موقع التجديد العربي

للتواصل عبر البريد الإلكتروني: arabrenewal2002@gmail.com 

 
  • default color
  • green color
  • blue color
اصابات خلال مواجهات مع الاحتلال في "الاقصى" ::التجــديد العــربي:: السعودية والهند.. ميزان دقيق لمصالح اقتصادية مشتركة ::التجــديد العــربي:: علماء يحذرون من خطر الخبز المحمّص! ::التجــديد العــربي:: «الأوسكار» تعلن أسماء 13 نجماً سيشاركون في حفل توزيع الجوائز ::التجــديد العــربي:: مهرجان الجبل الثقافي الأول ينطلق في 24 يناير في الفجيرة ::التجــديد العــربي:: مانشستر يونايتد يخسر بهدفين أمام باريس سان جيرمان في ذهاب دور الستة عشر بدوري أبطال أوروبا ::التجــديد العــربي:: موسكو: المساعدات الأمريكية لفنزويلا ذريعة للتدخل العسكري ::التجــديد العــربي:: المبعوث الأممي إلى اليمن: طرفا الحرب في اليمن اتفقا مبدئيا على إعادة الانتشار بالحديدة ::التجــديد العــربي:: مصدر مصري: المتفجرات التي كانت بحوزة الانتحاري تكفي لتدمير حي بأكمله ::التجــديد العــربي:: بوتين والملك سلمان يؤكدان نيتهما تعزيز العلاقات الروسية السعودية ::التجــديد العــربي:: محادثات "نووية" بين واشنطن وسيئول قبل قمة ترامب وكيم ::التجــديد العــربي:: بوغدانوف: مستعدون للتعاون مع واشنطن لاستكمال القضاء على الإرهابيين في سوريا ::التجــديد العــربي:: تفجير الأزهر: مقتل 3 من أفراد الشرطة المصرية ::التجــديد العــربي:: ولي العهد يغادر إسلام آباد ويؤكد: نأمل في شراكات جديدة ::التجــديد العــربي:: البحرية الجزائرية تبحث عن مهاجرين قضوا في البحر ::التجــديد العــربي:: السلطة الفلسطينية تبحث عن دعم عربي في رفضها مؤتمر وارسو ::التجــديد العــربي:: عبد العزيز بوتفليقة: رئيس الجزائر يترشح لولاية خامسة ::التجــديد العــربي:: مصر تتسلم رئاسة الاتحاد الافريقي من رواندا ::التجــديد العــربي:: الانسحاب الأمريكي من سوريا: قائد عسكري أمريكي يرجح سحب القوات الأمريكية خلال أسابيع ::التجــديد العــربي:: 3 قتلى بتحطم مروحية للأمم المتحدة جنوب السودان ::التجــديد العــربي::

كشف المستور حول التنسيق بين روسيا وإسرائيل

إرسال إلى صديق طباعة PDF

 

من كان يتصور أن يأتي اليوم الذي تنسق فيه روسيا مع إسرائيل؟. نعم، هذا اليوم جاء أسرع مما ظن البعض. المشاركة العسكرية الجوية الروسيّة المباشرة في سوريّا فتحت هذا الباب أخيرًا، فما إن بدأت أخبار هذه المشاركة تطفو على السطح، حتى سارع رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو بطلب لقاءٍ عاجلٍ مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ليناقش معه "هواجس" إسرائيل من التدخل الروسي المستجد. وفعلًا، طار نتنياهو إلى موسكو وحصل اللقاء، وخرج كل منهما بتصريحه.

 

لتكر بعد ذلك سبحة أخبار العلاقة الروسيّة الإسرائيليّة "الطارئة"، ولتنتشر بعد ذلك تعليقات في وسائل التواصل الإجتماعية، خصوصًا ممن يُعتَبرُون "نخبًا" في بعض الأوساط (كّتاب، صحفيين، مدراء قنوات تلفزيونيّة، أساتذة جامعات وباحثين، طلاب دراسات عليا وغيرهم) ويطرحون أنفسهم كمثقفين ومحللين، تؤكد قيام تحالف جديد بين محور الممانعة وإسرائيل، عن طريق التنسيق الروسي الإسرائيلي. ما فهمته هذه "النخب" من لقاء موسكو بين بوتين ونتنياهو، هو أن روسيا قررت تنسيق الضربات التي تنفذها في سوريّا مع إسرائيل (أي أن إسرائيل ستقدم لروسيا المساعدة في هذا الجانب)، وبما أن روسيا هي في جبهة واحدة مع النظام السوري وحزب الله، فيمكن اعتبار أن إسرائيل تنسق معهما بطريقة غير مباشرة من أجل استهداف "الثوار" وضرب "الثورة" السوريّة.

