موقع التجديد العربي

للتواصل عبر البريد الإلكتروني: arabrenewal2002@gmail.com 

 
  • default color
  • green color
  • blue color
فض تظاهرة قرب السفارة الأميركية في عوكر - لبنان بالقوّة ::التجــديد العــربي:: استمرار مسيرات الغضب رفضاً لقرار ترامب بحق القدس المحتلة ::التجــديد العــربي:: لليوم الرابع الإنتفاضة مستمرة... 231 مصابًا في مواجهات مع الاحتلال ::التجــديد العــربي:: لبنان يدعو إلى فرض عقوبات اقتصادية على أميركاش ::التجــديد العــربي:: احتجاجات تعم الأراضي الفلسطينية.. والاحتلال يعتقل العشرات ::التجــديد العــربي:: اجتماع الجامعة العربية: قرار أمريكا لاعتبار القدس عاصمة للكيان المحتل باطل ::التجــديد العــربي:: صحف عالمية: هزيمة أمريكية نكراء في مجلس الأمن ::التجــديد العــربي:: قمة ثلاثية بالقاهرة لبحث سبل مواجهة القرار الأميركي بشأن القدس تجمع الرئيس المصري مع العاهل الأردني والرئيس الفلسطيني ::التجــديد العــربي:: رئيس الوزراء العراقي يؤكد سيطرة قواته بشكل كامل على الحدود السورية العراقية وانتهاء الحرب ضد تنظيم داعش الإرهابي ::التجــديد العــربي:: دبي ترفع نفقاتها العام المقبل 19% لـ 56 مليار درهم للموازنة لسنة 2017 ::التجــديد العــربي:: وفاة الفنان أبوبكر سالم بعد صراع مع المرض ::التجــديد العــربي:: أوبك والمنتجون غير الأعضاء يمددون خفض الإنتاج ::التجــديد العــربي:: أول جائزة للرواية الالكترونية تعلن نتائج دورتها الأولى ::التجــديد العــربي:: مهرجان الظفرة ينطلق 14 ديسمبر الجاري في مدينة زايد إمارة أبوظبي ::التجــديد العــربي:: لن تخسرن الوزن الزائد بممارسة الرياضة فقط لكن يجب أن يغير العادات الغذائية ::التجــديد العــربي:: استخدام الأجهزة الذكية قبل النوم يعرّض الأطفال للبدانة ::التجــديد العــربي:: بطولة المانيا: بايرن ميونيخ يحسم لقب الذهاب عد عودته فائزا من ارض اينتراخت فرانكفورت 1-صفر ::التجــديد العــربي:: انتر يقنع بالتعادل السلبي مع يوفنتوس في بطولة ايطاليا ::التجــديد العــربي:: إستراليا تعتقل رجلاً خطط لاعتداء كارثي ليلة رأس السنة ::التجــديد العــربي:: السيسي يتوعد برد قاس على منفذي مجزرة مسجد الروضة وارتفاع ضحايا الهجوم إلى 309 قتلى و124 مصابا ::التجــديد العــربي::

قراءة في المشهد الانتخابي الأميركي

إرسال إلى صديق طباعة PDF

 

 

انتهى المؤتمران الاستعراضيان للحزبين اللذين يتحكّمان بالسياسة الأميركية. ونقول استعراضيان لأنهما أقرب إلى الحفل الاستعراضي من حدث سياسي. فالقضايا الأساسية تحسم خارج المؤتمر والأخير يكرّس الخيارات. لكن الثقافة السائدة الولايات المتحدة تحبّذ العمل الاستعراضي على المضمون الذي يبقى خارج التداول. فالاستعراض يوحي بأنّ الجمهور مشارك في صنع القرار بينما القرارات اتخذت خارج المؤتمر. ولا شك أنّ الولايات المتحدة برعت في فنّ الاستعراض سواء في الشوارع في مناسبات شعبية عديدة أو في المباريات الرياضية أو طبعاً في أفلام هوليوود. أصبحت الولايات المتحدة قدوة في الاستعراض تحاول القوى السياسية في العديد من الدول تقليدها. ناهيك أنّ تلك الاستعراضات أصبحت حدثاً اقتصادياً مثمراً لمن يتولّى التزامه وتنظيمه. فالبزنس ملك في الولايات المتحدة!

