موقع التجديد العربي

للتواصل عبر البريد الإلكتروني: arabrenewal2002@gmail.com 

 
  • default color
  • green color
  • blue color
مصر تُهدي العراق معجم الكلمات السومرية والأكدية في العربية ::التجــديد العــربي:: 13 مليار دولار لتحفيز الاقتصاد في أبوظبي ::التجــديد العــربي:: اتفاق مصري أثيوبي على تبني رؤية مشتركة حول سد النهضة ::التجــديد العــربي:: ترامب ينقلب على مجموعة السبع ويهدد حلفاءه برسوم جمركية جديدة ::التجــديد العــربي:: كيم وترامب يستعدان لقمة تاريخية في سنغافورة ::التجــديد العــربي:: الداخلية العراقية: حريق بمخزن لصناديق الاقتراع في بغداد ::التجــديد العــربي:: أزمة سوريا ونووي إيراني والتجارة الدولية أبرز بنود بيان شانغهاي ::التجــديد العــربي:: لقاء رباعي بين المملكة والامارات والكويت والاردن برعاية الملك سلمان في مكة ::التجــديد العــربي:: تأييد باريس للبيان الختامي المتفق عليه من قبل قادة دول "G7" في كندا مشيرة أن كل من يدير ظهره لنتائج تلك القمة يظهر "تقلّبه وتناقضه" ::التجــديد العــربي:: روسيا والصين تبرمان جملة قياسية من اتفاقات الطاقة النووية ::التجــديد العــربي:: موسكو.. العثور على آثار ثمينة من القرن الـ 17 ::التجــديد العــربي:: بعثة الأخضر السعودي تصل إلى مدينة سانت بطرسبرغ الروسية استعداداً للمشاركة في المونديال ::التجــديد العــربي:: أسبانيا تختتم استعداداتها للمونديال بفوز صعب على تونس 1 / صفر ::التجــديد العــربي:: وصول المنتخب المصري إلى مدينة غروزني عاصمة جمهورية الشيشان في روسيا للمشاركة في المونديال ::التجــديد العــربي:: علماء يعلنون عن فوائد جديدة للقهوة! ::التجــديد العــربي:: فوائد البقدونس... كنز صحي متكامل! ::التجــديد العــربي:: إعادة التراث الثقافي المنهوب على طاولة اليونسكو ::التجــديد العــربي:: هل تناول بيضة واحدة يوميا يقلل مخاطر الإصابة بأمراض القلب؟ ::التجــديد العــربي:: 'كوسموتوفلكس' أول قزحية اصطناعية ::التجــديد العــربي:: مفوضية اللاجئين تحتاج 2.4 بليون دولار إضافية سنوياً ::التجــديد العــربي::

نحو خِطابٍ عربيٍّ منقذٍ بنَّاء

إرسال إلى صديق طباعة PDF

 

 

حين نقارب موضوع الخطاب العربي في أبعاده القومي والسياسي والديني والوطني، وفي توجهه نحو الداخل والخارج، وفي تعامله مع معطى الصراع مع العدو وما نتج عنه من اتفاقيات ، ومع العدو وأعوانه وحلفائه على أرضية تلك الاتفاقيات.. حين نقاربه في واقعه وأساليبه وأدواته ومستوياته ومتطلبات العصر، وفي ضوء المبدئية القومية ومخاطر التطبيع مع العدو الصهيوني، وآثاره البعيدة، فإنما نسعى من خلال الحوار البناء، إلى تلمس أفضل سبل الأداء الإعلامي والثقافي العربي، العلمي العملي، الذي يمكننا من التعامل مع الرأي الآخر، ومع وسائل الاتصال الحديثة ومتطلباتها، ومع الكتلة الجماهيرية التي قد تكون مغلقة أو مستلبة أو متكلسة حول موقف واقتناع وأيديولوجيا، أو محاصرة على نحو ما، بشكل من أشكال الحصار؛ فإنما نفعل ذلك بهدف خدمة الحقيقة والجمهور، وبيان الموقف، وتحريك الراكد، والوصول إلى حيوية التحاور والتواصل، وتفعيل القدرات والإمكانيات، وزجها في تيار الحياة، لتساهم في تكوين الوعي المسؤول عن حق وعدل ومستقبل،عن أرواح وأرض ومصير. حول أمور نراها من أكثر ما يؤثر سلبًا أو إيجابًا، في صراعاتنا الدموية، وخلافاتنا المزمنة، وقضيتنا المركزية العادلة، قضية فلسطين، وصراعنا الرئيس مع العدو الصهيوني حولها.. وكذلك في توجه الكتلة الجماهيرية العربية الضخمة، في مساحة الأرض العربية كلها، وتحركها المجدي، خدمة لحقوقها ومصالحها ونهضتها ووحدتها وتواصلها مع العصر، وهي محصنة بالوعي والمعلومة والمنطق والحجة، حيال ما يفتك بها، وما يستهدفها، وجعلها تنتعش وتفكر وتتحرك، بعيدًا عن التقوقع والجمود والتكلس من جهة، وعن الاستلاب والقهر والتبعية والغوغائية، والرّغائية الجماعية، وأشكال الإعاقة والتغييب والمصادرة، من جهة أخرى.

