موقع التجديد العربي

للتواصل عبر البريد الإلكتروني: arabrenewal2002@gmail.com 

 
  • default color
  • green color
  • blue color
اليونان محذرة تركيا: لسنا سوريا أو العراق: السلطات التركية تزعم امتلاكها لجزيرة كارداك الصخرية المتنازع عليها و المعروفة في اليونان باسم إيميا ::التجــديد العــربي:: الملك سلمان يدشن مشروع القدية السبت المقبل ::التجــديد العــربي:: محكمة عسكرية مصرية تقضي بحبس هشام جنينة خمس سنوات ::التجــديد العــربي:: صحف عربية: مقتل صالح الصماد "ضربة موجعة" للحوثيين في اليمن و تعيين مهدي محمد حسين المشاط رئيسا للمجلس السياسي الأعلى خلفا لصالح الصماد ::التجــديد العــربي:: نقل جثمان البطش إلى غزة خلال يومين بعد موافقة السلطات المصرية ::التجــديد العــربي:: الشرطة الكندية تستجوب المشتبه به في حادث دهس بمدينة تورونتو ::التجــديد العــربي:: ترامب يتوعد إيران بـ"مشاكل كبيرة" إذا استأنفت برنامجها النووي ::التجــديد العــربي:: مسؤول أوروبي: الغاز المصري يضمن أمن الطاقة في الاتحاد الأوروبي ::التجــديد العــربي:: ترامب منتقداً «أوبك»: أسعار النفط المرتفعة لن تكون مقبولة ::التجــديد العــربي:: 'شاعر المليون 8' يبدأ مرحلته الأخيرة ::التجــديد العــربي:: فيتامين 'أ' يهزم الخلايا الجذعية لسرطان الكبد ::التجــديد العــربي:: رائحة الثأر تفوح من موقعة بايرن والريال في دوري الأبطال ::التجــديد العــربي:: المدرب كلوب يحث جماهير ليفربول على إظهار الاحترام لفريق روما ::التجــديد العــربي:: البرلمان الكوبي يختار ميغيل دياز-كانيل المسؤول الثاني في السلطة الكوبية مرشحا وحيدا لخلافة الرئيس المنتهية ولايته راوول كاسترو ::التجــديد العــربي:: عودة 500 لاجئ سوري طوعا من بلدة "شبعا" جنوبي لبنان إلى قراهم وخصوصاً بلدتي بيت جن ومزرعة بيت جن ::التجــديد العــربي:: "خلوة" أممية في السويد حول سوريا ::التجــديد العــربي:: روسيا تطرح في مجلس الأمن خطة من 6 خطوات لتسوية الأزمة السورية ::التجــديد العــربي:: البشير يقيل وزير الخارجية لكشفه شللا دبلوماسيا بسبب الأزمة المالية ::التجــديد العــربي:: اردغان يفاجى المعارضة: الاعلان عن إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة في الرابع والعشرين من يونيو/ حزيران المقبل ::التجــديد العــربي:: بوغدانوف: التحضير للقاء أستانا التاسع حول سوريا مستمر ::التجــديد العــربي::

توقف أنت

إرسال إلى صديق طباعة PDF

توقف.. نعم توقف، أنت العربي.. أنت المعني بالخطاب، أنت الذي يقرأ هذا الكلام توقف فالأمر يعنيك تماماً. انظر حولك ودقق مواقع الأشياء والأشخاص، وأعد تقليب الصفحات التي بين يديك، وعد إلى تفاصيل مرت بك في يومك هذا، تذكر ما قاسيت وما رأيت وما تتبعت من أخبار، ثم انظر جيداً إلى ما تقع عليه عيناك هنا، فما هو سوى كلمات.. تنتظم في أسطر ثم في صفحات، تطويها فتموت وتقرؤها فتحيا. توقف وتيقن جيداً من موقفك ومن رغبتك في قراءة كلام قد لا يفرج كربة، وقد يزيد الكرب.