 

بات واضحاً الانقسام الحادّ بين النخب الحاكمة والقاعدة الشعبية في الحزبين على حدّ سواء. فالقيادات الجمهورية في الكونغرس الأميركي ما زالت رافضة لقرار الناخبين الجمهوريين الذين فضّلوا دونالد ترامب على سائر المرشّحين الذين حاولوا استقطاب الناخب بشعارات وبرامج غير قابلة للتحقيق وخاصة بعد إخفاقات الكونغرس الذي يسيطر عليه الحزب منذ فترة. فمعظم القادة في الحزب الجمهوري يدعمون شكلياً فقط المرشح ترامب بينما قيادات أخرى رفضت بشكل صريح دعمه كمنافسه السابق تيد كروز.

في المقابل القاعدة الشابة داخل الحزب الديمقراطي ممتعضة كثيراً من فوز هيلاري كلينتون بتسمية الحزب لها. فهناك من يشكّك بمصداقية المؤتمر ويتهم القيادة بسرقة الانتخاب عبر منع مناصري سندرز من التكلّم في المؤتمر. وهناك من يذهب أبعد من ذلك ويعتبر أنّ سندرز ارتكب خيانة بحق ناخبيه في السكوت عن «سرقة التسمية» وعن دعوته لدعم هيلاري كلينتون التي لا تمثّل القاعدة الديمقراطية بل مصالح الشركات الكبرى. فهذه القاعدة التي صوّتت بكثافة للمرشح برني سندرز أصبحت غير مقتنعة بتوصيته بالتصويت لهيلاري كلينتون لضمان فوز مرشح ديمقراطي للبيت الأبيض لأنّ هيلاري كلينتون غير معنية بالبرامج والتغييرات التي تطالب بها القاعدة.

فهيلاري كلينتون تمثل الطبقة الحاكمة بامتياز. فهي قريبة جداً من بيوت المال. لا ننسى أنّ زوجها الرئيس السابق بيل كلينتون هو من سمّى روبرت روبين وزيراً للخزينة الأميركية. وروبين تولّى مناصب قيادية عديدة في بيت المال الشهير والمسؤول عن الأزمات المالية الكبرى التي عصفت بوول ستريت عام 2007-2008، أيّ غولدمان ساكس. بعد خروجه من الحكومة أصبح رئيساً لمجموعة «سيتي غروب». خلال عهد كلينتون تمّ تفكيك القيود على المصارف والسماح لها بالمضاربة بأموال المودعين ليس لحسابهم بل لحساب المصارف. فالربح للمساهمين والمسؤولين في المصارف والخسارة على المودعين والدولة المعنية بعدم انهيار المصارف. وهذا ما حصل بالفعل قبل وخلال وبعد أزمة الرهونات العقارية. إذن، هيلاري كلينتون قريبة من بيوت المال وهذا ما لا تقبله قاعدة الحزب بشكل عام وخاصة الشباب الذين صوّتوا لبرني سندرز.

أما الآن، فنشهد تحالفاً قوياً من القوى المناهضة لدونالد ترامب يقود حملة في منتهى العنف عليه مستفيدة من أخطائه وخفّته وتسرّعه في إدلاء التصريحات المثيرة. وتحاول هذه الحملة دعم فعاليتها عبر نشر استطلاعات للرأي العام تموّلها تلك المصالح لإبراز تراجع حظوظ ترامب بالفوز. كما أنّ تصريحات بعض المسؤولين، من الرئيس أوباما إلى قادة في البنتاغون والوكالة المركزية للاستخبارات تعلن عن عدم كفاءة ترامب بالرئاسة، وبالتالي ضرورة إقصائه. حتى معهد «بروكنز» المشهور والمقرّب من الحزب الديمقراطي واللوبي الصهيوني ينادي بضرورة خروج ترامب من السباق الرئاسي.

مشكلة ترامب هي أنه يهدّد بشكل مباشر مجمل سياسات المجمع العسكري الصناعي المالي الذي يتحكّم بالولايات المتحدة. وإنْ كان لا يهدّدها بشكل مباشر فهو غير معني بتلك السياسات مما يجعله «عدواً» يجب الإطاحة به أو أكثر كما أشار وليم بنيت في حديث مثير حيث قال بالحرف الواحد إنّ ترامب قد يقتل قبل أن يصل إلى البيت الأبيض! ووليم بنيت من أركان الحزب الجمهوري متديّن ومحافظ ويحظى باحترام كبير من كلّ الجهات، كما أنه وزير سابق للتربية في عهد بوش الابن.