 

ولذا فإننا بأمس الحاجة إلى أن يكون الخطاب العربي:”عصريًّا، موضوعيًّا، علميًّا.. واعيًا لأهدافه ووسائله، متمكنًا من أدواته، قادرًا على الوصول والإقناع، مؤثرًا في الوجدان محييًا له، قوي الحجة والمنطق، مستندًا إلى واقعية وتاريخ وقيم ومرجعية “قومية ـ أخلاقية ـ إنسانية”، تشكل سندًا للحق، ودافعًا للعمل بحماسة ودأب، ومسوغًا للاستمرار في النضال والأداء، من أجل الإنسان، والحقيقة، والأهداف الوطنية والقومية والإنسانية العادلة… أن يكون الخطاب العربي عصريًّا هو هدف كبير، وهدف قومي وإنساني مشروع.

وأن يكون الخطاب مالكًا للمعلومة الدقيقة الصحيحة أو متعلقًا بها، وقادرًا على توظيفها بما يخدم الأمة العربية، ومالكًا للبنية والبيان والشجاعة، والقدرة على تفنيد ما يطرحه العدو وعملاؤه وحلفاؤه وأدواته، ومواجهة ما تضخه وسائل الإعلام المعادي في الرأي العام العربي، وما استقر في الوعي العربي ذاته على أنه نهائي، أو أنه الاختيار الوحيد الذي لا بديل له، مما قدمه نهج الاستسلام، والانتقال من حالة الانفعال بما يقدم، إلى التفاعل الخلاق، ومن موقع رد الفعل على الهجوم المتجدد على الأمة وهويتها وعقيدتها وقيمها، إلى حالة المبادرة في الطرح والتقويم والتقديم، وإلى الهجوم من موقع المعرفة والقوة والثقة بالنفس والقدرة على التعامل مع الهجمات والحملات المنظمة باقتدار.. وهذا هدف من أهدافنا القومية وهو هدف مشروع، وعمل مرغوب فيه… حتى لا نبقى أسرى لغيرنا، ونُغزى في عقر دارنا، ونقوم بالصد دون الرد، وبردات فعل لا ترقى إلى مستوى الفعل، ولا تتجاوز السلب إلى الإيجاب.

وأن يكون خطابنا متمسكًا بالثوابت والحقوق، باعثًا على الأمل، ومقاومًا للتطبيع مع العدو الصهيوني، ولمصطلحاته ومفاهيمه وأشكاله وأنواعه وأساليبه كافة، تلك التي غدت على نحو ما راسخة، لا سيما في المجال الإعلامي. وأن يكف عن ترويج المصطلحات والمفاهيم من دون نظرة نقدية، حتى لا ينزلق، ولا يكون داعية للانزلاق باتجاه تسويقه، والبقاء في وضع تبعية له وانفعالية استيرادية على نحو ما.. على أرضية الانبهار والمجاراة السالبة.. وأن يكف عن تقديم صورة للعدو وتكرار تقديمها، بهدف جعل الناس يألفونها، ثم يُقبلون عليها، ويسوغون الاستسلام لمنطقه في أي حوار معه، ويعطونه كل الحق في البطش، والإرهاب، والتوسع، بذريعة الدفاع عن النفس، وممارسة أفظع أنواع الإرهاب، لإبادة مقاومة الاحتلال التي يسميها إرهابًا.. فضلًا عن قبوله “صاحب حق؟!”، في العيش والأمن والاستقرار، في أرض فلسطين العربية، كأمر واقع، مع نسيان العربي الضحية، المشرد أو المقيم تحت القهر والحصار والقتل.. إن الكفّ عن ترويج المصطلحات والمفاهيم والأفكار المعادية وتسويقها، هدف حيوي وثابت من أهدافنا المشروعة، لأن التعايش بين الضحية والجلاد غير ممكن، وتسويغ ذلك يقع في ساحة العدوان على الحق، ويجافي الحقيقة، ولا يجوز أن يُسوّغ.

