حيتان تفرّ من سمك صغير؟!

الاثنين, 05 سبتمبر 2016 11:37

توجان فيصل

قضايا ومناقشات
طباعة


المسماة انتخابات نيابية وتجري الآن في الأردن، زهد في خوضها كلّ المؤهلين فعلاً لحصد الأصوات الناخبة. وهؤلاء ليسوا بالضرورة "معارضة" كما يحلو لحلقة تداول مواقع الحكم وصفهم، بل هم "إصلاحيون" ولهذا تُبتدع وسائل التزوير ضدهم وتقونن، بل و"تُدستر" إن لزم.

 

ويستثنى من هؤلاء الإخوان المسلمون الذين لم يكونوا معارضة في الأردن بل كانوا في قمة الموالاة بل و"حلفاء" للنظام، لحين حدث التغير التاريخي في المنطقة المسمى "الربيع العربي" وخَلَط الأوراق بدرجة غير مسبوقة لم ترسُ بعد على تقسيمات أو تصنيفات نهائية. ولكن الوضع الحالي للإخوان يجعل خوض هذه الانتخابات بالنسبة لهم "يخوضونها عبر حزب جبهة العمل الإسلامي" قضية بحجم "أن يكونوا أو لا يكونوا"، وهم مؤهلون لفوز مريح بأصوات قواعدهم ومؤيديهم ومن ضمّوهم لقوائمهم، مقارنة بكم هائل ممن لم يَسمع بهم أحد من قبل بين صفوف المرشحين الآخرين. لا بل إن قوائم الإخوان ضمت بعض "المستَصلَحين" لأغراض غير الفوز باعتبار أن قانون الانتخاب وما يتوقع من مجريات تطبيقية، تجعل فوز هؤلاء غير ممكن كونه لا قائمة يمكن أن تفوز بغالبية أعضائها أو حتى بنصفهم.

وكل هذا يتضمن مجازفة كون نزاهة الانتخابات أبعد ما تكون عن المضمونة. فسهولة فرض هكذا قانون انتخاب وهيئة انتخاب على مجلس نواب فاقد للأهلية، وغيره من القوانين وصولاً لتعديلات دستورية نسفت أسس الدستور "العقد" الذي قامت عليه المملكة، يغري بتغليب بقاء مجالس النواب أختاماً مطاطية.. وقد أشّرتُ في مقالة سابقة لتسريبات جهات رسمية لصحيفة إلكترونية عن كونها تدرس "كلفة التزوير" أو أقلّه عدم التشدد في الرقابة في "الغرف المغلقة"!

وهذا بمجموعه أنتج مقاطعة عالية لانتخابات يشعر المقاطعون أنه يراد لهم أن يكونوا رقماً، أو نسبة مئوية، تؤدي دور "المحلّل" لإعادة مجلس لا يختلف عن سابقه لعصمة الدولة!

ولكن يستوقفنا هنا ما استجد على المشهد والذي يكمل هذه الصورة ويعممها على كافة المواقع المتوجّب "دستورياً" أن تكون منتخبة ولكن يجري رفض ذلك بقوانين غير دستورية تتيح التعيين فيها صراحة، أو بالتزوير كما لمجلس النواب. والأخير جرى الاعتراف به صراحةً من قِبَل وزراء ومديري مخابرات لا أقل، عُينوا أعضاء في مجلس "الأعيان"، ولم يؤد اعترافهم لفقدانهم لمقاعدهم تلك رغم أن تزوير الانتخابات جريمة توجب الحكم بسجن لا يقل عن سنة، ما يسقط أهلية المزورين لتبوأ أي منصب عام أو الترشح له!.

هذا المستجد يتبدى في ما يَدفع به بعض من لا أمل لهم في أن يتم انتخابهم، أو حتى زعم إعادة انتخابهم، إن لم تتوفر لهم ذات رافعة التزوير، ولن يكفيهم شراء الأصوات. فمع تدني سوية المرشحين يبدو أن هؤلاء المسؤولين "السابقين" فهموا أن متنفّذين مستجدين سيدفعون ﺑ"أختامهم" للمجلس كي يضمنوا أن يُدفعوا هم، أو يُثبّتوا في مواقع القرار أو يُعادوا إليها دون مناكفة ممن سيُسمّون نواب الشعب. فقرر "السابقون" خوض معركة انتخابية، ولكن ليس باستهداف أصوات الشعب، وإنما بإعادة طرح أنفسهم على صانعي القرار باعتبارهم يحظون بمكانة شعبية ثابتة لا تحتاج لامتحان. وهؤلاء يعملون على استجلاب سؤال "يستغرب" غيابهم عن الترشيح، مع إغداق صفات سياسية كبرى عليهم وصولاً لوصفهم بحيتان السياسة! وهكذا خدمة يلزمها حتماً توظيف المال السياسي، عبر تجلياته الأعقد وصولاً لشبكات المستفيدين منه، كون "حيتان" المال هؤلاء لا يُسألون "كما كان الشعب سيفعل لو ترشحوا" عن مصدر ثرواتهم، أو عن حقيقة مواقفهم عندما تم اتخاذ القرارات الأخطر في تاريخ الوطن، الموثقة ببيّنات!.

التفسير المنطقي الوحيد لهكذا أسئلة أو تساؤلات غير مبررة ولا بريئة، هو أن هؤلاء يراهنون على إقناع "أصحاب القرار"، بخاصة قرارات التعيين، بأنهم نجحوا في إقناع الشعب بقدراتهم ووطنيتهم ونزاهتهم بل وحازوا حب الجماهير لهم حد طلبهم.. ولو على لسان من لا يمثلون أي جمهور بل منابر يعرف ذات صناع القرار كيف تُستنطق، بل وكيف توظف لتزويق قصف بيوت المعتصمين احتجاجاً على "البطالة" بقنابل غاز، بوصفه "تفاهماً وتناغماً" مع المعتصمين!.

السؤال هو، بمن يجري الاستخفاف هنا؟! ومن يظن هؤلاء أنهم يسخّرون أداة للعودة للمواقع بديلاً للناخب الذي أشاح عنهم ابتداء، بل ووصلوا بسبب زجهم المكرّر بين قوائم "الفائزين"، حد الإشاحة عن كل ما يسمى انتخابات بل والعمل على الحشد لمقاطعتها.. والمثل الشعبي يقول "القط لا يهرب من العرس"!

"بلاش" القط المجوع الملاحق بعصي وحجارة تتسلى به، هل يعقل أن "حيتان" سياسية تهرب من خوض بحر انتخابات يندر تواجد سمك كبير فيها، فيما هي تقدم الولاء لكل من وراء تلك الانتخابات، ما يوجب أن توقّع على مصداقية ونزاهة انتخاباتهم؟! أم أن "الحوت" بات أيضاً لقباً يُسبغ وليس يُحصّل بجدارة؟!

 

 

توجان فيصل

كاتبة أردنية

 

 

شاهد مقالات توجان فيصل