ترامب يدعو إلى التفاهم مع روسيا والابتعاد عن الصراعات التي ليس للولايات المتحدة مصلحة حيوية فيها، وهذا عكس ما تريده هيلاري كلينتون والجوقة التي تدور في فلكها من محافظين جدد وليبراليين أصحاب واجب التدخّل في شؤون دول العالم لحماية من يعتبرونهم مظلومين! فعلى الولايات المتحدة واجب وحق التدخل لحماية المستضعفين. هذه فلسفة الرئيس الأميركي وودرو ولسون الذي أطلق نظريته خلال ولايته التي تخلّلها تدخّل الولايات المتحدة في الحرب العالمية الأولى. الجدير بالذكر أنّ الكاتبة الأميركية اليسون وير أوضحت في كتابها الموّثق «خلافاً لمصلحتنا» أنّ دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الأولى لم يكن ضرورة للمصلحة الأميركية بل كان فقط لمصلحة الحركة الصهيونية. واليسون وير هي رئيسة جمعية «لو يعرف الأميركيون» التي تريد تثقيف الأميركيين حول قضايا الشرق الأوسط ودور اللوبي الصهيوني في توريط الولايات المتحدة في نزاعات ومآسي أدّت إلى استعداء الشعوب في المنطقة. كما هي رئيسة مجلس المصلحة الوطنية التي تضمّ ديبلوماسيين وكتاباً وصحافيين وناشطين ناقدين لسياسات الإدارة الأميركية في الوطن العربي.

لم تخف كلينتون رغبتها في مواجهة روسيا والإطاحة بالرئيس الأسد وتدمير سورية خدمة للكيان الصهيوني كما تبيّن من تسريبات «ويكيليكس»، ويؤيدها في ذلك المحافظون الجدد الذين التحقوا بها والمتدخّلون الليبراليون. أما أهمّ رموز تلك الجوقة من المتدخّلين الليبراليين فهناك ميشال فلورنوا وسمانتا باورز وسوزان رايس. فلورنوا كانت مرشّحة لتخلف شاك هيغل في وزارة الدفاع إلاّ أنّ ولاءها لهيلاري كلينتون حال دون ذلك فأسسّت مركزاً للأبحاث للأمن الأميركي شارك فيه رموز المحافظين الجدد من روبرت كاغان زوج فيكتوريا نيولاند الشهيرة بشتم الاتحاد الأوروبي ومدبّرة الانقلاب في أوكرانيا وريتشارد زولك وبول ولفويتز.

ومن «أخطاء» ترامب إشادته بالرئيس السوري بشار الأسد الذي يحارب «الإرهاب»، وبالتالي أصبح على تناقض مباشر مع هيلاري كلينتون. أما في الصراع العربي الصهيوني فارتكب «الخطيئة المميتة» بالنسبة للنخب الحاكمة عند تصريحه بالوقوف إلى الحياد في الصراع بين الفلسطينيين والكيان الصهيوني الغاصب. صحيح أنه اضطر للتراجع عن ذلك الموقف تحت وطأة الضغوطات التي مورست عليه لكنه «كشف» عن يقين موقفه. فهو براغماتيكي لا تتحكّم فيه الأيديولوجية أو المصالح التي ليست مصالحه وبالتالي غير معني بالسردية التي تتبناها الإدارات الأميركية المتتالية. بشكل مختصر خطابه السياسي الداخلي والخارجي والاقتصادي يقع خارج سياق خطاب الطبقة الحاكمة. وما يمكّن ترامب من صوغ سردية سياسية مغايرة للسردية السائدة لدى النخب الحاكمة هو استقلاليته المالية. فهو غير مدين للمساهمات المالية الكبرى من أصحاب المصالح ومجموعات الضغط التي تتحكّم بتمويل المرشحين. فاستقلاليته سمحت له بتقديم خطاب شعبوي بامتياز استطاع من خلاله استقطاب القاعدة الجمهورية عبر محاكاة الغرائز والعصبيات الموجودة والتي لا تريد التكلّم عنها أو الاعتراف بها النخب الحاكمة. فهي حقائق تنفجر يومياً في أحداث دموية في زمن القلّة الاقتصادية وعدم الاستقرار والاطمئنان.