إن العالم من حولك ينزف كلمات، حتى لتكاد تغرق في أمواج القول، كل شيء غدا مسيرة كلامية، من الدواء إلى الغذاء، ومن الحرية إلى التحرير. والدم لا يعني سوى كلمات، وكل الألم الذي ينحر تألق الروح ويحجب الرؤية، لا يعني لنا سوى سطح الكلمات، فهل تريد أن تغوص أعمق فأعمق في دوامة الكلام؟

توقف.. أنا أكتب لأقول لك احذر وتوقف قبل أن تقارب الكلام وتقارف إثم مقاربته. ارتح قليلاً من اللهاث وراء أفكارك (..؟) بل مشاكلك وقوت يومك وآلامك، وتمعن قليلاً في كل ما يجري حولك، قبل أن تقدم على التهام حشف القول (؟!) تبصّر جيداً "ألهاكم التكاثر" والمقابر ليست تلك التي ترى فيها الأجساد والجثث فقط، وإنما هي أيضاً تلك التوابيت المتحركة التي تُدفن فيها الأرواح والكرامات والمشاعر والألق والحس بالانتماء إلى حيوية الحياة ومناخ الواقع المعيش، بكل ما فيه وما يجري فيه.

توقف.. نعم توقف وانظر...

جسداً بعد جسد يتقاطرون هناك كالشهب ليحتضنهم الخلود، إنهم في ظل البؤس المادي يعيشون، وينيخ عليهم ليل الاستعمار النازي الصهيوني العنصري بكلكله، فينبثقون من دفق النار والألم والعتمة، نوراً وألقاً وانعتاقاً. وجسداً بعد جسد نتهاوى هنا، ونتراتب في أنساق سعياً وراء رغيف ذل يوصد عليه مستغل أو فاسد باباً أو جمعية أو مؤسسة رسمية، أو معملاً أو صيدلية، ليكون له و"لأزلامه" وأسياده من دون الخلق، وليصبح في يده سوطاً يسوط به الخلق. وها نحن نسعى إلى حياة تلفظنا لأنها الموت بالنسبة لنا، ولأننا الموت بالنسبة لها، ترفضنا لأننا نريد ركام الموت فيها، ونترك درباً ينادينا، إن انتزعنا فيه الموت فهو إذن درب الحياة؟!

نعم... من حقي أنا ومن حقك أنت ومن حق الآخر، من حقنا أن نعيش، ومن حقي أنا وأنت والآخر أن نحافظ على منحة الحياة وأن نستمتع بها، ولكن ليس من حقي أنا ولا من حقك أنت أن نمسخ الحياة، ونحيلها إلى اكتفاء البهيمة بالقوت، ولا من حقنا أن ندفن أرواحنا وأبناءنا ومبادئنا في المباءات التي نصنعها يومياً، أو يطلب إلينا أن نخوض فيها يومياً، من أجل أن نعيش.. مجرد أن نعيش، وليس من حقنا أن نئد الروح من أجل أن يسعى الجسد وراء ما يحييه وينعشه، فذلك ضرب من موت، ووضع للعربة أمام الحصان.

توقف.. نعم أنت المعني توقف.

الرياضيات في عصر العلم والفضاء هذا غدت مغلوطة تماماً، فواحد وواحد لا يساويان اثنين، ليس من باب الإيغال في العمق الفلسفي والعلمي لقوانين النسبية وسواها، بل لمجافاة ذلك لسطح المنطق، والإيغال في منطق التسطيح والتلفيق، فالحق الذي عرفناه حقاً ومعياراً للممارسة وقيمة له حدود موضوعية لا يختلف عليها عبر التاريخ والجغرافيا، سقط في التفسير الذاتي لمعيار القيمة الفردي المريض في مناخ مريض، وذلك الذي يُحتكم إليه غاب في ظلال الحكم، وسقط من ينبغي له أن يحاسب، سقط أمام محكمة ضميره فأسقط معه موضوع الحساب بالحق، والحق بالمحاسبة، وجعل من شكليات الحساب دريئة.

مقولة خلف مقولة تركض في الشارع وتعلن عن ذاتها حتى بلا كلام، تقول: أيها الخائن.. أيها السارق، أيها الظالم.. الفاسد.. الجاهل.. الباسط جبهته لحذاء أنيق..! أشعل المناخ بنار ما تراه من شروط العيش الملائم لأغراضك قبل أن تُفرض عليك شروط العيش في مناخ سليم فتقض مضجعك وتلغيك، لا تسمح لأحد بأن يتنفس أو يتفرغ للتفكير والتأمل والمحاكمة، ولا حتى للفهم، وإياك أن يشبع أحد أو يطمئن إلى غده. اركض ليركضوا خلفك ثم تقفّاهم بسياطك قبل أن يسوطوك بمنطقهم ونقائهم، واحذر تماماً من حلبة الصراع التي أنت فيها، فالخصم عنيد وعنيف ومتعدد الأذرع والوسائل والحيل، وخير سلاح لك ألا تدعه يتمالك نفسه أو يعي ما يدور حوله، أجلده بالحاجة حتى يصبح جسداً بلا قوة ورغبة بلا ارتواء، واستكانة دائمة مقيدة بنزوات ونزعات ورغبات صغيرة.