نماذج على تلك التعليقات التي و إن اختلفت صياغتها توافقت على ذات المضمون: صحفي ومدير قناة تلفزيونية يقول: “ وهكذا انضمت إسرائيل الى حلف “الممانعة والمقاومة” مع سوريّا الاسد وإيران وحزب الله !!”. داعية مشهور يقول تغريدة حصلت على مئات من (إعادة التغريد): “تنسيق إيراني روسي إسرائيلي مع النظام العميل في دمشق للتحرك في سوريّة. حالة نادرة جدا من تحالف المجرمين (سيهزم الجمع ويولون الدبر)”. إعلامي آخر قال " نتنياهو في عناق غير مباشر مع نصر الله وسليماني!!". إعلامي (من فصيلة المهرجين) قال: "التنسيق على اعلى المستويات بين روسيا واسرائيل في سوريّا يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن روسيا تدخلت في سوريّا بطلب اسرائيلي. والممانعون يصفقون". أيضاً العديد من مقالات الرأي التي نشرت تضمنت ذات الفكرة.

عند قراءتك لردود الفعل تلك، لا تخرج بشيء سوى نتيجة واحدة: أنّ خرقاً استثنائياً حدث في علاقة الطرفين الروسي والإسرائيلي، وأنّ روسيا “الممانعة” (نعم، روسيا كانت دولة ممانعة إن لم تكن منتبهاً لذلك عزيزي القارئ) سقطت ورقة “توتها” أخيراً بكشف “التنسيق” بينها وبين إسرائيل. روسيا “الممانعة” (طبعاً سابقاً، للأسف) لم تقبل التخلي عن ورقة “الممانعة” اعتباطياً، بل لتكون وسيط “التنسيق” غير المباشر بين إسرائيل وقوى حلف الممانعة الأخرى: حزب الله والنظام السوري، لاستهداف “الثوار” السوريين.

لِنعد إلى الوراء قليلاً، ونقرأ معاً التصريحات التي استنتجوا منها انضمام إسرائيل لمحور الممانعة. حين طلب نتنياهو زيارة عاجلة إلى موسكو، نشر مكتبه بتاريخ ١٦ سبتمبر هدف زيارته، وهو كما نُشِر في موقع وزارة الخارجية الصهيونية: ” سيعرض رئيس الوزراء نتياهو التهديدات التي تتعرض لها إسرائيل نتيجة لتدفق العتاد الحربي المتطور للساحة السوريّة ونقل الأسلحة الفتاكة إلى حزب الله والمنظمات الإرهابية الأخرى” (١). عفواً ! إذاً نتنياهو ذهب لمنع نقل سلاح جديد الى حزب الله، وليس لتنسيق استهداف “الثوار” السوريين؟. لا بد أنّ هناك أمراً طرأ ليقول “الجهابذة” ما قالوه، فهل من الممكن أن يستنتجوا كلامهم من فراغ؟

يمكن مثلاً أن يكون بوتين قد أقنع نتنياهو أن يقف معه ضد “الثوار” السوريين عندما تمت زيارة الأخير الى موسكو بتاريخ ٢١ سبتمبر. أثناء الزيارة أصدر الرجلان التصريحات التالية كما نقلها موقع وزارة الخارجية الصهيونية: قال نتنياهو “ أنا هنا بسبب الوضع الأمني الذي يتعقد أكثر فأكثر على حدودنا الشمالية. كما تعلمون، في السنوات الأخيرة، وبالتحديد في الأشهر الأخيرة، إيران وسوريّا كانا يسلحان المنظمة الإسلامية الإرهابية المتطرفة حزب الله بالأسلحة المتطورة الموجهة ضدنا” ويتابع:“ في الوقت ذاته، إيران، وتحت رعاية الجيش السوري، تحاول بناء جبهة إرهابية أخرى ضدنا في مرتفعات الجولان […] ضمن هذه الظروف اعتقدت أنه من الأهمية البالغة قدومي إلى هنا [موسكو] لتوضيح سياساتنا وللتأكد من عدم وجود سوء تفاهم بين قواتنا” (٢). لكن من هذا التصريح يبدو أنّ نتنياهو مصرّ على أن يُظهِر بأنّ هدف زيارته هو منع وصول السلاح الى حزب الله، وليس مساعدة روسيا لضرب “الثوار” السوريين.

