موقع التجديد العربي

للتواصل عبر البريد الإلكتروني: arabrenewal2002@gmail.com 

 
  • default color
  • green color
  • blue color
"داعش" يعلن مسؤوليته عن الهجوم على مركز الشرطة في حي الميدان في دمشق ::التجــديد العــربي:: الحكومة الفلسطينية تعقد الاجتماع الأول لها في غزة منذ 2014 ::التجــديد العــربي:: ستيفن بادوك، المشتبه بإطلاق النار في لاس فيغاس، كان مقامرا ::التجــديد العــربي:: وفاة رئيس العراق السابق جلال طالباني عن عمر يناهز 84 عاما ::التجــديد العــربي:: برلمان العراق يمهد لتعليق عضوية نواب أكراد شاركوا بالاستفتاء ::التجــديد العــربي:: مسلح ستيني يقتل 59 شخصاً ويجرح 527 شخصا في لاس فيغاس.. وينتحر ::التجــديد العــربي:: أرامكو تقترب من الانتهاء من أول مشروع للغاز الصخري ::التجــديد العــربي:: مصر تصدر سندات دولارية مطلع 2018 تعقبها سندات باليورو ستتراوح قيمتها بين 3 و 4 مليارات دولار، بينما ستتراوح قيمة سندات اليورو بين 1 و 1.5 مليار يورو ::التجــديد العــربي:: معرض عمان الدولي للكتاب والامارات ضيف الشرف و المعرض يستقطب نحو 350 دار نشر و أمسيات شعرية وندوات فكرية ::التجــديد العــربي:: معرض بلبنان للمواد المحظورة من الرقابة ::التجــديد العــربي:: الدوري الانجليزي: مانشستر سيتي يعود للصدارة بعد فوزه على مضيفه تشيلسي ::التجــديد العــربي:: برشلونة ينضم إلى الإضراب العام في كاتالونيا ::التجــديد العــربي:: التوقف عن العلاج بالأسبرين يؤجج الازمات القلبية والدماغية ::التجــديد العــربي:: أول مصل عام في العالم يكافح جميع أنواع الانفلونزا ::التجــديد العــربي:: وزراء خارجية الدول الأربع يبحثون آليات جديدة بأزمة قطر في نيويورك ::التجــديد العــربي:: ماتيس: واشنطن لديها "الكثير" من الخيارات العسكرية في الأزمة الكورية ونغيانغ تصف عقوبات الأمم المتحدة بأنها "عمل عدائي شرس، غير إنساني، وغير أخلاقي ::التجــديد العــربي:: المحكمة العليا العراقية تأمر بوقف استفتاء الأكراد ومناورات تركية على حدود العراق ::التجــديد العــربي:: حماس تستعجل حكومة الحمدالله في تسلم مهامها بغزة ::التجــديد العــربي:: القوات السورية تسيطر على ضاحية الجفرة الحيوية في دير الزور ::التجــديد العــربي:: أمطار غزيرة تغرق أجزاء من الفلبين وتغلق الأسواق والمدارس ::التجــديد العــربي::

توقف أنت

إرسال إلى صديق طباعة PDF

توقف.. نعم توقف، أنت العربي.. أنت المعني بالخطاب، أنت الذي يقرأ هذا الكلام توقف فالأمر يعنيك تماماً. انظر حولك ودقق مواقع الأشياء والأشخاص، وأعد تقليب الصفحات التي بين يديك، وعد إلى تفاصيل مرت بك في يومك هذا، تذكر ما قاسيت وما رأيت وما تتبعت من أخبار، ثم انظر جيداً إلى ما تقع عليه عيناك هنا، فما هو سوى كلمات.. تنتظم في أسطر ثم في صفحات، تطويها فتموت وتقرؤها فتحيا. توقف وتيقن جيداً من موقفك ومن رغبتك في قراءة كلام قد لا يفرج كربة، وقد يزيد الكرب.

