عاصمة الأردن الجديدة

الخميس, 09 نوفمبر 2017 17:25

توجان فيصل

قضايا ومناقشات
طباعة


كغالبية الأردنيين، فوجئت بقصة «العاصمة السياسية الجديدة» للأردن. وغلبت على ردود الفعل الشعبية السخرية بالمقارنة بالعاصمة التي أعلن عنها السيسي، والتي دافع عنها بكونه «يحق للمصريين أن يحلموا» بمشاريع ضخمة، فيما جيوب الشعب خاوية حتى من كلفة الخبز.. كما حالنا.

ولكن لكون رئيس حكومتنا أكد أن الخزينة لن تتحمل، والأهم لن تقترض، كلفة إنشاء العاصمة الجديدة، فإننا نأخذ إعلانها مأخذ الجد ونساهم هنا برؤيتنا لجدوى المشروع، وحتى لجهة أين ينبغي أن يقام، قبل أن يتم اختطافه ككل المشاريع التي دفعنا للخاطفين فديتها.. ومع ذلك لم نرها تتحقق.

 

نبدأ بموقع العاصمة الجديدة، ونرى أن إنشاءها يجب أن يكون لجهة الجنوب على الطريق الصحراوي الواصل للعقبة. فالأرض منبسطة (طبيعة عمان الجبلية إحدى أسباب أزماتها، وجبليّ مثلها محيطها الغربي والشمالي)، وخالية من بعد مباني مطار عمان الدولي، الذي وجدوده قريباً من العاصمة السياسية ضروري. ويتفرع من الطريق الصحراوي طريق تؤدي للحدود العراقية. وهي ميزة تجارية تستوجب الاستثمار بإحياء تلك الطريق التي تربط ميناء العقبة بالعراق وسوريا بخاصة بعد فتح معبري طريبيل ونصيب، كما تربط شاطئ العقبة بالقادمين براً من العراق، ومن الشمال الذي لا يقف عند سوريا ولبنان بل يصل لتركيا وروسيا وأوروبا. فرغم توفر منتجعات شاطئية كثيرة ورخيصة في تركيا وأوروبا، فإن العقبة ستكون قادرة على المنافسة شتاء كما المنتجعات المصرية على البحر الأحمر.

وعدم التصاق العاصمة الجديدة بعمان (كما يقول الإعلان عن المشروع) هام لجهة أن المنطقة بينهما ستملأ تلقائياً وبأسرع مما يخطط لإنجاز المشروع، أي بأقل من خمس سنوات، عن طريق القطاع الخاص، دون أية كلفة على الحكومة بل وباستفادة الأخيرة من عوائد تنظيم ورخص بناء وغيرها. ومكسب عمان الرئيس يتمثل في إحيائها سياحياً كمدينة أثرية، وأيضاً كمدينة حديثة متعددة الإطلالات كونها لا تقوم فقط على سبعة جبال (كما عُرفت عند نشوئها) بل باتت تقوم على ما يزيد على العشرين جبلاً.. ولكن السياحة فيها تتعثر بالمباني التجارية (وحتى بعض المصانع) والوزارات والدوائر الرسمية وبأزمة السير التي ينتجها كل هذا.

وفائدة أخرى لاختيار هذا الموقع تتمثل في إنعاش استثمار مالي وبشري حكومي جرى من قبل ويواجه صعوبات وعدم إقبال لبعده عن عمان وعدم توفر مواصلات مناسبة، وهو جامعات الجنوب. كما أن تيسير، ليس فقط الوصل بمحافظات الجنوب، بل هو هنا الاقتراب الجغرافي من العاصمة السياسية- الإدارية، سينتج إقبالاً على الاستثمار في الجنوب الغني بالثروات المعدنية والطبيعية.

والأهم من هذا كله، الأثر السياسي والثقافي والأمني. فمحافظات الجنوب تشعر (محقة) بالتهميش، بل وبالغربة عن عمان وبخاصة عن الحكومة والمسؤولين والمتنفذين الذين يتمركزون في غرب عمان حيث الوزارات والدوائر العامة ومقار كبريات الشركات المحلية والعالمية. وكلها لا يراها أهل الجنوب إلا لماماً على هامش زيارة اضطرارية لعمل، ويعتبرونها (وبخاصة غربها) قطعة مستوردة من الخارج لجهة نمط حياتها وخدماتها المتطورة.. ما ينتج شعوراً بالعداء للحكومة والمؤسسات الرسمية التي ولّدت ثراء فاحشاً مستجداً في أغلبه، فيما كرّست فقراً في الجنوب يفترض أن يكون تجاوزه الزمن. ويعكس حقيقة الأمر ما كتبه أحد سكان شرق عمان في صحيفة قبل بضعة أعوام، عن مغامرته إذ استقل سيارة تاكسي لمنطقة دابوق (حيث القصور الملكية وفلل كبار المسؤولين وأغلب أثرياء البلد)، وجرأته تمثلت في النزول من التاكسي والتجول على قدميه في شوارع دابوق.. وأن الأمر تم بسلام، وكأنه توقع أن يستوقفه أحدهم مستعلماً عن هدفه وأن يطرد، أو حتى يجري توقيفه أمنياً!

وغني عن القول أن التقارب المفتعل، كإرسال وفود رسمية للجنوب، بل وحتى ذهاب وفود شعبية، لا ينتج تقارباً ثقافياً واجتماعياً، بل هو يؤكد أن القادمين من عمان هم الآخرون حتى لو كانوا وفداً شعبياً أو حتى عشائرياً. والمستثمرون المحليون (وليس العرب أو الأجانب بالضرورة) الذين توجهوا للجنوب عوملوا باعتبارهم غرباء جاؤوا ليستفيدوا من ثروات أهل الجنوب، فجرى محاولة فرض توظيف شكلي لبعض أبناء الجنوب كنوع من الضريبة المحلية، كما تفرض الحكومة (المصنفة غرب عمّانية) ضرائبها على أهالي الجنوب. نشر وترسخ الوعي والمعرفة بالاستثمار في المحافظات البعيدة والمهمشة يستحيل في ظل تكريس ذلك البعد وذلك التهميش بدرجة تصعيب التواصل المباشر على الأرض.

هذا إن افترضنا أن مشروع العاصمة الجديدة يهدف لما فهمناه منه.. إما إذا صحت مخاوفنا من كون كل ما أسمي انتخابات لا مركزية بلا مهمة محددة لمن أوصلوا لمقاعدها سوى الموافقة على تخصيص أراضي المحافظات «للاستثمار».. فإن مشروع العاصمة الجديدة لن يكون أكثر من وهب (يسبقه سلب باسم الاستملاك) أراض لمن يسمّون مستثمرين دون بيان أهداف كالتي بيّنا هنا، وغيرها المتحقق من هكذا مشروع ولا يتسع له حيز مقالتنا.. فإن ما سينتج هو مفاقمة للسلبيات الاقتصادية والسياسية والأمنية القائمة الآن والمرشحة أساساً للتفاقم بعد تسرب عناصر داعش الباحثة عن حاضنات.

 

 

توجان فيصل

كاتبة أردنية

 

 

شاهد مقالات توجان فيصل