في المقابل صرح بوتين “ جميع خطوات روسيا في المنطقة ستكون مسؤولة. نحن على علم بالقصف الذي يتم ضدّ إسرائيل، وندين جميع هذا القصف. أعلم أنّ هذا القصف يتم من قبل عناصر داخلية [إسرائيل تتهم الجيش السوري وحلفاءه به]. بالنسبة إلى سوريّا، نعلم بأنّ الجيش السوري في وضع يجعله غير قادر على فتح جبهة جديدة. هدفنا الأساسي هو حماية الدولة السوريّة. لكن أتفهم مخاوفك وأنا سعيد أنك أتيت لتناقش جميع المواضيع بالتفصيل”. من هذا التصريح يتبين أن بوتين هو الآخر لم يعرض على نتنياهو التنسيق لمحاربة “الثورة” السوريّة. إذاً ما الذي قصده كل أولئك في تعليقاتهم؟.

لربما كان مقصدهم العبارة التي ذكرها نتنياهو في لقائه مع بوتين، حين قال “ لذلك، طلبت من رئيس الاركان، ورئيس الاستخبارات العسكرية و سكرتيري العسكري مرافقتي من أجل توضيح الأمور، أولاً جميع الحقائق وثانياً سياستنا العسكرية والأمنية، وثالثاً لإنشاء نفس الآلية للحؤول دون سوء تفاهم”. فما هي هذه الآلية؟ وسائل الإعلام التي نقلت الخبر صاغته بالطرق التالية:

وول ستريت جورنال وصفت هذه الآلية بـ“ إجراءات لمنع حدوث حسابات خاطئة قد تشعل حرباً أوسع”، ونقلت عن نتنياهو قوله “عندما نقوم بفعل، من المهم للجميع، ومن ضمنهم روسيا، معرفة كيف سنقوم بالفعل” في معرض حديثه عن “ منع شحنات السلاح إلى حزب الله، أو أي بناء عسكري جديد مدعوم إيرانياً في الجولان” (٣). وكالة رويترز صدّرت تقريرها بعبارة “ إسرائيل وروسيا اتفقتا على تنسيق العمليات العسكرية فوق سوريّا من أجل تفادي تبادل إطلاق نار عن طريق الخطأ” واقتبست من نتنياهو قوله “سياستنا هي فعل أي شيء لوقف إرسال الأسلحة إلى حزب الله” (٤). هذا “التنسيق” وصفته رويترز والغارديان بمصطلح (deconfliction)أو ما يمكن وصفه "فك الاشتباك" وهو ذاته ما ذكره نتنياهو في لقائه مع "سي ان ان" في ٤ أكتوبر حين قال “نواب رؤساء أركاننا [روسيا وإسرائيل] سيلتقون خلال يومين لترتيب لقاء فك اشتباك” (٥). لكن ماذا تعني؟ وهل تعني ما قصده معظم أولئك بشأن التنسيق الروسي الإسرائيلي من أجل ضرب “الثوار” السوريين ومساعدة النظام وحلفاءه؟.

تعريف مصطلح فك الاشتباك كما يرد في قواميس اللغة الإنجليزية هو: تخفيض خطر الإصطدام بين أي نوع من أنواع الأسلحة في أي منطقة عن طريق تنسيق تحركاتها (٦). وتعريف المصطلح بشكل تخصصي ضمن التقنيات الحديثة للسلاح، الذي يشمل الجانب العسكري والهندسي والبشري، هو: عملية تفادي التداخل المشترك والأخطار بين عدة قوى، عادة تكون إما بين القوة الواحدة، أو بين قوى صديقة أو غير عدوة. هو يشمل تنسيق خطوط فك للاشتباك بين القوات الأرضية، وبين القوات الجوية، وبين خطوط الإتصالات اللاسلكية (٧). وكل مجال له تقنياته وبرتوكولاته الخاصة من أجل فك الاشتباك. والأمر أكثر حساسية بالذات في مسألتي الخطوط اللاسلكية (أرضية كانت أم فضائية) و المجالات الجوية. فمثلاً الرادارات لا تستطيع تحديد هوية الأهداف من تلقاء نفسها، بل لا بد أن تُزَوَّد بمعطيات مسبقة لتحديد الأهداف الصديقة والعدوة. لذلك مثلاً، كل الدول تعقد اتفاقيات فك اشباك مع كل الدول المجاورة لها (إلا اذا كانت دولة عدو) لتفادي الحوادث الجوية، ولمن أراد الإستزادة في هذا المجال (المعقد بالمناسبة) يمكنه الاطلاع على الأبحاث المتخصصة (٨).