توقف.. أنت الذي تقرأ..

فلا رونق للكلمات، ولا سحر فيها ولا عذوبة، لا موسيقا ولا تأنق ولا تحليق، فالكلمة مهيضة الجناح، وقنديل الروح يلفظ أنفاسه الأخيرة فيما عاد في الفتلة زيت. الكلمة نسر على سفح ويشده لرماد الأرض جرح، ويتدحرج وقد يتمالك نفسه، ولكن الجناح مطلوب، بسبب منك وبسبب من كاتبها كان ذلك، فلا أنت تنهض بها، ولا هو بمستطيع من دونك، وإذا كنت تريد لها أن تلهيك أو تنسيك مآسيك، أو تفرغ شحنة غضبك بتخديرك، فإنك تسهم في حفر قبرها وقبرك، وإذا كنت لا تتواصل مع ألقها ولذع نارها، ولا تحتضن شحناتها، فأنت تلقيها إلى ريح الغربة في أعتى عواصف المناخ، وتغلق دونها قلبك وبابك، وتطلب إليها أن تموت أو تضيع أو يجمدها الزمهرير، أو أن تتوارى بظل قصر أو تحت عباءة أمير، وهي مرغمة إذن على الموت أياً كان اختيارها إذا اختارت من تلك الاختيارات، لأنها بعيداً عن قلبك لا تعيش، فهي البذرة وأنت التربة، وبعيداً عن الصدق لا تنفع ولا تنمو.

توقف.. قلت.. ولا تتوغل في القراءة، فالقراءة عبء في زمن أصبحت فيه دفقة الوعي إثماً، وممارسة الحرية جرماً، والتعبير عن الاستقلالية خروجاً على قطعانية مطلوبة ومرغوب في انتشارها. فلا تأثم يا صاح.. ولا تقترب من الكلمة بصدق انتماء، إذا لم تواجه الواقع بصدق وتتحمل مسؤولية المواجهة، لأن في هذا النوع من الصحبة أرقاً وسهراً يتواصلان إلى الفجر، وتحريراً للضمير من ألف نير ونير، بضرب مدى قد تطال قلبك قبل أن تطال قيده أو من يقيده. لا تقترب من حقل الألغام هذا، وإلا أصبحت "شهيداً"، وأنت تريد أن تلهث وراء لقمة العيال، وحياة الجسد، أية حياة للجسد، وتريد أن تطيل أمد خصومتك لرغباتك في مناخ يحط من شأن الإنسان بإعلاء شأن رغبات لا شأن لها، ويمسح بك شوارع المدينة قبل أن يغسلك بدموع الخضوع ويلبسك ثوب الإهانة، ولا يظهرك إلا بالندم والتوبة عن معاودة التطلع إلى أبعد من أنفك، وعن الاستماع لصوت ضميرك، وبنسيان ما كنت وما أنت.

توقف.. لا تقترب من شفرة الكلمة وأتونها.. أغلق هذه الصفحات وأعد النظر فيما أنت فيه، حتى لا تتهم بالاقتراب من محظورات أو مرتُبات لتبعات، فالإِثم الذي تأتيه لن تبرأ منه أبداً، وسيلاحقك هواجس وتخرصات، وربما قادك إلى الخراب، فتوقف.

أقول لك الحق: إنك مدعو إلى نبذ ما أنت فيه الآن من تلبس بجارّات لجرائر، ومدعو إلى طلب العفو وربما الرحمة، ومدعو إلى أن تفتك ب "إبليس" الكلمة الذي يوسوس لك ويغريك بما لا ينفعك ولا يرضيك، فمقاربة الكلمات تقرب المهلكات، لأنها تلقي عليك عبء الحرية، وتواجهك بالمسؤولية، وتضعك في العراء تماماً أمام نفسك وأمام اختيارك، وتحملك تبعة ما أنت فيه، وتبعة أولئك الذين لا يمكنهم أن يعرفوا ما تعرف، "وخطية السكران برقبة الصاحي" وإذا أردت أن تكون صاحياً فأنت اخترت وأنت مسؤول، مسؤول تماماً وعن كل شيء، على الرغم من أنك تساط ليلاً ونهاراً بسياط الحاجة، وتنبذ في عراء الغربة، وتجرد من كل ما يربطك بالتراب والتاريخ والتراث المجيد وبمجد القيم، مسؤول وتُحشر في زاوية المسؤولية "الجرمية" لأنك لا تمارس مسؤولياتك بوعي المواطن، وتسبب كل هذا البلاء الذي أشرف على أن يصير وباء.