إن العالم من حولك ينزف كلمات، حتى لتكاد تغرق في أمواج القول، كل شيء غدا مسيرة كلامية، من الدواء إلى الغذاء، ومن الحرية إلى التحرير. والدم لا يعني سوى كلمات، وكل الألم الذي ينحر تألق الروح ويحجب الرؤية، لا يعني لنا سوى سطح الكلمات، فهل تريد أن تغوص أعمق فأعمق في دوامة الكلام؟

توقف.. أنا أكتب لأقول لك احذر وتوقف قبل أن تقارب الكلام وتقارف إثم مقاربته. ارتح قليلاً من اللهاث وراء أفكارك (..؟) بل مشاكلك وقوت يومك وآلامك، وتمعن قليلاً في كل ما يجري حولك، قبل أن تقدم على التهام حشف القول (؟!) تبصّر جيداً "ألهاكم التكاثر" والمقابر ليست تلك التي ترى فيها الأجساد والجثث فقط، وإنما هي أيضاً تلك التوابيت المتحركة التي تُدفن فيها الأرواح والكرامات والمشاعر والألق والحس بالانتماء إلى حيوية الحياة ومناخ الواقع المعيش، بكل ما فيه وما يجري فيه.

توقف.. نعم توقف وانظر...

جسداً بعد جسد يتقاطرون هناك كالشهب ليحتضنهم الخلود، إنهم في ظل البؤس المادي يعيشون، وينيخ عليهم ليل الاستعمار النازي الصهيوني العنصري بكلكله، فينبثقون من دفق النار والألم والعتمة، نوراً وألقاً وانعتاقاً. وجسداً بعد جسد نتهاوى هنا، ونتراتب في أنساق سعياً وراء رغيف ذل يوصد عليه مستغل أو فاسد باباً أو جمعية أو مؤسسة رسمية، أو معملاً أو صيدلية، ليكون له و"لأزلامه" وأسياده من دون الخلق، وليصبح في يده سوطاً يسوط به الخلق. وها نحن نسعى إلى حياة تلفظنا لأنها الموت بالنسبة لنا، ولأننا الموت بالنسبة لها، ترفضنا لأننا نريد ركام الموت فيها، ونترك درباً ينادينا، إن انتزعنا فيه الموت فهو إذن درب الحياة؟!

نعم... من حقي أنا ومن حقك أنت ومن حق الآخر، من حقنا أن نعيش، ومن حقي أنا وأنت والآخر أن نحافظ على منحة الحياة وأن نستمتع بها، ولكن ليس من حقي أنا ولا من حقك أنت أن نمسخ الحياة، ونحيلها إلى اكتفاء البهيمة بالقوت، ولا من حقنا أن ندفن أرواحنا وأبناءنا ومبادئنا في المباءات التي نصنعها يومياً، أو يطلب إلينا أن نخوض فيها يومياً، من أجل أن نعيش.. مجرد أن نعيش، وليس من حقنا أن نئد الروح من أجل أن يسعى الجسد وراء ما يحييه وينعشه، فذلك ضرب من موت، ووضع للعربة أمام الحصان.

توقف.. نعم أنت المعني توقف.

الرياضيات في عصر العلم والفضاء هذا غدت مغلوطة تماماً، فواحد وواحد لا يساويان اثنين، ليس من باب الإيغال في العمق الفلسفي والعلمي لقوانين النسبية وسواها، بل لمجافاة ذلك لسطح المنطق، والإيغال في منطق التسطيح والتلفيق، فالحق الذي عرفناه حقاً ومعياراً للممارسة وقيمة له حدود موضوعية لا يختلف عليها عبر التاريخ والجغرافيا، سقط في التفسير الذاتي لمعيار القيمة الفردي المريض في مناخ مريض، وذلك الذي يُحتكم إليه غاب في ظلال الحكم، وسقط من ينبغي له أن يحاسب، سقط أمام محكمة ضميره فأسقط معه موضوع الحساب بالحق، والحق بالمحاسبة، وجعل من شكليات الحساب دريئة.

مقولة خلف مقولة تركض في الشارع وتعلن عن ذاتها حتى بلا كلام، تقول: أيها الخائن.. أيها السارق، أيها الظالم.. الفاسد.. الجاهل.. الباسط جبهته لحذاء أنيق..! أشعل المناخ بنار ما تراه من شروط العيش الملائم لأغراضك قبل أن تُفرض عليك شروط العيش في مناخ سليم فتقض مضجعك وتلغيك، لا تسمح لأحد بأن يتنفس أو يتفرغ للتفكير والتأمل والمحاكمة، ولا حتى للفهم، وإياك أن يشبع أحد أو يطمئن إلى غده. اركض ليركضوا خلفك ثم تقفّاهم بسياطك قبل أن يسوطوك بمنطقهم ونقائهم، واحذر تماماً من حلبة الصراع التي أنت فيها، فالخصم عنيد وعنيف ومتعدد الأذرع والوسائل والحيل، وخير سلاح لك ألا تدعه يتمالك نفسه أو يعي ما يدور حوله، أجلده بالحاجة حتى يصبح جسداً بلا قوة ورغبة بلا ارتواء، واستكانة دائمة مقيدة بنزوات ونزعات ورغبات صغيرة.