أما على الصعيد الداخلي فليس لدونالد ترامب مواقف واضحة ومبدئية. فهو متقلّب المواقف وفقاً لما تدعو إليه الظروف، ولدغدغة قاعدته المؤلفة من البيض الحاقدين بسبب الضيق الاقتصادي، ومن تنامي الهجرة الوافدة إلى الولايات المتحدة التي «تسرق» وظائفهم. الحقيقة هي أنّ المهاجرين الوافدين إلى الولايات المتحدة، وخاصة من دول أميركا اللاتينية يشغلون وظائف لا يريد الأميركيون البيض القيام بها من تنظيف الشوارع وقطاع البناء وسائر الأعمال اليدوية، ناهيك عن الزراعة. والاقتصاد الأميركي في الولايات الجنوبية الغربية يرتكز إلى القطاع الزراعي وبالتالي يرى منفعة مباشرة من تشجيع الهجرة وخاصة الهجرة غير الشرعية، وهي أقلّ كلفة على المستثمر الأميركي. وهنا تقع الازدواجية في الخطاب السياسي إنْ لم يكن النفاق المفضوح. فمن جهة نرى تنديداً بتلك الهجرة والويل والثبور وعظائم الأمور لمن يخالف قوانين الهجرة، ومن جهة ثانية هناك غضّ نظر عن تلك الهجرة غير الشرعية لأنها تفيد الاقتصاد الأميركي. السجال الفعلي هو حول الخدمات الاجتماعية من المدرسة إلى الاستشفاء والتي يطالب بها المهاجرون غير الشرعيين ولكن واقعهم غير الشرعي داخل الولايات المتحدة لا يسمح بذلك. هنا نرى المزايدات بحجة «إنسانية»، ومزايدات بحجة «وطنية». كلام ترامب حول إقامة جدار بين الولايات المتحدة والمكسيك وإجبار الحكومة المكسيكية على المشاركة في نفقات بناء ذلك الجدار يدخل في إطار المزايدات التي أكسبته أصوات الناخبين. أما مصداقية تحقيق ذلك الهدف «الانتخابي الشعبوي» فهي مهزوزة.

أما في ما يتعلّق بتصريحاته العنصرية ضدّ المسلمين فهو انعكاس لشعور عميق عند شرائح واسعة من الجمهور الأميركي الذي يشاهد عمليات إرهابية تقوم بها فلول «داعش» في الولايات المتحدة، وذلك بعد هجمات 11 أيلول/ سبتمبر 2001 التي ما زالت تشكل هاجساً عند كلّ الأميركيين. خطاب ترامب العنصري يدغدغ الغرائز عند ناخبيه ولكنه ليست لديه مواقف مسبقة أو مبدئية تجاه الإسلام أو المسلمين. فهو مستعدّ ليقول أيّ شيء يحاكي شعور ناخبيه وذلك للوصول إلى التسمية ومن بعد ذلك إلى الرئاسة. خطابه خطاب انتهازي بامتياز قد يتراجع عنه في أيّ لحظة إذا ما اقتضت الأمور. لكن في المقابل خطابه الناقد للأسر الحاكمة في دول الجزيرة العربية يهدّد مصالح مباشرة لهيلاري كلينتون حيث مكتب شؤونها القانونية يمثّل مصالح أمراء ورجال أعمال عرب نافذين ومن المساهمين الكبار في حملتها الانتخابية.

أما تنديده باتفاقيات التجارة الحرّة والدعوة لحماية المنتوجات الأميركية فتتناقض مع استثماراته الخاصة في مشاريع صناعية خارج الولايات المتحدة واستيراد منتوجاتها للمنافسة في الأسواق الأميركية. وهذا ما تستفيد منه حملة هيلاري كلينتون التي تشكّك بمصداقيته. فهو يزعم أنه يقود حملة لتقوية الصناعة الأميركية عبر إعادة الاعتبار للتعريفات الجمركية التي تحمي الصناعات الوطنية وتعاقب المستوردات خاصة تلك الآتية من الدول الآسيوية وفي مقدمتهم الصين. ويتساءل الكثيرون هل يستطيع ترامب فرض العقوبات على الشركات التي تحظى بامتيازات داخل الولايات المتحدة ولكنها «تهرّب» الوظائف إلى الخارج؟ هل يستطيع ترامب ضرب عرض الحائط أسس الاقتصاد النيوليبرالي الذي يستفيد هو منه شخصياً والعودة إلى فرض القيود المنظمة على النشاطات الاقتصادية كما يدعو برني سندرز؟ أسئلة ربما قد يجيب عليها في المناظرات المرتقبة هذا إذا حصلت! مع المرشحة للحزب الديمقراطي.