توقف.. أنت الذي يمرغ أنفه بالكلمات.. لا تذهب أبعد من ذلك، فالكلمة شعاع يتقدم وينثر النور، ويجعلك ترى وتجوس في أرض الرؤية، ويحملك عبء ما ترى ومسؤوليته.. والكلمة خطاب الأحرار إلى الأحرار، والصمت عن دعوتها نوع من العبودية، أو إثبات للعبودية وتثبيت لها. وإذا ما وصلك النداء واخترق أذنيك وجنبيك وسكن ضميرك، حملك المسؤولية الأخلاقية، لا عن مضمون الدعوة التي يحملها فقط، وإنما عن الداعية وسلامته وحرية وسيلته أيضاً. فهل لك أن تكون تربة صالحة للكلمة الطيبة ودرعاً يحميها، ومخصباً ينميها، وريحاً تنشر نارها وتضربها، لتحرق الفطر السام، وتشيع الخير والعدل والحرية في الأنام، ويبدد نور مشكاتها الظلمات عبر الحياة؟!.

إن ذلك أمر صعب.. فتوقف، وإن وراءك لمسؤولية كبرى جداً "؟!" وهي أن تحيا جسداً بلا روح!؟! وأن تكد ليلاً ونهاراً لتحقق التكاثر من المهد إلى اللحد، وأن تتلهى وتخنق صوتاً في الأعماق يناديك، إلى أن يضمك القبر أو يدانيك!!

أقول توقف.. لا لأذكرك بأن "أديم الأرض من هذه الأجساد" فالمعري وعى وأسمع، وسطع نجمه وهدى، وجسد الحكمة وحكّم العقل، بل أقول ذلك لأذكرك حقاً لي ولك وهو: أن حرية الكاتب رهن بالقارئ وحرية القارئ رهن بالكاتب، فإذا أقدمت فإنك شريك، وكلانا يتحمل مسؤولية التوغل في عالم تكشف آفاقه الكلمات التي يشكل الوعي نبضها وحركتها، فإذا قبلت أصبحت وإياك معنيين بما يتناهى إلى وعينا، وبما يشكل اقتناعاً لدينا، وبما يرتب واجباً علينا، تجاه الناس والوطن والتاريخ، وتجاه حيوات تتفتق عنها الأرحام، وقلوب تتفتح عنها الأكمام، وعقول تتشقق عنها الأختام. فإذا قبلت فأنت اخترت، والمرء معني بما اختار وإلا ففارق ما أنت فيه.

توقف أرجوك.. إن دمنا يتساكب، ونحن نخوض في سواقيه ونتناحب وآلامنا تكبر حتى غدت أكبر من طاقاتنا على الإِحساس بها فتجاوزتنا، أتجاوزتها إلى البلادة، فأين نمضي ونحن محاطون بالدم والدموع والآلام، وإلى أي إنجاز نتوجه، وكل تحرك بناء يحتاج جهداً مضيئاً لإنجازه، وهو ما نملكه ولا ندركه؟!!

دقق أولاً في معنى أن تقرأ، وفي معنى أن تشارك الكاتب مسؤولية الكلمة وشرفها، فهو لا يريد لها أن تذهب غثاء، ولا يريد لها ذلك إلا من كان هو شيئاً من غثاء. انظر جيداً في المشروع الذي تقدم عليه، إنك تدخل عالم انتماء من نوع صعب، وتواجه "لعبة" سيدها الضمير، وأنت معني بسواك وبالعالم من حولك، بدوافع وعي منك والتزم به، وأنت تمنح الكلمات التي تتعامل معها حياة، وبهذا الفعل أنت مسؤول عن حياة وعن كل ما يصدر عنها ويتصل بها.