لقد قدم الإعلام العربي رموز الصهاينة، وإرهابييهم، وأعلامَهم، ودعاةَ التهويد والتوسع الاستيطاني والاحتلال والتطرف منهم، في مناسبات كثيرة، وبعضه ناصر منطقهم ونال من أصحاب الحق ومن الأمة التي تناصرهم.. وهناك من وقف مع من ولغوا في الدم الفلسطيني والعربي من الصهاينة، ومَن استباحوا كل ما يتصل بالفلسطيني وحياته ومستقبله وحقوقه، وبالقدس أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين عند المسلمين كافة، وقدمهم بصور متعاطفة، أو محايدة فيما ندر، وأفسح في المجال لآرائهم ومنطقهم العنصري الإرهابي ـ تذكروا الحروب العدوانية على غزة في القرن الحادي والعشرين، وحصارها المستمر، بمشاركة عربية، منذ عقد من الزمن ـ وهناك من أدخلهم إلى بيوت عربية بوصفهم أصدقاء، ومن تحالف معهم، ودافع بعض الإعلام العربي عن ذلك كله.. وهناك من يشاركهم في تقديم ما يساعدهم على وضع استراتيجيات لتدميرنا، ولا يلاقي ما يستحق من شجب في وسائل إعلام عربية ـ مؤتمرات هرتسيليا ومن يشارك فيها مثلًا ـ وبعض الإعلام العربي لا يربط الوجه الصهيوني الذي يقدمه بصور جرائمه، وما يمثله من عنصرية عنصرية شعب، وإرهاب دولة.. ومن لا يربط آراء تلك العناصر بعدوانيتها وفاشيتها واستمرارية مشروعها العدواني وتصاعده.. ومعظم من يفعلون ذلك، أو كلهم، لا يربطون أولئك بممارساتهم المستمرة ضد الفلسطينيين، وحرقهم أحياء، وقتلهم على الشبهة، وزجهم في المعتقلات، والاستيلاء على أراضيهم، وطردهم من ديارهم.. ولا يفعلون ذلك فيما يتعلق بنتائج أفعالهم العدوانية ضد شعب ما زال يعاني من سرقة وطنه، وإغفال حقوقه، وتشويه قضيته ونضاله، وملاحقته بإبادة صهيونية منظمة، مادية ومعنوية؟!

بل ذهب إعلام عربي في الاتجاه المعاكس، فساهم بإضفاء صورة الإرهابي على من يقاوم الاحتلال الصهيوني والأميركي، ورسخ في الذهن أن من يتصدى للمعتدي والمحتل، حتى بلحمه ودمه، تحت أي شعار، هو إرهابي، مجرم، يرفع شعار التحرير باسم العروبة أو الإسلام، لكي يخفي توجهاته السياسية؟! والعجب العجاب هنا يكمن في الوقائع والنتائج، حيث يوجه المقاوم جهده وجهاده نحو المحتل الصهيوني والمعتدي من الخارج، ويموت مضحيًا على طريق الحرية والتحرير، ويصنف إرهابيًّا، من دون أن يجني لنفسه أو لمن هم معه أية مكاسب.. بينما يصنف من يجنون المكاسب ويتاجرون بأرواح الناس، ويتحالفون مع المعتدين والمحتلين.. يصنّفون مناضلين، وجهابذة في السياسة، والنجاسة، ويكرسهم أعلام، قادة فوق الأنام؟!