وبالفعل، بدأ عقد اللقاءات التقنية حول فك الإشتباك بين الجانبين على مدى يومين بتاريخ ٦ اكتوبر في تل ابيب بين نواب قيادة الأركان. موقع ديفينس نيوز الذي نشر تقريراً عن الاجتماع الأول ضمّنه تصريحاً من ضابط صهيوني يقول “ لدينا مشكلتان رئيسيتان في سوريّا، هما الإرهاب الموجه ضدنا على الحدود [الجولان]، وتهريب كميات السلاح المتطور الى حزب الله” (٩). واستُكمِلَت هذه اللقاءات بإجراءات عملية كما جاء في بيان لوزارة الدفاع الروسية في ١٥ اكتوبر “ المرحلة الأولى من التدريب حول التعاون بين القوتين الجوية الروسية والإسرائيلية لتجنب الحوادث الخطيرة في سماء الجمهورية العربية السوريّة”، وتم إنشاء خط ساخن بين القوتين العسكريتين لتبادل المعلومات حول تحركات الطيران (١٠).

محادثات فك الإشتباك هذه في سوريّا أقامت روسيا مثلها مع دول أخرى كأمريكا وتركيا (وطلبت روسيا إقامتها مع كل دور الجوار)، رغم معارضة الأخيرتين الشديدة للتدخل الروسي في سوريّا بل وهما داعمتان رئيسيتان للمعارضة (خصوصاً تركيا). حيث تقدمت تركيا لروسيا بطلب “ إنشاء مجموعة عمل لتنسيق الأعمال المتعلقة بالغارات الجوية التي تقوم بها روسيا في سوريّا” (نعم، بات الكون كلّه متآمراً على "الثوار" في سوريّا، فبعد التنسيق مع إسرائيل وأمريكا ها هي تركيا تطلب التنسيق) (١١). وأقامت روسيا وأمريكا اجتماعات عديدة مختلفة للوصول للاتفاق حول آليات فك الاشتباك، ونقلت الوول ستريت جورنال في ١٦ اكتوبر توصل الطرفين لاتفاقٍ لتنسيق العمليات في الأجواء (١٢).

بعد كل هذا السرد الطويل (نعم والممل) بإمكانك عزيزي القارئ العودة وأخذ نظرة أخرى على التعليقات ومقالات الرأي التي انتشرت بعد تلك الأنباء، واختيار التعليق المناسب لوصفها. لكن في المجال المتاح هنا يمكن طرح بعض الملاحظات عليها:

كل التعليقات تلك التي أطلقها أصحابها وهم يستقبلون تلك الأنباء بلهفة الجذلان (ولا أعلم لماذا؟) لا يمكن فهمها من قبل أي شخص يطلع على ذات الأخبار (التي بنوا عليها تعليقاتهم) سوى بناءً على افتراضين: الأول، أنّ هؤلاء جهلة في اللغة (أو الفهم؟)، وهذا افتراض يبدو غير منطقي بحكم أنّ هؤلاء يعتبرون “نخباً” في أوساطهم. أمّا الافتراض الآخر (وهو لربما الأقرب للصحّة)، أنّ هؤلاء يقومون بعملية تضليل/بروباغندا رديئة جداً.

لم يأتِ أي خبر بذكر أي تنسيق روسي-إسرائيلي لا لاستهداف “الثوار” ولا لدعم النظام السوري. بل المفارقة، أنّ الكلمة الوحيدة التي لم تفارق لسان نتنياهو هي “حزب الله”. طبعاً، الكيديّة العمياء و السلوكيات الرخيصة يمكن أن تدفع أي شخص لقلب الحقائق رأساً على عقب، فمِن أنّ هم وهدف نتنياهو الأساسي هو منع وصول الأسلحة إلى حزب الله إلى أنْ الهدف هو “التحالف” مع حزب الله ومشاركته في ذات المعركة. نتنياهو كان قد قال في مقابلته المذكورة آنفاً مع "سي إن إن" بأنّ “ في سوريّا، قمت بتبيان أهدافي [لبوتين]، وهي من أجل حماية أمن شعبي و دولتي، وروسيا لديها أهداف أخرى، لكن يجب أن لا يتصادموا”. وأهدافه تلك التي لم يترك أي منبر إلّا وذكرها عليه هي: منع إيران وحلفائها من فتح جبهة جديدة ضد إسرائيل في الجولان، ومنع حزب الله من الحصول على السلاح المتطور. في حين قال وزير الدفاع موشيه يعالون إنّ إسرائيل لا تنسق عملياتها (للدفاع عن ماتسميه مصالحها) في الشمال (حدود لبنان وسوريّا) مع روسيا، وأكد “ لدينا مصالح، وحين يتم تهديدها سنتصرف […] وتم إيضاح ذلك للرئيس الروسي” (١٣).