من دونك يبقى توهج الفكر ورؤى البصيرة ودعوات القلب والعقل والضمير مكنوزة في حبر على ورق، وبك أنت تنتقل من هذا الموت، أو الكمون السلبي، إلى حيوية في الروح، ونور البصيرة، وعزم في السواعد والإرادات، وتغيير في الحياة، مجرى ومبنى، ونماء في القيم وتعزيز لمكانتها.

من دونك تبقى الصفحات مقابر للأفكار والكلمات والكتاب، وتغدو الكتب مخازن لغلال الروح ولمعرفة لا يُنتفع بها، ولا بارك الله في علم لا ينفع ولا ينتفع به.

إنك بإقدامك على القراءة تبعث حياة وطاقة في ذاتك وفي سواك، وتغني الإحساس بالحياة وتعمق معانيها، وهذا النوع من الحمل يستدعي من الحامل إخلاصاً، للمحمول، وفناء في رسالته وجلاء له وإثراء، فهل أنت من ذلك النوع الذي يحمل كاهله مزيداً من الأعباء فوق ما يحمل، وينذر نفسه لنوع من المسؤوليات، لها بداية ولكن لا تعرف لها نهاية؟!

توقف.. فكر في كل شيء من هذا أولاً، فقد غدت أكبر آفة من آفات هذا الزمان، أن يمر الواحد منا على كل شيء، وكأنه لا يمر على شيء، وأن يخوض في الدم وكأنه المنوّم أو المحمول على بساط من غم، لا يريه بصره ما تطأ فيه قدمه. لقد غدت المرارات المتتالية أفيوناً، وصار تعاطيها إدماناً، فإذا كنت تُقدم ـ وأنت تقرأ ـ على أخذ "حقنة" اعتيادية، فتوقف، لأن في ذلك قتلاً لي ولك ولرسالة الكلمة.

أنْ تقرأ يعني أن تتحمل مسؤولية ما تقرأ وأن تعني لك القراءة كل ما تحمل، وأن تمنح كيانك لتفاعل ذاك العطاء الحي مع كيانك الحي بما لا يغيب أياً منهما، وأن تراعي هذا التفاعل وتثمّر نتائجه، وأن يدفعك ذلك إلى التفكير والتعبير، وإلى شيء من الفعل والتدبير، ينجلي تغييراً فيك وفيما حولك، وفي كل ما يعنيك من شؤون يومك وغدك وماضيك ومستقبلك، ذاك الذي ينجلي في شخصية تتفاعل وتتمثل وتحاكم، وتعيد شروط العيش والإنتاج والتفاعل، إلى حال من الصلاح والفعالية ترضي وتمتع تبني وتفيد. فإذا كان ذلك لديك، فلندخل معاً عالم القراءة، عالم الولادة المتجددة بالقراءة، محكومين بشروطها، وإلا فلا جدوى من إضاعة الوقت على هذا النحو أو ذاك، ولا من تلمس أجساد الكلمات بأعصاب العيون وأصابع الظنون.

اقرأ: مسؤولية، واقرأ: واجب، واقرأ: وعيش، وهي أيضاً عقيدة وبصيرة، وانتماء للعصر والمعرفة والحياة. وينبغي أن تتم باندفاع واقتناع ومحاكمة، ولا فرض فيها سوى ذاك الذي يفرضه الاختيار الحر، ورقابة الذات على ملكات الذات وإمكاناتها من أجل توظيفها التوظيف الأمثل، في عملية بناء مستمر للوعي المعرفي بالذات وبالآخر تمتد من المهد إلى اللحد، وتتوارثها الأجيال، وتحمل في المورثات البشرية، من نزيل في هذه الدنيا إلى نزيل.

"اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً" فهل أنت على ثقة من أن الإِقدام على هذا الفعل يحاط بكل ما يراد له من: حس مرهف، ووعي مُترف، وإحساس بالمسؤولية شامل وعميق؟! ومن ما يشبه التقديس لهذا التواصل الخلاق!؟! لا تحملق في الفراغ ثم تلتهم عيناك الحبر، فلن تصاب إلا بالعكر، فليست العين هي المعنية في نهاية المطاف، بل هو القلب الذي به نبصر، وإذا كان مشغولاً فالمشغول لا يُشغل، وما نحن فيه اليوم يريد قلوباً تبصر، وبصائر تقود، وإرادات تترجم ذلك إلى معايير وقيم وسلوك، إلى أفعال وممارسات وإنجازات. وليس كل معرفة مصدرها الكتاب، فهناك التجربة والناس والحياة، وفي الكلمات آيات مكثفات ومركزات من ذلك كله بأسلوب، والاستفادة من ذلك تتم أيضاً بأسلوب.