توقف.. أنت الذي تقرأ..

فلا رونق للكلمات، ولا سحر فيها ولا عذوبة، لا موسيقا ولا تأنق ولا تحليق، فالكلمة مهيضة الجناح، وقنديل الروح يلفظ أنفاسه الأخيرة فيما عاد في الفتلة زيت. الكلمة نسر على سفح ويشده لرماد الأرض جرح، ويتدحرج وقد يتمالك نفسه، ولكن الجناح مطلوب، بسبب منك وبسبب من كاتبها كان ذلك، فلا أنت تنهض بها، ولا هو بمستطيع من دونك، وإذا كنت تريد لها أن تلهيك أو تنسيك مآسيك، أو تفرغ شحنة غضبك بتخديرك، فإنك تسهم في حفر قبرها وقبرك، وإذا كنت لا تتواصل مع ألقها ولذع نارها، ولا تحتضن شحناتها، فأنت تلقيها إلى ريح الغربة في أعتى عواصف المناخ، وتغلق دونها قلبك وبابك، وتطلب إليها أن تموت أو تضيع أو يجمدها الزمهرير، أو أن تتوارى بظل قصر أو تحت عباءة أمير، وهي مرغمة إذن على الموت أياً كان اختيارها إذا اختارت من تلك الاختيارات، لأنها بعيداً عن قلبك لا تعيش، فهي البذرة وأنت التربة، وبعيداً عن الصدق لا تنفع ولا تنمو.

توقف.. قلت.. ولا تتوغل في القراءة، فالقراءة عبء في زمن أصبحت فيه دفقة الوعي إثماً، وممارسة الحرية جرماً، والتعبير عن الاستقلالية خروجاً على قطعانية مطلوبة ومرغوب في انتشارها. فلا تأثم يا صاح.. ولا تقترب من الكلمة بصدق انتماء، إذا لم تواجه الواقع بصدق وتتحمل مسؤولية المواجهة، لأن في هذا النوع من الصحبة أرقاً وسهراً يتواصلان إلى الفجر، وتحريراً للضمير من ألف نير ونير، بضرب مدى قد تطال قلبك قبل أن تطال قيده أو من يقيده. لا تقترب من حقل الألغام هذا، وإلا أصبحت "شهيداً"، وأنت تريد أن تلهث وراء لقمة العيال، وحياة الجسد، أية حياة للجسد، وتريد أن تطيل أمد خصومتك لرغباتك في مناخ يحط من شأن الإنسان بإعلاء شأن رغبات لا شأن لها، ويمسح بك شوارع المدينة قبل أن يغسلك بدموع الخضوع ويلبسك ثوب الإهانة، ولا يظهرك إلا بالندم والتوبة عن معاودة التطلع إلى أبعد من أنفك، وعن الاستماع لصوت ضميرك، وبنسيان ما كنت وما أنت.

توقف.. لا تقترب من شفرة الكلمة وأتونها.. أغلق هذه الصفحات وأعد النظر فيما أنت فيه، حتى لا تتهم بالاقتراب من محظورات أو مرتُبات لتبعات، فالإِثم الذي تأتيه لن تبرأ منه أبداً، وسيلاحقك هواجس وتخرصات، وربما قادك إلى الخراب، فتوقف.

أقول لك الحق: إنك مدعو إلى نبذ ما أنت فيه الآن من تلبس بجارّات لجرائر، ومدعو إلى طلب العفو وربما الرحمة، ومدعو إلى أن تفتك ب "إبليس" الكلمة الذي يوسوس لك ويغريك بما لا ينفعك ولا يرضيك، فمقاربة الكلمات تقرب المهلكات، لأنها تلقي عليك عبء الحرية، وتواجهك بالمسؤولية، وتضعك في العراء تماماً أمام نفسك وأمام اختيارك، وتحملك تبعة ما أنت فيه، وتبعة أولئك الذين لا يمكنهم أن يعرفوا ما تعرف، "وخطية السكران برقبة الصاحي" وإذا أردت أن تكون صاحياً فأنت اخترت وأنت مسؤول، مسؤول تماماً وعن كل شيء، على الرغم من أنك تساط ليلاً ونهاراً بسياط الحاجة، وتنبذ في عراء الغربة، وتجرد من كل ما يربطك بالتراب والتاريخ والتراث المجيد وبمجد القيم، مسؤول وتُحشر في زاوية المسؤولية "الجرمية" لأنك لا تمارس مسؤولياتك بوعي المواطن، وتسبب كل هذا البلاء الذي أشرف على أن يصير وباء.