إن إعلامًا عربيًّا لا يخرج من دائرة التبعية، ويقوم بترديد ما تقوله وسائل إعلام صهيونية، وغربية، وأخرى تتبع خطاهما.. يفعل ذلك ببغائية، هو إعلام لا يمثلنا، ويردد آراء معادية لنا، ومعادية للحقيقة ذاتها التي تشرف الإعلام.. وهو في هذه الحالات: ملتزم، على نحو ما، بخدمة القوى العدوانية والعنصرية، حتى لو لم يقصد ذلك.. فالعمى بأنواعه لا يميز بين الأشياء والمسالك، وحين يكون حسن النية هو المرجع والمشجب، فإنه يعيد إلى الذاكرة القول المعروف: “إن الطريق إلى جهنم مفروشة بالنوايا الحسنة”. وإعلام بهذه المواصفات، لم يقدم ولا يُرتجى منه أن يقدّم، مشروعية المقاومة، أية مقاومة لأي شعب، ضد الاحتلال والعدوان، بوصفها حقًّا مشروعًا لكل من احتلت أرضه، ووقع عدوان عليه.! وحين يضع ذلك موضع نقاش، في أفضل الحالات، فإنه لا يكون عادلًا، لأنه يضع الضحية والجلاد في موضع واحد، وموقف واحد.. ولا ينتصر للحق الأبلج.. حيث يضع المقاوَمة موضع تساؤل وتشكيك ومساءلة، وأخذ ورد.

وقد شارك خطابُ ثقافيٌّ عربيّ، خطابًا إعلاميًّا من ذاك النوع السالف الذكر، فقامت بينهما شراكة سلبية المردود بصورة عامة، فلَمَّع إعلاميٌّ ثقافيًّا، وسكت ثقافيٌّ عن إعلاميٍّ، خوفًا وطامعًا.. وفي الحالين، في الموقفين.. كان الإعلامي والثقافي الذي المشاكه له، في خدمة الخطابِ السياسي العربي الذي تنازل للمحتل وللمعتدي، وسالمَهما، واستسلم لهما، ونسّقَ معهما، واستعان بهما، بل استدعاهما لنُصرَته، ضد كل من لا يوافق على سياسته، وتوجهه، وقراره، وعبقريته… فتنمر أكثر، وأوقع الكارثة بكثيرين، لكي يبقى هو خارج الكارثة محميًّا بأنواع الحمايات، ولقي، وهو في هذه الحالة، إعلامًا غويًّا، وغواة للإعلام.. استجابوا له ووالوه، وجافوا الحقيقة بل عادوها وناصروه.. وكانت النتيجة مشاركته في ظلمه وإثمه وفي المنطق والتوجه والأهداف والخيارات، والنتائج والتبعات.. و.. تلك التي لم تبق مخفية فقط، بل استدلت بما هو النقيض لها.؟! وسواء أراد ذلك، الذين أرادوه واختاروه طريقًا، عن وعي تام منهم وإرادة حرة، أم انخرطوا في خضمه سعيًا وراء أموال ومكاسب ومناصب، أم ليبقوا في المركب السائر، أم ساروا في مساره تأثرًا بتبعية تاريخية، أو انسحاقًا تحتها.. تبعية خطاب الإعلام لخطاب السياسية وتعبيره عنها، وتلميعه لها، أو مشاركتها “التواطؤ”؟!.. وصدور الخطاب السياسي عن امتلاك القوة، أو التبعية لها.. أخذًا بمنطقها وقوانينها، وبالتسلط، والنزوة، والشهوة، والحرص على البقاء حيث رؤية السلطة بقاءً، حتى لو أزال الراغب في ذلك النوع من البقاء: الدساتير والقوانين والناس والقيم، من طريقه.. فـ”أنا ومن بعدي الطوفان”؟! يحكم كثيرًا من الساسة، والسياسات.. ويشق أهله طريقًا فوق رؤوس الناس ومقومات البقاء، وقيم الحياة.

