موقع التجديد العربي

للتواصل عبر البريد الإلكتروني: arabrenewal2002@gmail.com 

 
  • default color
  • green color
  • blue color
مصر تُهدي العراق معجم الكلمات السومرية والأكدية في العربية ::التجــديد العــربي:: 13 مليار دولار لتحفيز الاقتصاد في أبوظبي ::التجــديد العــربي:: اتفاق مصري أثيوبي على تبني رؤية مشتركة حول سد النهضة ::التجــديد العــربي:: ترامب ينقلب على مجموعة السبع ويهدد حلفاءه برسوم جمركية جديدة ::التجــديد العــربي:: كيم وترامب يستعدان لقمة تاريخية في سنغافورة ::التجــديد العــربي:: الداخلية العراقية: حريق بمخزن لصناديق الاقتراع في بغداد ::التجــديد العــربي:: أزمة سوريا ونووي إيراني والتجارة الدولية أبرز بنود بيان شانغهاي ::التجــديد العــربي:: لقاء رباعي بين المملكة والامارات والكويت والاردن برعاية الملك سلمان في مكة ::التجــديد العــربي:: تأييد باريس للبيان الختامي المتفق عليه من قبل قادة دول "G7" في كندا مشيرة أن كل من يدير ظهره لنتائج تلك القمة يظهر "تقلّبه وتناقضه" ::التجــديد العــربي:: روسيا والصين تبرمان جملة قياسية من اتفاقات الطاقة النووية ::التجــديد العــربي:: موسكو.. العثور على آثار ثمينة من القرن الـ 17 ::التجــديد العــربي:: بعثة الأخضر السعودي تصل إلى مدينة سانت بطرسبرغ الروسية استعداداً للمشاركة في المونديال ::التجــديد العــربي:: أسبانيا تختتم استعداداتها للمونديال بفوز صعب على تونس 1 / صفر ::التجــديد العــربي:: وصول المنتخب المصري إلى مدينة غروزني عاصمة جمهورية الشيشان في روسيا للمشاركة في المونديال ::التجــديد العــربي:: علماء يعلنون عن فوائد جديدة للقهوة! ::التجــديد العــربي:: فوائد البقدونس... كنز صحي متكامل! ::التجــديد العــربي:: إعادة التراث الثقافي المنهوب على طاولة اليونسكو ::التجــديد العــربي:: هل تناول بيضة واحدة يوميا يقلل مخاطر الإصابة بأمراض القلب؟ ::التجــديد العــربي:: 'كوسموتوفلكس' أول قزحية اصطناعية ::التجــديد العــربي:: مفوضية اللاجئين تحتاج 2.4 بليون دولار إضافية سنوياً ::التجــديد العــربي::

مرسيل خليفة – موسيقي في المقام الأول

إرسال إلى صديق طباعة PDF

ذاتَ عامٍ وُلِدَتْ مغامرةُ مرسيل خليفة الفنية والموسيقية، وكان ذلك قبل ثلث قرنٍ، في مكانٍ متعيّنٍ هو لبنان، في ضَيْعَةٍ منهُ كانت شرفةً أطلَّ منها على

ما وراءَ الأزرق البعيد، ثم كَبُرَ المكان وفاض عن حدود لبنان. اتسعت جغرافيتُه باتساع فضاء اللسان : لسانِ العرب. حتى إن لبنانَ نفسَه فاضَ عن حدوده المكانية الصغيرة فضاقت به رقعة الـــ10452 كلم 2 ليتخذ مساحتَه الحقيقية. مساحةٌ رسمتْها أوتار عودْ، وصوتٌ دافىءٌ ودُودْ، وقصيدةٌ مسكونةٌ بالبطولةِ، وأغنيةٌ مهرَّبَةٌ عبر الحدود.