الشيء الآخر الذي تم تسريبه من قبل الإعلام العبري بهذا الصدد هو أنّ نتنياهو طلب من بوتين ألّا تمانع روسيا قيام إسرائيل بغارات في سوريّا من أجل الدفاع عن خطوطها الحمر (منع حزب الله من الحصول على سلاح متطور) (١٤). وهي التي قصفت بالطيران سوريّا خلال السنتين الماضيتين عدة مرات من أجل استهداف ما أسمته سلاحاً نوعياً للنظام السوري، أو قوافل سلاح متجهة مع حزب الله (١٥). لكن التدنّى المهني والأدبي يعطي الجرأة لأمثال أولئك ليقولوا “ أن روسيا تنسق مع إسرائيل بالنيابة عن النظام السوري وحزب الله - وبطلب من إيران- من أجل إنقاذ النظام وهزيمة المعارضة”. لا بل وأنّ “روسيا وإسرائيل شكلتا غرفة عمليات مشتركة” من أجل ذلك. بمعنى آخر، هناك الآن تنسيق بين روسيا وإسرائيل وحزب الله والنظام السوري من أجل ضرب حزب الله والنظام السوري (نعم الجملة غير منطقية، لكن الكثير يروج لهذا الأمر بجدية).

المفارقة أنّه منذ زيارة نتنياهو لموسكو قصفت قوات الإحتلال الصهيوني بالمدفعية مواقع الجيش النظامي في القنيطرة مرتين على الأقل (وهذا طبعاً من وجهة نظر البعض يدل على فعالية التنسيق المستجد بين النظام وإسرائيل)، مرة بتاريخ ٢٧ سبتمبر والآخرى في ١٣ أكتوبر (ويا للمصادفة، يتم ذلك أثناء معارك يخوضها ضد المعارضة) (١٦). عشرات مثل عمليات القصف هذه بالمدفعية (أو الطيران) استهدفت حصراً مواقع جيش النظام وحلفاءه ومجموعات المقاومة الشعبية (التي أُنشِئت حديثا في الجولان) وحصدت أرواح عشرات منهم منذ أكثر من سنتين (آخرها قبل شهرين حين استهدفت غارة جوية ٤ شبّان من اللجان الأهلية في الجولان)، في المقابل كان عدد الإستهدافات الصهيونية للفصائل المسلحة العاملة في القنيطرة هو صفر مكعب (١٧). بل لم يتم استهداف حتى الفصائل التي أعلنت بيعتها للدولة الإسلامية لاحقاً أبداً (وواقعاً، لا معنى لاستهداف إسرائيل لفصائل معارضة هناك، إذ لم يستهدفها أي منهم، وجلّهم يملك علاقةً ما معها). وفوق كل ذلك، إسرائيل على الأقل علناً هي تدين "إجرام النظام السوري" وتؤيد “تطلعات” الشعب السوري للحرية، وتعترف رسمياً وعلناً (على لسان وزير دفاعها) بدعم وتسليح فصائل المعارضة "المعتدلة" ( بغض النظر عن حقيقة إستراتيجيتها وأهدافها البعيدة في التعاطي مع ما يحدث في سوريّا) (١٨). لكن رغم كل هذه الحقائق الواضحة يمكن أن تجد من يروج لخرافة التنسيق السوري (وحلفائه)-الإسرائيلي، عن طريق روسيا، وتجد جيشاً يصدقهاً.

طبعاً هكذا دعاية رخيصة لن تُعدم أي وسيلة مهما تدنّت في المهنية والمصداقية. ففي حالة موضوع هذا المقال لم يكن كافياً قلب الحقائق، فلجأت إحدى الصحف التابعة لذات الآلة الإعلامية لخلق أخبار مستندة لمصادر مثيرة للسخرية. فنُشِر خبر تضمن تصريحًا خاصّا لشخص يُدعى "أحمد رحال" (تخطر على البال هنا أغنية "رحّال" للفنان كاظم الساهر (١٩) ) قائلاً إنّ "نتنياهو سلّم بوتين قائمة بـ1550 هدفاً لاستهدافها في سوريّة، تشمل 700 هدف لجبهة النصرة و300 لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، و550 للجيش الحر والفصائل الإسلامية". لنجد بعض الجهابذة يتبنون الخبر وينشرونه على اعتبار أنه التأكيد النهائي الذي لا يخالطه شك على التنسيق الإسرائيلي الروسي، وهذه الوثوقية في تبني الخبر تفضح إشكالية هؤلاء في فهم التوثيق واستخدام المصادر وقياس صدقيتها. فالخبر وصيغته يحملان إثبات إختلاقه، وعلاوةً على ذلك، فإنك تبحث عن المصدر الذي يستند إليه الخبر، فإذا به ضابط منشق ومعارض حالي، من نوع المحللين "العسكريين" و "الاستراتيجيين" الذين يملؤن فراغ الوقت في نشرات الأخبار.