إن أحد الأهداف الأساسية، التي يمكن أن نعمل عليها، هو التركيز على نوعية خطاب عربي بَنَّاء خلاق، متجذر في تاريخنا والواقع الذي نعيشه، ومتطلع بثقة إلى مستقل نكون فيه على حال أفضل بكثير مما نحن عليه الآن من حال. وربما كان المطلوب في هذه المرحلة على الخصوص، لا سيما إعلاميًّا وثقافيًّا، خطاب يمهد لذلك النوع من الخطاب الشامل، خطاب من ذلك النوع بل أغنى بكثير.. على أن يكون حرًّا، متحررًا من التبعيات، ومن أمراض النفاق والانتهاز والارتزاق، مالكًا للوعي المعرفي، مجسِّدًا الانتماء للأمة ببعدها الإنساني، وللالتزام بالحقيقة والقيم، وبمصلحة الشعب، معليًا شأن الإنسان، الذي من حقه أن يعيش حرًّا كريمًا، في وطن حر كريم مستقل مستقر، لا يحكمه الاستبداد، ولا يتفشّى فيه الفساد، ولا يُقتل فيه العباد بفنون جنون، ولا تعشش فيه تبعية من أي نوع، لا سيما التبعية للقوة العمياء، وللأيديولوجيات المفلسة، ولمَن هم من خارج بيتنا، وهويتنا، وثقافتنا، وعقيدتنا.. إننا لا نريد أن نغلق على أنفسنا أبواب الذات، ففي ذلك تحجر وتخلف ونوع ممات.. وحيوية الأمة، بهوية حضارية وخصوصية وذات، تحتاج إلى التفاعل الإيجابي مع الآخرين، مع الذوات الأخرى.. ولكن لا نريد أن نكون إمَّعات بلا خصوصية ولا هوية ولا ذات.

وينبغي أن يركز خطابنا المنشود، على التحليل العميق بموضوعية تتجاوز النزوات والعنتريات والثارات والأمراض، ويعيد النظر بالخطاب التربوي، ويركز على مواقع الخلل والاختراق الثقافي والإعلامي والاجتماعي والاقتصادي، ويحاول تشخيص الأدواء بدقة، وتحديد سبل التصدي للأمراض وأعراضها، بعلمية ومنهجية.

إن ذاكرة أمتنا العربية ووجدانها المتصلين بالصراع العربي ـ الصهيوني ومعطياته وأهدافه، بوصفه صراع وجود وليس نزاعًا على حدود، هما من بين ما يستهدفه الخطاب الصهيوني المعادي، والغربي المناصر له، والعربي السائر في ركابه، المعبر عن ذاته في خطاب التطبيع، والدعوة للتحالف مع الصهيوني وحلفائه الغربيين وغير الغربيين، لزجنا في حروب، فيما بيننا، هي كوارث كاملة، للأمتين العربية والإسلامية، لتستمر الفتنة المذهبية والطائفية والعرقية التي أشعلتها حروب “الربيع العربي المزعوم؟!”، في عملية انسياق عبثي كارثي.. هو مما ينبغي على الخطاب المنشود أن يتصدى له.

ولأننا نؤمن بعروبة فلسطين، وبحقنا التاريخي فيها، وبالبعد القومي لقضية فلسطين، وبكونها قضية عربية مركزية عادلة، نرى أنه لا بد من المحافظة على سلامة الذاكرة والوجدان العربيين وحيويتهما، وعدم السماح بتشويه محتوياتهما أو تشويش تلك المحتويات، ومقاومة كل أشكال اجتثاثهما من الراهن وحجبهما عن التأثير في المستقبل، بغسلهما واستبدال محتواهما بثقافة استسلام، تحت مسمى “السلام”..

والسؤال المطروح هو: هل على الأمة العربية أن تقبل ذلك وتهيئ أجيالها للقبول به والاستسلام له، ومن ثم تفرض أن ينحو الخطاب الإعلامي والثقافي منحىً واحدًا ليرسخ ذلك تربويًّا واجتماعيًّا في المدى البعيد؟! أم أن الأمة بطلائعها الفكرية والنضالية، رفضت، وينبغي أن ترفض منطق الهزيمة والاستسلام والخضوع، بدونية مستمرة التأثير، لمطالب الصهيونية والاستعمار الغربي الحديث وللخطاب السياسي العربي الذي يكرس ذلك ويخدمه بأشكال مختلفة منها: تغييب المواطن، واستلاب الحرية، وتقويض بنى المنطق والعقل والقيم والوجدان، وتحويل الناس إلى شرائح قطعانية تأكل وتعمل وتقبل بما يقوله الراعي… أو فالمسلخ أمامها، وحروب على مدِّ النظر، لا تبقي منها ولا تذر؟!

