بين الحرية والمسؤولية!!

الخميس, 16 مارس 2017 18:26

د. عبدالله القفاري

قضايا ومناقشات
طباعة

 

 

بين الحرية والمسؤولية علاقة لا يمكن تجاهلها.. فلا مسؤولية دون حرية، ولا حرية بلا مسؤولية. هذا المبدأ ليس فقط بشريا أرضيا.. بل هو جزء لا يتجزأ من منح رب العالمين لخلقه.. الذين وهبهم حرية الاختيار مع تحمل المسؤولية عن اختياراتهم. بما فيها أعظم قيم الإيمان، وهو الإيمان بالخالق العظيم.

 

وتتجاوز تلك العلاقة إلى ضفاف الفعل والإبداع والإنجاز، فلم يعرف أن ثمة بيئة أينعت حضارة وتأثيرا وإبداعا.. وهي ترسف في القيود والأغلال.. وإذا كانت بعض الحضارات صنعت بعض مجدها على ظهور العبيد والسخرة.. إلا أنها لم تلبث أن تهاوت واندثرت ولم تبق منها سوى شواهد مهما علا بنيانها فهي كشواهد القبور.

الحرية فطرة، لا يمكن قهرها مهما بدت الأغلال والقيود.. ولم يكن ضبطها بالقانون إلا نوعا من الإعلان بأن للحرية حدودا وقيودا وشروطا لا يمكن تجاوزها عندما يساء استخدامها فتكون إضرارا بالفرد وبالآخر وبالمجتمع.

والمسؤولية، الشق الآخر من استحقاقات الحرية، حين يتعين ذلك الميزان الضابط لحركة الإنسان وخياراته والمجتمع وقضاياه فعلا واختيارا.. لتأتي المسؤولية استحقاقا لحيز الإرادة الحرة.

لا يميز المجتمعات الحية أكثر من شاهدين في حقل البناء والتجديد والعطاء والإبداع والإنتاج.. إنهما الحرية والمسؤولية.. أو قل المجال العام النادر القيود.. والمسؤولية الأخلاقية الفردية والقانون المحترم والملزم التطبيق بلا تردد أو محاباة.

الشرط الأول في الإبداع، الحرية.. والحرية مفتاح الحياة. ولذا نرى التجديد الدائم في الأفكار والرؤى والحراك في المجتمعات التي تحترم هذا الشرط، بل وتضعه جزءا لا يتجزأ من هويتها الإنسانية. الخمول والعطب سمة المجتمعات المتقوقعة على الذات، والمحاطة بكثير من المحاذير، والمتوافقة على الإبداع تحت شرط الخوف من الانطلاق في بيئات تعيش هواجس القهر والخوف وضعف النزعة نحو التجديد.

البيئات التي تقدس التقليد أو تعيش في ظله وكأنه قدرها الأبدي، تعيش عالة على إبداع الآخر إن كان بإمكانها أن تقتني منجزاته المادية دون شروط المنجز.. أو تنطوي في حدود الانكفاء على ذاتها، وهي تعاني مرارة احتباس القدرات وضعف الإمكانات ومخاوف الانطلاق لآفاق أرحب في الحياة.

خلق الله البشر بقدرات متماثلة، ويتبدى الاختلاف بينهم كأفراد ومجتمعات ليس في قدرات الخلق الأول، ولكن في استثمار تلك القدرات وتشغيلها وتطويرها. القولبة تصنع عقلا حذرا متحوطا محجوبا وعاجزا عن المبادرة لأسباب كثيرة.. مما يراكم نسخا متشابهة من البشر لا تكاد تتميز بشيء لافت.. فقد استقرت على فكرة التقليد وظلت تحاذر أو تقلق من التجديد.. أو لا تجد الوسيلة لإطلاق طاقتها في آفاق أرحب مما تعود عليه الناس وألفوه.. حتى لو بان خلله وظهرت معايبه.

وطالما أن إنتاج الأفكار أعظم ما يمكن أن ينتجه عقل بشري، وهي خلف كل هذا التقدم المذهل للبشرية.. فإن القيود على التفكير والتعبير تشكل سمة في مجتمعات الانغلاق والذبول. وتأتي القيود الكثيرة على حرية التفكير والتعبير عاملا رئيسيا في اجترار الأوهام والبقاء في حيز لا يغادر إلا نادرا منظومة بقيت طويلا تجتر ذاتها وتعيد إنتاج نفسها.

وحتى عندما يكون التغيير ضروريا باعتباره القانون الذي لا يتغير، ففي المجتمعات الواقعة تحت نير قوى تتحكم في حياتها وخياراتها ومستقبلها.. فإنها تجنح لتغيير يعظم النقل ويعطيه المساحة الأوسع، دون أن يحاول بناء نموذج مختلف أو على الأقل يبحث عن أسباب الإخفاق بروحية وعقل أمين على الحاضر والمستقبل.. ولذا تكثر الاستعانة بالمتخصص الناقل ويتم تجاهل المفكر.. والمتخصص في الغالب درس نموذجا وحيدا أو نماذج متشابهة في بيئات تعظم عوائد صناعة العقول التي هي من بنى تلك النماذج.. إلا أن أدوات المتخصص لا تتجاوز تلك الأطر المستقرة نسبيا.. بينما عقل المفكر يتجاوز فكرة النقل إلى الإبداع والنقد والقراءة الفاحصة واستحضار عوامل التقدم في مواجهة عناصر التخلف والتراجع.. لا على طريقة استيراد النموذج دون بيئة النموذج ومقوماته.. بينما مشروع التجديد الواعي يأخذ بالاعتبار مقومات أخرى وعناصر لا بد من الوفاء بها لإطلاق تلك الطاقة الكامنة في عقول مازال الحجر عليها متواصلا.

الانطلاق نحو آفاق أرحب للبحث عن مخرج من حيز الإخفاق، لا يمكن له أن يحقق أهدافه دون أن يكون النقد جزءا من مقوماته.. ولن يتحرك العقل الناقد وسط القلق من مساحة الحرية الضيقة والمحسوبة وقيودها الصارمة والصادمة.. ولا يمكن للمسؤولية الفردية والجماعية أن تفي بالتزاماتها طالما لم تمارس حقها المشروع في بناء تصور واضح لما تريده وكيف تريده وكيف يمكن أن تصل إليه.

 

د. عبدالله القفاري

كاتب سعودي

 

 

شاهد مقالات د. عبدالله القفاري