مشكلة ترامب أنه متقلّب في المواقف وقليل الثقافة بالمعنى العام والخاص وبالثقافة السياسية. فهو شبه جاهل أقرب إلى جورج بوش الابن لكنه ثري جداً وصاحب اندفاع قوي في العلاقات العامة. لا تنقصه الحنكة والقدرة على عقد الصفقات ولكن هل هذه صفات كافية تؤهّله لتولي رئاسة أكبر وأقوى دولة في العالم حتى الآن وإنْ تراجع نفوذها؟ فشعاره الانتخابي هو «لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى» وكأنه اعتراف بالأفول والتراجع. لذلك يبدو ترامب مرشحاً من النوع الخفيف حتى وصفه المعلّق الأميركي جورج ويل بأنه سطحي وأنّ سطحيته عميقة! لكن ما لم يفصح عنه جورج ويل هي أنّ تلك السطحية موجودة عند عدد كبير من السياسيين الأميركيين. فمستوى الجهل والسطحية عند أعضاء مرموقين في الكونغرس الأميركي مأساوي للغاية. فلا ننسى الرئيس الأسبق جورج بوش الابن الذي كان كنزاً من مادة السخرية عند الناقدين الهزليين ستاند اب كوميديانز . وهناك قصص وطرائف عن المرشحة سارة بالين لا تقلّ أهمية في عمق جهلها للأمور عن جهل ترامب. ويتساءل البعض هل مواصفات السياسي الأميركي وصلت لأن يكون في مستوى معيّن من الجهل؟ على كلّ حال، إنّ من يطمح بتمثيل الأميركيين لا يختلف كثيراً عن أكثرية من الأميركيين الذين لا يفقهون بالشؤون الدولية ولا يتجاوز نطاق اهتماماتهم مصالحهم الخاصة والضيقة. لو كانت الولايات المتحدة دولة اعتيادية من بين الدول لما كان ذلك الأمر مقلقاً. ولكن بما أنها دولة عظمى تطمح إلى قيادة العالم فنظامها السياسي لن يأتي إلاّ بنوعيات رديئة من المرشحين على المناصب العامة وهذا أمر مخيف. فعلى ما يبدو سمة الرداءة أصبحت شائعة في العالم وخاصة في الدول الغربية التي تطمح في استمرار قيادتها للعالم. ففرنسا اليوم غير فرنسا ديغول، وألمانيا اليوم غير ألمانيا اديناور، وبريطانيا اليوم غير بريطانيا تشرشل أو مارغريت ثاتشر. أما أميركا اليوم فهي أقرب إلى جورج بوش أو سارا بالين واليوم دونالد ترامب. أما العالم من السياسيين فالفساد ينخره إلى العظم!

الخيار بين السيّئ والأسوأ…

لذلك المرشحان الجمهوري والديمقراطي يتنافسان موضوعياً على من هو أكثر سوءاً من الآخر وإنْ اعتقدا أنّ الآخر هو الأسوأ! هذا هو الخيار المتاح للمواطن الأميركي. فعليه أن يقرّر من هو السيّئ جداً ومن هو أسوأ منه أو منها! هذه هي الحقيقة المرّة التي تعني أنّ النظام السياسي الذي يفرز هذا النوع من الخيارات أحلاهما مرّ للغاية، هو نظام وصل إلى طريق مسدود. لا ينقص الولايات المتحدة نخباً من الطراز الأول لكن النظام السياسي والنظام الانتخابي الناتج عنه يبعد النوع الجيّد ولا يأتي إلا بنوعيات تخضع لحكم المال للوصول إلى المنصب. من هنا أهمية ترشيح ترامب عند الحزب الجمهوري وأيضاً ترشيح سندرز عند الحزب الديمقراطي. فهما من خارج السياق العام وإنْ لم يكونا من النوع الذي يستطيع أن ينجز تغييراً فعلياً. الفرق هو أنّ قيادة الحزب الجمهوري استخفت بدونالد ترامب فاعتبرته مهرّجاً ومسلّياً ولكن غير جدّي لذلك تمّ التساهل معه أو الاستخفاف بترشيحه. بينما قيادة الحزب الديمقراطي كانت واعية للخطر الذي يمثّله برني سندرز فتحرّكت الماكينة الحزبية ضدّه واستطاعت إفشاله في الفوز بالتسمية وذلك لصالح مرشح النظام الحاكم في الولايات المتحدة أيّ هيلاري كلينتون. تواطؤ قيادة الحزب انكشف مع تسريبات «ويكيليكس»، فاضطرت قيادة الحزب إلى التضحية برئيسة لجنة الحزب الديمقراطي اليزابيت شولتز واسرمان وبعض المسؤولين الآخرين الذين يتجاوز عددهم أصابع اليد.