توقف.. لا لتجمد وتتحول إلى كائن ينبذ دعوة الخالق والناس والحياة والعصر والعلم، تلك المتمثلة بالأمر الساطع "اقرأ" فإنما أردت وأريد أن تدخل هذا الملكوت باختيار واهتمام واحترام، دخول ثقة واستعداد ليكون الدم مداد ما نكتب، وليجسد ذلك حيوية وحياة وحرية وحضارة. وأردت وأريد أن تدخل هذا "الملكوت" لترى فيه ما ترى بصفاء واجتهاد ووعي ونقاء، ولتقوم بعزل قمحه عن زؤانه، وبتمييز صدقه من كذبه، فتستاف المسك كله إن وجد، وتلأ رئتيك من عرف ما طاب من عود، وتتمسك بالنافع، وتسأل في هذا الذي يدعوك إلى صحبة قد تطول وقد تقصر، عن جدوى، وتنشد لديه الواقع والوقائع وما ينفع الناس ويغذي الروح، وتطالبه بموقف ورؤية، وبأن يكون مبصراً في درب يريد أن يكون فيه رائداً ودليلاً، وبأن يكون جسوراً في عتمة يريد أن يكون فيها قنديلاً، لتحمل وإياه ما قد يفيد فيصبح على كاهلين حياة في حياة.

توقف.. إننا نتوغل أحدنا في الآخر، نترافق ونتفاعل، وأنهاك عن المتابعة فتواصل رحلتك، وأجدني أهرب من أمامك خوفاً عليك.. فهذا المشي يقود إلى الأبواب الضيقة، وعندما تقف على عتباتها ويتدفق من وهجها شعاع أو بعض شعاع، ينفتح أمامك أفق الرؤية، وتأخذ بالتدقيق وتجد مداخلها تتسع ومداخل نفسك تضيق، حيث تصبح عارفاً تسلك إلى الحق والعدل سبلهما وتستعمل وسائلهما، وحين تبدأ الفحص والتمحيص في دخيلة نفسك وتفاصيل ما حولك على هدي من ذلك، تجد نفسك تأخذ بخناق نفسك، وتحاسب على النأمة ومثقال الذرة، ولكن في هذا الضيق أو التضييق ذاته يتسع أمامك عالم اللذة وينفتح عالم القدرة، فتغدو أغنى وأكبر، وتقع على شاطئ الوهج ذلك الذي ينبعث من أركان موقعك فيبهر ويرهق ويحرق، وقد تطيق أو لا تطيق عليه صبراً، إذ أن قطرة منه تنشر من حولك النور بحراً، وستجد نفسك محمولاً على لججه، تقتات النور، وتزداد بنظرك قيمة الحياة وقيمة نفسك، لأن الوقت يصير لديك معبراً لوعي الوجود وترسيخ الخلود، وتكتشف أن دقائق الزمن وثوانيه فرص متاحة للبناء والعطاء والنشوة، والإرادة مفتاح أبواب الممكن... وكل ما يحلم به الإِنسان يغدو حقلاً للممكن ترتاده الإرادة وتحيله غرساً من ثماره السعادة.

ولكن.. احذر فالكلمة تفتح باب الخيال، وحين يلوكها ذاك الذي يقبل عليها، قد تدخله عالم الأحلام والأوهام، وأحلام عوالمها جميلة وممتعة وطويلة، ونحن لا نريد أن نلغي جمال عوالمها ولذات مقارفتها، ولكننا لا نريد أيضاً أن تكون مغذية للوهم وصانعة له. فكل قول لا ينبت في أرض الواقع ولا يسقى من ماء المعاناة، ولا يتوجه إلى الإِنسان في حياته وشؤونه وشجونه، يصبح عبئاً في حالات كثيرة، ونحن أحوج ما نكون إلى كلمة تعزق النفس والروح، وتترقرق في سواقي الخلايا، لتحيي موات الجسم والروح، ولتكسب إرادة الحياة توقاً وعملاً وتصميماً على الخوض في وحل الدروب ونار الواقع، بهدف تنقية معاير السالكين من الشوك والجمر، ليكون للحياة طعمها اللذيذ، وللأيام عمرها المحسوس، وليشعر الكائن بأنه لا يمضي فوق أديم الأرض عبثاً، ولا يسعى في مناكبها دونما غاية، وإنه لم يخلق هملاً، وكان من الخير له لو لم يخلق!؟!