توقف.. أنت الذي يمرغ أنفه بالكلمات.. لا تذهب أبعد من ذلك، فالكلمة شعاع يتقدم وينثر النور، ويجعلك ترى وتجوس في أرض الرؤية، ويحملك عبء ما ترى ومسؤوليته.. والكلمة خطاب الأحرار إلى الأحرار، والصمت عن دعوتها نوع من العبودية، أو إثبات للعبودية وتثبيت لها. وإذا ما وصلك النداء واخترق أذنيك وجنبيك وسكن ضميرك، حملك المسؤولية الأخلاقية، لا عن مضمون الدعوة التي يحملها فقط، وإنما عن الداعية وسلامته وحرية وسيلته أيضاً. فهل لك أن تكون تربة صالحة للكلمة الطيبة ودرعاً يحميها، ومخصباً ينميها، وريحاً تنشر نارها وتضربها، لتحرق الفطر السام، وتشيع الخير والعدل والحرية في الأنام، ويبدد نور مشكاتها الظلمات عبر الحياة؟!.

إن ذلك أمر صعب.. فتوقف، وإن وراءك لمسؤولية كبرى جداً "؟!" وهي أن تحيا جسداً بلا روح!؟! وأن تكد ليلاً ونهاراً لتحقق التكاثر من المهد إلى اللحد، وأن تتلهى وتخنق صوتاً في الأعماق يناديك، إلى أن يضمك القبر أو يدانيك!!

أقول توقف.. لا لأذكرك بأن "أديم الأرض من هذه الأجساد" فالمعري وعى وأسمع، وسطع نجمه وهدى، وجسد الحكمة وحكّم العقل، بل أقول ذلك لأذكرك حقاً لي ولك وهو: أن حرية الكاتب رهن بالقارئ وحرية القارئ رهن بالكاتب، فإذا أقدمت فإنك شريك، وكلانا يتحمل مسؤولية التوغل في عالم تكشف آفاقه الكلمات التي يشكل الوعي نبضها وحركتها، فإذا قبلت أصبحت وإياك معنيين بما يتناهى إلى وعينا، وبما يشكل اقتناعاً لدينا، وبما يرتب واجباً علينا، تجاه الناس والوطن والتاريخ، وتجاه حيوات تتفتق عنها الأرحام، وقلوب تتفتح عنها الأكمام، وعقول تتشقق عنها الأختام. فإذا قبلت فأنت اخترت، والمرء معني بما اختار وإلا ففارق ما أنت فيه.

توقف أرجوك.. إن دمنا يتساكب، ونحن نخوض في سواقيه ونتناحب وآلامنا تكبر حتى غدت أكبر من طاقاتنا على الإِحساس بها فتجاوزتنا، أتجاوزتها إلى البلادة، فأين نمضي ونحن محاطون بالدم والدموع والآلام، وإلى أي إنجاز نتوجه، وكل تحرك بناء يحتاج جهداً مضيئاً لإنجازه، وهو ما نملكه ولا ندركه؟!!

دقق أولاً في معنى أن تقرأ، وفي معنى أن تشارك الكاتب مسؤولية الكلمة وشرفها، فهو لا يريد لها أن تذهب غثاء، ولا يريد لها ذلك إلا من كان هو شيئاً من غثاء. انظر جيداً في المشروع الذي تقدم عليه، إنك تدخل عالم انتماء من نوع صعب، وتواجه "لعبة" سيدها الضمير، وأنت معني بسواك وبالعالم من حولك، بدوافع وعي منك والتزم به، وأنت تمنح الكلمات التي تتعامل معها حياة، وبهذا الفعل أنت مسؤول عن حياة وعن كل ما يصدر عنها ويتصل بها.

من دونك يبقى توهج الفكر ورؤى البصيرة ودعوات القلب والعقل والضمير مكنوزة في حبر على ورق، وبك أنت تنتقل من هذا الموت، أو الكمون السلبي، إلى حيوية في الروح، ونور البصيرة، وعزم في السواعد والإرادات، وتغيير في الحياة، مجرى ومبنى، ونماء في القيم وتعزيز لمكانتها.