أما في ما يتعلّق بالتكهّنات حول من سيفور بالسباق الرئاسي فمعظم التحليلات إنْ لم نقل جميعها تعكس رغبات أكثر مما تعكس وقائع غير قابلة للنقاش. فمن جهة هناك من يعتمد على استطلاعات الرأي العام ليبني أو يدعم مواقفه وخاصة أولئك الذين يراهنون على فوز هيلاري كلينتون. صحيح أنّ عدداً من الاستطلاعات تشير إلى تقدّمها على ترامب بنسبة تتفاوت بين 5 إلى 8 نقاط، وخاصة بعد انتهاء المؤتمر الديمقراطي وبعض «التخبيصات» التي ارتكبها دونالد ترامب. لكن جميع هذه الاستطلاعات أعدّتها وسائل إعلام لم تخف عداءها للمرشح الجمهوري ترامب، وبالتالي هناك شكوك حول مصداقية تلك الاستطلاعات. ما لا تشير إليه تلك التحليلات هي أنه ترامب استطاع أن يغذّي صندوقه الانتخابي من ناخبين صغار كما حصل مع أوباما عندما هزم هيلاري كلينتون بنسبة 87 مليون دولار وذلك خلال الأسبوعين بعد المؤتمر الجمهوري والديمقراطي. هذا يعني أنّ هناك قاعدة شعبية صلبة ما زالت مؤمنة بدونالد ترامب رغم الحملة الإعلامية الشرسة التي لم يشهدها المشهد السياسي في الولايات المتحدة مثيلاً لها. فالحملة المركّزة على ترامب تعني الازدراء من شريحة واسعة من الناخبين، وبالتالي يجب توقّع ردود فعل من الناخبين هذا إذا ما ارتكب دونالد ترامب حماقات جديدة أو أدلى بتصريحات مثيرة ومتناقضة تؤكدّ خفّته وسطحيته.

المشكلة في ترامب أم في مؤيّديه؟

فالأخطاء التي يرتكبها ترامب تسهّل عملية الانتقاد والاستهزاء منه. اللافت هو تصريح الرئيس الأميركي أوباما الذي اعتبر ترامب غير مؤهّل للرئاسة، والتأهيل هنا يأخذ البعد العقلاني والاستقرار النفسي وكأنّ ترامب مريض عقلياً. هذا يعني أنّ على الناخب الأميركي المؤيد لترامب أن يتخلّى عن مرشحه. لم يسبق لأيّ رئيس أن ينعت أيّ مرشح بعدم التأهيل وليس فقط الكفاءة. هذا يدلّ على مدى الإرباك لدى الطبقة السياسية في الولايات المتحدة. فإذا كان دونالد ترامب ذلك الرجل المعتوه والمريض عقلياً كما يتمّ تصويره في الإعلام فلماذا تستمرّ شرائح واسعة من الجمهور الأميركي في تأييده؟ هل المشكلة في ترامب أم عند تلك الشرائح؟ فما هو الحلّ؟ وهل هناك قناعة أن «هزيمة» ترامب ستكون مقبولة لدى تلك الشرائح؟ لقد طفح الكيل عند هؤلاء وتصويتهم لترامب ليس تأييداً له كشخص بل كرفض لنمط وسلوك عند الطبقة السياسية الحاكمة التي أهملت وما زالت تهمل تلك الشرائح. أليس كلّ هذه التعليقات رفضاً لنتائج «الديمقراطية» التي تتغنّى بها الولايات المتحدة، أم أصبحت الديمقراطية هي النظام الذي يدعم الطبقة السياسية الحاكمة بكافة تشكيلاتها ولا يحق للمواطن أن يطلب المساءلة والمحاسبة. ماذا يعني كلّ ذلك للعالم بشكل عام ولنا كعرب بشكل خاص؟ الإجابة تعطي صورة قاتمة جداً مهما كانت النتائج سواء فازت هيلاري كلينتون أو دونالد ترامب. فالرعب سيكون سيد الشعور عند العالم أما للنزعة الإجرامية في القتل وسفك دماء الآخرين كلينتون أو إشعال حرب نووية ترامب . كما ذكرنا أعلاه الخيار هو بين السيّئ جدّاً والأسوأ. منسوب إمكانية ارتكاب الحماقة القاتلة، ونعني هنا اللجوء الى السلاح النووي في النزاعات القائمة والمرتقبة بسبب المصالح الأميركية في المجمع العسكري الصناعي المالي والأمني، فهذا المنسوب كبير ويوازي الخوف والرعب في الخمسينات وبداية الستينات من القرن الماضي من اندلاع حرب نووية. لكن إذا ما افترضنا أنّ العقّال في المؤسسة الحاكمة قد يتدخّلون لمنع الحماقة القاتلة كما تدخلّوا عبر لجنة بيكر هاملتون للحدّ من حماقة جورج بوش الابن عام 2006 فيمكن عندئذ تفادي الكارثة. لكن هذا يعني أنّ لعبة الهاوية قد وصلت إلى ذروتها، وأنّ عدم الاستقرار أصبح القاعدة، وأنّ أيّ حدث غير محسوب على مستويات منخفضة من القرار قد تؤدّي إلى الانفجار.