قد يتساءل المرء، أمام كل هذه الركاكة والرداءة في الدعاية التي لا تستند على جملة صادقة واحدة، لماذا يخاطر هؤلاء بمصداقيتهم (إن كانت لديهم) أمام النّاس؟ كانت أمامهم -مثلاً- فرصة أن يستثمروا خبراً كهذا ويبنوا عليه تحليلات حول تداعياته، إذ لا أحد سيناقش إن كانت التحليلات صادقة أم كاذبة، فهي أمر آخر غير ذات الخبر (رغم أنّ حتى التحليلات لن تسعفهم لأداء غرضهم، لضعف تحليلاتهم ومصادرهم غالباً، ولأنّ أغلب من حلل من المتخصصين حول تداعيات التدخل الروسي على إسرائيل أشار لأثره السلبي عليها). أو بما أنّ هؤلاء يريدون أن يضربوا شعار “الممانعة” عند النظام السوري وحلفائه، فقد كان من الممكن مناقشة ذات التدخل الروسي ومشروعيته. جواب هذا التساؤل بسيط برأيي:

أولاً: هؤلاء -بلا استثناء- لا يملكون (من سوء حظّهم) أي مصداقية للحديث حول مشروعية التدخل الروسي، إذ أنّهم أيّدوا تدخلات إمبريالية أو مدعومة إمبريالياً يوماً ما. وفي سوريّا بالتحديد ما فتؤوا ينادون الدول الخارجية للتدخل منذ اللحظة الأولى، لكن هذا لم يمنع بعضهم من التبجح بالحديث عن معارضة التدخل الروسي واعتباره احتلالاً (هؤلاء أنفسهم الذين طلبوا الناتو والتدخل التركي لإيجاد منطقة عازلة).

ثانياً: هؤلاء إمّا مرتبطون بشبكات إعلامية ضخمة، أو هم ملاحق لها، ولديهم جيوش جرارة في مواقع التواصل الإجتماعي تكرر مايقولونه بلا حساب. لذا، فلا خشية لديهم من أي محاسبة لطرحهم في المجال العام.

ثالثاً: اللهفة التي تعاطوا بها مع الخبر تشير لثقل الحمل الذي يمثله وقوفهم في صف فصائل تتعامل مع إسرائيل، خصوصاً المتواجدون في القنيطرة، وغسل هذا العار (الذي صمت عنه معظمهم) يراد له أنّ يتم عبر رمي “الداء” على الطرف الآخر بأي وسيلة. بل وصل الحد عند البعض ليستخدم الخبر الذي خلقوه وزوروه ليبرئ تلك الفصائل من تعاملها مع إسرائيل ويدافع عنها. فصائل المعارضة في الجولان والجنوب السوري ثبتت علاقتها (بمختلف المستويات) مع الصهاينة، عن طريق تلقي الطبابة، والتموينات والسلاح، وكل ذلك موثق في المقال المعنون ب “جبهة النصرة وإسرائيل: حلف المصلحة الشرعية” الذي نُشر في شهر ابريل الماضي، وقد استمر تواتر الأنباء والتقارير من مصادر متعددة التي تؤكد هذه العلاقة إلى يومنا هذا (٢٠).

هذه "النخب" تثبت مرة جديدة عدم قدرتها على تقديم محاججة جدّيّة، واتباعها منهج "خذوهم بالصوت لا يغلبوكم"، وقد كان بإمكانها أن تتخذ موقفاً وتبني عليه تحليلاً جدياً، ومحاججة تستند إلى خبر صحيح على الأقل، وهناك عموماً ما يمكن نقده بالتأكيد عند كل الأطراف، محور الممانعة وغيره، لكن هؤلاء يختارون ببساطة استغفال الناس، والسير ضمن حالة دعائية رخيصة، والاستناد إلى مصادر تثير السخرية. وماهذه إلّآ حالة في مسلسل طويل مبنى على ذات الأسلوب، وهو ما يجعل أخذهم بجدية ومحاولة نقاشهم أمراً متعذراً.

 

- المراجع -

(١) PM Netanyahu to meet with Russian President Vladimir Putin http://mfa.gov.il/MFA/PressRoom/2015/Pages/PM-Netanyahu-to-meet-with-Russian-President-Putin-16-September-2015.aspx.

(٢) PM Netanyahu meets with Russian President Putin http://mfa.gov.il/MFA/PressRoom/2015/Pages/PM-Netanyahu-meets-with-Russian-President-Putin-21-Sep-2015.aspx.

(٣) Putin, Netanyahu Meet Amid Concern Over Russian Military Buildup in Syria http://www.wsj.com/articles/vladimir-putin-meets-benjamin-netanyahu-amid-concern-over-russian-military-buildup-in-syria-1442838906.

(٥) Netanyahu w/Zakaria Interview; CNN; 10-4-2015 https://www.youtube.com/watch?v=YF2OakZNOkQ.