من دونك تبقى الصفحات مقابر للأفكار والكلمات والكتاب، وتغدو الكتب مخازن لغلال الروح ولمعرفة لا يُنتفع بها، ولا بارك الله في علم لا ينفع ولا ينتفع به.

إنك بإقدامك على القراءة تبعث حياة وطاقة في ذاتك وفي سواك، وتغني الإحساس بالحياة وتعمق معانيها، وهذا النوع من الحمل يستدعي من الحامل إخلاصاً، للمحمول، وفناء في رسالته وجلاء له وإثراء، فهل أنت من ذلك النوع الذي يحمل كاهله مزيداً من الأعباء فوق ما يحمل، وينذر نفسه لنوع من المسؤوليات، لها بداية ولكن لا تعرف لها نهاية؟!

توقف.. فكر في كل شيء من هذا أولاً، فقد غدت أكبر آفة من آفات هذا الزمان، أن يمر الواحد منا على كل شيء، وكأنه لا يمر على شيء، وأن يخوض في الدم وكأنه المنوّم أو المحمول على بساط من غم، لا يريه بصره ما تطأ فيه قدمه. لقد غدت المرارات المتتالية أفيوناً، وصار تعاطيها إدماناً، فإذا كنت تُقدم ـ وأنت تقرأ ـ على أخذ "حقنة" اعتيادية، فتوقف، لأن في ذلك قتلاً لي ولك ولرسالة الكلمة.

أنْ تقرأ يعني أن تتحمل مسؤولية ما تقرأ وأن تعني لك القراءة كل ما تحمل، وأن تمنح كيانك لتفاعل ذاك العطاء الحي مع كيانك الحي بما لا يغيب أياً منهما، وأن تراعي هذا التفاعل وتثمّر نتائجه، وأن يدفعك ذلك إلى التفكير والتعبير، وإلى شيء من الفعل والتدبير، ينجلي تغييراً فيك وفيما حولك، وفي كل ما يعنيك من شؤون يومك وغدك وماضيك ومستقبلك، ذاك الذي ينجلي في شخصية تتفاعل وتتمثل وتحاكم، وتعيد شروط العيش والإنتاج والتفاعل، إلى حال من الصلاح والفعالية ترضي وتمتع تبني وتفيد. فإذا كان ذلك لديك، فلندخل معاً عالم القراءة، عالم الولادة المتجددة بالقراءة، محكومين بشروطها، وإلا فلا جدوى من إضاعة الوقت على هذا النحو أو ذاك، ولا من تلمس أجساد الكلمات بأعصاب العيون وأصابع الظنون.

اقرأ: مسؤولية، واقرأ: واجب، واقرأ: وعيش، وهي أيضاً عقيدة وبصيرة، وانتماء للعصر والمعرفة والحياة. وينبغي أن تتم باندفاع واقتناع ومحاكمة، ولا فرض فيها سوى ذاك الذي يفرضه الاختيار الحر، ورقابة الذات على ملكات الذات وإمكاناتها من أجل توظيفها التوظيف الأمثل، في عملية بناء مستمر للوعي المعرفي بالذات وبالآخر تمتد من المهد إلى اللحد، وتتوارثها الأجيال، وتحمل في المورثات البشرية، من نزيل في هذه الدنيا إلى نزيل.

"اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً" فهل أنت على ثقة من أن الإِقدام على هذا الفعل يحاط بكل ما يراد له من: حس مرهف، ووعي مُترف، وإحساس بالمسؤولية شامل وعميق؟! ومن ما يشبه التقديس لهذا التواصل الخلاق!؟! لا تحملق في الفراغ ثم تلتهم عيناك الحبر، فلن تصاب إلا بالعكر، فليست العين هي المعنية في نهاية المطاف، بل هو القلب الذي به نبصر، وإذا كان مشغولاً فالمشغول لا يُشغل، وما نحن فيه اليوم يريد قلوباً تبصر، وبصائر تقود، وإرادات تترجم ذلك إلى معايير وقيم وسلوك، إلى أفعال وممارسات وإنجازات. وليس كل معرفة مصدرها الكتاب، فهناك التجربة والناس والحياة، وفي الكلمات آيات مكثفات ومركزات من ذلك كله بأسلوب، والاستفادة من ذلك تتم أيضاً بأسلوب.

