تصحيح توزيع الثروة قبل فوات الأوان

الاثنين, 21 سبتمبر 2015 21:57

د. علي محمد فخرو

قضايا ومناقشات
طباعة


سيقتصر حديثنا على موضوع توزيع الثروة البترولية والغازية، وعلى الأخص في دول مجلس التعاون الخليجي، وذلك لأن اقتصاد البترول والغاز أصبح أحد المداخل الرئيسية لاقتصاد الوطن العربي كله. غير أن أسس القضايا التي سنطرحها تنطبق على جميع أقطار الوطن العربي، وبالنسبة لشتى ثرواتها.

 

دعنا أولاً نتفق على نقطتين رئيسيتين: أولاهما أن الثروة البترولية والغازية هي ثروة مجتمعية، أي أنها ثروة يملكها المجتمع ويملك حق الاستفادة منها والمشاركة التامة في التصرف باستعمالاتها وأوجه صرفها. وثانيهما أن هذه الثروة ليست ملكاً لهذا الجيل فقط، وإنما هي أيضاً ملك للأجيال القادمة.

دعنا ثانياً التأكيد على أن موضوع توزع ثروات المجتمعات بصور تؤدي إلى بناء اقتصاد مستقر وقائم على العدل والإنصاف والتضامن الإنساني، أنه موضوع مطروح بقوة وعلى نطاق واسع في المجتمعات الديموقراطية التي بدأت تدرك أن وجود ظاهرة التوزع غير العادل للثروة سيدمر الأسس الديموقراطية التي بنتها المجتمعات عبر السنين الطويلة.

في ضوء النقاط السابقة الهامة والمحورية نعتقد بأن موضوع توزيع الثروة، وفي مقدمتها الثروة البترولية والغازية، لم يدرس بما فيه الكفاية على أسس إحصائية دقيقة، وعبر المرحلة التاريخية لتواجد البترول والغاز، مشفوعاً بدراسات اجتماعية تبين إن كانت دول البترول والغاز تهيئ الوسائل لحدوث توزيع عادل للثروة أم أنها تفعل العكس، سواء بقصد أم بغير قصد.

من بين الدراسات الاجتماعية المطلوبة في الحال دراسة مدى تأثير التوجه الحالي نحو تشجيع خصخصة حقول التعليم والصحة والإسكان والثقافة، وكذلك دراسة التوجه نحو إيقاف الدعم الحكومي في حقوق الغذاء والطاقة والرعاية الاجتماعية، مدى تأثيرها على موضوع توزيع الثروة.

ذلك أن التزام الدول النفطية والغازية بلعب الدور الأكبر والأقوى والأفضل في توفر تلك الخدمات لجموع المواطنين، وعلى الأخص الفقراء والمهمشين منهم، كان في الماضي جزءاً أساسياً من موضوع توزيع الثروة. فإذا بدأ ذلك الدور الحكومي في تقديم تلك الخدمات في التراجع فإننا أمام تراجع في توزيع الثروة الوطنية، ما لم يصاحب ذلك التراجع تعويضه في حقول من مثل ارتفاع الأجور ومن مثل البرامج التدريبية المستمرة العالية المستوى لإحلال القوى الوطنية في الوظائف التي ترفع مداخيل المواطنين.

لكن كل ذلك لن يكفي ما لم يصاحبه موضوع الترابط بين وجود الرأسمال الهائل وطرق استثماره من جهة وبين إنتاجية المجتمع. وهو موضوع تعب المهتمون من المواطنين من طرحه، لكن الجهات المعنية لا تبحثه بجدية وموضوعية خوفاً من أن يمس مصالح وامتيازات هذه الفئة أو تلك.

ذلك أن فائض الرأسمال الناتج عن الثروة البترولية والغازية، بعد دفع الرواتب الحكومية وبناء البنية التحتية، أما يستثمر في الداخل في مشاريع مظهرية وإما يستثمر في الخارج في مستندات حكومية ومصرفية وفي إسناد اقتصاد الخارج، بينما يظل استثماره في الداخل وفي الأرض العربية مركزاً في المضاربات العقارية والسياحية والخدمات الترفيهية، وبينما يبقى استثماره لبناء اقتصاد إنتاجي ومعرفي غير ريعي محدوداً ومهيمناً عليه من القوى الرأسمالية الخارجية العولمية.

وبسبب ذلك ترتفع أسعار الأراضي والعقارات بصورة جنونية تجعل من المستحيل على المواطن أن يشتري الأرض أو يستأجر العقار مما يؤدي بدوره إلى زيادة في سوء توزيع الثروة الوطنية.

يضاف إلى كل ذلك أن تجمع فائض الرأسمال في أياد قليلة، إما لأنها متنفذة وإما لأنها تمارس الزبونية الولائية الانتهازية، إن ذلك التجمع والتركز للثروة المالية في تلك الأيادي القليلة لا يصاحبه وجود ضرائب تؤخذ لصالح الوطن والمواطن، مما يؤدي إلى اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء بشكل ينذر بعواقب مستقبلية وخيمة، بما فيها قيام ثورات اجتماعية مدمرة.

لنتذكر أن الثورات في التاريخ قد سبقتها أوضاع مماثلة، ومن يريد أن يعرف مدى تأثير الفوارق في المداخيل على الحراكات الاجتماعية فما عليه إلا أن يدرس أوضاع المجتمع الفرنسي قبل قيام الثورة الفرنسية الشهيرة وسقوط سجن الباستيل عام 1789.

وعلينا جميعاً أن نعي أن بناء الباستيلات لن يستطيع حماية أحد. فالشعوب الجائعة أو المهضومة الحقوق، خصوصاً وهي ترى وتسمع كل ما يجري من حولها عبر شبكات التواصل الاجتماعي، لن يستطيع أحد إسكات غضبها.

ما الهدف من وراء هذا الحديث، الهدف هو التوجه للجهات المعنية بأن تولي موضوع توزيع الثروة اهتماماً كبيراً والتزاماً قوياً، لا من خلال مكرمات أو توزيع أعطيات مسكنة، ولكن من خلال الطلب من العلماء والمفكرين والباحثين مساعدتها في دراسة هذا الموضوع الشائك وتقديم الحلول القائمة على أرضية صلبة ونظرات مستقبلية.

وستكون الجهات المعنية حكيمة لو أنها تجنبت الاعتماد على البيروقراطيين الحكوميين والثرثرة في هذا المجلس أو تلك اللجنة الحكومية. فالموضوع أخطر من أن يترك لمثل هؤلاء.

 

 

د. علي محمد فخرو

كاتب وطبيب وتربوي قومي من البحرين

أحد مؤسسي نادي العروبة الثقافي في البحرين.

 

 

شاهد مقالات د. علي محمد فخرو