الولايات المتحدة ما زالت في حال إنكار لضعفها البنيوي، حتى إذا ما أقرّت النخب بذلك، فإنّ البنية السياسية وقاعدة اللعبة الصفرية بين المتنافسين من ديمقراطيين وجمهوريين لن تسمحا بالتراجع والمراجعة لسياسات تستفز العالم بأسره. حلفاء الولايات المتحدة في الغرب دول على وشك الإفلاس المالي والاقتصادي والأخلاقي، وفي بعض الدول العربية أنظمة ظلامية من خارج التاريخ. فالمحظور أخلاقياً أصبح مطلوباً لبقاء الهيمنة الأميركية والأنظمة العربية المهتزّة. فكيف يمكن للولايات المتحدة ومعها حلفائها في الغرب وفي المشرق العربي والكيان الصهيوني أن يقودوا العالم وهم في حالة إفلاس اقتصادية ومالية وسياسية وأخلاقية في آن واحد؟ المشهد يشبه مشهد الإمبراطورية الرومانية قبل أن تنهار تحت ضربات البرابرة. فكانت تحظى بجيوش كبيرة وجبّارة ولكن الفساد ينخرها ويفرغ كلّ عناصر قوتها. هناك تشابه كبير بين ما يحصل في الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين والعرب ومعها الكيان الصهيوني وما حصل لدى الإمبراطورية الرومانية. مستقبل الولايات المتحدة وحلفائها سيكون في الحدّ الأدنى مفعم بالتحديات إنْ لم تكن استعصاءات وفي الحدّ الأقصى أزمات وجودية لا خلاص منها.

 

د. زياد حافظ

الأمين العام للمنتدى القومي العربي

 

 

شاهد مقالات د. زياد حافظ

أرشيف وثائق وتقارير

صحافة وإعلام

مواقــــع

أخبار منوعة

فض تظاهرة قرب السفارة الأميركية في عوكر - لبنان بالقوّة

News image

فضّت القوى الأمنية التظاهرة قرب السفارة الأميركية في عوكر -المتن بالقوّة، بعدما تعرّض عناصر الأ...

استمرار مسيرات الغضب رفضاً لقرار ترامب بحق القدس المحتلة

News image

تواصلت أمس لليوم الثالث على التوالي مسيرات الغضب والتحرّكات والمواقف الشاجبة لاعتراف الإدارة الأميركية بمد...

لليوم الرابع الإنتفاضة مستمرة... 231 مصابًا في مواجهات مع الاحتلال

News image

أصيب عشرات الفلسطينيين في الضفة والغربية وغزة السبت في اليوم الرابع من المواجهات المستمرة منذ...

لبنان يدعو إلى فرض عقوبات اقتصادية على أميركاش

News image

قال وزير خارجية لبنان جبران باسيل أمس (السبت) إنه يجب على الدول العربية النظر في ...