توقف.. لا لتجمد وتتحول إلى كائن ينبذ دعوة الخالق والناس والحياة والعصر والعلم، تلك المتمثلة بالأمر الساطع "اقرأ" فإنما أردت وأريد أن تدخل هذا الملكوت باختيار واهتمام واحترام، دخول ثقة واستعداد ليكون الدم مداد ما نكتب، وليجسد ذلك حيوية وحياة وحرية وحضارة. وأردت وأريد أن تدخل هذا "الملكوت" لترى فيه ما ترى بصفاء واجتهاد ووعي ونقاء، ولتقوم بعزل قمحه عن زؤانه، وبتمييز صدقه من كذبه، فتستاف المسك كله إن وجد، وتلأ رئتيك من عرف ما طاب من عود، وتتمسك بالنافع، وتسأل في هذا الذي يدعوك إلى صحبة قد تطول وقد تقصر، عن جدوى، وتنشد لديه الواقع والوقائع وما ينفع الناس ويغذي الروح، وتطالبه بموقف ورؤية، وبأن يكون مبصراً في درب يريد أن يكون فيه رائداً ودليلاً، وبأن يكون جسوراً في عتمة يريد أن يكون فيها قنديلاً، لتحمل وإياه ما قد يفيد فيصبح على كاهلين حياة في حياة.

توقف.. إننا نتوغل أحدنا في الآخر، نترافق ونتفاعل، وأنهاك عن المتابعة فتواصل رحلتك، وأجدني أهرب من أمامك خوفاً عليك.. فهذا المشي يقود إلى الأبواب الضيقة، وعندما تقف على عتباتها ويتدفق من وهجها شعاع أو بعض شعاع، ينفتح أمامك أفق الرؤية، وتأخذ بالتدقيق وتجد مداخلها تتسع ومداخل نفسك تضيق، حيث تصبح عارفاً تسلك إلى الحق والعدل سبلهما وتستعمل وسائلهما، وحين تبدأ الفحص والتمحيص في دخيلة نفسك وتفاصيل ما حولك على هدي من ذلك، تجد نفسك تأخذ بخناق نفسك، وتحاسب على النأمة ومثقال الذرة، ولكن في هذا الضيق أو التضييق ذاته يتسع أمامك عالم اللذة وينفتح عالم القدرة، فتغدو أغنى وأكبر، وتقع على شاطئ الوهج ذلك الذي ينبعث من أركان موقعك فيبهر ويرهق ويحرق، وقد تطيق أو لا تطيق عليه صبراً، إذ أن قطرة منه تنشر من حولك النور بحراً، وستجد نفسك محمولاً على لججه، تقتات النور، وتزداد بنظرك قيمة الحياة وقيمة نفسك، لأن الوقت يصير لديك معبراً لوعي الوجود وترسيخ الخلود، وتكتشف أن دقائق الزمن وثوانيه فرص متاحة للبناء والعطاء والنشوة، والإرادة مفتاح أبواب الممكن... وكل ما يحلم به الإِنسان يغدو حقلاً للممكن ترتاده الإرادة وتحيله غرساً من ثماره السعادة.

ولكن.. احذر فالكلمة تفتح باب الخيال، وحين يلوكها ذاك الذي يقبل عليها، قد تدخله عالم الأحلام والأوهام، وأحلام عوالمها جميلة وممتعة وطويلة، ونحن لا نريد أن نلغي جمال عوالمها ولذات مقارفتها، ولكننا لا نريد أيضاً أن تكون مغذية للوهم وصانعة له. فكل قول لا ينبت في أرض الواقع ولا يسقى من ماء المعاناة، ولا يتوجه إلى الإِنسان في حياته وشؤونه وشجونه، يصبح عبئاً في حالات كثيرة، ونحن أحوج ما نكون إلى كلمة تعزق النفس والروح، وتترقرق في سواقي الخلايا، لتحيي موات الجسم والروح، ولتكسب إرادة الحياة توقاً وعملاً وتصميماً على الخوض في وحل الدروب ونار الواقع، بهدف تنقية معاير السالكين من الشوك والجمر، ليكون للحياة طعمها اللذيذ، وللأيام عمرها المحسوس، وليشعر الكائن بأنه لا يمضي فوق أديم الأرض عبثاً، ولا يسعى في مناكبها دونما غاية، وإنه لم يخلق هملاً، وكان من الخير له لو لم يخلق!؟!