خرجَ النصُّ من مكانه الصغيرِ كي يتخلَّل المكانَ الأكبر. مَرَّ من العواصم والجامعات واستوطنْ. دَخَل أحياء القصدير في الهوامش البعيدة. تسلَّل إلى البيوت المحاطَةِ بالأسوار والأسرار. داهَمَ خُلْوَةَ العشاق في خِبَائهم. حوَّلَ الزنازين إلى باحات قصور. طاف في الأرجاء كما الفراشةُ فوق الأخضر الرحب. حين تمنعه الجماركُ، تفْرِج عنه صدورُ الناس. حين يطاردهُ البوليس، تَفْتَكُّهُ القلوبُ من الحُراس. ذاك المكانُ العربيُّ الممتدُّ من مكانه. هو هناك يَشْغَل الحيِّزاتِ جميعاً ويتجدَّد.

ولأنه نصٌّ كثيفُ التعبير الإنساني، ضاقت به ديارُ العرب بما رحِبَتْ فَسَافَر في نفسه إلى حدود الإنسان في المكان. في البدء ذهبَ النصّ إلى أهله خارج الديار. أخذ معه إليهم كلَّ شيء: وطناً غادروهُ بحثاً عن الخبز والكرامةِ والتألُّق، ذاكرةً تتوّجُ الأمسَ سيّداً على اليومِ وتُشْعِل الملحَ في دمِ الإنتماءَ، وقضيةً عادلة تقول لهم: كونوا لي لساناً حيث كنْتُم وأَقَمتُم. نَسَجَ النّصُّ حواراً بين الغربة والديار. اطمأنَّ على الوشيجة وسافر إلى الآخر. نَقَرَ على باب قلعته الحصينة. راوَدَ إصغاءَهُ عن نفسه. أنزل كبرياءَ التفوُّق عنده من العَلْياءِ إلى الأرض. علَّمَهُ كيف يُصْغي إلى آخرِهِ الآتي من بعيد. بدَّد لديه صورةَ الشرق الغارق في سديم الماضي، ثم أخْلَدَهُ إلى الشعور بأن الكونيةَ شرَاكةٌ بين نِدَّيْن، وبأن العالميةَ لا مرْكزَ لها ولا هوامش.

هكذا أعاد مرسيل صناعةَ المكانِ: مكانه، فاشْتَجَرَ المشتجرون في نَسَبِه. يقول الأول: هو فنَّانٌ لبناني. ويقول الثاني: هو فنان عربي. ويقول الثالث: هو فنان إنساني. وما اختلفوا في ما اشْتَجَرُوا فيه وإنِ اختلفوا، وإنّما شُبِّهَ لهم أنهم اختلفوا. فالمُخْتَلَف عليه واحدٌ ومكانُهُ متعدِّد، فَمَنْ ذا الذي يحتكر هذا النَّسب؟ مَنْ ذا الذي يختزِل العديدَ في عَدَد؟

والزمان؟

لِنصِّ مرسيل خليفة زمانُه: زمانُ البدءِ والتكوين. وزمانُه زمنٌ موسيقي، وهو زمنُ الموسيقى العربية والشرقية. لكنه في زمنيته الشرقية أزمنةٌ في زمنٍ واحدٍ تركَّبَ وتجدَّل (=من الجدل) بعد تاريخ من الصَّهر والتآلف. إن فَكَّكْنَاهُ إلى وحْداته التكوينية تبدَّتْ صورتُه الفسيفسائيةُ الغنيةُ بالروافد: روحانيةُ الشرق القديم، ميراثُ بيزنطةَ بدفْقه الكنسي، لمْساتُ موسيقا فارسَ السحرية، حزنُ العراق القديم المُودَعِ في المقام، إيقاعُ الصحراء العربية، طَرَبُ البشارف التركي، فُحُولةُ الغناء الجبليّ، زُخْرُفُ الأداء الحلبي، نسمةُ الفردوس الأندلسي الضائع. لوحةٌ تَعْرِضُ نفسها في تركيبْ، تدعوك إلى حفلةِ شرقٍ لا يَنْضَب من المعاني ولا تَعْصَى عليه المَبَاني.