(٤) Israel, Russia to coordinate military action on Syria: Netanyahu http://www.reuters.com/article/2015/09/21/us-mideast-crisis-russia-israel-idUSKCN0RL10K20150921. Netanyahu meets Putin to discuss concerns over Russian activity in Syria http://www.theguardian.com/world/2015/sep/21/netanyahu-meets-with-putin-over-concerns-of-russian-support-for-assad.

(٦) http://www.oxforddictionaries.com/definition/english/deconflict.

(٧) AIRSPACE MANAGEMEN https://fas.org/irp/doddir/army/fm34-25-2/25-2ch3.pdf. Deconfliction http://en.citizendium.org/wiki/Deconfliction. تشكيل فريق إسرائيلي-روسي للتنسيق العسكري في سوريا http://www.bbc.com/arabic/middleeast/2015/09/150924_israel_russia_syria_military_team?ocid=socialflow_twitter.

(٨) https://scholar.google.com/scholar?hl=en&q=deconfliction+&btnG=&as_sdt=1%2C5&as_sdtp=

(٩) Israel, Russia Conclude First Round of Deconfliction Talks http://www.defensenews.com/story/defense/policy-budget/leaders/2015/10/07/israel-russia-conclude-first-round-of-deconfliction-talks/73522760/.

(١٠) Russia and Israel Establish Syria ‘Hotline’ http://www.wsj.com/articles/russia-israel-establish-syria-hotline-1444917355.

(١١) Russian ministry: Turkey suggests joint working group over Syria operations http://www.reuters.com/article/2015/10/06/us-mideast-crisis-syria-russia-turkey-idUSKCN0S02LJ20151006.

(١٢) U.S., Russia Reach Agreement Over Syrian Airspace http://www.wsj.com/articles/u-s-russia-reach-agreement-over-syrian-airspace-1445009988.

(١٣) Putin Hints Russia Will Clip Israel’s Wings Over Syrian Skies http://www.haaretz.com/news/diplomacy-defense/.premium-1.678097?utm_source=dlvr.it&utm_medium=twitter.

(١٤) Netanyahu: Putin meeting crucial to avoiding 'misunderstandings' at northern border http://www.ynetnews.com/articles/0,7340,L-4702869,00.html. Israel’s Vanishing Red Lines in Syria http://foreignpolicy.com/2015/10/06/israels-vanishing-red-lines-in-syria/?utm_content=buffer05250&utm_medium=social&utm_source=twitter.com&utm_campaign=buffer.

(١٥) جبهة النصرة وإسرائيل: حلف المصلحة الشرعية.

(١٦) Israel Fires at Syrian Army in Response to Mortar Fire http://www.haaretz.com/israel-news/1.677798?utm_source=dlvr.it&utm_medium=twitter. Israeli Military Strikes Syria Targets in Response to Mortar Fire http://www.haaretz.com/israel-news/1.680164.

(١٧) نفس مصدر (١٥). Second IDF attack in Syrian Golan Heights kills 4 Islamic Jihadists http://www.jpost.com/Breaking-News/Second-IDF-attack-in-Syrian-Golan-Heights-kills-4-Islamic-Jihadists-412832.

(١٨) نفس مصدر (١٥)

(١٩) للاستزادة، يرجى الاستماع إلى الأغنية على الرابط https://www.youtube.com/watch?v=gw64p2znaQY.

(٢٠) نفس مصدر (١٥). A new cooperation on Syria https://www.washingtonpost.com/opinions/a-new-cooperation-on-syria/2015/05/12/bdb48a68-f8ed-11e4-9030-b4732caefe81_story.html. Why has Israel embraced al-Qaida’s branch in Syria? https://electronicintifada.net/content/why-has-israel-embraced-al-qaidas-branch-syria/14619. Computer hack reveals identity of Syrians in contact with Israel http://www.timesofisrael.com/computer-hack-reveals-identity-of-syrians-in-contact-with-israel/?utm_source=dlvr.it&utm_medium=twitter.

 

صحافة وإعلام

مواقــــع

أخبار منوعة

بوتين والملك سلمان يؤكدان نيتهما تعزيز العلاقات الروسية السعودية

News image

أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والعاهل السعودي الملك سلمان عبد العزيز في مكالمة هاتفية نيت...

محادثات "نووية" بين واشنطن وسيئول قبل قمة ترامب وكيم

News image

أفادت وكالة "يونهاب" بأنه من المتوقع أن يجتمع المبعوثان النوويان الكوري الجنوبي والأمريكي في فيت...

بوغدانوف: مستعدون للتعاون مع واشنطن لاستكمال القضاء على الإرهابيين في سوريا

News image

أعرب المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى الشرق الأوسط وإفريقيا ميخائيل بوغدانوف عن استعداد موسكو للت...