إن الكلمة تحمل تبصِرة وتذكرة، وأنت تتوغل في عالمها فتصبح المبصر المذكّر، وهي تقودك في مسالكها لتريك وتغريك وتذيقك لذة لم تكن تدركها، وعندما تضعك على معرفة بذلك، تميز بحس متفوق: الخير من الشر والصحيح من الخطأ، والحق من الباطل، وعند ذلك لا يمكنك أن تكون "شيطاناً أخرس" يسكت عن الحق، عند ذلك ستصدع بما تعرف، وتجاهر بما تدرك، وستعمل ليكون ماتراه لائقاً بالإِنسان والوطن والحضارة، واقعاً، وهذا يجعلك تفتح باب صراع يؤذيك وقد لا تطيق عليه صبراً، وربما لا تتمكن من العودة إلى الشط الذي منه بدأت، لأن "وسواس" المعرفة لن يكف عن الاختلاج في كيانك، ولا يكف كيانك بالتالي عن الاختلاج في الواقعي والحياتي من وقتك ويومك، وهذا كله يجعلك على تماس مرهق ومؤرق مع تيار لا يرحم، يصعقك في كل لحظة ويعيد إليك الحياة ليعيد الكرة.. فاحذر وتوقف.. لأن الإِدمان على الكلام المسؤول بمسؤولية، يدخلك عالماً فيه من اللذة والنشوة والألق والشعور، بطعم الحياة وقيمتها، بمقدار ما فيه من الألم والمعاناة والشعور بالقهر وبؤس الكائن الحي ولا جدوى الصراع من أجل الأفضل. إنك ستقف على شفرة الود الحاد، دمك يسيل، ولذة الكشف تدفعك لمتابعة السير، والرياح تتخطفك والأفكار من كل جانب، تشدك من كل طرف، وأنت تحاول أن تتوازن وتسير وتؤدي واجب الإِنسان الحي في حياة ترتب عليه واجبات يرتبها الانتماء لأرض الشعب، وللإِنسانية وقيمها، وللحياة بكل ما لها وما عليها.

فهل أقول لك توقف... وأنت تملك زمام أمرك.. أم أتوقف أنا...؟! ربما كان الأجدى أن أتوقف أنا وتفكر أنت على مهل، وأفكر أنا أيضاً في الأمر، إذ أخال أننا أصبحنا في وضع حصان شكسبير المطعون، وقد التفت أمعاؤه على حوافره، وهو في النزاع، فكلما ازداد حركة اقترب من النهاية، ولا يكف الألم عن دفعه إلى الحركة والتوجع، ربما كان الخير في أن تأخذ مهدئاً ونتوقف معاً لنتأمل معاً، وربما نستأنف معاً فنعاود اللقاء... فإلى رحابة الوقت نترك نفسينا على أمل اللقاء.


 

د. علي عقلة عرسان

تعريف بالكاتب: كاتب وأديب
جنسيته: سوري

 

 

شاهد مقالات د. علي عقلة عرسان

صحافة وإعلام

مواقــــع

أخبار منوعة

الحكومة الفلسطينية تعقد الاجتماع الأول لها في غزة منذ 2014

News image

عقدت الحكومة الفلسطينية برئاسة رامي الحمد الله اليوم (الثلثاء) أول اجتماع لها منذ العام 201...

ستيفن بادوك، المشتبه بإطلاق النار في لاس فيغاس، كان مقامرا

News image

كان ستيفن بادوك، الذي تعتقد الشرطة أنه أطلق النار في لاس فيغاس، محاسبا متقاعدا ثري...

وفاة رئيس العراق السابق جلال طالباني عن عمر يناهز 84 عاما

News image

أعلن التلفزيون العراقي اليوم الخميس عن وفاة رئيس البلاد السابق والسياسي الكردي البارز جلال طال...

برلمان العراق يمهد لتعليق عضوية نواب أكراد شاركوا بالاستفتاء

News image

بغداد ـ كلف رئيس البرلمان العراقي سليم الجبوري خلال جلسة اعتيادية عقدها البرلمان، الثلاثاء، لجن...

مسلح ستيني يقتل 59 شخصاً ويجرح 527 شخصا في لاس فيغاس.. وينتحر

News image

قتل مسلح يبلغ من العمر 64 عاماً، 59 شخصاً، وأصاب 527 آخرين، أثناء حفل ...