إن الكلمة تحمل تبصِرة وتذكرة، وأنت تتوغل في عالمها فتصبح المبصر المذكّر، وهي تقودك في مسالكها لتريك وتغريك وتذيقك لذة لم تكن تدركها، وعندما تضعك على معرفة بذلك، تميز بحس متفوق: الخير من الشر والصحيح من الخطأ، والحق من الباطل، وعند ذلك لا يمكنك أن تكون "شيطاناً أخرس" يسكت عن الحق، عند ذلك ستصدع بما تعرف، وتجاهر بما تدرك، وستعمل ليكون ماتراه لائقاً بالإِنسان والوطن والحضارة، واقعاً، وهذا يجعلك تفتح باب صراع يؤذيك وقد لا تطيق عليه صبراً، وربما لا تتمكن من العودة إلى الشط الذي منه بدأت، لأن "وسواس" المعرفة لن يكف عن الاختلاج في كيانك، ولا يكف كيانك بالتالي عن الاختلاج في الواقعي والحياتي من وقتك ويومك، وهذا كله يجعلك على تماس مرهق ومؤرق مع تيار لا يرحم، يصعقك في كل لحظة ويعيد إليك الحياة ليعيد الكرة.. فاحذر وتوقف.. لأن الإِدمان على الكلام المسؤول بمسؤولية، يدخلك عالماً فيه من اللذة والنشوة والألق والشعور، بطعم الحياة وقيمتها، بمقدار ما فيه من الألم والمعاناة والشعور بالقهر وبؤس الكائن الحي ولا جدوى الصراع من أجل الأفضل. إنك ستقف على شفرة الود الحاد، دمك يسيل، ولذة الكشف تدفعك لمتابعة السير، والرياح تتخطفك والأفكار من كل جانب، تشدك من كل طرف، وأنت تحاول أن تتوازن وتسير وتؤدي واجب الإِنسان الحي في حياة ترتب عليه واجبات يرتبها الانتماء لأرض الشعب، وللإِنسانية وقيمها، وللحياة بكل ما لها وما عليها.

فهل أقول لك توقف... وأنت تملك زمام أمرك.. أم أتوقف أنا...؟! ربما كان الأجدى أن أتوقف أنا وتفكر أنت على مهل، وأفكر أنا أيضاً في الأمر، إذ أخال أننا أصبحنا في وضع حصان شكسبير المطعون، وقد التفت أمعاؤه على حوافره، وهو في النزاع، فكلما ازداد حركة اقترب من النهاية، ولا يكف الألم عن دفعه إلى الحركة والتوجع، ربما كان الخير في أن تأخذ مهدئاً ونتوقف معاً لنتأمل معاً، وربما نستأنف معاً فنعاود اللقاء... فإلى رحابة الوقت نترك نفسينا على أمل اللقاء.


 

د. علي عقلة عرسان

تعريف بالكاتب: كاتب وأديب
جنسيته: سوري

 

 

شاهد مقالات د. علي عقلة عرسان

أرشيف وثائق وتقارير

صحافة وإعلام

مواقــــع

أخبار منوعة

الملك سلمان يدشن مشروع القدية السبت المقبل

News image

أكد مجلس الوزراء السعودي تدشين خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز السبت القادم مشر...

صحف عربية: مقتل صالح الصماد "ضربة موجعة" للحوثيين في اليمن و تعيين مهدي محمد حسين المشاط رئيسا للمجلس السياسي الأعلى خلفا لصالح الصماد

News image

أعلنت جماعة انصار الله عن تعيين مهدي محمد حسين المشاط رئيسا للمجلس السياسي الأعلى خلف...

نقل جثمان البطش إلى غزة خلال يومين بعد موافقة السلطات المصرية

News image

أعلنت مصادر فلسطينية أن جثمان العالم في مجال الطاقة فادي البطش المنتمي إلى «حركة الم...

الشرطة الكندية تستجوب المشتبه به في حادث دهس بمدينة تورونتو

News image

تستجوب الشرطة الكندية السائق المشتبه بأنه استأجر شاحنة دهست عددا من المشاة في شمال تور...

ترامب يتوعد إيران بـ"مشاكل كبيرة" إذا استأنفت برنامجها النووي

News image

توعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إيران بـ"مشاكل كبيرة" إذا استأنفت برنامجها النووي الذي وافقت على...

