«العدالة والتنمية» يجدد ولا يتجدد

السبت, 23 يونيو 2018 10:16

جميل مطر

قضايا ومناقشات
طباعة

 

 

أن يفوز «حزب العدالة والتنمية» في انتخابات الرئاسة والبرلمان، المقرر لها يوم 24 الجاري من دون تزييف أو كذب وأغلبية ساحقة، معناه أن تكون تركيا قد حققت، على الأقل في آخر سنوات عهده نسبة نمو اقتصادي عالية وأمنت لشعبها مظلة حقيقية من الحريات والحقوق، وأقامت علاقات خارجية طيبة مع العدد الأكبر من الدول، خاصة في الجوارين الأوروبي والشرق أوسطي.

 

هذا الشرط المنطقي لم يتحقق. النمو الاقتصادي في تركيا وفي ظل حكومة يقودها حزب «العدالة» يكاد يكون متوقفاً. الاستثمار الخارجي متردد والمستثمرون قلقون، وبعضهم يردد أسباب تردده منها السياسي، وكذلك الاجتماعي والاقتصادي. انخفضت الليرة التركية بنسب عالية وصلت إلى 20 في المئة، وارتفعت معدلات التضخم، وكذلك معدلات البطالة، خاصة بين الشباب ووصلت نسبة الزيادة في العجز المالي في ميزانية الدولة إلى نحو الستين في المئة.

من ناحية أخرى تواصلت عمليات الاعتقال السياسي، يقدرون عدد المعتقلين لأسباب سياسية بنحو خمسين ألفاً، وعدد المقالين في سلك القضاة وحده بنحو 110 آلاف قاضٍ. أعداد المعتقلين في هيئات التدريس والشرطة والجيش هائلة ومتزايدة.

أما العلاقات الخارجية فوضعها ليس بأفضل. تركيا، بل نفس هذا الحزب كان يفخر قبل عقد من الزمن، لا أكثر، بأنه يحتفظ بعلاقات طيبة جداً مع أكثر الدول. نذكر بلا شك عبارة وزير خارجية الحزب الحاكم وقتذاك داود أوغلو، وصف السياسة الخارجية وحال العلاقات الخارجية «بالصفر مشاكل». كانت بالفعل لحظة مثالية في تاريخ الدبلوماسية التركية. لحظة فردوسية تحلم بها دبلوماسيات الدول على اختلاف أنواعها، حين تكون الحدود آمنة والعلاقات مع الخارج مستقرة وساحاته مفتوحة تغري تركيا بالدخول فيها تمارس النفوذ وتقيم تحالفات، وتعقد صفقات، بل وتعتقد في قدرتها على أن تعيد الحياة إلى الماضي. أقول إنني ما زلت أعتقد أن تلك الأيام، وهي قليلة على كل حال، والفردوس الذي غرست صورته في العقل الرسمي التركي، هي العنصر الذي فجر من جديد الظاهرة الشعبوية في الحياة السياسية التركية بعد أن عاشت كامنة لعقود كثيرة.

في مثل هذه الدول التي عاشت في تاريخها مرحلة توسعت فيها إمبراطورياً أو استعمارياً أو ريادياً برسالة أو عقيدة أو بغيرهما يشكل الماضي ضغطاً على حكامها يصعب أحياناً تحمله فيسقطون ويبقى الماضي حاضراً ثقيلاً ينتظر من يأتي بعدهم. تركيا، قبل أيام قليلة، اشتبكت مع وزير في حكومة النمسا حول دور مساجد المسلمين في هذه الدولة. كلنا نحاول أن نفهم العقدة التاريخية المركبة لدى المسؤولين الأتراك والنمساويين على حد سواء. هناك على تلك التلال المحيطة بالعاصمة فيينا، حشدت الدول الحليفة للنمسا قواتها فأوقفت الزحف العثماني، الذي كان يمكن لو أفلح حصار عاصمة الإمبراطورية النمساوية أن يغير جذرياً شكل أوروبا والمسيحية والإسلام جميعا. تركيا في اشتباكها مع المسؤول النمساوي هددت باشتعال جديد للصدام الدموي بين «الهلال والصليب» في النمسا أو في أوروبا.

ضغط آخر واقع لا محالة على تركيا من قوى التاريخ وشخصياته. ما زال كمال أتاتورك الشاحن الأعظم للطاقة السياسية في تركيا، وما زال في الوقت نفسه أهم الكوابح المعيقة لأحلام عودة الخلافة في أي شكل من أشكالها وتحت أي صورة من صورها الحديثة. ما زلت أعتقد أن التراث الأتاتوركي كان من أهم العوامل التي أضعفت ثم أبطأت مسيرة مشاريع قطاع في النخبة التركية المعاصرة في التوسع بالنفوذ في دول الجوار العربي. أضعفها أيضا التراث العثماني المتراكم في العقل السياسي العربي، كان هذا التراث وراء الشك العتيد في كل اختراق تركي جديد في المنطقة العربية.

لا شك في أن «حزب العدالة» حقق لتركيا في البداية إنجازات على أصعدة متعددة ليس أقلها شأناً التوصل إلى هدنة عسكرية لفترة غير قصيرة مع قيادات حزب العمال الكردستاني. من الإنجازات أيضاً قفزة عالية في نسب النمو والاستثمارات والتجارة الخارجية واختراق أسواق ومواقع نفوذ في إفريقيا لم تلبث جميعها أن تهبط .

يعتقد أغلب المتخصصين الأوروبيين في الشأن التركي، أن أردوغان سوف يحصل على أغلبية مريحة تساعده في التغلب على منافسيه في الجولة الثانية من انتخابات الرئاسة. ينقسمون عندما يتعلق التنبؤ بانتخابات البرلمان. قسم يتنبأ بفوز حلف الحكومة بفضل التعبئة الإعلامية الرسمية ومطاردة المعارضة، وقسم يعتقد أن هذه الانتخابات سوف تسفر عن مفاجأة، برلمان قوي ومعارض للرئيس أردوغان.

 

جميل مطر

كاتب ومفكر مصري

 

 

شاهد مقالات جميل مطر