في نصّ مرسيل حوارٌ لم ينقطع مع الزمن الموسيقي الشرقي. يصغي كثيراً إلى أصوات هذا الزمن، يندَسُّ في تفاصيلها ويدخل في الدهاليز السريّة باحثأ عن مكنونٍ غَمِيس. وحين يتكلم موسيقا، يَرُدُّ للشرق جميلَهُ ويضيف إليه ما يرفعه إلى أعلى، ما يجعله أَبْهى، ما يُطْلِقُ الإغراء في صوت هذا الشرق فيَصْدَحُ في العالم: هَيْتَ لك.

ذاكَ زمنُ البدء والتكوين، زمن موسيقا شرقٍ بتاريخهِ ثخين. ثم تعدَّدَ الزمن، صار أزمنةً موسيقية بعدد أمكنةِ الأصوات والتراثات. وفي الطريق إلى امتلاك ناصيةِ هذه الأزمنة: ما وَفَدَ منها من خارج الشرق، ما شدَّ الرجلُ رحالَهُ إلى مكانها الرحب، كان مرسيل يقطع مسافَتَهُ نحو العالمية والكونية. لم يَحُلَّ ضيفاً غريباً على موسيقا الآخرين، على موروثهم ومعهودهم وما هم فيه يَسْبَحُون، وإنما أتاها مشاركاً في إخراجها من نرجسيتها، من ادعائها بأنها وحدها التعبيرُ الإنسانيّ، ووحدها الكونية. كان يؤمن بأن الموسيقا لا وطن لها تماماً مثلما آمَنض بأن العمل لا وطنَ له. وكان حادَّ الإدراك بأنها وحدها اللغةُ المشتَرَكةُ بين بني البشر الخليقةُ بأن تعوِّض عن نقص التواصل بين ألسنٍ يَقْهَرُ بعضُها بعضاً. كان يعي بأن الموسيقا، في النهاية، غير قابلة لقسمةٍ مانوية إلى شرقية وغربية لأنها لغةٌ واحدة تُنْطَق بلكْناتٍ مختلفة. الأحرى عنده أن يقال: شرقُ الموسيقا وغرب الموسيقا. فهي الكان وهي الزمان زهي منهما المركز والقلب.

وما سَقَطَ هذا النصُّ في إغراءِ مفهومٍ دارجٍ ورثٍّ للعالمية بحسبانها تماهياً مع لغة الآخر وترديداً نمطيّاً لها باسم أَوْحَدِيَّةِ النموذج الكونيِّ وامتناعِ الكونية على التعدُّد. اطَّرَحَ هذا المفهومَ المبتذلَ جانباً، بل أقام دليلاً من تجربته على ضِدِّه. ذهب إلى العالمية بوصفها شراكَةً إنسانيةً بين مختلف اللغاتِ (الموسيقية) والتراثات والموارد الإبداعية، بوصفها لِقَاحاً بين أصواتٍ ومرجعياتٍ في المباني والأدوات، بما هي لحظةُ التقاطُعِ والانصهار بين الثقافات، اللحظةُ التي تولد فيها تلك الكيمياءُ الجماليةُ العابرةُ لحدودِ المجتمعات والتواريخ الخاصة، إذن، اللحظةُ التي تصنع المشتَرَكَ الإنسانيَّ وتفرض على العقل الذائقة الجمالية شرعيتَهُ.

