إن صحت الأخبار التي تتحدث عن الحكم غيابياً على الممثل المصري عادل إمام بالحبس ثلاثة أشهر وبالغرامة المالية بعد إدانته غيابياً أمام محكمة جنح الهرم بتهمة ازدراء الدين الإسلامي والتطاول على الرموز الشرعية، فإن مصر وشعبها ومن ورائهم العديد من الدول العربية المحيطة والتي تتشابه فيها الظروف السياسية الداخلية تكون بحق قد دخلت مرحلة هي من اشد مراحلها التاريخية إظلاماً وتخلفاً.
لا أقول هذا دفاعاً عن شخص عادل إمام الذي ادين الله تعالى أني لست من جمهوره ولا من المغرمين بأدائه ولا من محبيه ولكن المسألة تعني لي على الأقل قضية مبدئية مهمة يجب على جميع مفكري وأحرار الأمة التصدي للدفاع عنها وحمايتها على اختلاف توجهاتهم ومشاربهم الفكرية والدينية والفلسفية وهي (حرية التعبير) وهو الشعار الذي ظل الإسلاميون أنفسهم يرفعونه ويدافعون عنه بقوة في الجامعات والنقابات وغيرها بل ويدخلون المعتقلات بسببه حتى وقت قريب جداً، حتى إذا تمكنوا في هذا المصر أو ذاك إذا بهم أول من ينقلب عليه فينصبون محاكم تفتيش عصرية تصدر أحكاماً بالسجن والغرامات على هذا الممثل أو ذاك لأنه قال نكتة ما في عمل درامي أو كوميدي قبل سنوات فهموها على انها تسخر منهم أو من زيهم أو من طريقة كلامهم، فتتحول هذه السخرية في عقولهم إلى سخرية من الدين ذاته!!.
إذا سكت عن هذا الأمر وهو في مراحله الأولى فاستعدوا لمحاكمات تفتيش فكرية لن تنتهي عند ملاحقة الممثلين والمغنين والكتاب والباحثين وكل من يمكن ان يهمس بفكرة قد يعتبرها هؤلاء القيمون على ألسنة الناس وأفئدتهم ساخرة أو ناقدة.
ما الفرق بين أي نظام دكتاتوري علماني يفرض عقوبات على من يجرؤ على التلميح بانتقاده أو السخرية من رموزه وبين الأنظمة الدينية التي تفرض عقوبات على من يلمح بمقولة أو جملة تفهم منها هذه الجهات انها تعبر عن ازدراء لها ولرموزها؟
الإسلام دين عظيم يعلمنا ان نحاور الآخرين بالحوار العقلي وبطلب البرهان وبالعدل حتى مع الأعداء فآيات الذكر الحكيم تخاطب المشركين بمنطق علمي رائع ثم تطلب منهم ان يأتوا بدليل عقلي على ما يدعون:
(أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِين) - النمل: 64.
وكيف يمكن للمشرك الذي يدعي أن لله شريكاً في الملك ان يأتي ببرهانه حسب ما تتطلبه الآية أعلاه إن كنا سنقدمه للمحاكمة بتهمة ازدراء الذات الإلهية، إن فعلنا هذا فأننا نخالف صريح الخطاب القرآني، وهل يأتي المخالف بالبرهان قبل ان يأخذ الأمان؟
هذه هي الطريقة القرآنية في التعامل مع المشركين الذين يفترون على الذات الإلهية فكيف يكون الحال مع من يتطاول على ذات بشرية قد تكون مخطئة أو فعلاً مضحكة.
هذا حول خطاب العقلاء، اما السفهاء فقد أمرنا بالإعراض عنهم وتركهم وعبثهم لأن كل عبث وسفه وقول تافه هو زائل لا محالة
قال تعالى (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)- الأعراف: 199.
إن ما يحدث من محاولات بعض المتعصبين من أصحاب النفوس السقيمة والفهم القاصر لتصفية حسابات شخصية قديمة ومتجددة مع خصومهم في الفكر والسياسة والعمل العام باسم الدين والدين منهم براء ليدق ناقوس الخطر ويستدعي بذل الجهد والطاقة لفضحهم وفضح أعمالهم.
وإلا فأننا نقترب من هبات شعبية بعد سنوات قليلة ضد الدين ورموزه في تلك الأمصار التي سيحكم أهلها هؤلاء بهذه الطريقة المتخلفة.
| < السابق | التالي > |
|---|






Google
Facebook
Twitter
Myspace
Linkedin
Yahoo
Digg
del.icio.us
Windows Live
Furl
Reddit
Blogger
Technorati
Rain Concert