الذي يختار هو الإنسان الحر الواعي، السياسي ذو الرؤية والحكمة والمستوى العالي في التفكير والتدبير.. والمثقف ذو الرؤية والموقف والانتماء والتاريخ والعقيدة، المؤتمن على تاريخ ووجدان وحقائق وحقوق.. والإعلامي الذي لا يرخص ذاته، ولا يتخلى عن الحقيقة وينقلها وينصرها ولا يساهم مطلقًا في التزوير والتشويه والتجني على آخر، لغاية في نفس يعقوب أخفاها.. والاختيار التزام واعٍ لأهدافه ووسائله وتبعاته، وهو يرتِّب ثمنًا، ولكل اختيار ثمن.

المثقف الذي يختار رفض الاعتراف بالعدو الصهيوني، ومقاومة تطبيع العلاقات معه، ورفض انهيار الأمة واستسلامها، عليه أن يختار سلاحه/خطابه/وميدان المواجهة، وألا ينسى أن معركته تتركز في جبهتين رئيسيتن: جبهة مواجهة الخطاب المعادي بكل ألوانه، أساليبه وقدراته ـ ولهذا استراتيجيته وأساليبه ـ والخطاب العربي الداخلي والموجه إلى الخارج، بأغراضه وأورامه وأعراضه… مواجهة إنشائيته وشعاراتيته وانفعاليته وطوباويته وزَوَغانه عن الحق والمجابهة.. وتكسّبيته وانتهازيته وتبعيته لخلافات الأنظمة وللحكام، ولتبعية قطرية ضيقة غدت صيغة اعتراضية على القومية، ولولوجه في سوق الكلام الذي تفتحه أجهزة معادية وأنظمة لا تريد أن ترى في المثقفين إلا حاشية من الطبالين والزمارين تسير في ركاب الحاكم، يلجمها الإعلام، أو يدفعها، يظهرها أو يخفيها، يلمّعها أو يعتم عليها، يقزمها أو يضخّمها حسب الطلب، والتبعية والسبب.. ولا يخلو البيت الثقافي من مثل هذه الممارسات الإعلامية المسيَّسة، بل قد يكون فيه من هم أقدر على الضلوع في ذلك.. وكل هذا بنية في القلب وللقلب من الأمة ينبغي أن تعالج، وتواجه، وتسلم من التبعية والأذى، ولا تتكلف ما لا تطيق إن هي أرادت اختيار طريق الحرية، والحقيقة، والشعب.

إن الخطاب الذي نتطلع إليه، ونراه منقذًا وخلاقًا.. خطاب يرفض هزائم الأعماق، وتكريس الدونية، والمنطق الذي يريد أن يقدم الأوضاع العربية والدولية الحالية، على أنها أوضاع نهائية أبدية، لن يطولها التغيير… إن منطق الحياة القائم على الحركة لا يعرف هذا النوع من الحتميات، والحركة تحمل التغيير، وعلينا أن نعرف كيف نوظف جهودنا بعلم وإيمان، لنكون فاعلين في رسم تيار ذلك التغيير وصنعه، من خلال خطاب مبدع خلاق.

إن الخطاب المقاوم للسقوط بأشكاله، هو خطاب مناصر للوعي المعرفي، للعدالة والحرية، للعلم وتطبيقاته، ولحرية الإنسان العربي وحقوقه الأساس، ومنها الممارسة الديمقراطية بمسؤولية ووعي، والدفاع عن حقوق الأمة التاريخية باقتدار وانتماء ورؤية ونَفَسٍ طويل وروح نضالية خلاقة، تبدع أساليبها وأدواتها، وتتفوق في مواجهة كل ما يشيع الإحباط واليأس، وكل ما يرمي إلى تفتيت الإرادة، وقتل الحلم، وإضعاف الأمل، وتدمير الحس الوطني والقومي والإنساني، وتشويه المسؤولية أو إعدامها.