هكذا أتى النصُّ الموسيقيُّ عندهُ يَنْضَجُ بهذا المعنى التجريديِّ، السيمفونيِّ، التثاقفي، للعالمية. أما أسلحتُهُ، فقد شُحِذت تماماً وهيَّأتِ المغامرةَ الجميلةَ – والتأسيسيةَ في بابها – للانتصار على ما يَعْصَى على التطويع. إن ثقافَةَ مرسيل خليفة الموسيقية العالية، ونَهَمَهُ الشديدَ في قراءة تاريخ الإنتاج الموسيقي العالمي، ودُرْبَتَهُ الطويلةَ على التأليف الموسيقي ذي النَّفَس السيمفوني والأوبرالي، وحساسيَتَهُ الجماليةَ الرفيعةَ تجاه الأصوات، وشغَفَهُ الذي لا يُحَدّ بتوليد المتآلِفات بينها في نظامٍ هارموني، وبَحْثَه الدائبَ عن الطاقات الجمالية الدفينة في الآلات – حديثها والقديم – والفرضيات الضمنيةَ في التأليف الموسيقيّ عندَهُ والتي تقيم النصَّ على مقتضى البناء الأوركسترالي وتَسْلُكُ نهجاً في الكتابةِ الموسيقية النظيفة للآلات...جميعَها أدواتٌ في حوزةِ نصِّ خاضَ مغامَرةَ تأسيسٍ وبناء. لكنها ما تنزَّلتْ من النصِّ والمغامرةِ منزلَةَ صناعةٍ وحياكةٍ وصَوْغٍ إلا وقد جنَّدتْ مواردَها في الاشتغال على مادةٍ محلية، على موروثٍ صانَهُ مرسيل من التَّلَف والابتذال واستخرج الدفين من كنوزه التعبيرية، وأعْمَلَ فيه أدوات الصناعة الموسيقية العصرية. هكذا نجح نصُّه في أن يزُجَّ بالشرق ومفاتِنَهِ في الموسيقا العالمية وأن يعبّر عن ذلك الشرق، تلك الأنا التاريخية والثقافية، بلغةٍ موسيقية إنسانية أعادت للمعبَّر عنه مكانةً شاغرةً في العالم وأهَّلَتْهُ ليخاطب ذلك العالم والذائقةَ الجماليةَ الرفيعَةَ فيه.

ليس من العرب – إلاّ أصمٌّ معذور - من لا تهزُّه "غنائية أحمد العربي" جماليّاً وموسيقيّاً حتى بمعزلٍ عن نصّها الشعري الجميل والملحميّ الذي كتبه الراحل الكبير محمود درويش. لكن هذا النصّ نصّ عالمي يمتلك طاقة الدخول من دون استئذان إلى مهاجع الناس جميعاً وإلى قلوبهم جميعاً في أمكنة الأرض جميعاً. وحين يستمع أيُّ إنسانٍ في العالم تشدُّهُ إلى الموسيقا علاقةُ إلْفَةٍ ومعرفة إلى مجموعة من النصوص الموسيقية التي يَضُمُّها عنوان "حلم ليلةِ صيف" مثلاً، لن يقول عنه سوى أنه نصٌّ موسيقيّ متوسطي من دون أن يُدْرِك على وجه الدقة من أي شرفةٍ من المتوسط يُطِلُّ هذا النصّ لِعُسْرِ التمييز بين مُتَدَاخِلات النصّ وتقاطعات المناخات والأصوات واللغات الموسيقية فيه. وقد يخالُ مستَمِعٌ عَرُوفٌ بالموسيقا أن "كونشرتو الأندلس" عملٌ من توقيع مؤلفٍ موسيقيّ غربيّ يستوحي تراث غرناطة وبلاد الشام وسائر الشرق. أما أمام عملٍ موسيقيٍّ – أوبراليٍّ مثل "شرق"، فقد تأخذهُ الحيرة بعيداً فلا يدري كيف يمكن لهذا الشرق أن يتجلَّى في الموسيقا بهاءً إلى هذا الحدّ.