ماتيس: واشنطن لديها "الكثير" من الخيارات العسكرية في الأزمة الكورية ونغيانغ تصف عقوبات الأمم المتحدة بأنها "عمل عدائي شرس، غير إنساني، وغير أخلاقي

News image

قال وزير الدفاع الأمريكي جيم ماتيس إن بلاده لديها "الكثير" من الخيارات العسكرية في موا...

المحكمة العليا العراقية تأمر بوقف استفتاء الأكراد ومناورات تركية على حدود العراق

News image

بغداد - أنقرة - قال الجيش التركي في بيان إن القوات المسلحة بدأت مناورات عسكرية عل...

مجموعة التجديد

Facebook Image

المزيد في ثقافة وفنون

هدم الجامع بيوم

كرم الشبطي | الاثنين, 23 أكتوبر 2017

كان اللقاء حافل اكتشفوا المصيبة لا توجد الموازنة...

التيه الفاسد في عالمنا...

محمد الحنفي | الاثنين, 23 أكتوبر 2017

إن أصل التيه... أن نفقد البوصلة... أن نعيش منهمكين......

دروس من المقاومة الفرنسية

وليد الزبيدي

| الأحد, 22 أكتوبر 2017

  استمتعت كثيرا بقراءة كتاب “متعاونون ـ أبطال ــ خونة” الذي ترجمه د ضرغام الدباغ...

الرسام الفرنسي جان دوبوفيه... في مسارح الذاكرة اللندنية

فاروق يوسف

| السبت, 21 أكتوبر 2017

  من يرى معرضاً للرسام جان دوبوفيه يمكنه أن يتفادى رؤية أعمال مئات الرسامين العالميين ...

الانقلاب الهوياتي

د. فؤاد بوعلي

| السبت, 21 أكتوبر 2017

  مرة أخرى يقدم السفير الروسي الدرس للمسؤولين المغاربة، الذين اختاروا الارتماء في أحضان سيدتهم...

سُبْحَانَ مَنْ خَلَقَ البلادَ كذَاتي!

محمد جبر الحربي

| السبت, 21 أكتوبر 2017

1. ما عِشْتُ عمْراً واحداً كيْ أشتكي عِشْتُ الحِجَازَ وعمْرُهُ الأَعمَارُ إنِّي السُّعُودِيُّ الذي ع...

القصة الصغيرة - (في اشتغالات محمد علوان) أطياف النهايات (2-2)

علي الدميني

| السبت, 21 أكتوبر 2017

  خلف الذات الرائية ، يتموقع السارد، كبطل وحيد يحرك عدسة التقاط الصورة و الأحاس...

حقوق الإنسان.. والازدواجية الغربية

د. حسن حنفي

| السبت, 21 أكتوبر 2017

  هناك عدة اتجاهات للربط بين الموقف المسلم المعاصر وحقوق الإنسان. وهي كلها في الساحة...

ثمرة طماطم

د. نيفين مسعد

| الجمعة, 20 أكتوبر 2017

  راح يسير على غير هدى بين السيارات.. يترنح كأنه ثمل وما هو كذلك.. تعلو أ...

في الشعر، وملمَح من تجربة الشاعر فايز خضّور

د. علي عقلة عرسان

| الأربعاء, 18 أكتوبر 2017

  الشعر حياة، يجدّد فينا الرغبة في الحياة، ويدفعنا في تيارها إلى مزيد من الحب و...

الفن ثقافة

معن بشور

| الثلاثاء, 17 أكتوبر 2017

  أجمل ما في الحوار الرائع في "بيت القصيد" على قناة الميادين بين الإعلامي الشاعر...

حين يكتب الشاعر صالح أحمد كناعنة قصيدته ..!!

شاكر فريد حسن | الاثنين, 16 أكتوبر 2017

    صالح أحمد كناعنة شاعر فلسطيني مجيد ، غزير العطاء والانتاج ،لا يكتمل نهاره ان ...

المزيد في: ثقافة وفنون

-
+
10
mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterاليوم31556
mod_vvisit_counterالبارحة43798
mod_vvisit_counterهذا الاسبوع75354
mod_vvisit_counterالاسبوع الماضي252525
mod_vvisit_counterهذا الشهر819435
mod_vvisit_counterالشهر الماضي1063018
mod_vvisit_counterكل الزوار45881823
حاليا يتواجد 4126 زوار  على الموقع