روسيا تطرح في مجلس الأمن خطة من 6 خطوات لتسوية الأزمة السورية

News image

طرحت روسيا أثناء جلسة خاصة في مجلس الأمن الدولي عقدت اليوم الثلاثاء، خطة شاملة تضم...

البشير يقيل وزير الخارجية لكشفه شللا دبلوماسيا بسبب الأزمة المالية

News image

الخرطوم - قالت وكالة السودان للأنباء الخميس إن قرارا جمهوريا صدر بإعفاء وزير الخارجية ابر...

مجموعة التجديد

Facebook Image

المزيد في ثقافة وفنون

استطالة الأزمة وضرورة استدعاء البداية

د. زهير الخويلدي

| الأربعاء, 25 أبريل 2018

استهلال:   " أزمة دون هدف هي مهمة بلا نهاية ولا نهاية لها ، إنها ت...

بعد تسع سنوات

د. حسيب شحادة

| الأربعاء, 25 أبريل 2018

  بعد تسع سنوات التقى حمدان بزميله همذان في بيت المقدس على فنجان قهوة. بعد ال...

الممثلة اليهودية العالمية ناتالي بورتمان ترفض جائزة اسرائيلية

شاكر فريد حسن | الأربعاء, 25 أبريل 2018

  أثلجت صدورنا الممثلة والمخرجة اليهودية الامريكية، المولودة في القدس، وتحمل الجنسية الاسرائيلية ناتالي بورتما...

المسرح في أدب صدقي إسماعيل ١ ـ ٢

د. علي عقلة عرسان

| الأربعاء, 25 أبريل 2018

  كان صدقي إسماعيل “1924-1972″، رحمه الله، نسيج وحده فيما كتب من مسرحيات، لم يتتلمذ...

حين تفعل الثقافة فعلها

د. عبدالحسين شعبان

| الأربعاء, 25 أبريل 2018

  لم تكن مدينة أصيلة، ذات الطراز الأندلسي قبل أربعة عقود من الزمان وبالتحديد في الع...

«بسطة الكتب»

د. توفيق السيف

| الأربعاء, 25 أبريل 2018

  كل حديث عن الثقافة في مجتمعنا، يستدعي ديباجة ثابتة، من نوع أن العرب لا يقر...

كالى وشيفا

جميل مطر

| الأربعاء, 25 أبريل 2018

  كثيرا ما تحدثنا فى إحدى مجموعاتنا الكلامية عن تطور العلاقة بين المرأة والرجل عبر ال...

الصحفي جابرييل ماركيز

د. حسن مدن | الاثنين, 23 أبريل 2018

  أمر يُسعد كتاب الصحافة، وأنا أعد نفسي واحداً منهم، في صورة من الصور، أن مبد...

رأي ابن رشد في القضاء والقدر أو (التجويز)

د. عدنان عويّد

| الاثنين, 23 أبريل 2018

  لقد كان للفيسلوف العربي العقلاني ابن رشد, موقفا كلامياً وفقهياً من مسألة القضاء والقدر...

قصة واقعية من قصص النكبة :أبطالها من مدينة اللد - آخر مدن الصمود

دينا سليم

| الاثنين, 23 أبريل 2018

  التقيت به في أمريكا أواخر سنة 2016 وتحديدا في سان فرنسيسكو عندما قام بزيارة...

مراجعة كتاب: "كيف تقول وداعاً"

بشارة مرهج

| الاثنين, 23 أبريل 2018

  اشهد أن هذا الكتاب "كيف تقول وداعاً" جذبني ثم أسرني ثم قيدني بخيوط غير مر...

نسيم الشوق: أحبها لكنها من دين مختلف

سامي قرّة | الأحد, 22 أبريل 2018

لا تقل الحرية من المعتقدات والتقاليد الاجتماعية أهمية عن الحرية من الظلم والاحتلال. هذه هي ...

المزيد في: ثقافة وفنون

-
+
10
mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterاليوم2778
mod_vvisit_counterالبارحة24560
mod_vvisit_counterهذا الاسبوع116590
mod_vvisit_counterالاسبوع الماضي215791
mod_vvisit_counterهذا الشهر863064
mod_vvisit_counterالشهر الماضي972375
mod_vvisit_counterكل الزوار52995496
حاليا يتواجد 1614 زوار  على الموقع