هذا زمنُه الموسيقي، كمكانه متعدّدٌ، خصبٌ، ممتنعٌ عن التنميط أو عن التعيين النهائي. إنه حوارٌ لا ينقطع بين الأنا والأنا، وبين الأنا والآخر. وقد يحصل – وكثيراً ما حَصلَ – أن تجري فصولٌ من ذلك الحوار على أرض الآخر وبحضور شهودٍ من أهل الشرق في بلاد الآخر, وتلك قصةٌ يحلو الحديثُ فيها ويَطُول. لكن المقامَ، هنا والآن، لا يسمحُ بغير الإلماعِ والإلماح.

...هناك إذن، حيث اللقاءُ بين ثقافتين، يَحْلو اختيارُ قدرة نصّ مرسيل خليفة على بناء مساحةٍ للمشتَرَكِ الإنسانيِّ والثقافيِّ والجماليّ، وعلى تأكيد نِدّيةِ، الشرقيِّ وعالميتِه. وهناك يكتشف الجمهورُ العربي المغترب أكثر فأكثر أنه ليس ضيفاً ثقيلاً على العالمية، وأن لثقافته فيها سهماً وحصَّةً ونصيباً.

مع الجمهور العربي المقيم في مهجرِه، لا يلعب مرسيل على وتَرِ الحنين إلى أول الطفولة والمكان والموْطن والذاكرة، لا يُشْعِلُ النوستالجييَّ في النفوس ويُلْهِبَ مِلْحَه. تأتي موسيقاهُ الشرقية – وقد زُفَّتْ في لغةٍ باذخة – كي تزوِّدَ الجمهورَ بالشعور بالنِدّيّة تجاه آخر يتقاسم معه الجوار في دياره. يرتفع معدَّل التزويد حين يُطلّ النصُّ الموسيقيّ مُسَرْبَلاً بعتاد البناء الهارموني والأوركسترالي الحديث. أيُّ شعورٍ ذاك الذي في داخِل المغتَرِبَ حين يستمع إلى "كونشرتو الأندلس" أو إلى "شرق" وقبلهما إلى "بساط الريح" و"غنائية أحمد العربي"؟ مَنْ يقوى حينها على أن يمنعه من أن يمشيَ بِخُيَلَاء، أن يدعوَ صديقَه الآخر إلى لحظةِ استماعٍ مشتَركَة يعيدان فيها تعريف معنى الشرق.

ما أغنانا عن ذكر "ريتا" و"أحِنّ إلى خبز أمّي" و"جواز السفر" و"بالبال أغنية" و"يا بَحْرِيِّة" و"صرخة ثائر" وما تفعله – وغيرُها من دافىء الأغنيات – في الحشود الألفية من الناس، في هذه القارة أو تلك من الأرض. لكني أحسَبُ أن مرسيلاً موسيقيٌّ في المقام الأول، وأن غناءَهُ – على جماله وروعته وأناقته – معطوفٌ على الموسيقا، إذْ هي الأوَّلُ وهو المَحَلّ الثاني، على قول أبي الطيب المتنبي، في بيانه وجُوهُ التراتُب بين الحكمة والشجاعةِ. ولولا أن الموسيقا معدنَهُ النَّفيس، ما أتَتْ أغنياتُهُ تُفْصح عن ذلك القدر الكثيف من الجمالية والجاذبية فيها. ولقد تشاطروني الرأيَ في أن الجمهورَ المغترِب أكثر مَن يعي هذه الحقيقة بسبب يُسرِ اتصاله بمصادر الموسيقا العالمية وتكوُّن ذائقة موسيقية عنده. وأحْسَبُ أن شدة الإقبال على حفْلاتٍ موسيقية لمرسيل قُدِّمتْ فيها "جدل" و"تقاسيم" دليل إضافيّ على ما أزْعُمُه أو ما أذهب إلى زعمه.