احتجاجات تعم الأراضي الفلسطينية.. والاحتلال يعتقل العشرات

News image

تواصلت تظاهرات الغضب في فلسطين ضد قرار الولايات المتحدة نقل السفارة الأميركية من تل أبي...

اجتماع الجامعة العربية: قرار أمريكا لاعتبار القدس عاصمة للكيان المحتل باطل

News image

بحث الاجتماع غير العادي لمجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري أمس، بالقاهرة تطوّرات الو...

صحف عالمية: هزيمة أمريكية نكراء في مجلس الأمن

News image

ما زال قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، يهيمن على تغط...


المزيد في قضايا ومناقشات

بوابات الجحيم: ما قد يحدث

عبدالله السناوي

| الأحد, 10 ديسمبر 2017

    لم تكن تلك المرة الأولى، التي تستخدم فيها عبارة «بوابات الجحيم»، على نطاق واسع؛ ...

كانت تسمى القدس.. صارت تسمى القدس

د. فايز رشيد

| الأحد, 10 ديسمبر 2017

    الخطوة الدونكشوتية لترامب ارتدت عليه وعلى من دعاه لاتخاذ هذه الخطوة, عكسياً. القدس عزلت ...

هل مِن حَمِيَّةٍ، لمَحمِيَّة.. “مُقدساتٍ وحُرُمات”

د. علي عقلة عرسان

| الأحد, 10 ديسمبر 2017

    ” الفوضى الخلاقة”، التي نشرها في بلداننا، الأميركيون والصهاينة العنصريون، ورَعوها، وغذوها.. أثمرت، وأينع ...

فلسطين أولى بالقدس عاصمة لها

د. زهير الخويلدي

| السبت, 9 ديسمبر 2017

"الغضب الساطع آتٍ بجياد الرهبة آتٍ وسيهزم وجه القوة"...

الى الرئيس الأمريكي: القدس ليست من املاكك لكي تهبها للصهاينة

وليد رباح

| السبت, 9 ديسمبر 2017

  بدولاراته وملايينه وملياراته استطاع ان يصبح رئيسا.. ولو انه من عامة الشعب الأمريكي ورشح ...

"التمكين"... و"الدولة ذات المفهوم المختلف"!

عبداللطيف مهنا

| السبت, 9 ديسمبر 2017

سلطة بلا سلطة توصيف بات في حكم المصطلح، ومجمع عليه في الساحة الفلسطينية بقسمتيها وتل...

انقلاب في السياسة الأمريكية وليس مجرد نقل سفارة

د. إبراهيم أبراش

| السبت, 9 ديسمبر 2017

قرار الرئيس الأمريكي ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل اليهودية وإن كان ينسجم مع شخص...

ترامب يطلق رصاصة الرحمة على السلام وحل الدولتين

عريب الرنتاوي

| السبت, 9 ديسمبر 2017

بقراره الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وإعطائه شارة البدء بنقل سفارة بلاده من تل ابيب إلى...

تحديث مجلس التعاون الخليجى

د. علي محمد فخرو

| الجمعة, 8 ديسمبر 2017

    أما وأن مجلس القمة لدول مجلس التعاون الخليجى قد انعقد فى الكويت، فإن من ...

الجهل بالقضية الفلسطينية.. عربياً وأجنبياً!

د. أسعد عبد الرحمن

| الجمعة, 8 ديسمبر 2017

    في العام 1966، تشرفت باختياري أول باحث في «مركز الأبحاث الفلسطيني» في بيروت. في ...

السفارة الامريكية وعروبة القدس

د. عادل عامر | الخميس, 7 ديسمبر 2017

  أن واشنطن بسياساتها الحمقاء جزء لا يتجزأ من المشروع الصهيوني الذي يسعى إلى بسط ...

هذه السياسة لن تنقذ القدس

عوني صادق

| الخميس, 7 ديسمبر 2017

    بعد التهديد بإغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ...

المزيد في: قضايا ومناقشات

-
+
10

مجموعة التجديد

Facebook Image
mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterاليوم13308
mod_vvisit_counterالبارحة34343
mod_vvisit_counterهذا الاسبوع47651
mod_vvisit_counterالاسبوع الماضي278378
mod_vvisit_counterهذا الشهر375993
mod_vvisit_counterالشهر الماضي1199023
mod_vvisit_counterكل الزوار47888686