شايا إذهب الى مقهى المعقدين. في الشتاء الأخير من عمر البشرية هناك معقد عراقي يفرش على منضدة خشبية رطبة ومليئة بالثقوب خريطة لم يجف بعد حبر الادريسي من على سطحها ويتساءل عن جدوى غزو الفضاء. هناك مكان على الأرض هو أكثر الأماكن قربا من العرش.

لكي ترث الفردوس عليك أن تصدق ان فتح مكة يقع في كل لحظة يتصفح فيها القراء البيان الشيوعي. الآن وقد وصلت إلى البئر المهجورة علي أن لا أكثر من الغمز واللمز الجانبيين. العراقيون، وقد كذبوا كثيرا، صدقوا انهم وصلوا إلى المنافي سالمين بشفاعة النص المقدس، محمولين على بساط صفحاته مثل كلمات مبهمة.

نسوا أن الذين يستحقون اللجوء لم يصلوا. لسنا أفضل من سكان كوسوفو.

الموتى القديسون الضحايا القتلى (الشهداء في كل الأحوال تبعا ليقين لغوي ماهر في تقليصه للمسافة بين الكآبة والانشراح، بين الكفر والايمان) هم بطريقة أو بأخرى الأكثر سذاجة من بين صناع المشهد. هم خدم الغريزة النضالية من وجهة نظر الناجين (الأولياء وولاة الأمر النظري).

سنرث الكآبة لكي نكون موجودين، مُعترَفا بنا، مناضلين على الدرب التي لا تنتهي.

ليست الكتابة كذبة. لذلك لم يكتب عراقيو الشتات شيئا يُذكر. كان هناك أربعة ملايين منفي عراقي (قبل الاحتلال عام 2003)، على الأقل يتوقع المرء أن يقرأ أربعة ملايين صفحة من المراثي. يوميات، أشعارا، مذكرات، روايات، قصصا، أفكارا، أي شيء.

ولا شيء.

وحدهم المستقلون في رؤاهم السياسية كتبوا ما كان يمكن أن يكتبوه داخل البلد، من غير الحاجة إلى الاف الكيلومترات التي مشوها. أين البطولة؟ من وجهة نظر العراقيين فان كسل المنافي كان بطولة. وكم كان عراقيو الداخل سذجا حين انتظروا الفاتحين، بخبراتهم التي لم تتخط محاولات التحايل على القانون والعبث بحقوق المواطنة البديلة.

صديقتي الكاتبة من كوسوفو لا ترى سوى البريد الصادر. أنا أراه أيضا لكني أرى إلى جانبه البريد الوارد .سوء حظ ليس إلا. الصدمة لا تُصدق. كان بريد المعقدين خاويا. وقف العراقيون صفوفا في انتظار غد مختلف سيحمله الأبناء القادمون من الغرب معهم، غير أن ذلك الغد لم يكن مفاجئا. كان الغد نفسه، الذي قُدر لهم أن يعيشوه.

'كانت الحرية أكبر من موهبتنا في العيش' لم يقل أحد هذه الجملة.

لم يعتذر احد. صارت الضحية تمشي بقدمي الفاتح. ساعود إلى المبدأ: الكاتب، مهمته الكتابة، من الطبيعي أن يُسأل الكاتب عن الكتب التي كتبها، وهو ينعم بمناخ مفتوح على الحرية من كل الجهات.

بعد احتلال العراق لم يسأل أحد أحدا. ما من وقت.

أربعون سنة، ثلاثون ذابت كالملح في الماء.

صار علينا أن نجمل الواجهات بالأسماء التي لا تنطوي على اي مغزى حقيقي. دخل عدد من الادباء اليساريين مع المحتل، هربوا قبله، قُتلوا هناك، ما يزالون يُطعمون الأفواه الجائعة من خلال الإعلام غذاء مسموما. هذه هي سيرة المنفى العراقي. لن أكون كئيبا من أجل ذلك. الكارثة تضحك أيضا. تضحك من أجلنا، نحن الأحياء الذين انتظروا طويلا موتا مجانيا. الكآبة تلوث اصابعي وأنا أكتب، لأنني لا أجد معنى في كل ما عشناه. تقهرني الكذبة فأعود مواطنا منسيا. ما الفائدة؟ نسيت أسمك يا أمي. نسيت أسم ابنة الجيران، ليلى، ليكن أسمها هكذا، تلك الفتاة التي وضعت صورتها في الصفحة الأولى من قاموسي الشعري. بالنسبة لي فان الأمر سيكون معقدا أكثر مما تتوقعه صديقتي الكاتبة من كوسوفو.

على خارطة من الرمل فرشتها على المنضدة صرت أغرز أصبعي في تضاريس الطريق. قبر هنا وقبر هناك وأجنحة الملائكة تضرب بهوائها الحافلات والسفن والقنابل والمجرات وأعمدة الكهرباء. صحارى من الأحجار السوداء تمتد حتى من طريبيل حتى العقبة. غضبَ الاله على قوم لوط فأمطرهم بحجارة سوداء. في تلك الغابة الحجرية يرعى القديسون خطوات وأصوات ونظرات مَن لم يصلوا بعد. أبعد الموت ثمة وصول؟

للعائدين من المنافي بجيوب مثقوبة ومناشف يابسة ذاكرة هشة. لا يتذكر أحد أحدا.

'كبرتَ كما لو أنك عشت حياتين'

'صغرتَ كما لو أنك عشت نصف حياة'

السؤال الناقص هو بحجم الألم، بفداحة الفقدان، ببياض العمى.

تقول لي الكاتبة من كوسوفو: 'من أجل أن تذهب إلى هناك عليك أن تمر بمقبرة. هناك فقط تجد من تعرفهم. بأعمارهم الحقيقية. بوجوههم التي زخرفها الهلع الأخير بالأسئلة الصامتة. هناك ينتهي السفر وتبدأ الحياة الحقة'

على الخارطة الرملية تقع الأشباح. عارية مثل شجرة خريف، بشفافية الجمرة تهمس لتتأكد من نعومة أصواتها العائدة إلى المطهر. بعد أن غادرها الخوف صارت أكثر خفة. ريشة للوط الذي لم يقل كلمة وأخرى لضيفيه المبتسمين. الأشباح تنشد لرعاة قادمين من المنافي، حاملي المنجل والمطرقة. حراس الطوائف ومحكمي الأمل وجوقات المنجمين. ما نفع الكتب؟ للقاموس عينان، للشمعة أذنان وللرغيف فم. أمن أجل كآبة فائضة نكتب؟ الموتى يعرفون ما الذي جرى. وهذا يكفي. ولكن العائدين لا يذهبون الى المقبرة. أين تقع المقبرة؟ لا بأس. خطأ في الاصطرلاب يلحقق ضررا بالمخيلة. أن نتذكر مهمة عبثية فعلا. وهو ما يدفعني الى أن أردد: 'فقلت له ان الشجا يبعث الشجا/ فدعني فهذا كله قبر مالك'. العراق كله مقبرة يا رفاق.

 

فاروق يوسف

تعريف بالكاتب: شاعر وناقد من العراق يقيم في السويد
جنسيته: عراقي

 

 

شاهد مقالات فاروق يوسف