قلتُ "جدل" و "تقاسيم"، إذن نحن نتحدث عن آلة العود: سلاحِ مرسيل الموسيقيّ الأحبِّ إلى نفسه. والعود عنده آلةٌ لا تحاورُ نفسَها في عزفٍ منفردٍ أو في مطلعِ أغنيةٍ فحسب، ولا تحاورُ عوداً يبادلُهَا جدلاً بشهادةِ رقٍّ وكونترباس، ولا تتقاسم ارتجالاً منظماً مع كونترباس يحاول أن يجاريها في لغتها الشرقية كما في "تقاسيم"، وإنما هي فوق هذا وذاك تحاورُ الأوركسترا الحديثة، تقول لها: وُلدتُ في الشرق، ومنّي خرجَ إلى الدنيا بعضُ آلاتِك، لا أريدُ معركةً، أريدُ حواراً وتآلفاً، ثم تبدأ المغامرة: آلةٌ تلقي أسئلتَها الموسيقية، وأوركسترا حديثة تجيب. أيُّ شعورٍ ذاك الذي يسري في نفوس العرب جميعاً، وفي نفوس المغتربين خاصة، حين يُجْبر مرسيل خليفة الأوركسترا الحديثةَ، في عماه الموسيقيّ الرائع "كونشرتو الأندلس"، على أن تقف بين يديْ آلة العود كما تقف الوصيفاتُ أمام المَلِكَة يُتَوِّجْنَهَا على الجمال وهي تختال؟ في حضرة العود وقَفَتِ الآلات : كلٌّ منها بما كسبتْ من حظ المصاحبة والرُّفقة أو الترداد. كأنْ يَنْفُثُ فيها روحَ الشرق، يطوّعها على لغته، يُخْرجها من لَكْنَتِها كي تُحْسِن نطق مفردات الشرق الموسيقية. بيداغوجيا موسيقية فريدة تستطيع مثل ذلك الضربِ من الترويض، الترويض الذي يُدخل الترومبيت والكلارينت والفلوت في نظام الناي، ويغري الكونترباس أو التشيلو بمحاكاة العود، ويجعل الأخير سلطاناً على الجميع.

مَن غيرُهُ رَفَعَ العود إلى هذا المقام؟ مَن غيرُه استولى على البدايةِ والختام؟

 

د. عبدالاله بلقزيز

كاتب ومفكر مهتم بالشأن القومي
جنسيته: مغربي

 

 

شاهد مقالات د. عبدالاله بلقزيز

أرشيف وثائق وتقارير

صحافة وإعلام

مواقــــع

أخبار منوعة

كيم وترامب يستعدان لقمة تاريخية في سنغافورة

News image

وصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون إلى سنغافورة أمس، عشي...

الداخلية العراقية: حريق بمخزن لصناديق الاقتراع في بغداد

News image

أعلنت وزارة الداخلية العراقية عن اندلاع النيران في مخزن لصناديق الاقتراع بمنطقة الرصافة في الع...

أزمة سوريا ونووي إيراني والتجارة الدولية أبرز بنود بيان شانغهاي

News image

أصدرت قمة منظمة شانغهاي للتعاون بيانا ختاميا اليوم الأحد وقعها قادة روسيا والصين وقيرغيزستان وكا...

لقاء رباعي بين المملكة والامارات والكويت والاردن برعاية الملك سلمان في مكة

News image

تستضيف #مكة المكرمة الأحد الاجتماع الرباعي الذي دعا إليه العاهل السعودي، #الملك_سلمان بن عبدالعزيز، وال...

تأييد باريس للبيان الختامي المتفق عليه من قبل قادة دول "G7" في كندا مشيرة أن كل من يدير ظهره لنتائج تلك القمة يظهر "تقلّبه وتناقضه"

News image

أكدت الرئاسة الفرنسية تأييد باريس للبيان الختامي المتفق عليه من قبل قادة دول "G7" في ...

بوتين: الأولوية لتعزيز القدرات النووية في تطوير القوات المسلحة الروسية

News image

صرح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأن القدرة القتالية للجيش الروسي تعد ضمانا لحماية المصالح الر...