إننا بحاجة للدفاع عن التاريخ الذي لقّناه لأجيالنا، وعن الجغرافية التي درسناها ودرّسناها لأبنائنا، وبحاجة للدفاع عن المناهج والتربية القومية والدينية، وعن منظومات القيم، وحقائق التاريخ، وما قدمه الشهداء على طريق فلسطين والأمة، منذ بدأ النضال من أجل فلسطين ونهضة الأمة.

ونحن بحاجة لمفاتيح في الخطاب العربي، هي مفاتيح أصلية أصيلة وعصرية في آنٍ معًا… فالخطاب المتورم مرفوض، والخطاب الضعيف المهزوم مرفوض، والخطاب الذي يروج للعداوة والكراهية، والفتنة، مرفوض.. والخطاب الذي يروّج للعدو المحتل، والغازي المعتدي، ورموزهما، ولمصطلحاتهما ومفاهيمهما وفكرهما مرفوض، والخطاب المنغلق على أوهامه، المتورِّم بأنيَّته وأنانيته، المشبع بشعاراتية خاوية، والدائخ في دوامة نزوع تعصبي من أي نوع: قومي أو أيديولوجي أو ديني أو طائفي أو قطري.. خطاب مرفوض.

ربما كان في تطلعنا إلى ذلك، نوع من التوهم، بل نوع من تبن لواقعية الحلم.. فهل ترانا نحلم بأكبر مما يستحقه تاريخنا، وما يتسع له واقعنا، وما تمتد إليه رؤانا، وما يليق بأمتنا!؟‍ إن الحلم يبقى أحد المداخل المشروعة لتغيير الواقع.. وتبقى أرض الفكر والثقافة هي حوض الاستنبات الأمثل، لكل ما يصنع الوعي والتقدم والنهضة، ويعزز الحرية والإبداع.. والخطاب الذي يصنع ذلك، وينهض بالأمة، ويقاوم ما يضعفه، ويكشف ما يغشاه من ظلال وظلام وطغيان ووهن وقنوط، هو الخطاب العربي المطلوب في الراهن العربي الدامي الكئيب..

والخطاب الأجدى هنا، هو الموجه للقادرين على صنع الخطاب الملائم للإنقاذ والتقدم والتحرير والنهضة، بحرية وعلم وعمل، وانتماء عربي متين مبين، ومسؤولية قومية إنسانية تعمل بأمل، دون وهن أو كلل.

 

د. علي عقلة عرسان

تعريف بالكاتب: كاتب وأديب
جنسيته: سوري

 

 

شاهد مقالات د. علي عقلة عرسان

أرشيف وثائق وتقارير

صحافة وإعلام

مواقــــع

أخبار منوعة

كيم وترامب يستعدان لقمة تاريخية في سنغافورة

News image

وصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون إلى سنغافورة أمس، عشي...

الداخلية العراقية: حريق بمخزن لصناديق الاقتراع في بغداد

News image

أعلنت وزارة الداخلية العراقية عن اندلاع النيران في مخزن لصناديق الاقتراع بمنطقة الرصافة في الع...

أزمة سوريا ونووي إيراني والتجارة الدولية أبرز بنود بيان شانغهاي

News image

أصدرت قمة منظمة شانغهاي للتعاون بيانا ختاميا اليوم الأحد وقعها قادة روسيا والصين وقيرغيزستان وكا...

لقاء رباعي بين المملكة والامارات والكويت والاردن برعاية الملك سلمان في مكة

News image

تستضيف #مكة المكرمة الأحد الاجتماع الرباعي الذي دعا إليه العاهل السعودي، #الملك_سلمان بن عبدالعزيز، وال...

تأييد باريس للبيان الختامي المتفق عليه من قبل قادة دول "G7" في كندا مشيرة أن كل من يدير ظهره لنتائج تلك القمة يظهر "تقلّبه وتناقضه"

News image

أكدت الرئاسة الفرنسية تأييد باريس للبيان الختامي المتفق عليه من قبل قادة دول "G7" في ...

بوتين: الأولوية لتعزيز القدرات النووية في تطوير القوات المسلحة الروسية

News image

صرح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأن القدرة القتالية للجيش الروسي تعد ضمانا لحماية المصالح الر...