تفجير الأزهر: مقتل 3 من أفراد الشرطة المصرية

News image

قتل 3 من أفراد الشرطة المصرية، بينهم ضابط، وجرح 6 آخرون لدى تعقب "إرهابي" في ...

ولي العهد يغادر إسلام آباد ويؤكد: نأمل في شراكات جديدة

News image

غادر ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع الأمير محمد بن سلمان بن عبد...

عبد العزيز بوتفليقة: رئيس الجزائر يترشح لولاية خامسة

News image

أعلن الرئيس الجزائري، عبد العزيز بوتفليقة، ترشحه لانتخابات الرئاسة المقررة في أبريل/ نيسان، على الر...

مصر تتسلم رئاسة الاتحاد الافريقي من رواندا

News image

تسلم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أمس رئاسة الاتحاد الأفريقي في أول رئاسة دورية مصر...

مجموعة التجديد

Facebook Image

المزيد في قضايا ومناقشات

مقاربة قوانين الطبيعة وقوانين البناء

د. علي عقلة عرسان

| الخميس, 21 فبراير 2019

    في الرياضيات والفيزياء، تقف القوانين والعلاقات الرقمية الدقيقة والمعادلات والنظريات، لتشكل بمجموعها بيئة منطقية ...

«مجلس اللا أمن والإرهاب الدولي»

عوني صادق

| الخميس, 21 فبراير 2019

    مع انتهاء الحرب العالمية الثانية، اتفق المنتصرون على تأسيس منظمة الأمم المتحدة، والتي قيل ...

الحلف الغربي في مهب الريح

جميل مطر

| الخميس, 21 فبراير 2019

    لا مبالغة متعمدة في صياغة عنوان هذا المقال، فالعلامات كافة تشير إلى أن معسكر ...

عن قمة الأخوة والتسامح

د. عبدالعزيز المقالح

| الثلاثاء, 19 فبراير 2019

  كانت قمة «الأخوة الإنسانية» التي انعقدت في أبوظبي الأسبوع الماضي، بين شيخ الأزهر الشريف ...

ما تغير بعد مؤتمر وارسو ومالم يتغير

د. نيفين مسعد

| الثلاثاء, 19 فبراير 2019

  انتهت، يوم الخميس 14 فبراير 2019، في وارسو أعمال المؤتمر الذي أُطلِقَ عليه “مؤتمر ...

رصيد مصر في أفريقيا

أحمد الجمال

| الثلاثاء, 19 فبراير 2019

  في مصر القديمة، وقبل ظهور علوم الجغرافيا السياسية والاستراتيجية، حدد القادة المصريون أمن وطنهم ...

شبح «ربيع لاتيني» في فنزويلا

د. محمد السعيد ادريس

| الثلاثاء, 19 فبراير 2019

  اعتاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، منذ أن تولى مقاليد السلطة منذ عامين، أن يسير ...

همروجة تطبيعية!

عبداللطيف مهنا

| الثلاثاء, 19 فبراير 2019

  لم تعد قمة "تحالف دولي سياسي واقتصادي وعسكري" ضد إيران.. تضاءلت إلى "قمة وارسو ...

صراع «الجنرال» نتنياهو للفوز

د. فايز رشيد

| الثلاثاء, 19 فبراير 2019

معروف عن بنيامين نتنياهو ضآلة خبرته العسكرية، فهو أدّى خدمة العلم في الجيش لمدة عام...

حول الدولة الوطنية

د. حسن مدن | الثلاثاء, 19 فبراير 2019

    بصرف النظر عن المسارات والتجليات المختلفة لتشكّل الدولة الوطنية العربية، إلا أن هذه الدول ...

«البريكسيت» وترشيد الديمقراطية

د. أحمد يوسف أحمد

| الاثنين, 18 فبراير 2019

    مازالت الجماعة السياسية البريطانية غارقة إلى أذنيها في معضلة البريكسيت ما بين الخروج من ...

أوجلان.. ما الذي بقي وما الذي تغير؟

د. محمد نور الدين

| السبت, 16 فبراير 2019

مساء الاثنين في 15 فبراير/ شباط 1999 تعرضت السيارة التي كانت تقل زعيم حزب الع...

المزيد في: قضايا ومناقشات

-
+
10
mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterاليوم14230
mod_vvisit_counterالبارحة34185
mod_vvisit_counterهذا الاسبوع240447
mod_vvisit_counterالاسبوع الماضي351400
mod_vvisit_counterهذا الشهر1022159
mod_vvisit_counterالشهر الماضي1550056
mod_vvisit_counterكل الزوار65176612
حاليا يتواجد 2586 زوار  على الموقع