الناتو يجهز قوة تدخل سريع إضافية من 30 ألف جندي تحسبا لـ "هجوم روسي"

News image

يعتزم حلف الناتو زيادة استعداده تحسبا لـ هجوم من جانب روسيا"، بإنشاء قوة تدخل احت...

مجموعة التجديد

Facebook Image

المزيد في ثقافة وفنون

ثقافة المجتمع والمتاجرة بالجسد

د. حسن حنفي

| السبت, 16 يونيو 2018

  بين الحين والآخر، نقرأ قصصاً حول بيع أعضاء بشرية بسبب الحاجة وضيق ذات اليد. ...

معهد إفريقيا في الشارقة

د. يوسف الحسن

| السبت, 16 يونيو 2018

  - استحضرت في الذاكرة، قاعة إفريقيا بالشارقة وأنا أقرأ بسعادة غامرة خبر تأسيس أول مر...

عجوز فى الأربعين

جميل مطر

| الخميس, 14 يونيو 2018

  جاء مكانها على يمينى فى الطائرة. لم تلفت انتباهى معظم الوقت الذى قضيناه معا فى...

بياضُ الرُّوح!

محمد جبر الحربي

| الخميس, 14 يونيو 2018

1. لعاصمةِ الخير مني الودادْ ولي، أنّها وردةٌ في الفؤادْ أغادرُها.. والرياضُ.. تعودُ   ف...

خمسة فناجين لاتيه

د. نيفين مسعد

| الخميس, 14 يونيو 2018

  الغربة شعور غير مريح بشكل عام لكن في هذه المناسبات بالذات تصير وطأة الغربة...

عيد الطعام العربي

محمد عارف

| الخميس, 14 يونيو 2018

  الطعام عيدٌ تُعيدُ لنا مباهجه وملذاته «نوال نصر الله»، عالمة أنثربولوجيا الطعام العراقية، و«ساره...

القُدس.. أوُرسَالِم..

د. علي عقلة عرسان

| الثلاثاء, 12 يونيو 2018

يا قُدْسَ.. صباحُ الخيرِ.. مساءُ الخيرْ، فأنتِ صُبحُنا والمَساءْ.. ضحْكُنا والبُكاءْ.   تميمةُ العربيِّ، ومحراب...

الدين والتنوير العقلاني والسياسي

د. السيد ولد أباه

| الثلاثاء, 12 يونيو 2018

  تساءلنا في مقالة الأسبوع الماضي عن طبيعة العلاقة بين ديناميكيات ثلاث عرفها المجتمع الغربي...

قصة قصيرة شدوا الأحزمة

هناء عبيد

| الاثنين, 11 يونيو 2018

وبخت زوجتي هذا المساء. كيف لها أن تطعمنا قليل من الجرجير فقط في وجبتنا...

الثقافة البديلة.. وتجديد الفكر

د. حسن حنفي

| السبت, 9 يونيو 2018

  في الآونة الأخيرة، جرى البحث في الإعلام بأنواعه ليس فقط عن الثقافة في ذاتها ...

طفلة فى الأربعين

جميل مطر

| الأربعاء, 6 يونيو 2018

  عادت المضيفة مع مضيفة ثانية لإخلاء المكان من صحون الطعام وكؤوس الماء والمشروبات الأخرى...

المُزْنُ الأولى

محمد جبر الحربي

| الأربعاء, 6 يونيو 2018

ما أجملَها ما أجملَ فِطْرتَها كالمزْنِ الأولى إذْ فاضتْ فاضَ الشِّعْبُ   وفاضَ الشعرُ بحضرتِ...

المزيد في: ثقافة وفنون

-
+
10
mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterاليوم2256
mod_vvisit_counterالبارحة26747
mod_vvisit_counterهذا الاسبوع183964
mod_vvisit_counterالاسبوع الماضي195543
mod_vvisit_counterهذا الشهر664353
mod_vvisit_counterالشهر الماضي846272
mod_vvisit_counterكل الزوار54676369
حاليا يتواجد 2668 زوار  على الموقع