الناتو يجهز قوة تدخل سريع إضافية من 30 ألف جندي تحسبا لـ "هجوم روسي"

News image

يعتزم حلف الناتو زيادة استعداده تحسبا لـ هجوم من جانب روسيا"، بإنشاء قوة تدخل احت...

مجموعة التجديد

Facebook Image

المزيد في قضايا ومناقشات

الانسداد السياسيّ ونتائجُه الكالحة

د. عبدالاله بلقزيز

| الأحد, 17 يونيو 2018

    لا تنمو السياسةُ إلاّ في بيئةٍ سياسيّة مناسِبة. لا إمكان لقيام حياةٍ سياسيّة عامّة ...

ترامب أوّلاً.. ثم تأتي أميركا

د. صبحي غندور

| الأحد, 17 يونيو 2018

    على مدار ثلاثة عقود من الزمن، منذ سقوط المعسكر الشيوعي، وانتهاء الحرب الباردة، كانت ...

النضال الفلسطيني كلٌّ متكامل .. فلا تفرّقوه!

د. فايز رشيد

| الأحد, 17 يونيو 2018

    للأسف, أطلقت أجهزة الأمن الفلسطينية خلال الأيام الماضية,عشرات القنابل الصوتية وقنابل الغاز المسيل للدموع ...

«ثقافة التبرع».. أين العرب منها؟

د. أسعد عبد الرحمن

| الأحد, 17 يونيو 2018

    التبرع هو «هدية» مقدمة من أفراد، أو جهات على شكل مساعدة إنسانية لأغراض خيرية. ...

المشروع الصاروخي المنسي

عبدالله السناوي

| الأحد, 17 يونيو 2018

  هذا ملف منسي مودع في أرشيف تقادمت عليه العقود. لم يحدث مرة واحدة أن ...

الانتخابات التركية بين الأرجحية والمفاجأة

د. محمد نور الدين

| السبت, 16 يونيو 2018

    تجري في تركيا، بعد أيام، انتخابات نيابية ورئاسية مزدوجة. وبحسب الدستور تجري الانتخابات كل ...

الاعتراف الجديد يتطلب المحاكمة والعدالة

د. كاظم الموسوي

| السبت, 16 يونيو 2018

    ما نقلته وكالات الأنباء مؤخرا عن صحيفة بولتيكو الاميركية عن اعتراف السناتور الأميركي جون ...

ويبقى لله في خَلقِه ما يشاء من شؤون

د. علي عقلة عرسان

| السبت, 16 يونيو 2018

  كلُّ عامٍ وأنتم بخير..   الوقت عيد، وبينما ترتفع أصوات المُصلين بالتكبير والتهليل في المساجد، ...

«الفيتو» الأمريكي و«صفقة القرن»

د. محمد السعيد ادريس

| الأربعاء, 13 يونيو 2018

    المعركة الدبلوماسية التي شهدتها أروقة مجلس الأمن الدولي الأسبوع الفائت بين الوفد الكويتي (رئاسة ...

الاستبداد الناعم

د. عبدالحسين شعبان

| الأربعاء, 13 يونيو 2018

    ذكّرتني الأزمة العراقية ما بعد الانتخابات والطعون والاتهامات التي صاحبتها، بما سبق وراج في ...

النهوض العربي والمسألة الدينية السياسية

د. السيد ولد أباه

| الثلاثاء, 12 يونيو 2018

    رغم أن موضوع بناء الدولة وما يرتبط به من إشكالات تتعلق بتدبير المسألة الدينية، ...

«الكارثة».. محطات تأسيسية

عوني صادق

| السبت, 9 يونيو 2018

    51 حزيران مرت علينا حتى الآن منذ وقعت «الكارثة» العام 1967. في كل حزيران ...

المزيد في: قضايا ومناقشات

-
+
10
mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterاليوم17304
mod_vvisit_counterالبارحة34127
mod_vvisit_counterهذا الاسبوع78905
mod_vvisit_counterالاسبوع الماضي195543
mod_vvisit_counterهذا الشهر559294
mod_vvisit_counterالشهر الماضي846272
mod_vvisit_counterكل الزوار54571310
حاليا يتواجد 2632 زوار  على الموقع